-18-

يا أبا ذر ! (مجلة التوحيد التركية -1991م)

اطلعت على مقال الأخ أبي ذر إسلام أوغلو المنشور في مجلة التوحيد عدد يوليو.

قلت: جواب هذا الأخ هو السكوت, لكن بعض الأخوة ألحوا عليّ فنزلت عند رغبتهم, فأقول وبالله التوفيق:

قد تعرض الكاتب لعدة نقاط متعلقة بالحزب الإسلامي الكردستاني PIK:

- ركز على محمد صالح من خلال مشاركته في المؤتمر الوطني بلندن والمؤتمر الإسلامي في كولن بألمانيا, وقد شكك الكاتب بالحزب الإسلامي الكردستاني كما شكك بمحمد صالح فادعى وجود علاقة بينه وبين رابطة العالم الإسلامي, وأن الرابطة المذكورة طبعت المجلد الأول من تفسيره, والحقيقة أن الذي طبعه هو المكتب الإسلامي ببيروت والناشر هو دار النفائس. وليس هناك صلة بالرابطة المذكورة لا من بعيد ولا من قريب, وقد سألت عن اسم قرية في سورية تسمى كابور ادعى الكاتب أن محمد صالح ولد فيها ونسب إليها فتبين عدم وجود قرية بهذا الاسم في سوريا لا قبل ولا بعد تعريب الأسماء الكردية من قبل البعثيين. وليس هناك صلة سياسية لا بالسعودية ولا بغيرها من الدول وبخاصة الدول الخمس التي تقع أقدامها على كردستان الكبرى.

- ثم لم الرضوخ لإيران بالذات والسكوت عليها وهي كغيرها تستعمر كردستان وتمن بتعبيد الشعب الكردي كما يمتن العراق, وهم والآخرون عليهم أن يرحلوا عن كردستان أولاً, ثم يتم التفكير في قضية المعاملات والعلاقات الخارجية والداخلية بيننا وبينهم وإذا كانت إيران معادية لأنها تحتل كردستان فيجب عدم استثنائها بسبب ادعائها للإسلام لأن الإسلام ليس وسيلة للاستعمار. ولو أن إيران في بداية الثورة أعلنت استقلال كردستان لما وقفنا في وجهها. نحن نرى الإسلام يحرر الشعوب ولا يستعبدها أو يبيدها. ولقد وصل الأمر بكردي من أهل التسنن أن يقول: إذا كان الخميني قال: لا حق للأكراد في كردستان فعلينا أن نتبعه في هذا وغيره, لأنه معصوم يجب عدم مخالفته.

فأجبته: وبأي حق تضيع كردستان? وإذا كانت الشيعة من الآيات والعامة ملزمين باتباع الإمام الظاهر والمستتر لأنهم شيعة فما بالك أنت? وأنت سني!.

وحسب مذهب السنة وبالنظر لنصوص أهل السنة في القرآن والحديث ومذاهب الأئمة الأربعة.

أقول حسب هذه المراجع العلمية يكون الشيعة الغلاة كفرة غير مسلمين فإذا كانوا يدعون الإسلام فعليهم أن يثبتوا إسلامهم بالبراءة من المكفرات في أصولهم المذهبية.

والخميني أهدر دم سلمان رشدي, وسلمان رشدي كافر مرتد يستحق العقاب الدنيوي والأخروي لا خلاف في هذا.

ولكن الخلاف شئ آخر بل أشياء أخرى, وهي إشغال الخميني للناس لإخفاء ما كانت حكومته تفعله داخل وخارج إيران من مخالفات بحقوق الشعوب المغلوبة على أمرها وبخاصة الشعب الكردي المستضعف.

وأقول: إن هناك كثيرين من مثل سلمان رشدي فلم لم يهدر دماءهم ويضع المكافآت الكبيرة لقتلهم.

فالنصارى جعلوا عيسى ربهم وجعله اليهود ابن زنا.

والشيوعيون ينكرون الله والأديان... إلخ.

- أما موضوع القومية فقد اختلط على الأخ أبي ذر كما اختلط على كثيرين من أمثاله.

والقومية في نظر الإسلام أو في ضوئه تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: القومية الدينية كبديل للدين.

الثاني: القومية السياسية مع إهمال الدين.

الثالث: القومية الفطرية.

والأول والثاني مرفوضان; لأن القومية إذا أصبحت بديلا للدين أو تعطيلا له كانت كفراً وردة... والنماذج كثيرة.

أما القومية الفطرية التي ينادي بها (باك) فهي من صلب الدين, والآيات والأحاديث كثيرة صريحة.

فمن واجب المسلم أن يبدأ بقومه بعد نفسه وأهله وعشيرته, وكل المرسلين خصوا أقوامهم بالدعوة, والرسول دعا قومه العرب أولاً ثم راسل بقية الناس....

وهذا الترتيب فطري وعقلي كما هو نقلي شرعي.

ولنا أن نتعجب من جهل من يدعون أنهم أبناء الإسلام وهم يجهلون ما ينتمون إليه. وأرجو أن يستمع أبناء الإسلام لحقائق الإسلام حتى يتعلموا, فإن الإنسان عدو ما يجهل, أليس كذلك يا أخي أبا ذر إسلام أوغلو?.

- الديمقراطية:

استعمل هذا المصطلح للرد على الذين يقولون: إن الحكومة الإسلامية حكومة ديكتاتورية قائمة على الظلم والاستبداد والطغيان فكان الرد عليهم بهذا المصطلح الذي يعني الشورى الملزمة أي القيام على العدل والحق والحرية, أما الديمقراطية الشرقية والغربية فنحن بريئون منها, ولنا مصطلحنا وهو الشورى الملزمة القائمة على الكتاب والسنة....

وأنا أتساءل عن مصطلح الجمهورية حيث يقال الجمهورية الإسلامية.

وعن مصطلح البنك الإسلامي! فيقال البنك الإسلامي! وغير هذا وذاك مما يتلوث بالربا, أو يشترك مع جمهورية إفلاطون اليونانية?

وعلى أية حال فلن نسمي دولتنا باسم الديمقراطية بل باسم الإسلام القائم على الشورى الملزمة.

فليطمئن إلينا إخواننا المسلمون في العالم مثل أبي ذر.

وعليه يبطل ادعاؤه أن محمد صالح يعبر عن نفسه وعن (باك) حتى يتهم (باك) بمخالفة الإسلام مع أن المادة الثانية والعشرين من المبادئ الأساسية لباك تصرح بأن أي مخالفة للإسلام تكون ملغية ولا يعتد بها, وهذا يدل على أن باك حزب إسلامي وليس قومياً جاهليًا كما ادعى بعض من لا يعلمون الحقيقة.

- الشيخ سعيد بيران:

النقد الموجه إليه هو التصوف المنحرف وليس جهاده ضد الطغيان فنحن متفقون معه في هذا.

ونقول مثل ذلك لأمير المجاهدين بديع الزمان النورسي في القضايا الفكرية الخلافية, وهي أشياء قليلة ومن ذلك موقفه من السياسة في بعض مراحل حياته...

ونخالف ملا عثمان في اعتماده على أحد الأعداء الخمسة ولكننا متفقون معه على حرب العراق البعثي, ونرى أنفسنا جنوداً له ونعلن انتماءنا إليه.

ونعتبره شيخ المجاهدين بغض النظر عن قبوله لنا أو عدم قبوله, فالمسألة تتعلق بالمبادئ وليس بالأشخاص والأفراد.

- أما الدكتور مظفر في موضوع (60) ألف كردي قتلتهم الحكومة الإسلامية الإيرانية, وقولهم :(هذا فيه مبالغة)!! فليكن العدد نصفهم أي (30) ألف كردي قتلتهم إيران!! فانظر كم هو رخيص دم المسلمين وبخاصة الأكراد?

- الشيخ أحمد مفتي زاده:

أقول إن مكان هذا الرجل هو كردستان الحرة, ليكون رئيساً لقومه يقودهم بعلمه وسياسته, أما جعله في قصر محروس بطهران أو غيرها محروماً من قومه ومفصولاً عنهم, والامتنان عليه بإعطائه سجناً خاصاً مع حرية زياراته لآيات الشيعة في قم المقدسة? ماذا تقول يا أبا ذر وأنت ابن للإسلام في هذا? أصلح الله قلبك وقلمك ولسانك.

واعلم ان الله رقيب فإياك وطرق أهل المكر والدهاء والافتراء والحقد والتاريخ الأسود.

وفي الختام ألا فاسمع يا ابن الإسلام فأنا أريد الإعادة والتكرار حتى لا تنخدع مع غيرك بالمشتبهات وأدعوك إلى الرجوع إلى المبادئ الأساسية لباك وما ينشر في (جودي) العربية والتركية من مقالات تركز على الحقائق وتدفع الشبهات.

إن على إيران التي تدعي نصرة المستضعفين أن تعلن استقلال كردستان وبعد ذلك يكون التفكير في موضوع من تسميهم إيران: المستكبرين الإمبرياليين.. وبعد هذا كله نريد أن نؤكد لإخواننا بأننا حزب إسلامي ولسنا قوميين جاهليين, وأننا نوالي الله ورسوله والذين آمنوا, ونريد الخلاص لكردستان ولغيرها من العالم الإسلامي بل وللعالم الإنساني.

وأدعوك يا ابن الإسلام بل يا أبناء الإسلام جميعاً لحمل هذه الراية بقوة وإخلاص والله المستعان وهو ولي التوفيق.

-19-

رؤية لأحداث الخليج (جودي- 1991م)

إن التدخل المتوقع للعراق في الخليج عن طريق الكويت قد وقع بعد ضرب الأكراد بالغازات والجراثيم, وكان الأكراد هم العقبة في سبيل الحكومات العراقية المتعاقبة, وهذا يعني إن إعادة الأكراد إلى الساحة سيعيد العراق إلى حجمه السابق, بحيث لا يستطيع مد اليد أو الرجل إلى عملية كويتية أخرى, فضلا عن التجاوز إلى بقية دول الخليج.

وعلى هذا فإن أمن الخليج كله مرهون بالقضية الكردية.. ولكن أكراد اليوم -وقد بلغوا سن الرشد - لن يكونوا جاهزين لدور العصا الغليظة بهذه اليد لتضرب ذلك الجنب, أو بالعكس حسب الطلب, كما كانت تفعله الحكومات المحتلة لكردستان خلال العقود الماضية, وهو ما تخطط له لتتفق عليه من جديد نفس الحكومات, واعني العراق وتركيا وإيران وسوريا.

وفي ضوء هذا نستطيع تفسير محاولات إيران الخمينية لاستقطاب الأكراد على مختلف الاتجاهات العلمانية والدينية, وبالمقابل تسعى إليه الحكومة العراقية الصدامية -إن بقيت- وهو ما حاولته في الأيام القليلة الماضية الحكومة التركية. ونلفت النظر إلى أن الحديث عن إيران يعني سوريا ضمنا وحكما.

ولذلك فان الحرب المدمرة بدوائرها الثلاث البرية والجوية والبحرية بعد الكويت والعراق ستدور على إيران بنفس الصورة, وستدور على سورية سرا, وقد تستطيع كل من إيران وسوريا تحاشي ويلات الحرب إذا قبلتا وضع التحجيم في دولتين غير نفطيتين.. عاجزتين عن تهديد أمن الخليج دينيا من قبل إيران وقوميا من قبل سوريا, على منوال ما وقع في العراق قوميا ثم دينيا.

ولكن إيران يصعب عليها التخلي عن البترول الكردي في إيران بل في العراق أيضا, لأن ذلك سيؤثر على مخططاتها التوسعية في إعادة الخلافة الفاطمية في المشرق والمغرب, ولذلك فهي تكمم الفم وتخفي الألم وتسكت على غيظ عن من كانت تدعوه بصدام الكافر, بل قد وصل بها الأمر إلى احتضان عشرات ومئات الطائرات لتكون الجناح الأيمن للعراق كالأردن خلال الحرب السابقة.. فإيران لا تريد سقوط العراق ولا تريد انتصاره, إنما تريده ضعيفا في مواجهتها, وتريده قويا في مواجهة كردستان خشية السقوط, أي سقوط كردستان العراقية في يد تركيا لأن ذلك يعني ضم جنوب كردستان إلى شمالها, وسيؤدي إلى وجود أغلبية كردية في تركيا نفسها وسينزل الخطر الكردي على كل من إيران وسوريا, وهو ما صرحت به إيران, ومارسته سوريا منذ أعوام عن طريق إعداد وإمداد حزب العمال الكردستاني الشيوعي المناهض لتركيا, وبالجملة فان إيران لا تريد تقسيم العراق بل تريد إقامة حكومة شيعية في العراق كلها موالية لإيران, ولتعطيل الدور الكردي بالإضافة إلى مضاعفة الخطر على دول الخليج لأن الطريق إلى إسرائيل -حسب المفهوم الإيراني- هو عبر هذا الدول.

وقد يبدو لبعض دول الخليج أن تراهن على الحكومة التركية التي جُرّت إلى الحرب لوضعها في مركز القوة, وللقيام بمهمة الشرطي, لكن هذه القوة سرابية قاصرة, ودورها فاشل خاسر, وهذا لا يحتاج إلى توضيح فالحقائق معروضة والنتائج مفروضة.

والشيء الذي نعرفه ونؤكد عليه: إن المركز القوي في ساحة الشرق الأوسط على امتدادها وعمقها وبخاصة في المجال العسكري بالنسبة للمستقبل المنظور بعد القرن الحالي هو الشعب الكردي بملايينه الأربعين والأمل معقود على الحزب الإسلامي الكردستاني القائم على الساحة منذ اكثر من عشر سنوات بتفكير مدروس, وتحرك واع حكيم, وسياسة مرنة عاقلة تعتمد أصول الديانة الحنيفية السمحاء , ومبادئ الفطرة الإنسانية الغراء.

إن كردستان سوف تتعامل مع جيرانها بسلام وكذا مع العالم الإسلامي والأسرة الدولية دفاعاً عن الاخوة والعدالة والمحبة والإحسان, ولدفع الإفساد والظلم في الأرض أينما كان.

-20-

كتاب مفتوح إلى المرشد العام للإخوان (جودي-1991م)

سماحة الأستاذ حامد أبو النصر حفظه الله

السلام عليكم وعلينا وعلى عباد الله الصالحين ورحمة الله وبركاته وبعد:

فلا يخفى عليكم مصاب المسلمين إقليميا وعربيا ودوليا, وبخاصة في الخليج.

