بيان الافتتاح

واقع ومستقبل الكرد وكردستان محليا وإقليميا ودوليا والحل الإسلامي
 
أولا: الظروف المحلية الذاتية:
الكرد في غالبهم مسلمون متمسكون ترسخ فيهم الإسلام منذ مئات السنين حتى أصبح هذا الدين فيهم واقعا تاريخيا واجتماعيا مما أوجب أن يكون وأن يبقى واقعا سياسيا واقتصاديا, والحل الإسلامي هو الحل المنشود في مواجهة المشكلات والعوائق والتحديات, وذلك لأن الكرد اليوم ليس لهم تاريخ مؤثر فاعل يوقظهم ويؤثر فيهم للتحرك بعد سكونهم الطويل, وليس لديهم أموال طائلة فثرواتهم منهوبة, ولا علوم متفوقة فعلماؤهم أكثرهم ضائعون, والعمل القومي اليساري واليميني ليس كافيا ولا وافيا, ولقد أثبت عجزه عن مواجهة التحديات كما أثبت فشله في جمع الكلمة وتوحيد الصفوف, وكذلك شأن العوامل الاقتصادية والجغرافية والتاريخية, ثم إن المبادئ المستوردة الدخيلة من شرقية ومن غربية, هي غير مفهومة عند عامة الكرد وغير مقبولة وبالتالي غير صالحة إلا في حال واحدة هي انتزاع الإسلام من عقول الكرد ومن قلوبهم ومن ماضيهم ومن حاضرهم, وهذا الصنيع يحتاج إلى مئات السنين ويؤدي إلى الانتحار الجماعي والقضاء النهائي على الشعب الكردي.
إن الشعوب تنطلق بما لديها من رأس مال وليس عند الكرد من رأس مال غير الإسلام, فالإسلام وحده قادر على جمعهم في قلب موحد وصف مرصوص, وهو قادر على دفعهم بقوة وثقة وثبات إلى الغاية والهدف..
 
ثانيا: الظروف الإقليمية المجاورة:
الكرد ومن يجاورهم من العرب والترك والفرس وغيرهم من شعوب المنطقة هي شعوب مسلمة وهي مقبلة على الإسلام بعد أن أدركت حقيقة الصراع مع الأعداء ودور العملاء, وبعد أن أفلست الأيديولوجيات المطروحة للتحرير والتقدم.. وإلقاء نظرة واعية على الساحة السياسية خير دليل وشاهد, فالمنطقة في ثورة وغليان زاده الإسلام ووقوده المسلمون..
إن قيام الأكراد على أساس غير الإسلام يوقعهم في تناقض مع ذاتهم وازدواج في شخصيتهم وذلك ينزع عنهم هويتهم ويشل قواهم ويرميهم في صراعات فكرية وعسكرية مع بعضهم بعضًا, ومع الشعوب المجاورة التي سترى في كردستان صوتا نشازا و كفرا بواحا وشيطانا كبيرا يجب إسكاته وإخراجه, وهذه الشعوب سوف تجتمع باسم الإسلام للقضاء على الكرد إن دانوا بغير الإسلام كما اجتمعت عليهم من قبل باسم القومية.
أما إذا رفع الكرد شعار لا إله إلا الله, فإن الشعارات المعادية لن ترتفع وصوت الأعداء لن يسمع, وجيوشهم الجرارة لن تهاجم وأسلحتهم الفتاكة لن تقتل ولن تهدم..
إن الحل الإسلامي يكشف أعداء الكرد ويعريهم ويسقط أسلحتهم من أيديهم وأقنعتهم عن وجوههم, والحل الإسلامي يلزم كل مسلم بأن يقف إلى جانب الكرد بنفسه وماله وإعلامه, وهو يأثم لو وقف على الحياد, ويكون أكثر إثما لو وقف مع الأعداء, ولدى الكرد رصيد من المسلمين تعداده مئات الملايين والمدد لا ينقطع, ورصيده أرض المسلمين الممتدة في قارات العالم الشاسعة الواسعة والثروات لا تنتهي.
فبأي حق ولمصلحة من نحرم شعبنا وندير الظهور لإخواننا ونولي الوجوه لأعدائنا ونسلم قيادنا للماكرين الحاقدين الذين لا ينسون دورنا في معارك فلسطين وإخراج الصليبيين?
