-1-

قبل الطوفان (جودي- 1982م)

من بعد آدم عليه السلام, والرعيل الأول هاجر نوح ومن معه, وغالبت سفينتهم أمواج الطوفان, حتى استوت على الجودي, وقيل بعدا للقوم الظالمين.

وفي جزيرة بوهتان دفن نوح عليه السلام على مقربة من قرية (هشتيان) وتعني الثمانين إشارة إلى عدد أصحاب نوح عليه السلام.

ثم انتشرت الشعوب والقبائل في كل الجهات تعمر الأرض وتستثمرها وبقي أصحاب (جودي) على سفوح وضفاف الأنهار يمثلون الشعب الكردي.

والتاريخ المكتوب يحدثنا عن امتداد الشعب الكردي واحتواء الحضارة العالمية في (بابل) حيث حكمتها قبيلة جودي ثم قريبتها قبيلة كاسان, قرونا عديدة.

ويحدثنا التاريخ عن الصراع مع الفرس وغيرهم, وأخيرا مع الترك والصراع مع الترك مر بمرحلتين: الأولى مع السلاجقة وهي مرحلة كر وفر والثانية مع العثمانيين الذين استطاعوا -عن طريق التصوف- أن يجعلوا بلاد الكرد معسكرا كاملا لفتوحاتهم ضد الفرس وغيرهم.

علما أنهم استطاعوا من قبل أن يهزموا جنكيز خان وان يرجعوا تيمورلنك خائبا خاسئا.

ومن أحاديث التاريخ عن قادة الكرد ما يحكيه عن الميديين وهم يزيلون الامبراطورية الآشورية. وما يحكيه عن أبي مسلم الخراساني وهو يقوض الخلافة الأموية لإقامة الخلافة العباسية. ثم ما يحكيه التاريخ عن صلاح الدين الأيوبي وهو يهزم الغرب الصليبي في بيت المقدس, ويزيل الخلافة الفاطمية في مصر .

بعد تقديم هذه الخلفية التاريخية, نريد من الأطراف المعنية في الداخل والخارج تفسيرا للمواقف حول القضية الكردية. على المستوى الديني والاجتماعي والسياسي. نريد تفسيرا قبل الطوفان..

-2-

خبر وتعليق (جودي-1982م)

في مقال نشرته مجلة شرق أوسطية النص التالي: (إن القضية الكردية تعكس واقعا جديدا ليس على المنطقة فقط بل وعلى الحياة والصورة المستقبلية القادمة قريبا جدا).

والنص لا يحتاج إلى تعليق يذكر لأنه مسلم به, وورد في المقال أن عدد الأكراد مليونين اثنين في تركيا والعراق وإيران والحقيقة أن عدد الأكراد يصل إلى ثلاثين مليونا ويزيد, وهم في الدول المذكورة معظمهم في ما يسمى بتركيا, والحكومة التركية لا تعترف رسميا بوجود كردي واحد بين شعبها كما لا تعترف بوجود كردستان على الأرض.

ولقد عجبت من اعتراف الحكومة التركية -كما ورد في المقال- بالقبض على خمسة عشر كرديا, وذلك لأن السياسة التركية تتجاهل الأكراد بالكلية حتى أن العمليات التي يقوم بها بعض الأكراد تنسب للأرمن أو لعصابات اللصوص وقطاع الطرق!!

أما الأكراد في العراق فيزيدون على ثلاثة ملايين, وهم في إيران يزيدون على ضعف ذلك, ولا يقـلون في سوريا عن مليونين, وهـذا عدا عن أكراد أفغانستان والاتحاد السوفييتي...

وبناء على هذا فإن الانفجار الكردي في الشرق الأوسط ليس بحجم مليونين -كما ورد في المقال- وإنما قد يكون بحجم يزيد على ثلاثين مليونا, وأقول (الانفجار) لأن القضية الكردية تتعقد يوما بعد يوم, والسبب واضح فأصحاب العلاقة يتجاهلون الظروف المدمرة التي يعيشها الأكراد, وسياسة النعامة لدى بعض الدول في تغطية الرأس في الرمال, وسياسة الدول الأخرى (إذا شرعت الحراب العسكرية فلا وجود للقضية الكردية ).

أقول: إن هذا السياسات لم تعد الآن قادرة على الاستمرار ومواجهة الأحداث القريبة جدا !!

-3-

تقسيم كردستان (جودي- 1982م)

كردستان هي العمود الفقري للشرق الأوسط -كما يقولون- والشعب الكردي شعب أبيٌّ صلب شجاع.

وتقسيم كردستان وتمزيق الكرد يعني إشعال الفتيل لتفجير الشرق الأوسط والضحية هم الأكراد ومن معهم ومن حولهم.

إن الخلاف مع الأكراد سوف يسمح بتمديد الأيدي وتمرير الأصابع في ظل المصالح الدولية والنزاعات المحلية, وهذه المصالح والنزاعات قائمة ومستمرة في المستقبل المنظور.

ولقد وجدنا أن التقسيم والتمزيق قد دفعا الأكراد إلى الانحياز في تركيا إلى اليسار العلماني, كما دفعهم في العراق إلى التعصب العرقي, ودفعهم إلى المذهب السني في إيران الشيعية.