وان لانحياز بعض الجهات والشخصيات الاخوانية لأطراف النزاع اثرًا كبيرًا على العروبة كقومية فطرية, وعلى الإنسانية بل على الإسلام كدين سماوي خاتم.

وعلى العاقل -ويفترض في المسلم أن يكون عاقلا كيسا فطنا- أن لا يضحي بفطرته وديانته بسبب دخوله في دوائر ومحاور يجهل ماهيتها وغايتها, وهي مع ذلك لا تحقق له مغنما إن لم تجلب عليه مغرما في الدنيا والدين.

فالله الله.. في القلوب المؤمنة والجوارح المسلمة من أن تنجر وراء البواغيت والطواغيت, فان القلوب والجوارح حرب على الطواغيت والبواغيت في الأرض.. وهذا هو العهد الميثاق بين الله - والإنسان كائنا ما كان- فما بالك بالإخوان!?

ما بال الإخوان وما جوابهم إذا سألهم الديان عن المؤودة الكردية في كردستان: بأي ذنب قتلت, وبأي يد قتلت, وكيف قتلت?

أيها الملأ: لقد آن الأوان لتراجعوا أنفسكم بعد تدبر مبادئكم التي وضعها كبراؤكم من أمثال الشيخ حسن البنا وسيد قطب وعبد القادر عودة ومناع القطان ومحمد الراوي...

بل ندعوكم إلى تدبر أصول الديانة من الكتاب والسنة, وما عليه أئمة العقيدة والشريعة سلفا وخلفا..

واذكروا أننا وإياكم أولياء متناصحون ندعوكم إلى المسارعة لتدارك ما يمكن تداركه ومن ذلك:

1- سحب الاعتراف وإلغاء مشروعية التنظيم الاخواني في سورية: بإعلان فصلهم جماعات وشخصيات متورطة في الولاء لحكم الطاغوت البعثي في العراق. والتأكيد على أن معاداة البعث السوري لا يعني الارتماء في أحضان البعث العراقي.

2- تحذير إخوان السودان من موقفهم من العراق, فان رد الجميل لا يكون بالوقوع في المنكر, وقديما قال العرب: انصر أخاك ظالما أو مظلوما. وقد بين المشرع الكريم بأن النصرة تعني إعانة المظلوم وردع الظالم.

3- إصدار بيان على المستوى العالمي حول حقوق الإنسان وبخاصة حقوق الأكراد, مع إعلان تجريم الحكومة العراقية البعثية وعلى رأسها طاغوت العصر صدام حسين.

4- إعلان التأييد للحزب الإسلامي الكردستاني في محاولته إقامة حكومة كردستان الإسلامية في كردستان الكبرى.

والله يتولانا ويجمعنا في محبته ورضوانه وجنانه.

-21-

من لهذا الشعب ? (مكتبة الإمام الشافعي - 1991م)

من لهذا الشعب ...?

في تاريخه العريق بدأ دخوله الإسلام بلا قتال يذكر حيث وجد تعاليم الدين الجديد تلقى فيه موقعها النفسي وأثرها الحسي ومن ثم حمل راية الجهاد لحماية الإسلام, وكان وطنه بلاد الثغور ميدان المعارك الفاصلة لحماية المسلمين.. طيلة التاريخ. وبرز من بين الأكراد قادة عظماء في تاريخ الأمة الإسلامية أحدهم أبو مسلم الخراساني أقام الدولة العباسية الأولى ولما آلت للسقوط قام القائد الآخر فأعاد إليها السلطان ووضع الحد لطغيان الفاطميين وطرد الصليبيين من بلدان المسلمين , وكان صلاح الدين.

وخلال القرون الماضية للخلافة العثمانية حيث قامت وسادت بقوة الأكراد وإدارة الأتراك .

ولما تساقطت هذه الخلافة كان هذا الشعب آخر من بقي في يده سيف الدفاع بعد السقوط الأخير...

ومن يقرأ تاريخ هذا الشعب -قديمه وحديثه- يفاجأ بمعرفة كثير من الأسباب الكامنة وراء العداء المنظم لهذا الشعب إقليميا و دوليا, ودينيا ومذهبيا.

من لهذا الشعب ...?

في حبه للعلم وحرصه عليه, في تلقينه وتلقيه, والمدرسة لا زالت مع المسجد في قلب القرية الصغيرة النائية والكردي عادة يهتم بالعلم عامة, واهتمامه بالعلوم الإسلامية كبير, وهو منه تعبير عن ولائه وتعلقه الوثيق بعروة الإسلام .

وكانت اللغة العربية بابا لفهم الإسلام فكان إقبال الكردي عليها عظيما, ولم يكن من المستغرب أن يكون أمير شعراء العرب كرديا... والأكراد شعراء يعينهم على قرض الشعر لغتهم الرائعة الكردية التي تعبر لهم عن فروسيتهم وشجاعتهم كما تعبر عن عفتهم ورقتهم.

وإذا كان العلم يتلقى في اثني عشر عاما كان العشر منها للعربية وبخاصة النحو.. حتى أني بدأت حفظ متون نحوية من بينها الألفية قبل ملك العربية.

وإذا كان اليوم علماء تركيا وشيوخها من الأكراد, وكذلك كان علماء العراق, واختلف الأمر في إيران بسبب سلطان الشيعة ولولاه لكان للسنة الكرد بإيران شأن آخر.

فمن قبل تمكن الكرد من نشر مذهب السنة في مصر والمغرب وكذا في المشرق على أنقاض دولة الشيعة الفاطمية.

وفي الأكراد مشاهير -متقدمون ومعاصرون- من العلماء والدعاء والمصلحين من أمثال ابن تيمية وابن حجر وأبناء الأثير وبديع الزمان ومحمد عبده وحسن البنا وسعيد حوى.. وغيرهم كثيرون.

من لهذا الشعب ..?

وقد امتلأ قرنه الأخير بالكوارث حتى من قبل المجاورين له في الوطن, والمشاركين في المذهب والدين, ومعاناة الكرد ممدودة أفقا وعمقا في كردستان تقاسمتها - من كل الجهات والجبهات - كل من سوريا وتركيا والعراق وإيران.

وكردستان الحمراء في روسيا مقسمة بين عدويها ازربيجان وأرمينيا ليذوق الكرد على أيديهما ألوان الإذلال والاضطهاد .

وفي سوريا دعوني أتذكر نزع الجنسية السورية عن الأكراد بغية نزع ملكيتهم عن أراضيهم, وحرمانهم من حقوق المواطنة لتهجيرهم وبخاصة عما يسمى بالحزام العربي على الحدود ... وعلى رجل دين مفتٍ من الله ما يستحق على ما قاله وقد قال محذرا الدولة من عودة الأرض لأيدي أصحابها الكرد, وكانت ملكيتهم نزعت ظلما فعادت إليهم بالشراء من جديد.

ومن ذكرياتي أني لا زلت أتسمع أصوات طلبة الإعدادية الوحيدة بالمدينة ... وقد احتجزتهم السلطة بمخفر الشرطة وهم يضربونهم ويعذبونهم بحجة أنهم رفعوا علم كردستان على بناء المدرسة.

ولحسن الحظ أن المدينة كلها سلمت من ضرب المدفعية والدبابات المحيطة بها بعدما تبين أن الحادث كان مفتعلا للإيقاع بالأكراد .

ويؤسفني ما سمعته من مسئول التربية يومئذ يسخر مني: ها قد أقمتم الدولة الكردية...

وأضاف الآخر: إننا نعلم أنك تكرهنا في قلبك.

ومن سوريا وروسيا إلى إيران الإسلامية, وقد أعطى الخميني للحرس الثوري وللجيوش النظامية أمرا واحدا هو: اهدموا كردستان, فهدموا وقتلوا عشرات الألوف من الأكراد كما قتل الشاه من قبله ولكن تحت أسماء وشعارات إسلامية .. لا شرقية ولا غربية.

أما في تركيا ومنذ بدايات هذا القرن فهو صورة لما أعيد تنفيذه في العراق.

وفعل أتاتورك وفعل صدام و ما فعلاه شيء رهيب رعيب أيقظ العالم كله على أكبر وأطول مأساة لشعب في التاريخ الحديث .

من لهذا الشعب ...?

في داخل وخارج وطنه في أبعد بقاع العالم حتى زنجي أسود بشعر أكرت يكرر مقالته: كان أبي كرديا وكذا جدي وأنا كردي, وإن همّ العودة إلى كردستان لا يفارقني أبدا وهذه الجذور للأباء لا تجف فيها المآقي, ولا تندمل لها الجروح ولابد من كردستان .

وكردي آخر كان همه الوحيد مع المسافرين أن يقول لهم: ها أنا ذا كردي معي هذا البيان, إنه جواز سفري الرسمي, عليه صورتي واسمي تحت اسم كردستان .

ومن غير الكرد أناس كانوا يتهامسون: إننا جميعا نشعر نحو هذا الشعب بالحب العميق والتقدير والإعجاب بمآثرهم في التاريخ, وحتى اليوم فإن وجودهم الصلب الذي لا يلين -على الرغم من مصابهم الكبير- مثير للدهشة والحق أننا نغار منهم وبعضنا يخاف عليهم ومنهم .. والآن همسهم يرتفع إلى صوت يرتفع: إن هذا الشعب يحتاج فقط إلى عشر سنوات من الحرية ليكسب السباق الحضاري في المنطقة .

هذا هو الشعب النبيل العزيز الذي أريد ويراد إهماله وإذلاله بل إبادته, فمن له اليوم ممن يهمه ماضيه ومستقبله فيمد له يد الحاضر لدفع طواغيته وبواغيته, وللدفاع عن مظلوميه ومستضعفيه .

- فهنا لاجئ مهاجر جريح قاوم الاستبداد والاستعباد حتى تحطم سلاحه ونفذ زاده وعتاده...

- وهناك امرأة كانت أما وأختا وبنتا أصبحت أرملة ثكلى.. باعوا طفلها بعشرين دينارا عراقيا أو بعشرة..

- وهنا وهناك عجوز وعاجز وعار ومريض, وجائع ظمآن ويائس بائس...

من لكل هؤلاء وأولئك? من لهذا الشعب? من للأكراد المسلمين? أليس لهم الله ورسوله والذين آمنوا?

وحسبهم الله ورسوله والذين آمنوا.

-22-

محاكمات الطواغيت (جودي - 1991م)

الطاغوت الأول : صدام حسين

تتوجه المحكمة الأولى بدعوة الأسرة الإنسانية عامة والعالم الإسلامي خاصة بغرض المساهمة في جمع أدلة الاتهام الموجهة للمدعو صدام حسين في داخل وخارج العراق خلال حكمه نائبا للرئيس السابق ثم خلال رئاسته من بدايتها لنهايتها ...

مع دراسة نفسية أسرية لأثر البيت والبيئة العربية التي وصفت قديما بالعبارة المشهورة: ما عرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب ! ثم ما وصل إليه حال العرب في العراق حتى المسلمون منهم كما في تقرير للإخوان العراقيين يصرح بالنهي عن الجهاد المقدس السني المعلن على الجيش العراقي بزعامة الطاغوت المذكور... بحجة أن ذلك يضعف الجيش العراقي في مواجهة إسرائيل !!

وستصنف أدلة الاتهام كميا وكيفيا حسب الأنواع المختلفة لتعذيب الإنسان من سجن وقتل وانتهاك عرض وضرب وشتم وتشريد وتهجير وإرهاب وتهديد مادي ومعنوي للصغار والكبار من الرجال والنساء والأطفال.

وكذلك هدم العمران, وإتلاف المحاصيل الزراعية, والقضاء على الثروة الحيوانية, وتبديد البترول الكردي.. وتلويث الأرض والهواء والماء...

وتقديم بينات عن الوسائل المختلفة غير المشروعة من الغازات الكيماوية السامة إلى دفن القرى وهي حية..

و ستنشر بعض الأدلة في وسائل الإعلام بأسماء رمزية لأصحابها بغرض التوعية واستكمال البينات, وويل للطاغوت من صاحب الملكوت .

-23-

صدام وثيرانه الهائجة (جودي- 1991م)

صدام وثيرانه الهائجة هجمت على كردستان المسلمة المسماة شمال العراق وهجمت على الكويت وسمتها جنوب العراق, وارتكب المذكور وثيرانه في الشمال والجنوب ما لا يمكن وصفه باللغة العربية على وفرة مفرداتها وسعة دلالاتها... حتى إن الإنسان ليشعر بالصغار والهوان إذ يعد أمثال هؤلاء في الأسرة الإنسانية فضلا عن عدهم في الأمة العربية التي عرفت في يوم من الأيام بـ .. أنها أرحم الفاتحين .

أقول هذا وأنا أرجع بالذاكرة إلى سيرة صدام الطاغية من طفولته بمحطة تكريت إلى نهاية المطاف في سرداب بغداد... ليضحي بآخر عراقي وعراقية -كما يقول- وليواجه ويوجه الأسلحة البرية والبحرية والجوية الكيماوية والجرثومية والأسلحة الأخرى الخفية..

وليس من الغريب, أن ينضوي تحت لواء صدام القوميون الجاهليون تحت اسـم العروبة - وإن كانت العروبة منهم براء- ولكن الغريب العجيب أن ينضوي تحت لواء صدام كثيرون من الإسلاميين باسم الإسلام... والإسلام براء من تبريرهم وسفسطتهم الخارجة عن حدود الدين القويم والعقل السليم. وما أكبرها من خسارة أن تجتمع خسارة الدنيا مع خسارة الدين.

ولذا أكرر ندائي وللإخوان خاصة أن اخرجوا من العراق بلد البغي والطغيان والظلم الكبير أعداء الحياة ... وأذكرهم بمثل قوله ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) فكيف تركنون?

( إن الله لا يصلح عمل المفسدين ), ولا زالوا مفسدين.

( إن الله لا يهدي القوم الظالمين ), ولا زالوا ظالمين.

اليوم التقى القاصي والداني بقيادة أمريكا على محاصرة العراق اقتصاديا وسياسيا مع التنديد بالحرب العالمية الثالثة... ولن أكشف سرا إن أنا قلت للشعب الكردي المنكوب شيئا.

فعلى الرغم من أن أمريكا وحلفاءها قد سيروا الجيوش من مختلف البلدان وهم ينددون بالحرب كما قلت -بمختلف الأسلحة, فإن استخدام هذه الأسلحة أمر مشكوك فيه لأنه سيؤدي إلى خسائر باهظة مالية في السلاح وبشرية في الأرواح وهناك بديل يتحمل الخسائر وهذا البديل هو المعارضة العراقية بالداخل والخارج .. والمعارضة العراقية تعني (الأكراد).