إن حجم القضية الكردية يفرض تعبئة نفسية معنوية لجمع الكرد شبابا وشيوخا وأطفالا ونساءا في صف واحد, ويفرض تضحيات مادية بالأموال والأنفس والمصالح.
إن الشعب الكردي أنهكه الفقر والمرض والجهل و شتته الظلم والاستبداد والاستعباد, إنه الشعب المهدد بالإبادة المعرض للفناء, وعلى هذا الشعب أن يكتشف بنفسه داءه ويعرف دواءه, فمتى يعرف مفكروه ومثقفوه وعلماؤه وطلابه وفلاحوه وصنّاعه وتجاره, رجاله ونساؤه, شيوخه وأطفاله وشبابه متى يعرفون الداء ومتى يستعملون الدواء? لم يفت الأوان بعد فلا زال الإسلام قائما ولا زال الكرد مسلمين.
ثالثًا: الظروف الدولية العالمية:
إن المؤسسة الدولية العالمية وهي صهيونية صليبية لا تمنح دولة لشعب, إلا بمواصفات معينة وشروط محددة, ولا يهم المؤسسة المذكورة بعد توافر المواصفات والشروط قيام تلك الدولة بعمل الجماهير خيارا أو بعمل جماعة إجبارا, وسيان لديها أن تكون الدولة المقامة شرقية أو غربية ديمقراطية أو ديكتاتورية!
والكرد شعب غير مؤهل لدولة في نظر المؤسسة الدولية التي تسير العالم وترتب أوراقه وتسلم أدواره لمن يتقن لعبته, والشعب الكردي غير مؤهل لحكومة, لأنه لا زال بعيدا عن المواصفات ولأنه لا يلتزم بالشروط فهو لم يهجر الدين والجهاد, ولم يعتنق العلمانية والإلحاد ولم يتمرغ في ذل التبعية, ولم ينغمس في مستنقع المدنية الغربية.
وجدول المواصفات والشروط طويل, فأين الكرد من بنوده, ولا زال الكردي في الشرق معتصما بدينه محتفظا برجولته, محافظا على خلقه, ولا زال قرينا للجبال الشاهقة قانعا بالكفاف في عيشه, يحمل سلاحه ويحمي كرامته بعيدا من موالاة المؤسسة الحاقدة الماكرة التي لم تعط دولة للشعب الكردي لأنها لم ترَ فيه إلى الآن طبقة تجمع المواصفات بحيث تثق في عمالتها وتطمئن إلى قدرتها على قيادة هذا الشعب بالشروط المطلوبة المفروضة على العملاء, والمؤسسة الحاقدة الماكرة اجتهدت في تربية الكثير من الكرد وسلحتهم بالشهادات العلمية والأوسمة والمناصب والألقاب, ولكنهم بقوا معزولين عن الشعب لا يؤثرون فيه ولا يتفاعلون معه, ومن استطاع منهم أن يؤثر بدرجة ما أو يتفاعل إلى حد ما لم يستطع أن يكتسب ثقة تلك المؤسسة, ولذلك قدمت أغلى التضحيات وأعظم البطولات, ولم تجن الثمرات, وفي هذا دلالة على أن المواصفات المطلوبة والشروط المفروضة بالنسبة للكرد هي أشد وأقسى من المواصفات والشروط المفروضة المطلوبة من غيرهم.
أصحاب المؤسسة الماكرون يحسبون للماضي حسابه قبل أن يضعوا للمستقبل خطته, وهم حذرون مع الشعوب التي هزمتهم وقهرتهم , وماضي الكرد في تحرير بيت المقدس الذي يحتله اليوم الصهيونيون, وماضي الكرد في القضاء على الصليبيين الذين كانوا يحتلونه بالأمس لم ينسه أحد غير الكرد, وكان ثمن النسيان باهظا, أما غير الكرد فمنهم من ادعاه واستغله ومنهم من حاربه وحاول محوه وطمسه.. وفي المنطقة شعوب أخرى دفعت ثمنًا باهظا للنسيان كالشعب التركي والشعب العربي, فالشعب العربي مزق إلى دويلات لا تكاد ترى, وإلى خلافات لا تكاد تنتهي, والشعب التركي في النزع يحتضر بعد نزع هويته وقذفه في متاهة فكرية لا آخر لها, ودمار اقتصادي واجتماعي لا قاع لهما.