وهذا يعني فتح ملف للأكراد حسب تقسيماتهم واتجاهاتهم الدينية والقومية لاحتوائهم جميعا وإعدادهم للدور الخطير لقاء وعود وعهود مشروطة وغير مشروطة بحيث يمكن تنفيذها وتفسيرها على ما يحقق مصالح الأغنياء والأقوياء.

وأمريكا تتقن التأليف والإخراج وتوزيع الأدوار... ونحن نعرف أمريكا, ونعترف بأنها ما وفت بوعدها للشعب الكردي على الرغم من تقديم تضحيات هي أعظم تضحيات عرفت في التاريخ الحديث, فعلى أمريكا أن تخجل من نفسها -كما يقول الملا مصطفى البرزاني- ونحن يحق لنا أن نرتاب في الجهات التي تقترب منا وتلوح لنا ببعض الأماني لقاء دفع الأكراد (الأغبياء) إلى مجازر جديدة يطفئ بها صدام حقده وتسلم بها أرواح القادمين من البعيد كما تسلم بها أرواح ومصالح دول المنطقة...

إن على الأكراد أن يفهموا العالم وبخاصة أمريكا: أن سقوط نظام صدام يجب أن يعني تحرير القسم الجنوبي من كردستان كمرحلة أولية...

وعلى الأكراد أن يفهموا وأن يفهّموا الدول الخمس المستعمرة: أن كردستان ليست عراقية ولا إيرانية ولا تركية ولا روسية ولا سورية بل هي كردستان.. وأن على هذه الدول أن ترحل فورا وهي المسئولة عن كل ما حل بكردستان من الجرائم والدمار والجهل والتخلف.. بل العالم كله -وأمريكا بالذات نظرا لقوتها وقدرتها - كلهم مسؤولون عن كردستان كمسئوليتهم عن الكويت على أن مصاب الكويت دون مصاب كردستان.. وليس من مصلحة العالم وبخاصة الدول المستعمرة لكردستان -أن يدفع الشعب الكردي إلى درجة اليأس ومرحلة الانفجار, لأن ذلك يعني طوفانا دونه طوفان صدام حسين. فيا إخواننا في الدين والجوار والإنسانية من عرب وترك وفرس: اخرجوا حكوماتكم الباغية من كردستان المسلمة ونحن ننصح لكم فاستجيبوا للناصحين.

-24-

وجاء دور الأغنياء (جودي -1992)

يا أغنياء العالم, ويا أغنياء المسلمين, ويا أغنياء الكرد قد جاء دوركم لتبصروا وتسمعوا وتدفعوا ما تراكم عليكم من حقوق بل من واجبات تجاه أخطر كارثة حلت بعالمنا المعاصر وهي كارثة الشعب الكردي داخل كردستان وخارجها, وذاق ألوانا من العذاب والإرهاب حيث أحرقت قراه وأفسد ثراه ولوثت بيئته وأقيمت مجازره ومقابره وتمَّ تهجيره في ظروف قاسية في مهب الأعاصير والثلوج والأمطار, يفتك بهم الجوع والبرد والمرض كما تفتك بهم القنابل الحارقة والجرثومية والكيماوية .. وقام طواغيت العصر يدوسون قيمه وينتهكون حرمه.. ولقد مدت إليهم بعض الأيدي بالإحسان دون مستوى الاحتياج, وفي اكثر الأحيان لم تكن هذه الأيدي مسلمة في الديانة ولا متفقة من سنة أو شيعة ولا مجاورة من عرب وترك وفرس, وهذا مؤسف حقا !

فإن أولى الناس بمناصرة الأكراد بعد أغنياء الأكراد هم المسلمون والمجاورون ثم الآخرون.

فهل يا ترى يعرف أغنياء الكرد مدى تقصيرهم في حق أبناء جلدتهم وقوميتهم ?

وهل حقا لا يعرف المسلمون مقدار مخالفتهم لتعاليم دينهم تجاه إخوانهم المستضعفين?

وهل لا يعرف العرب والترك والفرس مدى تماديهم في حق مجاوريهم?

وهل يشكون في أن الله قد ابتلاهم بالشعب الكردي فغدروا وفجروا وخسروا?

وهذا العالم على المستوى الإنساني ألا يدري موقفه وموقعه ويقدر مسؤليته أمام أعظم جريمة ترتكب في حق الإنسانية منذ أكثر من نصف قرن وفي خمس دول تقاسمت الكرد وكردستان?... وأمام سمع العالم وبصره يتساقط الآلاف بعد الآلاف من شباب الكرد وشيوخه وأطفاله ونسائه.. وآلاف القرى بعد الآلاف في كردستان تهدم بمدارسها ومساجدها ومساكنها ومرافقها.. والأكراد الباقون لا زالوا ينتظرون جائعين مرضى يتامى ثكالى حائرين ومحتضرين يئنون من الأرض إلى السماء.

فمتى يستيقظ هذا العالم ليقرأ وثيقة حقوق الإنسان?

ومتى يستيقظ المسلمون على الحقوق الدينية للأكراد في الكتاب والسنة?

ومتى يستيقظ العرب والترك والفرس على الحقوق القومية المشروعة بالفطرة الربانية?

وأخيرا بل أولا متى يستيقظ الكرد أنفسهم من أصحاب المال والقوة والإعلام ليواجهوا العدوان من الداخل والخارج ويعروا تجار السياسة والحكومات العميلة والأحزاب المأجورة المتسترة بالعلمانية أو بالديانة أو بالأممية?

ألا فليعلم من يبلغه هذا الصوت أن الله رب العالمين وهو الولي الظهير النصير للشعب الكردي المستضعف فقد وعد أمثاله بالإمامة والوراثة والتمكين ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ). هذه بشرى لهذا الشعب المنكوب المغلوب على أمره لتعود إليه كرامته ومكانته وليقوم بدوره المنتظر في الحضارة المعاصرة مع الشعوب الأخرى في أمن وسلام وأخوة ووئام ومساواة وتعاون وتفاهم وتعارف كما قال رب العالمين ( يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أنقاكم إن الله عليم خبير ).

وفي الختام نؤكد على أنه قد جاء دور الأغنياء ليقوموا بواجبهم وليكونوا على مستوى المسئوليات ويمدوا أيديهم لإخوان لهم من الحزب الإسلامي الكردستاني, والاتحاد الإسلامي الكردستاني, والإغاثة الإسلامية الكردستانية من الفروع والمكاتب في أمريكا وأوروبا وباكستان.. للتخفيف من ويلات الدموع والعرق والدماء.

( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ).

-25-

ما بعد الانتخابات (جودي- 1992م)

على مستوى الوطن استقبل الشعب الكردي في كافة أرجاء كردستان ما جرى في كردستان الجنوبية من انتخابات لتشكيل البرلمان الكردي.. وكان استقبالا حافلا بالأمل لمواجهة ما حل بالوطن المقسم المدمر وما حل بالشعب المقهور المشرد واستبشر الناس بهذه الفرصة لإثبات الهوية الكردية أمام العالم وتحت سمعه وبصره ووسائل إعلامه.

ولقد نزل الآلاف من كهوفهم ومخابئهم يحملون صغارهم على ظهورهم وفوق أعناقهم وبأيديهم.. وهم يسرعون ليدلوا بأصواتهم.

وظهرت النتائج ونأسف أن لم يكن لنا صوت ومقعد. فقد علمنا متأخرين بالنسبة للآخرين ونحتاج إلى سنين أخرى يعرفنا فيها شعبنا فيثق في أشخاصنا وإننا نريد معالجة جراحه وحل مشاكله وتبني أهدافه... إن مبادئنا السياسية ومفاهيمنا الفكرية ليست غريبة عن الشعب الكردي في الجنوب وليست غريبة عنه في الجهات الأخرى فنحن ندعوه من خلال عقيدته التي يؤمن بها ومن خلال دينه الذي يسلم به ومن خلال فطرته النقية المتمثلة في كثير من عاداته وتقاليده الاجتماعية أن يوما (وهو يوم آت قريب) سيعرف فيه شعبنا أن الحزب الإسلامي الكردستاني كان يعمل جاهدا لتحقيق الهدف الكبير وهو تحرير الكرد وتوحيد كردستان .

وقد بذل هذا الحزب جهودا كبيرة في إزالة كثير من العقبات من الطريق وحيث استُغَّل الدين كسلاح موجه ضد القضية الكردية.

وهذا الحزب لم ينحنِ للرياح السياسية المتاجرة بالقضية الكردية.

إن قضية الشعب الكردي وقضية الوطن الحبيب كردستان هي أمانة عند الحزب الإسلامي الكردستاني بل هي أمانة عند كل كردي وحتى عند كل إنسان على المستوى الديني والوطني والإقليمي والعالمي .

-26-

خطاب مفتوح للمسلمين والعرب (كردستان المجاهدة -1992م)

تأسس الحزب الإسلامي الكردستاني عام 1400هـ, وأعلن في الخارج عن ثلاثة فروع له في كل من: أمريكا, وأوربا, وباكستان, وأصدر ثلاث مجلات بعدة لغات للإعلام والتربية والتعليم. وقد أثبت الحزب وجوده الفكري, والحركي سياسياً واجتماعياً واكتسب سمعة حسنة, وثقة واسعة, بين الأكراد.

وقد فتح هذا الحزب قلبه, ومد يده, لإخوانه المسلمين وبخاصة العرب حيث نزل بهم ما نزل بالأكراد على يد طاغية العراق.

إن المسلمين أخوة في الله, كالجسد الواحد, وكالبنيان المرصوص يجمعهم الحب والإخاء في الهجرة والنصرة كما صرح به كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ومع الاخوة الدينية هناك عوامل أخرى جغرافية في الجوار, وتاريخية تجمع بين الأكراد والعرب. وهذا وذاك يدفعان لتشخيص الواقع ومعالجته, وللتخطيط للمستقبل بغية تحقيق المصالح المشتركة.

والحزب الإسلامي الكردستاني خلال العقد الأخير -ولا يزال- يظهر تفهمه مع من حوله من خلال مبادئه الأساسية, ومفاهيمه الفكرية, وخطه الإصلاحي في السياسة والاجتماع.

ولقد أقدمت بعض الحكومات العلمانية على الوقوف في وجه هذا الحزب الإسلامي كتركيا, وموقفها يتناسب مع نظامها المعادي للإسلام, والمؤسف حقاً هو أن تستمع بعض الدول العربية فتستجيب لمطالب الحكومة التركية في اتخاذ موقف قد يضر ضررا بليغا في العلاقات العربية -الكردية ونريد أن نشير إلى أن سلامة المنطقة وأمنها واستقرارها خلال المستقبل المنظور هو مرهون بحل القضية الكردية, وهذا بالدرجة الأولى أو الثانية بعد فلسطين.

أما تركيا فإنها لم تعد صالحة ولا قادرة على القيام بدور الشرطي الإيراني والعراقي, فقد ضعف ثقلها في الحلف الأطلسي إثر انهيار الاتحاد السوفيتي يضاف لذلك اشتعال الحروب الداخلية في المنطقة الكردية خاصة, ولنا أن ننتظر سقوطها المفاجئ وسقوط العراق.

أما التهديد الآخر وهو التهديد باسم القومية العربية في سوريا, وهذا التهديد مستمر ويزداد, ومن الصعب مواجهته بغير الأكراد كما حصل أيام صلاح الدين الأيوبي... والتاريخ يعيد نفسه.. واليوم تقوم أحزاب إسلامية في داخل وخارج كردستان من بينها وأهمها الحزب الإسلامي الكردستاني, وهو حزب بعيد عن الإرهاب والتطرف والتبعية, ويسعى لخير الشعب الكردي في دائرة الشعوب الإسلامية, ومع شعوب العالم لنشر المحبة والوفاق والجنوح نحو السلام والوئام.

إن الرأي الصحيح يدعو إلى تبادل الثقة مع هذا الحزب وفتح القنوات للتفاهم معه للتعاون البناء الدائم, ولإزالة الذكريات الأليمة حول الحوادث المحزنة, من إخوانهم المسلمين بالصورة المباشرة حربياً, وغير المباشرة مالياً وإعلاميا.

إن إزالة العوائق, وفتح باب الحوار لترتيب الأوراق, وتنظيمها هو المطلوب العاجل والأمثل, وسيعلم الشعب الكردي من مد له يده وأحسن كلمته ساعة الشدة, وسيقول هذا الشعب لإخوانه الذين فرطوا في جنبه ما قاله نبي الرحمة لقومه: ( اذهبوا فانتم الطلقاء ).

إن خريطة الشرق الأوسط تنتظر أن ترسم عليها دولة كردية مكونة من أربعين مليونا من شعب شاب فتي أولي بأس شديد وبلادهم كردستان تبلغ نصف مليون كيلو متر مربع, تحتها حقول البترول.

ويفسر الرئيس الأمريكي الراحل (روزفلت) ذلك بالمناداة لإقامة الدولة الكردية النفطية لحماية النفط في الشرق الأوسط.

وأظن أن هذا المشروع لازال ينتظر الفرصة المواتية.

ولعلكم لا تكونون قد تأخرتم كثيرا عما يجب أن تقوموا به تجاه جيرانكم وإخوانكم الكرد من حق وواجب.

والله يتولى عباده الصالحين, نعم المولى ونعم النصير.

-27-

المعارضة على الطريقة العراقية (كردستان المجاهدة -1993م)

المعارضة العراقية اجتمعت على صيغة الفيدرالية التي تعني التعامل بالمعروف أو التعايش السلمي للقوميات والأقليات.

والقوميات المعنية هي القومية الكردية والقومية العربية, والأقليات هي التركمان والآشوريون.

والأطراف المشتركة في هذا الائتلاف لم تكن مؤتلفة بالمعنى المفهوم للألفة لا قوميا بالنسبة للعرب ولا مذهبيا بالنسبة للشيعة بدليل أنهم لا زالوا كما كانوا من قبل يتكلمون بأكثر من لسان ويظهرون بأكثر من وجه ولهم تدبير بالليل وكلام بالنهار وموقف في الشمال وموقف في الغرب وأعني بهما كردستان شمال العراق (الحبيب)! وغرب إيران (إسرائيل الثانية)! كما يحلو لإيران أن تسميها به .

تجاربنا بالإضافة إلى تراثنا كله يؤكد أن المفاوضات والمؤتمرات والمباحثات .. التي ترتدي ثوب المعارضة لم تأخذ في حسابها يوما من الأيام مصلحة الشعب الكردي كقوم أو مصلحة كردستان كوطن ويرى المراقب العادي عدم حسن النوايا الواضحة في الإشارات القولية والفعلية الدالة على المطامع القريبة والبعيدة وكلها تكريس للحدود الاستعمارية المفروضة من قبل (سايكس بيكو) على ما يسمى بالعراق -البوابة الشرقية للعالم العربي..

المعارضة تهدف إلى التعريب والتشييع و .. تذويب الشعب الكردي ومحو اسم كردستان من الخارطة واستبدالها بالشمال الحبيب على غرار الغرب والشرق وبقية الجهات لأقسام كردستان المغتصبة.

هذا يعني أن المعارضة تسعى لوأد ما يسمى بحق تقرير المصير الذي أقره نظام العالم الجديد والقديم تحت شعار الديمقراطية وبعبارة أخرى هو دفع الشعب الكردي كي يتنازل عن هويته القومية الفطرية والدينية المذهبية , والمعارضة العراقية بهذا تتسلق الجدار الذي بناه الأكراد ليكون لهم ثقل أمام الرأي العام العالمي المتعاطف مع بطولات الأكراد ومآسي كردستان.

كل المقاييس والموازين العقلية والنقلية مقلوبة في واقع وتاريخ المعارضة... عندما يكون لها الغلبة لا يبقى للأكراد من حق إلا الحق الذي يمنحه النظام من تقتيل وتهجير وانتهاب واغتصاب مع فتح الأبواب للاتهامات المجهزة على شتى الأصعدة..

وكان العكس هو موقف الأكراد خلال تاريخهم في واقعهم في (صلاح الدين) فقد كانوا وزالوا يفتحون أبواب الخير وقلوب المودة..

هذه فروسية كردية يفسرها الانتهازيون بأنها غباء ويستغلونها أسوأ استغلال..

ولذا فلابد من صرخة تحذير للشعب الكردي ليأخذ حذره من هؤلاء وليتذكر أن المؤمن العاقل لا يلدغ من جحر مرتين وقد لُدغ الأكراد أفرادا وجماعات مرات ومرات, ومن الغريب أن يكون الملدوغون من المتدينين والعلمانيين على السواء .. فكلهم بالنسبة للأعداء أكراد!

وتحذير بعد تحذير من مغبة السقوط من جديد في الشباك المنصوبة باسم الوطن الواحد أو وحدة التراب وأخوة الشمال أو أخوة بقية الجهات المعروفة مع ولاية الفقيه والمعصوم.

الحق أن المعارضة تهدف إلى نفس ما تهدف إليه الحكومة من إخراج القضية الكردية من مستواها العالمي ومداها الإسلامي إلى الحدود الإقليمية والقضايا الداخلية.

إن المعارضة تتحدث باسم الأكراد وتحاول أن تفهم العالم أن الأكراد لا يحبون الاستقلال ولا يرغبون في الانفصال.. إنهم يقولون للعالم لا تتدخلوا في شؤون الأكراد ولا تساعدوهم ودعوهم لنا, لنا السيادة وعليهم العبودية.

وسلام على الحرية والأخوة والعدالة والمساواة في الشرق الأوسط المنكوب والذي قلبت موازينه ومقاييسه رأسا على عقب وعقبا على رأس.

-28-

رحلة كابوري (جودي -1993م)

الزمان : أربعون يوما من عام 1993م

المكان: الولايات المتحدة الأمريكية .

بدأت الرحلة البرية من ضفاف بحيرة متشغان شمالا إلى فلوريدا جنوبا, ومن فلوريدا وشواطئ المحيط الأطلسي إلى كاليفورنيا وشواطئ المحيط الهادئ غربا, ومن فرجينيا إلى نيوجيرسي إلى واشنطن.

والرحلة الجوية من نيويورك إلى شيكاغو, ومن ساندييغو إلى كنساس سيتي إلى واشنطن إلى نيويورك.

خلال الرحلة أقيمت ندوات ولقاءات ومحادثات حول قضيتين جوهرتين :

الأولى : الحزب الإسلامي الكردستاني (PIK) الذي يمثل الفكر الأساسي والتحرك السياسي لحل القضية الكردية على المستوى القومي والإقليمي والدولي, وقبل ذلك على المستوى الديني, ولقد عرض من خلال المبادئ الأساسية للحزب تشخيص الواقع وتحديد معالم الخلاص, والجانب الإعلامي ممثل بمجلة (جودي) التي يصدرها فرع الحزب بأمريكا باللغة العربية, وإلى جانب مجلة (كردستان المجاهدة) وكذلك مجلة (جودي) باللغتين الكردية والتركية مع نشرات وبيانات وكتيبات.

وقد طرحت موضوعات عديدة من قبل مجموعات مختلفة كردية ونصيرة حول آلام الواقع وآمال المستقبل لشعب الكرد وللوطن كردستان.

والقضية الثانية: هي المجمع العلمي الإسلامي (IAA) الذي تم عرضه من خلال المذكرة الإيضاحية التي تعد ورقة عملية قابلة للتنفيذ, وطرحت الأهداف المعلنة في: تحديد الدين من خلال أسسه العقلية والنقلية, وتجريد الدين من الدخيل عليه بطريق الإفراط والتفريط فيه وكذلك تجديد الدين بما يصلح واقعه ويخطط لمستقبله .

وساهم في مباحثات المجمع شخصيات وجهات علمية وإدارية ترى أن الفكر رائد الحركة وأن ذلك هو ميزان الحضارة, وتم استعراض كثير من السلبيات بغية تشخيصها ومعالجتها, ومن هذه السلبيات انشغال علماء الأمة وإشغالهم, وإيجاب التقليد وسلطان الإمامة والإمامية وفقدان المنهجية الموضوعية, وسيادة العقلية الفردية, والافتقار إلى العمل العملي الجماعي هذا وغيره ورث أكواما وركاما ناء به الفكر وانعكس على الحركة, فولد واقعا متخلفا غارقا في التناقضات.

-29-

الخيار الكردي (جودي -1993م)

تزداد القضية الكردية خطورة وسط منطقة تزداد تسخيناً, والدخان الكثيف يحجب بعض الأعين عن رؤية الأيدي التي تعمل لوضع الخارطة الجديدة للمنطقة, والغرب القوي لديه الخبرة الكافية على المسرح السياسي لإخراج كردستان الكبرى الموالية للغرب على حساب الإسلام دينيا, وعلى حساب العرب والآخرين من الأتراك والإيرانيين إقليميا.

والأكراد في حال التكوين الغربي سيكونون عنصرا غريبا غربيا مدفوعا بعقد الخوف والانتقام.

يقول علماني عربي:لم يبق للعرب في القضية الكردية إلا تأييد أي اتجاه إسلامي كردي.

وكلمته تلخص حق الكرد في كردستان وواجب العرب المجاورين, وجميعهم في الخط الأخير, مع الأمل المتبقي تحت ركام المآسي الكردية.. التي خلفها المال العربي والسلاح العربي والإعلام العربي, هذا وإن تعامل بعض الدول العربية مع القضية الكردية ( العراقية ) من منطلق بناء مسجد وإقامة مدرسة وتوزيع الكتب الدينية.. كان سياسة غير مدروسة, وغير مرسومة بدقة , وهي واقعة في مرمى المواجهة برد فعل كردي على الدين وحملته, فإن الجائع يحتاج إلى الطعام, والمريض الجريح ينتظر الدواء. والعاري في العراء والبرد والخوف يبحث عن الكساء والإيواء والدفء والأمان, والاحتياج يجتاح كردستان بين خطوط العرض والطول المعروفة, حيث يتكون الأكراد من خليط من اليتامى والثكالى والأرامل والمنكوبين جسديا ونفسيا..

صحيح أن الغرب يقدم لهم بالقطارة, لكنه توقيت الحبة القبة.. ولا شك أن قليل اليوم هو كثير جدا في الغد..

أما الذين لا يدفعون ولو قليل القطارة فسيكتشفون في المستقبل القريب مدى التقصير والخسران وفقدان المكاسب.. والأكراد يرون الفارق الكبير بين صنيع إخوانهم المسلمين والعرب القريبين, ويبن الغربيين البعيدين غير المسلمين.. هنا في هذه الجهة كتب ومدرسة ومساجد.. وهناك في الجهة الأخرى: طعام وشراب ودواء وكساء ومأوى وأمان... والمعادلة بسيطة الطرفين يعرف منها الراجح والمرجوح بلا عناء ولا ذكاء..

وبناء على هذا فلا يسعنا إلا التقدم لطرح القضية الكردية, بأبعادها السياسية والاقتصادية والعسكرية, وذلك للتفاهم الرسمي على المستوى السري والعلني بما يتفق والمصلحة المشتركة.

وسيقوم الحزب الإسلامي الكردستاني بالاتصال مع الأطراف الإسلامية الأخرى بالقائمين بشكل أو بأخر على الساحة الكردية للتعاون والتنسيق والمتابعة.

ونفيد بأن الحزب الإسلامي الكردستاني في الساحة الكردية داخل وخارج كردستان لم يسبق له أن تعامل مع جهة رسمية منذ قيامه ولتاريخه.. وهو اليوم على مفترق الطرق:

فهو إما أن يتعاون مع السنة وهذا عرض مقدم إليهم.

وأما الخيار الثاني فهو التفاوض مع الشيعة في إيران وسورية.

وفي البيان التالي توضيح حول السقوط في الخندق الإيراني وأن السقوط لو تم فسيؤدي إلى مشاكل ومواجهات يصعب مواجهتها ومعالجتها..

والخيار الثالث هو التفاهم مع الغرب..

وسيخسر الشيعة الفاطميون في إيران وسورية.. ولكن الخاسر الأكبر هم السنة, وبخاصة العرب المجاورون.

-30-

خطوط عرض للقضية الكردية (جودي-1992)

- بعض المراقبين يرى أن الحزب الإسلامي الكردستاني هو البديل المنتظر لحزب العمال الكردستاني(آبوجي) الذي بدأ ينهار بعد انهيار الجدار الشيوعي الذي كان يستند إليه, وبعد توجه الغرب إلى ضربه ومحاولة استئصاله..

ولذلك فإن إغلاق الأبواب في وجه الحزب الإسلامي الكردستاني والتضييق عليه في تركيا, وفي البلاد التي تشاركها موقفها يعد موقفاً خطيرا قد يدفع هذا الحزب إلى السقوط في الخندق الإيراني, وإيران تفتح أبوابها له وتمد صلاتها معه عن طريق الرسميين والأكراد المتحالفين, ولسنا ندري كم سيصمد هذا الحزب على مواقفه الفكرية والحركية دون ما انحياز, على الرغم من توافر الحوافز المعروضة من الجبهة الشيعية ومع توافر الموانع المفروضة من جهة الدول السنية.

- منذ سنوات ودول المنطقة تعمل في القضية الكردية من منطلق الحكم الذاتي والمحلي وتجزئة كردستان إلى شمالية وجنوبية وشرقية وغربية ضمن الحدود الإقليمية.. وهذا الأسلوب كان ولا يزال وسيلة ضغط لتصفية الحسابات وإزالة التناقضات والوصول إلى اتفاقات وأحلاف كحلف بغداد واتفاقية الجزائر...

- إن الجبهة الشيعية التي تمثلها سوريا وإيران تتبنى القضية الكردية قومياً من خلال بوابتها الغربية السورية, تضرب بالعصا الكردية من خلال حزب العمال الكردستاني.. والجبهة المذكورة تتبنى القضية الكردية دينياً من خلال بوابتها الشرقية الإيرانية, وتضرب بالعصا الكردية من خلال أحزاب الله..

وفي الحالتين لا يستبعد تصعيد القضية الكردية لتصل إلى أعلى مستوى ونعني التفجير العام للقضية الكردية من القاعدة إلى القمة وذلك بإعلان (كردستان الكبرى), حيث ستستقطب جميع الأكراد, وستنقلب موازين القوى في المنطقة, وستمسك الجبهة الشيعية بالعصا الكردية من طرفها القوي لتضرب ما حولها وفوقها تمهيداً لإقامة الدولة الفاطمية الحديثة.

لقد تراكم الحاجز النفسي وتعمق الشرخ الاجتماعي الذي خلفه الكماليون الأتراك الذين انتهجوا سياسة أتاتورك يضاف إليهم من وقف معهم كبعض الإسلاميين من حزب الرفاه وغيرهم.. وكذلك الذي خلفه البعثيون العرب الذين انتهجوا سياسة صدام حسين ومعهم من شاركهم من الإسلاميين كبعض الإخوان المسلمين وغيرهم .

وكما أن العراق لم تحل القضية الكردية بل زادتها تعقيدا وقادت نفسها ودولا معها إلى هاوية الدمار.. وكذلك صنعت تركيا من قبل..

أما اليوم فإن الموقف التركي المعدل داخل ضمن دائرة اشتراكها في لعبة شرطي الخليج وبخاصة بعدما استقلت الجمهوريات ذات التركيبة التركية إثر تفكيك الاتحاد السوفيتي, وكذلك شأن الأقليات التركمانية, والوضع الجديد تراه تركيا أنه يؤهلها للتحالف الكردي التركي الذي عقده السلطان سليم, وكان مضمون الاتفاق هو الاعتماد على قوة الأكراد وإدارة الأتراك وقد عمر هذا الاتفاق قرونا حتى ألغاه الأتراك الكماليون من طرفهم ثم عادوا اليوم إلى إحيائه لاستخدام القوة الكردية الفتية من جديد واستغلال الثروة البترولية لمواجهة الاقتصاد المنهار.

ولكن الدور الكمالي التركي -وهذا مهم بالنسبة لمن يراهنون على الأتراك ويتحالفون معهم- محكوم عليه بالفشل بسبب غياب العامل الديني الذي استفاد منه سلفهم العثمانيون في التعامل مع الأكراد .

وللسبب ذاته فشل البعثيون العرب بالعراق في دورهم وكان فشلهم مزدوجا, فقد فشلوا في الاستفادة من الأكراد كما فشلوا في القضاء عليهم على خلاف النجاح الذي حققه سلفهم العباسيون في تعاملهم مع الأكراد من أمثال أبي مسلم الخراساني هازم الأمويين وصلاح الدين الأيوبي قاهر الصليبيين والفاطميين.