وعلى الكرد أن يعلموا أن المؤسسة الصليبية الصهيونية قد اجتمعت على تمزيق الشعب الكردي وتقسيم أرض كردستان وما تفعله اليوم وما تتظاهر به وما تطرحه من شعارات للديمقراطية الغربية أو التقدمية الشرقية, كل هذا ما هو إلا لعبة لتسخين المنطقة ولتبديلها عن طريق قذف الكرة من يد إلى يد, واليدان في جسد واحد, جسد المؤسسة الدولية التي تنفذ خططها بذاتها أو بطريق عملائها المأجورين.. وعلى الكرد أن لا ينسوا أنهم كانوا عصا غليظة بيد المؤسسة لتأديب المنطقة ,وأنهم كانوا قنبلة موقوتة أعدتها للتفجير عند الطلب, وأنهم قدموا طمعا لاصطياد الترك والفرس والعرب, ليؤكل الطعم كردا, ولتقع الفريسة في الشبكة فرسا وعربا وتركا.
 
القضية الكردية والحلول :
 
الحلول البارزة المطروحة على الساحة ثلاثة : الأول والثاني قوميان علمانيان لا دينيان, والثالث: ديني إسلامي, والحل الأول يتخذ من القومية الكردية عقيدة تقوم على انتزاع الدين ومحاربته وهدمه, والثاني يجعل القومية الكردية شعارا سياسيا يجمع الكرد مع إهمال الدين وعزله عن الفاعلية والتأثير, والحل الثالث يرى أن القضية الكردية قضية دينية من حيث كونها تلك الفطرة التي فطر الله الناس عليها إذ جعلهم شعوبا وقبائل, ولكل شعب حقوقه المشروعة في أصله وانتمائه, وفي أرضه وخيراته, وفي تاريخه ولغته, وفي خصائصه ومميزاته, وفي أن يحكم نفسه بنفسه وفي أن يرفض الذل والظلم والاستبداد, وفي أن يحارب الفقر والجهل والمرض والتخلف, وهذا الحل يتحلى بالجوانب الإيجابية الموجودة في الحلين السابقين كما أنه يتخلى عن الجوانب السلبية فيهما.
وإذا كان الدين نظرة شاملة إلى الكون والإنسان والحياة وما وراء الحياة, فإن الحل الأول يخالفه مخالفة جوهرية, لأنه يقوم على الحلول محل الدين في الحياة الخاصة والعلاقات العامة بعد انتزاعه بكل السبل من عقول الناس وقلوبهم, ودين الإسلام لا يجتمع مع القومية هذه في قليل أو كثير, ولا يلتقي معها من قريب أو بعيد.
والحل الثاني يعزل الدين عن دوره القيادي في الحياة العامة ويهمله أو يحصره في الحياة الخاصة كالأحوال الشخصية, وأماكن العبادة.. والقومية هذه تعتمد بالدرجة الأولى على المصلحة, ولذلك فهي تتبنى أي فكر وتطبق أي قانون وتتجه إلى أي معسكر, ولما كانت القومية بحد ذاتها ليست مبدءا معينا ولا فكرا محددا بل هي وعاء فارغ يمكن ملؤه بأي مبدأ أو أي فكر وجدناها تمتلئ تارة بالاشتراكية وتارة بالرأسمالية, وتميل تبعا لذلك مع اليمين الغربي أو مع اليسار الشرقي, ووجدناها تتفق مع دين الإسلام يوما وتخالفه أياما, وتلتقي معه حينا وتخالفه في كثير من الأحيان, وباطل كل حل لا يتبنى الإسلام كله كاملا في الفكر والأخلاق والسلوك والعبادة والحكم والمعاملات الداخلية والخارجية والعلاقات العامة والخاصة ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) بحيث يخرج عنه من يرفضه ومن يرفض بعضه كمن يرفضه كله, وفي القرآن بيان , قال الله تعالى { أ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب , وما الله بغافل عما تعملون , أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون}.
هذا حال من أخذ بعضه وترك بعضه, فما حال من ترك كله, بل ما حال من رفض الإسلام كله وحارب أهله?
وتبعا لمقاييس الإسلام وموازينه فإن الحلين القوميين السابقين لا يوصفان بالإسلام, بل يوصفان بغير الإسلام, لأنهما لا يقومان عليه, ولا ينطلقان منه ولا يعملان به, ولا يدعوان إليه, ولا نعني بذلك إنكار أو إهمال الجوانب الإيجابية عندهما من نضال ضد الظالمين من أعداء الشعب الكردي, وإنما نعني تقويمهما في ميزان الإسلام, وهو الدين الذي يعتنقه الشعب الكردي, وفي إهمال دين الشعب أوعزله أو هدمه ظلم مابعده ظلم, وعدوان مابعده عدوان.
إن دخول الكرد في دين الإسلام يختلف عن دخول غيرهم في دين آخر كالمسيحية مثلا, فهناك شك كبير في دخول الشرق أو الغرب في المسيحية, لذلك سهل على المسيحيين في الشرق أن يتجردوا عن دينهم ويستبدلوا به الاشتراكية والشيوعية, وكذلك سهل على المسيحيين في الغرب أن يستغلوه ويستخدموه في أغراض الاستعمار والاستعباد, وأما الكرد فلهم مع الإسلام وضع مغاير, ومن لا يعرف ذلك يجهل التاريخ, ويتجاهل الواقع, فالإسلام دين ناسب فطرة الكرد وتكوينهم وشخصيتهم, ولذلك هم دخلوا فيه قبل أن يدخل هو إليهم وتأثروا به وتفاعلوا معه, حتى أصبحوا جزءا منه, به يفكرون وبه يتحركون.
ولسنا ننكر وقوع استغلال للدين بالأمس البعيد أو باليوم القريب, وهو ما لا نقره بل ننكره, ونتجنب الوقوع فيه ونسعى لإسقاط الأقنعة الزائفة عن الوجوه المجرمة التي استخدمت دين التحرير في استعباد الشعوب, وفي إذلالهم ونهب خيراتهم, واستعمار أوطانهم.
ولقومنا نقول: إن الفارق كبير بين من يطرح القضية بالمفهوم الإسلامي, وبين من يطرحها بالمفهوم الشرقي أو الغربي, فالثاني يستورد من الشرق والغرب مبادئ و أفكارا لا سبيل إلى فهمها ولا إمكان إلى تطبيقها, والأول يقوم على أساس متين يؤمن الانطلاق الذاتي, ويجمع قوى الشعب في اتجاه واحد ويدفع الطاقات بأقصى القدرات, فيؤمن من المكاسب والحقوق أضعاف ما يمكن كسبه عن أي طريق آخر.
ولشعبنا نقول: إن الفارق كبير بين من يطرح القضية الكردية في أصغر دائرة وأضيق أفق وأدنى عمق, وبين من يطرح القضية إسلامية في أكبر دائرة وأوسع أفق و أبعد عمق, والشعوب تموت إذا تقوقعت على نفسها واجتّرت ذاتها وارتبطت بأهداف صغيرة ضيقة محدودة , والأمثلة كثيرة .
ولهم نقول: إن دعوى فصل الدين عن الدولة والحياة مرفوضة سواءا صدرت من أتباعه الجاهلين, أو صدرت من أعدائه الحاقدين, وإذا كان لهذه الدعوى نصيب مع غير الإسلام, فليس لها مع الإسلام أي نصيب, وإذا كان لها مع غير الإسلام شبهات ووجوه فليس لها مع الإسلام أي وجه أو شبهة وهكذا هي طبيعة الإسلام في ذاته وهي حقيقة ارتباط المسلمين بتعاليمه ومبادئه.
ونقول أيضا: إن الحل الإسلامي قد تحتم بعد فشل الشعوب العربية والتركية والفارسية وغيرها ممن اختار القومية والعلمانية, وإذا كررنا تجربة الغير فلن نكون أفضل حالا منهم, علما بأن هذه الشعوب اعترف لها بحق تأليف الحكومات منذ نصف قرن أو أكثر, ومع ذلك فشلت, فإذا قلدناهم في السلوك والمنهج فسوف نكون أسوأ حالا منهم, لأنا سننطلق من وضع فريد معقد, بينما انطلقوا هم من وضع أفضل منا بكثير, هذا إذا كان هناك فاضل وأفضل ,وأين الفاضل والأفضل وقرار هيئة الأمم يصرح بفشل الأنظمة العالمية كلها ويدعو إلى البحث عن نظام جديد...