إن الخطر الكبير الماثل والمستمر هو الخطر الشيعي الفاطمي المتمثل في إيران وسوريا, وسيكون الخطر أكبر إذا ضمت إليهما الدوليتان المرشحتان للسقوط وهما العراق و تركيا.

وهذا الخطر لن يواجه إلا بالإسلاميين الأكراد.. وفي مقدمتهم الحزب الإسلامي الكردستاني الذي يطالب بحق تقرير مصير الشعب الكردي في وطنه كردستان منذ أكثر من عشر سنوات , وله عمقه وأفقه في الداخل والخارج على المستوى الفكري والسياسي.. ويبقى الجانب العسكري غير بعيد عن متناول الأيدي الإسلامية الكردية, فمن المعلوم أن الشعب الكردي ذاتيا هو جيش قائم دائم ينتظر سلاحه وينتظره سلاحه.

هذا وإن المسلمين اليوم وبخاصة جيران الكرد سيأمنون ويطمئنون إلى قيادة مثل الحزب الإسلامي الكردستاني الذي إن صار له من الأمر شيء قال لإخوانه في الدين ما قاله الرسول الكريم (اذهبوا فأنتم الطلقاء) وهذا مفهوم الدين في إيمانه وإسلامه والإحسان فيه.

وسيختلف الأمر إن تولى غير الإسلاميين .. حينئذ سيرددون مع البروفيسور الألماني قوله (إننا في الغرب ننشأ على الخوف من الشعب الكردي) والحق أن الشرقيين أولى بالخوف من الغربيين.

ولا بد من التأكيد على وعد الرئيس الأمريكي روزفلت قبل خمسة وأربعين عاما ودعوته إلى إقامة الدولة الكردية النفطية لحماية النفط في الشرق الأوسط .

ترى ماذا ستكون الوقائع والنتائج إذا كان المشروع الأمريكي لا زال قيد التنفيذ لحساب الغرب, أو لحساب العملاء في الشرق?

ترى ماذا ستكون الوقائع والنتائج في ما لو أعلنت إيران وسوريا كلتاهما أو إحداهما قيام كردستان الكبرى ?

بل ماذا ستكون الوقائع والنتائج فيما لو اشترك الحزب الإسلامي الكردستاني مع إيران وسوريا بعد إسقاط الحاجز المذهبي السني وقيام دولة ائتلافية ترى أن تحرير بيت المقدس -لحساب الشيعة على خط الإمام- يمر من كردستان عبر الرياض ومكة والمدينة...? علما بأن الإعلان السياسي باسم القومية والدين مكتوب منذ سنين.

نعم إن هذه السياسة سوف ترتدي مسوحا دينية في التخطيط والتنفيذ مع أحقاد قومية صفراء بل سوداء.

-31-

كردستان بلاد الأكراد (جودي - 1993م)

قد خلق الله الشعب الكردي كبقية الشعوب وأوجب عليه وعليها أن تتعارف أو تتدافع بالتي هي أحسن, وجعل الله في أفواه الأكراد لغة كبقية اللغات في أفواه الشعوب, وجعل الله لهذا الشعب وطنا هي من أحب البلاد إليه شأن كل شعب يسكن أرضه ويحمي حدوده ويقيم عمرانه وحضارته.

إن كردستان هي وطن الشعب الكردي منذ أقدم العصور من قبل ومن بعد التاريخ ولازال جبلهم الجودي حيث استوت السفينة المهاجرة بالبشرية إلى مهدها الثاني وقيل بعدا للقوم الظالمين, ويشهد التاريخ من الماضي إلى الحاضر كما تشهد جغرافية الأرض لكردستان من جبالها وسهولها وسواحلها ووديانها وبحيراتها في الخرائط وعلى أرض الواقع حيث تقوم وتبقى كردستان.

إن كردستان هي البلاد التي يسكنها الكرد وهي مملوكة وممنوحة من الله رب العالمين, والأرض لمن أحياها فلا يحق لأحد أن يعتدي على أرض أحد فردا أو جماعة كما لا يجوز الاعتداء على العقل والدين والمال والعرض.. ولكنكم يا أعداء كردستان أعتديتم على الكرد.

لقد سميتم الكردي بأسماء العربي والتركي والفارسي وأجبرتموه على التكلم بالتركية والفارسية والعربية وقسمتم أرضه وسميتموها إيران وسوريه والعراق وتركيا.

وتتبعتم التاريخ تدوسون الواقع وتخططون للمستقبل وأنتم تمحون اسمه وتخفون ذكره وتمارسون في حقه كل أساليب التشريد والتطريد والتهجير والإبادة .. ولكن بقي الكرد كردا وبقيت كردستان كردستان ! فليرجع المتعدون إلى حدودهم وليقفوا عند حدودهم فنحن لا نطالبهم بالخروج من بلادهم لندخلها عليهم ونفسد أرضهم ونقتل رجالهم . ولن نستحيي نساءهم ونبيع أطفالهم.. ولن ننهب بترولهم وثرواتهم... لن نخدعهم ولن نكذب عليهم.. نحن قوم أولو بأس شديد لا نحسن الكذب والاحتيال وليس من شيمتنا الغدر والخيانة , فليخرج المعتدون من كردستان قبل فوات الأوان.

-32-

تركيا الحديثة والقضية الكردية (الاستقلال-1994م)

السؤال المطروح اليوم على الحكومة التركية هو: هل القضية الكردية في تركيا هي قضية داخلية تتعلق بالوطن التركي وبالقومية التركية, أم هي قضية خارجية تتعلق بوطن آخر هو كردستان, وبقومية أخرى هي القومية الكردية?

والحكومة التركية ومن ورائها المخدوعون والمخادعون في الداخل والخارج لا يعترفون بواقع الوطن الكردي ومساحته 000ر500 كم مربع كما لا يعترفون بوجود شعب تعداده 40 مليونا , ومعظم هذه الأرض ومعظم هذا الشعب يرزح تحت نير الاستعمار التركي البغيض .

ويحاول الذئب الأغبر التركي أن يفترس القطعة الكبيرة من كردستان بالاتفاق مع الشركاء الآخرين, والشركة دامت عقودا طويلة ولكن كردستان كانت أكبر من تركيا ومن شركائها المتجاهلين أو الجاهلين بالواقع وبالتاريخ المحلي والعالمي, والشعب الكردي معروف ببأسه الشديد وعدم القابلية على التطويع أو التذويب, وبسبب هذا الجهل أو التجاهل أصبحت تركيا دولة مفلسة لا قاع لاقتصادها ولا قيمة لثرواتها, وتدور مصانعها بخسارة, ولقد تردى اقتصادها حتى أصبحت العملة لا تعادل قيمة الورق الذي يطبع عليه النقد, وتراكمت الديون وفوائدها وتعطلت بل عجزت المشاريع الحالية من الوفاء وتسديد فوائد الديون , وتحولت الحكومة التركية إلى سلسلة من المشكلات الاقتصادية, ولولا القضية الكردية لكانت تركيا الحديثة دولة غنية قوية حضارية متقدمة في زراعتها وتجارتها وصناعتها وسياحتها فهي أجمل بلاد العالم ولكن..

لو أخلص حكام الترك وعلماؤها وحكماؤها لسمعوا النصيحة الذهبية ففيها خلاصهم ولكنهم قوم لا يسمعون, وسنكررها عليهم لعلهم يسمعون ويفهمون ويقتنعون, والنصيحة الذهبية هي: تركيا أصغر تركيا أقوى, وهذا ينطبق على العراق الأقوى وإيران الأقوى وسوريا الأقوى, فإن تقسيم كردستان بين هذه الدول هو سبب دمارها, وكلما تقدمت الأيام زاد الانحدار وعظم الدمار, وليس هناك حل قائم إلا الذي يقدمه الحزب الإسلامي الكردستانيPIK لأنه ليس غريبا على المنطقة, فالمنطقة إسلامية منذ مئات السنين, والإسلام يحفظ الحقوق ويحقق العدالة ويدفع الظالم ويدافع عن المظلوم.. والمفروض أن يرحب الأتراك بالحل الإسلامي وإلا كانوا أنانيين متكبرين غير إسلاميين, وكانوا شركاء لحكومتهم التي انتخبوها وخضعوا لها فأعانوا على الظلم بغير عذر مشروع, وتخلوا عن واجباتهم وأفرغوا الطريق لغيرهم, وها هم يسمعون إذاعات العالم تعلن باللغة التركية عن ميلاد وإقامة الدولة الكردية, ولا شك أن الذي يقيم الدولة الكردية سيستفيد منها عاجلا أم آجلا , والأكراد أوفياء وهم أسرى الإحسان, وبالمقابل سيكون الآخرون في الدائرة السوداء لهم أن يتوقعوا مصيرهم ..

ونحن نسمع أحيانا تصريحات حكومية وهي أن القضية الكردية اقتصادية وينسب القول إلى (توركوت أوزال) رئيس الدولة السابق وهو جهل كبير, والحق أن القضية الكردية قضية مبدئية: دينية وفطرية اتفقت عليها الأديان السماوية والمذاهب الوضعية.. وعدم فهم القضية الكردية زاد المشكلة تعقيدا, وكلف الحكومة التركية الخسائر المالية والبشرية بما لا يقدر, وعليها أن تراجع حساب الخسائر من عهد المؤسس الأول الأب (أتان ترك ) إلى عهد الابن العاشر ديميريل, فهل حلت القضية الكردية وأصبح الأكراد أتراكا أو أتراك الجبال, وقد تأتي النتيجة معكوسة تؤدي إلى فقدان الهوية التركية ويزول اسم تركيا من الخارطة ويحل محلها اسم جديد لا يعجب أبناء وبنات (أتان ترك).

خلال العقود الأخيرة تكررت و استمرت جهود الأكراد فكريا وحركيا في مواجهة الطغيان التركي وجهله وغروره وكان الإسلام محركا جوهريا من البداية, وهناك أسماء إسلامية كبيرة فكرية وحركية.

بدءا بالشيخ سعيد بيران الذي جاهد بالسلاح, وكان بديع الزمان النورسي يجاهد بالفكر والكلمة , واستمر الحال على هذا المنوال إلى يومنا هذا ولازال القتال في كردستان مستمرا ويقوم (PIK) بالدور الإسلامي لتحديد الحقوق والواجبات: قوميا ووطنيا ودينيا ومذهبيا وإنسانيا ودوليا.

إن على الحكومة التركية أن تفهم أنها تتعامل مع كردستان, مهد البشرية فيها بدأ الإنسان وتكلم وكتب وزرع وصنع.. وقام على أرضها حضارات راقية وظهر فيها رجال كأبي مسلم الخراساني الذي غير مجرى التاريخ الأموي والتاريخ العباسي, وتغير مجرى التاريخ العالمي على يد صلاح الدين الأيوبي, وليس غريبا على الكرد أن يظهر اليوم فيهم أبو مسلم أو صلاح الدين فهما قائمان أو قادمان, ولازال الأكراد ينتظرون القيادة التي تتحرك بهم.. بموجب اتفاقيات الكبار في سايكس بيكو وسان ريمو أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى وبعد الحرب العالمية الثانية بقيت كردستان المقسمة على حالها ووقع عليها ظلم كبير يصعب تصديقه وذكره , فللأتراك وسائل في التعذيب والاضطهاد متميزة لا تخطر على البال, كإطعام فضلات الإنسان للإنسان والاعتداء الصارخ على الحريات والحرمات بدرجة لا توصف بالكلمات... والمطلب العاجل هو إنهاء الاحتلال الغاشم والاغتصاب الهمجي المتوحش وطرد الحكومة التركية وترك الشعب الكردي ينعم بالسلام في وطنه الآمن, وقد تتصور الإدارة التركية أنها في معزل عن سيف العدالة الذي يجعله الله في أيدي المستضعفين من الأكراد كما قال تعالى: ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ) وهناك عدالة السماء بانتظار الظالمين بميزان الذرات وآثام الحكومة التركية بحجم المجرات, جمع الله لها بين عقوبتين كبيرتين.. والمؤسف أن يسكت أكثر الشعب التركي على الحكومات الطاغوتية ويؤيدها بكلامه وسكوته.. وهو ولاء للطغاة الظالمين فيشترك معها في الجريمة ويجتمع معها في العقاب.

وإن مما يؤسف له أكثر أن يتواجد بين الأكراد في الداخل من يتعاون مع العدو, وهو يتظاهر بالكردية ويتستر بالإسلام, ويجمع المال باسم الشعب الكردي ويدفعه لعصابات منحرفة قوميا ودينيا فينشر الفساد و التفريق والتمزيق شأنه شأن الدجال.

إن مثل هذا خائن يخرق الصفوف ويكشف العورات ويفتح المنافذ لتسلل الأعداء إلى داخل الحصون.

وعلى كل كردي مخلص أن يكشف القناع عنه ويزيله من الطريق ليسلم السائرون في الطريق إلى المستقبل المنشود.

ومن المفارقات موقف بعض الأحزاب الإسلامية التركية كحزب الرفاه (السلامة والانتظام سابقا) فقد كان الزعيم الدنيوي نجم الدين أربكان والزعيم الديني لطفي دوغان والملأ من حولهما كانوا يبحثون في الكتب عن مشروعية استعمال كلمة كرد لبيان حكم التلفظ بها ومدى مخالفتها لدين الإسلام لأنها - حسب فهمهم للإسلام- قومية جاهلية مخالفة للديانة, وبالتالي فكل دعوة كردية ولو كانت إسلامية مثل (PIK) هي غير مشروعة لأنها تمزق الوطن وتفرق المسلمين في نظرهم. وقد توصل المذكور لطفي دوغان إلى فتوى معتمدة مفادها أن كلمة كرد وإن كانت جائزة فقها فإنه لا يجوز استعمالها لأنها تؤدي إلى الفتنة, هذا ما كان في يوم الأمس ومضى الأمس وأتى اليوم بانقلاب موقف الأربكان والدوغان فجاءا بإباحة استعمال كلمة الكرد وكردستان وإباحة التكلم باللغة الكردية وإباحة التدريس باللغة الكردية, ولا يبعد طروء إباحات أخرى أو تنازلات وقل إن شئت اعترافات ببعض الحقوق الكردية, والشيء المخجل في هذا, أن الإسلام يتغير ويتلون مرحليا وكيفيا مصلحيا على يد هؤلاء المسلمين.

ولا شك أن موقفهم اليوم إيجابي نسبيا وقد يوافق العقل والدين لكن الإشكال في الأمس ما الذي كان يمنعهم ? وما الذي أخرهم?.. وأذكر قبل خمسة عشر عاما تقريبا ذهبت بنفسي إلى أربكان بناءا على دعوته لي إلى الإفطار في رمضان وكان نائبا لرئيس الدولة وقد دعا سفراء الدول الإسلامية للاحتفال بيوم القدس وجرى الاحتفال بمجلس الأمة التركي في العاصمة أنقرة وخلال الساعات الطويلة التي شملت معظم النهار ومعظم الليل تبين لي مدى البعد عن القضية الكردية, ولم يكن من المقبول التعاون مع القضية الكردية ولو كانت إسلامية ولو حملت اسم حزب السلامة يعني الرفاه ولو كانت تحت قيادة أربكان , وموقف أربكان هو نفسه موقف أجاويد اليساري وتركيش اليميني, والموقف مشترك وموحد في العمليات العسكرية الجارية في المنطقة الكردية حيث أحرقت 1500 قرية وقتل أهلوها وهجّروا إلى المدن التركية لينتخبوا ممثل حزب الرفاه, و يكون أربكان بهذا قد ربح بضرب الأكراد وقتلهم كما ربح من تهجيرهم وتشريدهم في كسب أصواتهم.

ان أية رؤية لأربكان هي دستور لحزبه يتبناها الأتباع المريدون, ومحور هذه الرؤية تقديس الأمة التركية العظيمة التي فتحت البلاد وهزمت الشعوب, ويرى أن الإسلام جزء من هذا التاريخ العظيم وهذه المقالة يرددها البعثيون العرب في سوريا والعراق..

وبعامة فإن العقلية التركية غير واقعية وتجهل التاريخ ولا ترى المستقبل, ولبيان ذلك أسوق المثل التالي عندما كنت في واسكنسن الأمريكية ويفد إليها طلبة أتراك يتخصصون في الدراسات العليا ويعتقدون أن حضارة العالم بما فيها الحضارة الأمريكية هي حضارة تركية, وكان الناس يندهشون لما يسمعون وهم يعلمون عن القبائل التركية المغولية التتارية أمثال جنكيز خان وهولاكو وتيمور لانك وآخرين كانوا يعملون ما يعمله أخلافهم في القتل والسلب والنهب وانتهاك الحرمات والإفساد والتوحش كما قال علامة التاريخ ابن خلدون (وأما الترك فوحوش للهراش) والغربيون يقولون: (إذا سار الأتراك في طريق لم يتركوا وراءهم حياة ).

ولا تزال القضية الكردية في نظر الحكومة التركية قضية داخلية يعني: تركية -تركية وليست تركية - كردية والشواهد تكذب هذا إذ لو كانت داخلية فلماذا لا تحل بالوسائل السلمية بل بالحروب العسكرية بمختلف الأسلحة البرية والجوية والجيوش الجرارة منذ عشر سنوات بل منذ أكثر من سبعين سنة? واشتعلت الثورات الكردية الواحدة تلو الأخرى فهل هي قضية داخلية? والحكومة التركية تعقد اتفاقات علنية وسرية مع سوريا وإيران والعراق شرقا وغربا وتكون القضية بهذا إقليمية بل دولية عالمية.. فكيف تكون داخلية? إن القضية الكردية معروضة أمام الشعوب من خلال برلماناتها وحكوماتها, والإدارة التركية لا تعترف بالهوية ولا بالحقوق الكردية, والعالم مندهش لهذا المنطق السياسي لدولة تدعي الديمقراطية وتطالب بالانضمام إلى الغرب وهي في ذات الوقت تمارس أبشع أنواع الدكتاتورية, وهذا يعني الرجوع إلى الوراء لكشف حقيقة الدولة التركية الحديثة من عهد مؤسسها الأب أتان ترك إلى عهد السيد ديمريل والسيدة شيلر وهي سياسة لا إنسانية ولا أخلاقية في كل الأعراف والقيم والموازين.

إن السياسة المرسومة للحكومة التركية الحالية والحكومات السابقة هي سياسة فرق تسد بضرب الأكراد بعضهم ببعض ثم ضربهم جميعا .. وقد حاولت الحكومة التركية جر الحزب الإسلامي الكردستاني (PIK) إلى مواجهة حزب العمال الكردستاني (PKK) وقد فشلت الحكومة لأن (PIK) أعقل من أن يجر إلى حرب إخوانه الذين يضحون بأرواحهم ويواجهون الطاغوت التركي, ولذلك لجأت الحكومة التركية إلى الإيقاع بأحزاب الله التي وقعت في الفخ وللأسف الشديد, وكذلك جندت أهل القرى والأرياف وأجبرتهم على المواجهة مع الثائرين, والسياسة التركية بعد تصفية القوى الكردية ستلجأ إلى تشكيل أحزاب موالية لدفن القضية الكردية سياسيا كما دفنتها عسكريا وهي بهذا كما صرحت اتبعت أسلوب الحكومة العراقية, والسياسة التركية من الغباء بدرجة أنها لم تفهم أن الأسلوب العراقي فاشل.

فمتى تفهم الحكومة التركية والحكومات الأخرى أن الحرب والضرب والسلاح والسجون والتعذيب والتشريد والتهجير... ليس هو الطريق لحل القضية الكردية? وإن كان المراد تدمير كردستان فإن بلاد المستعمرين ستدمر أولا وتبقى كردستان, وإن كان المراد إبادة الشعب الكردي فإن الحقيقة على عكس ذلك حيث يبيدون أنفسهم بأنفسهم ويتزايد الأكراد.

كل أحوال الحكومة التركية غرائب وعجائب وأعجوبة اليوم 3 أغسطس 1994م حيث يقدم عدد من الأكراد وهم نواب في البرلمان نزعت عنهم الحصانة وألقوا في غياهب السجون وقدموا إلى المحاكمة بتهم المطالبة بالحقوق الكردية الديمقراطية وهي خيانة توجب عقوبة الإعدام في النظام التركي ولقد اندهش لهذه المحاكمة عالم القرن العشرين وحضر المراقبون والإعلاميون من بلاد مختلفة ليشهدوا ما يصعب تصديقه ببلد الديمقراطية على الطريقة التركية, ومما يزيد الطين بلة أن نسمع وزير الدولة التركي المدعو يلدرم أكتونا وهو يتفاخر بتاريخه وحاضره ويبرر للحكومة في مواجهة الحملة العالمية فيقول: نحن خلال تاريخنا استقبلنا المهاجرين من أسبانيا واستقبلنا اليهود واستقبلنا المهاجرين من شمال العراق انتهى كلامه.. ولا يحتاج إلى تعليق فهو مضحك لأنه في غير موضعه ولا موضوعه وشر البلية ما يضحك.

إن الموقف التركي من القضية الكردية على شراسته وبشاعته وشناعته فإنه كان طريقا لتوحيد الشعب الكردي, وأدى إلى تعاطف العالم لنصرة القضية الكردية, بل إلى بناء كردستان المستقلة, وبهذا المعنى صرح أحد المسئولين الأتراك قال: إن الأكراد قد عزموا على إقامة كردستان وإن العالم معهم, وهذا ما يجب أن تفهمه الحكومة التركية وشركاؤها في الجريمة في كل من سوريا والعراق وإيران, حتى يقف سيل الدموع والدماء والدمار والشقاء دون مضاعفات ونكبات ونكسات... أكثر وأكبر, وليذهب المجرمون إلى الجحيم. ويحيا الكرد وتحيا كردستان .

-33-

رؤية مبدئية لحل القضية (الاستقلال-1994م)

الحمد لله الذي خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا, وجعل الشعب الكردي أهل الجودي أرومة البشرية, وجعل كردستان مهد الإنسان من بعد نوح عليه السلام.

ولقد طال انتظارنا لليوم الذي يستيقظ فيه هذا الشعب, فيرسم حدود وطنه, ويرفع علم بلاده خفاقا فوق ربوع الربيع بين قمم الجبال الشامخة والسهول الواسعة, والوديان التي تحكي تاريخ شعب نبيل كرس فكره وتحركه للعلم والفضيلة والعدالة, وهذا الشعب العريق له عمقه في الإسلام واقعا وتاريخا.

ثم قسمت كردستان بعد أن ضعف تأثير الدين وكانت عقود معاناة وتضحيات حوصر فيها الشعب الكردي حصارا لا يقره عرف إنساني أو مبدأ ديني.

ولقد قامت جهات متعددة وطنية وقومية ودينية في الداخل والخارج بالنضال السياسي والجهادي, وتكللت الجهود والتضحيات بالوجود في جنوب الوطن كملاذ آمن للذين أضناهم الشوق إلى حضن الوطن بعد طول اغتراب وافتراق, وكانت الغربة المريرة داخل الحدود كما كانت خارج الحدود.

إن الذين ساهموا في توعية الشعب الكردي وفي قيادته جهات وجبهات متعددة على درجات متفاوتة, وظهرت الآثار لهذه الدرجات, لكن ينبغي أن يُعد الجميع في صف واحد, فكلهم بذل وضحى لهدف واحد, ولا يضر اختلاف الوسائل مادام الهدف مشتركا ومن هذا المنطلق نحيي جميع الذين ضحوا ويضحون في سبيل تحرير الكرد وتوحيد كردستان.

إن الحزب الإسلامي الكردستاني (باك) يعمل بصورة معلنة ومنظمة منذ عام 1400هـ - 1980م من خلال مبادئه الأساسية التي تتعامل مع القضية الكردية قوميا وإقليميا ودوليا من رؤية إسلامية تضع الحلول الواقعية والحقيقية, وتمنع المتاجرة باسم الدين واستغلال العواطف الفطرية النبيلة للشعب الكردي.

ولقد قام الحزب بدوره المستمر والمثمر في وسائل إعلامه المتمثلة في مجلة جودي بالعربية ومجلة كردستان المجاهدة بالعربية ومجلة جودي بالكردية - التركية. بالإضافة إلى المطبوعات في كتيبات وبيانات...

وفي ما يلي أيديولوجية الحزب مأخوذة من المبادئ الأساسية :

أولا : الحزب الإسلامي الكردستاني (باك) هو حزب سياسي يدعو إلى تأمين الحقوق المشروعة للشعب الكردي في أصله وانتمائه وفي تاريخه ولغته, وفي خصائصه وميزاته, وفي أن يحكم نفسه بنفسه, وفي أن يرفض الذل والظلم والاستبداد والاستعباد, وفي أن يحارب الفقر والجهل والمرض والتخلف.

* الشعب الكردي بيده السلطات: الاجتهادية التشريعية والتنفيذية والقضائية, وينوب عن الشعب في حمل سلطاته مجلس الشعب المنتخب من قبل الشعب, وكردستان هي وطن الشعب الكردي تاريخيا وجغرافيا, وتشمل تلك الأرض التي يكون الكرد غالبية سكانها.

* يتم التعاون مع جميع الجهات التي تعمل لتأمين الحقوق المشروعة.

* الأقليات الدينية -غير الإسلامية- تتمتع بالحرية الدينية, وبالحقوق الوطنية, وبالعدالة الاجتماعية, شأنها في ذلك شأن جميع المذاهب والفرق الإسلامية.. في تعاونها وتعايشها بلا ضرر ولا ضرار.

* اللغة الكردية هي اللغة الرسمية في كردستان, وينبغي توحيدها وتأهيلها لمتطلبات العصر, وأية لغة تدعو الحاجة إليها تكون إلزامية.

* كليات المجتمع وخصوصيات الأفراد ترعاها السلطات حفظا وتكميلا وتحسينا .

* من الأولويات الاهتمام بالأسرة الصالحة , وبدور الطفولة المستقبلي وبمساواة المرأة والرجل في الحقوق والواجبات, وفي بناء المجتمع وتوجيهه.

* الحرية مصونة في التفكير والتعبير والمعتقد والتأليف والنشر وتكوين النقابات العمالية والأحزاب السياسية والجماعات النسائية.

* العدالة حق عام , ولا تمييز بين أحد من المواطنين بسبب الدين أو اللون أو الطائفة أو الجنس أو المذهب .

* العلم حق عام, وينبغي محو الأمية والعناية بجميع مراحل التعليم ورعاية البحث العلمي وتوجيه المواهب, والاستفادة من الكفاءات, وإيجاد الأجهزة المتكاملة في مختلف التخصصات.

* الاهتمام الكبير موجه نحو العمل, فهو من الحقوق العامة, ويتوجب المحافظة على الثروات, وضمان العامل وصاحب العمل, وإحلال التفاهم بينهما, وذلك بمشاركة العامل مع صاحب العمل في الأرباح وتمليك المشاريع وإحياء الأرض لمصلحة العمال مع الضمان الاجتماعي.

ثانيا: أيديولوجية الحزب الإسلامية منصوص عليها في المادة الثانية والعشرين, بل في أكثر المواد الأساسية.

* فالحزب يقوم على تعاليم الدين الإسلامي من كتاب الله عز وجل وسنة محمد صلى الله علية وسلم, والغاية هي التقرب إلى الله ونوال رضوانه.

* ومن قبيل الطرح المبدئي.. فإن حزبنا جزء من الحركة الإسلامية العالمية, وشعب الكرد جزء من الأمة الإسلامية الواحدة, والوطن كردستان جزء من دار الإسلام الكبرى.

وهذه التسميات الثلاث أمور اعتبارية لا وجود لها في الواقع, وقد تقدمنا بهذا الطرح من باب المعاملة بالمثل مع المجاورين والمخالطين, منعا لاستغلالهم, وحدا لتجاوزهم.. فنحن معهم متى كانوا معنا في التعاون البنّاء والصالح المشترك, فإن لم يتحقق ذلك كما هو واقع الحال, وضعت الـحدود القومية الوطنية ليعرف كل حقه وواجبه فلا يكون ثمة ظالم ولا مظلوم ..

* وضمن هذا المفهوم كان طرح حزبنا لمفهوم (دولة الشعوب الإسلامية المتحدة) كدولة ائتلافية تتكون من حكومات مستقلة بمفهوم الشورى الملزمة التي تعني حرية الإنسان في الاختيار على المستوى الشخصي والاجتماعي.

* مصدر التشريع هو الكتاب والسنة بعيدا عن الخلفيات والخلافات التاريخية والتفسيرات المضللة والاتجاهات المستغلة .