وللشعوب الإسلامية نقول: إن في هذا الدين حقوقا وواجبات ضمن إطار من المرحلية والأولويات, فالمسلم يبدأ بنفسه ثم بأهله, ثم بعشيرته الأقربين, ثم بقومه, ثم بالناس أجمعين, كما يقول القرآن الكريم: { عليكم أنفسكم } { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } { وأنذر عشيرتك الأقربين } ثم يتوالى النداء القرآني على ألسنة الأنبياء المرسلين لشــعوبهم: يا قوم يا قوم, ثم يكون الانطلاق العام لجميع الناس.. والذي فعله أول المسلمين قائدنا وقدوتنا كان كذلك فقد بدأ بنفسه نبيا, ثم رسولا إلى أهله وعشيرته, وعندما انتهى من العرب أو كاد راسل الملوك وجهز الجيوش..
وإذا نحن وقفنا قليلا عند مرحلة القوم فإنه من باب بيان الحق وإحقاقه, والكشف عن الباطل وإزهاقه, فالشعب الكردي شعب مقهور في ذاته مغلوب على أمره, منهوب في خيراته وثرواته, محارب في تاريخه ولغته, مظلوم في واقعه, محجوب عن مستقبله.
ولهم نقول: إننا وإياكم أمة واحدة نعبد ربا واحدا, ونتبع رسولا نبيا, وقد حدد الإسلام الحدود, فلكل حقوقه وعلى كل واجباته, وبيننا وبينكم أن نعتصم بالإسلام لا نحيد عنه, وأن نتعارف ونتآلف إخوانا وأنصارا على طريق الشورى الملزمة, وليس الشورى الاختيارية وحدها وهي التي تتعلق بأحوال المستشير الذاتية ومصالحه الشخصية, وله أن يمضي المشورة وله أن يتركها, أما الشورى الملزمة فلا يكون فيها الاختيار, بل يكون فيها الالتزام والإلزام, ولهذا أمر الله سبحانه نبيه بالشورى بصيغة المشاركة فقال: { وشاورهم في الأمر } وهذا إلزام له ولمن معه, ولمن بعده, ولقد قرر الله سبحانه وتعالى واقع الحال في مجتمع المسلمين فقال: { وأمرهم شورى بينهم } ونفهم من ذلك أن المنهج ليكون إسلاميا يجب أن يكون شوريا, ولا فرق في ذلك بين إمامة الصلاة وإمارة الركب وخلافة المسلمين.
ومجتمع الشعوب المتعارفة على الإسلام يجب ان يبنى على الشورى من القاعدة إلى القمة حيث ينتخب كل شعب مسلم من يمثله ليحكمه بكتاب الله وسنة رسوله, وليمثله في مجلس شوري إسلامي عالمي يقوم بانتخاب خليفة المسلمين.
فالخليفة إذن ممثل للشعوب الإسلامية عن طريق مجلس الشورى, ووظيفة الخليفة أنه ناطق باسمها ينفذ شروطها ويحقق رغباتها, وليس الخليفة فردا مطلقا, ولا جبارا مسيطرا يدرك ما يشاء ويترك ما يريد, بل هو وكيل للشعوب الإسلامية نائب عنهم أو هو أجير للأمة الإسلامية خادم, وهو ملزم بما يمليه عليه أو يضعه له مجلس الشورى من خطة عمل سنوية أو شهرية أو حتى أسبوعية, وهو مسئول إن تجاوز حده, فللمجلس أن يعزله متى شاء, لأنه هو الذي ولاه, وللخليفة أن يعتزل متى شاء, فالأمر برضاه, وبهذا يتحقق الرضى والاختيار بما هو أصل التكليف والمسئولية, ويصل للخلافة صاحب الكفاءة والأهلية وتتحقق الأخوة بتوافر المساواة والحرية, ولا يكون ثمة ميدان للصراع على السلطان بين الأقوياء والأغنياء, كما لا يكون ثمة مجال لتسلط فرد أو قبيلة أو شعب مما يثير عند غيرهم نوازعهم الفردية ونزعاتهم العرقية والقبلية , وفي التاريخ شواهد ومشاهد.