* الجهاد بالمفهوم الصحيح هو دفع الظالمين والدفاع على المظلومين , مسلمين كانوا أم غير مسلمين, ولا يقاتل الناس بسبب كفرهم ورأيهم, فالله يقول: (لا إكراه في الدين ), ومن باب أولى ألا يكون إكراه على الرأي, والكفر رأي حسابه وعقابه في الآخرة , أما الدنيا فتقوم على العدالة وحسن المعاملة , والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (الدين المعامل).

* الدين في حقيقته مرتبتان: ظاهرة هي الإسلام, وباطنة هي الإيمان, والإيمان من الأمن والأمان, والإسلام من السلم والسلام, والمطلوب من المسلم المؤمن أن يتوافر فيه ويوفر لغيره الأمان والسلام بداية من نفسه.. ووصولا إلى الأمن والسلم العالميين.

ولا يصح بوجه من الوجوه اتهام الإسلام الحق بالإرهاب, كما لا يصح اتهامه بالعجز والقصور والخمول والتخلف الحضاري ...

ووجود شيء من هذا في التاريخ وفي الواقع هو مسؤولية إسلام غير خالص, ومسلمين غير خالصين, الذين ضيعوا الدين واستغلوا الآخرين لمصالح شخصية وأهواء منحرفة.

ثالثا: إن حزبنا قد مارس منذ تأسيسه سياسة عقلانية واقعية, وعمل على جمع الصفوف الكردية والمشاركة في النشاطات الوطنية المختلفة مثل تحالف هفكاري (HEVKARI) في أوروبا, حيث يعمل حزبنا إلى جانب الأحزاب الأخرى بما في ذلك جبهة كردستان الجنوبي منذ أكثر من سنتين.

ويشارك حزبنا في النشاطات الجارية لتشكيل جبهة وطنية لكردستان الشمالية..

ونحن نسعى للمساهمة في سائر النشاطات الكردية التي تخدم القضية العادلة للشعب الكردي المظلوم.

-34-

رسالة للسيد عبدالله أوجلان (1995م)

ببالغ الأسى والأسف تلقينا نبأ هجومكم على كردستان الجنوبي واستمراركم, في الوقت الذي قامت في كردستان حكومة تعبر عن الهوية الكردية والوطن الكردي. وليس الوقت مناسبا لتصفية الحسابات الحزبية والشخصية مادام الكل خادما للكرد وكردستان. ثم إن مساحة النضال واسعة إن كان هناك قدرة على توسيع دائرة قتال الأعداء الحقيقيين.

والواجب القومي والوطني يفرض عدم مس الكيان الكردي الذي ظهر في هذا العصر بعد تضحيات وبطولات ومآسي.

والدعوات الكثيرة والمتكررة الموجهة إليكم من مختلف الجهات تفرض عليكم النزول عند الإجماع السياسي الكردي, وهو إجماع شعبي أيضا, وهو المحافظة على الكيان الكردي في جزء من أجزاء كردستان.

أتقدم بهذا النداء مؤكدا على ضرورة وقف الحرب في كردستان الجنوبي قبل فوات الأوان.

-35-

رسالة للسيد مسعود البارزاني (1995م)

رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني - وفقه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:

اطلعنا على رسالتكم الموجهة إلى شعب كردستان ودعوة زعماء الأحزاب والشخصيات الكردستانية لعقد لقاء مشترك بينكم وبين السيد عبد الله أوجلان رئيس حزب العمال الكردستاني لهدف المصالحة الوطنية على المستوى القومي الكردي داخليا. وهذه مبادرة طيبة نأمل أن تتحقق على صعيد الواقع في القسم المحرر من كردستان العزيزة بعيدا عن المؤثرات المعادية وعن تدخلات الجهات التي يهمها عودة كردستان إلى الاحتلال من جديد.

وآمل من الأطراف الكردية عدم استعمال العبارات الجارحة في وسائل الإعلام لتلتئم الجروح ويظهر حسن النوايا.

وتفضلوا بقبول تحياتنا إليكم شخصيا ولحزبكم ودمتم لإخوانكم .

-36-

كردستان والعالم الجديد ( الاستقلال- 1995م)

العالمان اللذان مثلا الشرق الاشتراكي والغرب الرأسمالي تنافسا على توجيه العالم الثالث بعد استعماره فكريا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا خلال العقود الماضية, وكان كل طرف يجرجر إليه مكاسبه بمقدار ما يستطيعه, إلا أنهما كانا متفقين في أغلب الأحيان, فقد وضعا خريطة العالم القديم وحبكا خيوطه ورسما حدوده, وكانت الخطوط الحمراء والخضراء تحت المراقبة الدائمة, حيث تشعل الحرائق وتطفأ حسب الطلب, وتعقد المشاكل أو تحل حسب المصلحة العليا للطرفين, وفي بعض الأحيان كان الخلاف يتيح لبعضهم الخروج على طرف بالاعتماد على الطرف الآخر ..

وبقى الطابع العام للعالم في تقسيم الأدوار وترتيب الأوراق , وتعديل المراكز على حاله ومنواله.. وزعماء العالم الثالث السابقون ومدبرو الانقلابات والبدائل والمنتظرون يعرفون ما كان يقع عليهم من ضغوط, ويملى عليهم من شروط, ويُلقّنون الدروس من السيدين بسبب تجاوز الحدود الحمراء أو بسبب الوقوف عند الحدود الخضراء.

وفي العقد الحالي انهارت الكتلة الشرقية على مجموعاتها غير المتجانسة انهيارا سياسيا واقتصاديا بعد الانهيار الفكري, وخلت الساحة للغرب الرأسمالي وعلى رأسه أمريكا, فاحتل الساحة بغير قتال, ولعلها ترى الاستغناء عن العسكر وإبداله بالشرطة لحماية النظام الجديد.

والكتلة الجديدة متجانسة الأطراف بسبب الأيديولوجيات المتفاهمة اقتصاديا, ولا تعد التناقضات الأخرى ذات أثر يذكر ما دامت خارج دائرة الاقتصاد. والرهان اليوم على النسر الأمريكي خلال عقدين مع احتمال زيادة أو نقصان, والبديل المنتظر بعيد وغير متعين, فقد يكون غربيا كأوروبا الموحدة أو شرقيا كاليابان أو الصين.. خلال الولاية الغربية الأمريكية توضع الخريطة الجديدة وترسم حدودها وعلاماتها الخضراء والحمراء وحدود التجاوز, وتدور العجلة في النظام العالمي الجديد (الأول) ولنا أن نتصور أن الغرب سيصبح مخزنا لثروات العالم الثاني وسيصبح العالم الثاني سوقا لتصريف المنتوجات والاستهلاك.

والمبادئ المعلنة في النظام العالمي الجديد عديدة أهمها: إعلان حقوق الإنسان, حق تقرير مصير الشعوب, وتطبيق الديمقراطية حسب مبادئ الحرية الفكرية ومبادئ العدالة والمساواة ومواجهة الإرهاب والديكتاتورية..

والأسئلة المطروحة في مواجهة هذه المبادئ وغيرها بالنسبة لكردستان هي:

- هل ستطبق هذه المبادئ كما يفهم من نصوصها الصريحة, أو ستفسر حسب مصالح أخرى للآخرين?

- هل النظام العالمي الجديد فعلا سمح بحق تقرير مصير الشعب الكردي بملايينه الأربعين, وأمر برسم حدود كردستان الممتدة على رقعة من الأرض باتساع نصف مليون كليومتر مربع?

- هل أصدر الرعاة الجدد أو الحماة أوامرهم بتحذير دول المنطقة وبخاصة مستعمري كردستان لإجبارهم على الخروج خارج الحدود الكردستانية وإتاحة الفرصة وتهيئة الأجواء لتطبيق الديمقراطية, وِإقامة حكومة وطنية في كردستان الكبرى?

- هل ستقدم الخبرات والمساعدات لإقامة المؤسسات الكردية وتأهيل الشعب الكردي لوضعه في طريق الحضارة, وفتح أبواب التكنولوجيا المعاصرة أمامه لتعمير كردستان وارتقائها, لتحتل مركزها الحضاري في بناء العالم وفي تقدمه?

- هل سيكون جيش كردستان حاميا لعرين الوطن , ما دام في الجوار غادرون مستعمرون يطمعون في الثروات والحرمات?

- هل سيكون البترول الكردي والمياه الكردية لإدارة المصانع وتحويل الأرض إلى مزارع ولرفاهية الشعب وتقديم العون للمحتاجين إليه?

وهل ..? وهل?

حسب النصوص الظاهرة الصريحة للنظام العالمي الجديد لن ترزح كردستان بعد تحت نير الاستعمار الإيراني والتركي والسوري والعراقي والأرمني والآزربيجاني, فلن يكون شبر من كردستان مستعمرا, ولن يكون كردي واحد مستعبدا أو مضطهدا أو مهانا.

لقد خسر الأكراد كثيرا ولمدد طويلة من بدايات هذا القرن إلى نهاياته على أيدي جلاديه من مجاوريه المستترين بالديمقراطيات, بل بالديانات...

ولقد جاء دورهم وجرمهم ظاهر للعيان بعد أن داست أقدامهم الثقيلة جسد كردستان الطاهر, ونهشت أنيابهم ومخالبهم الطويلة حرمة الشعب الكردي العزيز الأبي.. ولقد رأينا دول المنطقة مع من معها من شعوبها لا تريد إلى يومنا هذا أن ترتدع أو تقتنع.. ونحن نكرر التحذير إن كانوا يسمعون أو يحسبون للغد حسابا?

إن كردستان عمود فقري للشرق الأوسط, في موقع استراتيجي كجسر بين القارات, ورؤوسها تتوسد البحر الأبيض والأسود والخليج الدافئ في ملتقى الحضارات, وتحت أرض كردستان وبجوارها معظم الإنتاج العالمي والاحتياطي من البترول, وتجرى على أرضه مياه دجلة والفرات والخابور والزابان وسيحون وجيحون ..

والكرد أربعون مليونا يعرف رجالهم وأطفالهم ونساؤهم معنى الكرد كشعب, ويعرفون معنى كردستان كوطن, ويقرأون تاريخ الأباء وهم شهود على ما حل بهم وبالأبناء : في إيران قال إمامهم: اهدموا كردستان! وفي العراق قال قائد جندها: سنبني القصور والسدود والأبراج من رؤوس جميع الأكراد ! وفي تركيا كان الأكراد عبيدا! وحرائق تركيا لا تقل عن حرائق العراق وإيران, وإن كانت تزيد على حرائق سوريا وأرمينيا وأذربيجان..

نعم, الأكراد يحفظون التاريخ المعاصر الذي شهدوه لأنهم سمعوه وشاهدوه ولمسوه لمس اليد, فهو محفوظ في صدورهم تتناقله أفواههم وتسمعه آذانهم, ثم إن هذا التاريخ محفوظ بالصوت والصورة في كل أنحاء العالم.

إن مصلحة الشعوب المجاورة فردا فردا , رجلا وامرأة وطفلا, وقبل ذلك مصلحة حكوماتها في أخطر واجباتها أن تصلح ما يمكن إصلاحه, وأن لا تتورط في الجريمة أكثر بالإصرار والاستمرار!

لقد سقطت الحكومات المذكورة وسقط من تعاون معها من شعوبها أمام العالم وأمام التاريخ, وكان السقوط كبيرا محكوما بكل الأعراف الإنسانية وبالقيم الدينية والوضعية.. والعاقل يقدر مدى التدمير الذي حل وسيحل بالحكومات المجرمة ومعها من تعاون معها من شعوبها, وهذا التدمير على المستوى الأخلاقي الذي يتردى إلى الانحطاط, وعلى المستوى الاقتصادي الذي ينهار كليا, والتفكك الاجتماعي الذي ينذر بالحروب الأهلية التي لا تبقي ولا تذر .

هذا, والعالم -كل العالم - ينظر إلى أعداء كردستان بغضب ما غضبت البشرية في تاريخها الطويل أشد منه إلا أن غضب الكرد عليهم اشد..

ألا إن موعدهم الصبح.. أليس الصبح بقريب?

-37-

الشيوعية في كردستان (جودي-1995م)

تقويض الشيوعية من الداخل على يد الرفيق كورباتشوف أزال الخطر الذي كان يتهدد الغرب الرأسمالي بقيادة أمريكا, والتقويض من الخارج كان بتفتيت القوة العسكرية بطريق المواجهة على طول الحدود الإسلامية بداية من أفغانستان ووصولا إلى أوروبا في البوسنة والهرسك مرورا بالشيشان وكان خط المواجهة يتمدد في العمق ليصل إلى كردستان, وعلى خط المواجهة تساقط الجنود السوفييت ودمر السلاح السوفييتي ثم الجنود الروس والسلاح الروسي, والمعارك المستمرة أدت إلى سقوط الاتحاد السوفييتي وإضعاف وريثتها روسيا.

لم تظهر أمريكا في الصورة وظهر الإسلاميون المجاهدون في أفغانستان وكذا الشيشان وحتى في البوسنة والهرسك ,وظهرت دول الخليج التي لا زالت تقدم الدعم المادي مع المتطوعين.

هذه الصورة لم تكن واضحة في كردستان لأن الإسلاميين لم يكونوا مهيئين للقيام بدور البطولة ومن ورائهم أموال الخليج وإعلام الأقمار ومعلومات الأواكس بالإضافة إلى أدوار (رامبو) المعروف..

والذي قام بدور البطولة في كردستان لمواجهة الشيوعية هو تركيا التي لا تزال تسير على النهج الأتاتوركي وهذا يمنعها من ارتداء المسوح الديني لمواجهة الكفر الشيوعي.. ومع هذا فهي مجبرة على القيام بدور من انتهي شهر عسلها مع عدتها وهو دور محزن يماثل ما قام به (شمشون) الذي هدم الهيكل على من فيه عليه وعلى أعدائه, وهو مصير تركيا مع الجارتين إيران وسوريا..

كردستان كانت أمل الشيوعية للوصول إلى مياه الخليج الدافئة وحقول النفط الغنية, وكان دعاتها من الأكراد الرواد عقب الحرب العالمية الأولى يبشرون ببسط الهيمنة الشيوعية على الشرق الأوسط واتخاذ كردستان قاعدة بسبب بترولها وأنهارها وموقعها وأكرادها الكارهين للغرب ! وبالمقابل كان الغربيون يرون في كردستان العمود الفقري للشرق الأوسط ويرون الأكراد الشجعان مؤهلين للقيام بدور الشرطي لحماية البترول الاستراتيجي ...ولم تتحقق أماني الطرفين فلا الشيوعيون استطاعوا اختراق العمق الديني عند الأكراد , ولا الغربيون استطاعوا جمعهم والتفاهم معهم , وهكذا قسمت كردستان إلى أجل غير مسمى.

اليوم تتعاظم القوة الإسلامية في كردستان بقيادة الحزب الإسلامي الكردستاني وقد تمكن الحزب خلال السنوات الماضية من نشر دعوته وإعداد قواعده الحزبية والشعبية إلى درجة.. في الداخل والخارج , وهو يراقب الساحة السياسية والعسكرية وينتظر الفرص المواتية والحلول المناسبة مع الحذر في الوقوع في مواجهة مع الأطراف التي اعتادت على تصفية حساباتها على حساب الأكراد.

ولا يسعنا إلا دعوة الحزب الإسلامي الكردستاني ومن معه من القوميين والوطنيين للتحرك الجاد للقيام بعملية الإنقاذ والخلاص فلقد آن الأوان لتحرير الكرد وتوحيد كردستان .

-38-

أصحاب يهوذا الاسخريوطي (جودي-1995م)

يهوذا المعروف كان من تلاميذ المسـيح باع ســيده لأعدائه بشيء من الفضة, وكان الله بالمرصاد فرفع المسيح إليه ووضع يهــوذا ليذوق جريرة جريمته في دنياه وآخرته.

ومن قبل أخذ السامري ببريق الذهب فجمعه وصنع إلها لبني إسرائيل ليعبدوه من دون الله, في غياب نبي الله موسى فسقط في عذاب أليم في الدنيا: لا مساس ولعذاب الآخرة أشد وأخزى.

ومن بعد وبدافع التعلق بالسلطان والتتويج ملكاً على المدينة قام عبد الله بن أبي بن سلول بذلك الدور الدنيء فأخذه الذي لم يهمله وانزل فيه قراناً يتلى إلى الأبد: ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ).

من أجل دراهـم الفضـة ومن اجل دنانير الذهب ومن اجـل سـطوة السلطة, ومن أجل امرأة قدم لها الحاكم رأس النبي يحيى علـى طبق يقطر دماً ليرضي تلك السـاقطة.

وما اكثر الأمثلة المعروضـة في التاريخ البعيـد والقريب, ولو عـبرنا التاريخ الغابر إلى الواقع الحاضر فإننا سـنرى أصحاب يهوذا وأمثاله يفجـرون ويغــدرون بأقرب الناس إليهم لقاء شيك فيه بعض الماركات أو الدولارات وفي سـبيل امرأة يدوسـون الرأي والدين, ويصدرون بياناً أشبه ببيان أبي لهب وكان يسير وراء الرسول من قبيلة الى قبيلة يدعو الناس الى الكفر بابن أخيه... وكان الله الديان بالمرصاد لم يتركه كما لم يترك غيره حتى امرأته حين أنزل العقاب الدنيوي والأخروي ماديا ومعنويا: ( تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة حطب في جيدها حبل من مسد ).

-39-

إلى من يهمه أمر المسلمين (1996م)

أرى لزاما علي أن أذكر بقضية الشعب الكردي, الذي عرف بأنه من أجمل الناس خلقا وخلقا, وأنه فارس الشرق, وأنه أشد الناس بأسا, وأكثرهم تمسكا بالدين, وان بلاده كردستان كانت بلاد الثغور وهي اليوم العمود الفقري للشرق الأوسط, وكان الكرد سيوف الإسلام طيلة التاريخ.

وعلى هذا يشهد رجالهم في ساحات العلم والحرب قديما وحديثا حيث واجهوا ولا يزالون يواجهون الجهل والجاهلية بغيرية بعيدة عن الأنانية الوطنية والقومية....

وفي العصر الحالي نادى الرئيس الأمريكي روزفلت لإقامة الدولة الكردية لحماية النفط.. ولكن مشروع الدولة الكردية أجّل لأن الشعب الكردي العريق في إسلامه لم يفهم لغة الغرب العلمانية ولم يقبل الولوغ في المستنقع الآثم الذي ضاع فيه كثير من المسلمين, مع ضياع كثير من أقطارهم من بينها فلسطين, ولذلك لجأ الغرب الى تقسيم كردستان إلى خمسة أقسام قدمت طعما للعرب والفرس والترك فوقعوا في الفخ حيث قبلوا دوراً.. لتأديب الشعب الكردي بمختلف وسائل الهدم والتدمير والقتل والتهجير....

وقد قام القوميون والوطنيون بتشكيل أحزاب متأثرة بالشرق الاشتراكي والغرب الرأسمالي بعيدا عن الدين الإسلامي....

حتى قيض الله لهذا الشعب المستضعف قبل أكثر من عشرة أعوام من دعاه إلى حمل راية الإسلام من جديد, والوقوف بوجه الاستعمار والاستعباد.. وذلك عندما تأسس الحزب الإسلامي الكردستاني -بارتيا ئيسلاميا كوردستاني-.

وقد أعلن عن مكتب أمريكا في حينه, ثم أعلن مكتب أوربا تحت اسم الاتحاد الإسلامي الكردستاني.

وكانت التغطية الإعلامية تتم عن طريق مجلة (جودي) باللغة العربية في أمريكا, ومجلة (جودي) باللغتين الكردية والتركية في أوربا..

ولقد انتشر الحزب بفرعيه في أوربا وأمريكا ودخل إلى أقسام كردستان, وبخاصة تركيا..

- ومن الأمثلة ما ورد قبل بضعة أيام من اعتراف مسؤول تركي من أن الحكومة التركية قادرة على مواجهة حزب العمال الكردستاني -وهو أقوى الأحزاب الكردية في تركيا- ولكن الحكومة التركية غير قادرة على مواجهة الحزب الإسلامي الكردستاني.

- ومثال آخر فيما نشرته صحيفة تركية حيث ذكرت أن الحزب الإسلامي الكردستاني قد حقق خلال سنة واحدة في تركيا ما لم يحققه حزب العمال الكردستاني في عشر سنوات.

- ومن الأمثلة ما اشتهر أن الحكومة التركية تتهم الأكراد العلمانيين بأنهم من حزب العمال الكردستاني, وبالمقابل تتهم الأكراد الإسلاميين بأنهم من الحزب الإسلامي الكردستاني, وتزداد قوة الحزب الإسلامي للصلات الحسنة مع الأحزاب الأخرى من خلال المشاركة على المستوى الوطني وعلى المستوى الإسلامي ومن ذلك الصلة بالحركة الإسلامية في كردستان العراق (حاك) وكذا الصلة بلجنة تحرير كردستان (كاك)....

والحزب الإسلامي الكردستاني بصدد طرح مشروع حكومته في المنفى لتوحيد الصفوف ومواجهة الظروف الصعبة...

هذا, ولقد عاش هذا الحزب السنوات العشر الماضية مكتفيا بالقليل من المال مع بذل الكثير من الجهود...

واليوم تزداد الحاجة المالية لمواجهة تزايد المسؤولية الإعلامية والإدارية:

- من تفريغ كلي أو جزئي لبعض الأعضاء.

- تنفيذ المشاريع في التربية والتعليم.

- مساعدة المهاجرين واللاجئين.

- إقامة أكثر من مركز إسلامي في أوربا وأمريكا.

وإنني لآمل من الاخوة المسلمين والأخوات المسلمات أن يهبوا لنصرة إخوانهم المهاجرين والمجاهدين.. وهم بحاجة عاجلة لعدة ملايين... والشعب الكردي سيعترف بالجميل وسيرد هذا بمثله وأكثر, مع حب كبير وتقدير عرف به الشعب الكردي من أقدم العصور إلى يومه هذا.

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون..

-40-

حكم عيد النيروز (المهجر-1996م)

في الإسلام عيدان عينهما الرسول صلى الله عليه وسلم هما : عيد الفطر وعيد الأضحى.

والعيدان المذكوران لهما صفة دينية, بحيث يحرم إلغاؤهما أو إلغاء أحدهما باسم الدين, كما يحرم إضافة عيد ديني آخر عليهما.

ولا يعني هذا حرمة الأعياد غير الدينية كالقومية والوطنية أو الشخصية ما دامت هذه الأعياد لا تخالف تعاليم الديانة الشرعية, وكذلك لا تخالف مبادئ الفطرة العقلية.

وعليه فإن الأعياد غير الدينية باقية على أصلها, والأصل في الأشياء الإباحة.

ويستأنس بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم عند قدومه المدينة المنورة, حيث وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء احتفالا باليوم الذي نجى الله فيه موسى عليه السلام, فقال الرسول صلى الله عليه وسلم معللا: (نحن أولى بموسى منكم) فصام عاشوراء وأمر أصحابه بصيامه.

ويـستأنس بمشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول في الجاهلية , وقوله : (لو أني دعيت إليه في الإسلام لأجبت) والعلة هي تحقيق هدف الحلف في دفع الظالم والدفاع عن المظلوم.

ويوم النيروز له دلالتان, أولاهما: دلالة تاريخية تحكي قصة تحرير الشعب الكردي من حكم الطاغية بعد الثورة عليه.

والدلالة الثانية طبيعية, حيث تبدأ السنة الجديدة مع بداية الربيع.

وهاتان الدلالتان -التاريخية والطبيعية- لا تخالفان الديانة ولا الفطرة, بل إن الديانة والفطرة لتأمران بالتحـرير من العبودية, والثورة على الطغاة الظالمين وتأمران بالسير في أرض الله , والنظر إلى جمال الطبيعة والاعتبار بآياتها.

وينبغي التنبيه على الالتزام بتعاليم الدين وبمبادئ العقل ,وعدم الخروج عن حد الاعتدال أثناء الاحتفال بعيد النيروز, وأن لا يؤدي الاحتفال إلى تعطيل الأهم أو المهم, وإلا عد لهوا, وحرم ديانة, أو منع إدارة سدا للذريعة ودرءا للمفسدة.

حقق الله الأهداف المجيدة في تحرير الكرد وتوحيد كردستان ..

والله المستعان... (الرد رقم 66).

-41-

أسباب هلاك الأمم في القرآن الكريم (المهجر-1996م)

أقام الله نظام الكون على منع الظلم وإقرار العدل, وذلك مرتب على أحكام العقل الفطرية وأحكام النقل الدينية, وفي الحديث القدسي أن الله حرم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرما, والنصوص الشرعية كثيرة في تحريم الظلم ووجوب مدافعة الظالم وأن الظلم عقابه عاجل في الدنيا مع عقاب الآخرة, ولذلك لا يقر الظلم من مسلم ولا كافر, لا في دار الإسلام ولا في دار الكفر.

ومتى وقع الظلم وجب العقاب عاجلا, فإن لم يقم الناس بالعقاب أنزل الله العقاب العاجل من السماء, وهذا من أحكام الأسباب والمسببات في نظام السببية الذي يقوم عليه الكون, والقرآن مثل بشواهد كثيرة على الهالكين من الظالمين من أمم الأنبياء المرسلين والدعاة المصلحين وغيرهم من الآخرين: كقوم نوح, وعاد وقوم هود, وثمود, وقوم صالح, وقوم لوط, وأصحاب الأيكة, وقوم تبع, وفرعون, كلهم لم يكفروا فحسب فالكفر له ميزانه وحسابه وعقابه في الآخرة لكن عوقبوا في الدنيا بسبب ظلمهم وكان النازل بهم طوفانا مغرقا أو ريحا صرصرا, أو زلزالا مدمرا أو بحورا مطبقة أو نارا محرقة أو خسفا ورجما...

وهذه الأسباب سنن ماضية ولن تجد لسنن الله تبديلا, أو تحويلا, فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله, فهذا قدره وقضاؤه في الإنسان خلال تاريخه الطويل على الأرض كما ترويه الديانات وآثار التاريخ والشواهد والأطلال لا تزال دالة قائمة.

ولكن الأسباب تتداخل وتتدافع, من أمثلة ذلك أن العذاب رفع عن أمة محمد لأنه ما زال بينهم ولأنهم كانوا يستغفرون, ورفع عن قوم يونس لأنهم رجعوا تائبين, ولا يبعد أن يكون بين بعض الأقوام المستحقين للعقاب من يدعو فيرتفع العقاب ويستجاب للدعاء, وقد يكون في أصلابهم من يخرج فيصلح فينجو الأباء بسببهم.

أما العموم والخصوص في العقاب فالأصل خصوص العقاب, ولكن يجب على غير العصاة الهجرة والخروج من أرض الظالمين ليخص العقاب أهله المستحقين له فإن لم يخرجوا كانوا في عداد الظالمين إلا المستضعفين منهم الذين لا يستطيعون حيلة ولا يجدون سبيلا.

وهذا ما يفسره هجرة نوح في السفينة, وخروج هود وصالح وإبراهيم ولوط وموسى وبنى إسرائيل... إلى محمد عليهم صلوات الله وسلامه.

وبعض دعاوى العموم فيها نظر ففي طوفان نوح قد لا يكون عاما للأرض وعلى الناس جميعا بل يكون في أرض القوم خاصا بهم مع القول بأن الناس ما كانوا قد انتشروا من أرض نوح.

والعموم إن نفذ وحل الهلاك وحل العقاب بالمؤمن وكان معذورا فإنه يبعث على نيته يوم القيامة ويشهد له حديث الخسف في الجيش وأنهم يبعثون على نياتهم.

وعالمنا المعاصر الذي اقتسمته الاشتراكية الشرقية والرأسمالية الغربية وبينهما العالم الثالث... ولقد وقعت مظالم كثيرة في هذه العوالم وتسلط بعض الظالمين تحت مختلف الأسماء والشعارات والوسائل.. ويظهر في بعضها السبب والعقاب واضحا وكأنه من السماء, يظهر لمن ينظر ويتدبر.

وسقوط أحد المعسكرين أو الطرفين يفسره الظلم الذي كان يمارسه هذا الطرف في البلاد والعباد الذين رضخوا لطغيان الحكم الشيوعي عقودا طويلة.

في ظل النظام العالمي الجديد هناك مستنقعات كثيرة يعشعش فيها الظلم, وجهات كثيرة تحترق, فالظلم لا يزال قائما ومنتشرا بأسمائه القديمة أو بأسماء مستحدثة, والظالم في هذا النظام طرف واحد لا يمنعه مانع ولا يدفعه, ولا يبعد أن ينزل العقاب من السماء وما ذلك ببعيد.