وعلى هذا لم تظهر نتائج تذكر لسياسات التتريك والتعريب والتفريس والتشييع, والوسائل التي استخدمت أضرت بأصحابها أكثر مما أضرت بالأكراد, والحكومات الأربع تعيش اليوم من جراء ذلك دمارا اقتصاديا وتفككا اجتماعيا, خلفتها الحروب الطاحنة وتركتها بنود حلف بغداد واتفاقية الجزائر والاتفاقات العلنية والسرية والضمنية بين سوريا والعراق وتركيا وإيران.

هذه السياسات كلها قد ثبت خطؤها, وظهر خطرها, وفشلت فشلا ذريعا ,ولم يعد خافيا على أحد أن الحرب لم تتوقف في يوم من الأيام بين الأكراد والدول التي ألحقوا بها, وكل ما في الأمر أن الحرب معلنة حينا ومغطاة حينا آخر بغطاء.

-4-

من كردستان إلى فلسطين (جودي- 1982م)

لقد وجدوا أن منظمة التحرير الفلسطينية لا تقوم بدور الوساطة المطلوبة بين العرب وإسرائيل, وبدون هذه الوساطة لا يمكن أن تكون فلسطين البوابة المفتوحة التي يحكم فيها الغرب قبضته على الشرق, ولا تكون الجسر الذي تعبر عليه الصهيونية لتحقيق حلمها في دولة إسرائيل الممتدة حدودها من الفرات إلى النيل ... بل بالعكس من ذلك فقد وجدوا أن هذه المنظمة هي حجر عثرة ومصدر إزعاج في الداخل عسكريا, وفي الخارج سياسيا.

فما كان منهم إلا أن قرروا تصفيتها والتخلص منها. وهم -ونعني أولئك الذين يتحكمون في مصير الشعوب من شيوعية وصليبية وصهيونية- ينفذون مخططاتهم بطريق غير مباشر, ولكن إذا لزم الأمر باشروا بتنفيذها بأنفسهم .. وهذا ما فعلته إسرائيل في غزوها للبنان وتسديد الضربة المباشرة للفلسطينيين, ومن قبل فعلته أمريكا في فيتنام, وفعلته روسيا في أفغانستان.

ويبدو أنهم يريدون حل القضية الفلسطينية بالأسلوب الذي اتبعوه في معالجة القضية الكردية .. يعني تفريغ الساحة والقضاء على القوى المناضلة التي لا تلين ثم التعامل مع الفئات التي يسلس قيادتها ويسهل احتواؤها وتوجيهها.

والخلاف -إن وجد- بين القضية الكردية والقضية الفلسطينية فهو ليس في الأدوار وإنما هو في الممثلين مع ملاحظة حجم كردستان في اتساع رقعته وكثرة سكانه الذين يقاربون الثلاثين مليونا بل يزيدون.

إنهم لم يجدوا في كردستان طبقة عميلة تتجاوب معهم, وتكون في نفس الوقت قادرة على قيادة الشعب الكردي, ولما عجزوا عن إقناع الكرد وجر كردستان إلى حظيرتهم لجأوا إلى تمزيق شعب الكرد وتقسيم أرض كردستان إلى أربعة أقسام وزعت على أربع دول في المنطقة وأخذت كل دولة منها على عاتقها مسؤولية تصفية القوى المناضلة .

ولا شك أن دوافع الطمع عند هذه الدول في استعمار أرض, واستعباد شعب كان له دوره في تشديد القبضة على الكرد بغية تتريكهم وتعريبهم وتفريسهم.

ولكن هذه الدول بممارساتها اللاإنسانية في كردستان ضحت بسمعتها في العالم وتردت إلى إفلاس اقتصادي ودمار اجتماعي.

والكاسب في العملية كلها هم الشيوعيون والصليبيون والصهيونيون, ولقد أصابوا عدة عصافير بحجر واحد, فقد أضعفوا الدول الأربع المعنية, وأشغلوها في صراعات واضطرابات داخلية وخوف دائم مما أدى إلى ترسيخ العداء بين الكرد من جهة وبين شعوب هذه الحكومات من جهة أخرى .

وأدى كذلك إلى ردة فعل عنيفة في الأفكار الأيديولوجية والتركيبة الاجتماعية وولد طبقة كردية مؤهلة لأن تنفجر فتدمر المنطقة كلها, و هو ما يريدونه لإعادة ترتيب الأوراق وفق مخطط جديد لوضع حدود إسرائيل الكاملة ولوضع اليد المباشرة على كنوز الشرق وبتروله.

والذي يظهر لنا أن إخراج الفلسطينيين من لبنان سيجعلهم قنبلة كالقنبلة الكردية التي يراد تفجيرها كذلك للسبب نفسه.

إن فلسطين بموقعها المتوسط بين الشرق والغرب ومركزها الديني عند المسلمين والنصارى واليهود مثل كردستان في الأهمية العالمية بموقعها الاستراتيجي ومركزها البترولي, إن الخلفية التاريخية لكل من الشعبين الكردي والفلسطيني وعلاقة الكرد بتحرير فلسطين أيام صلاح الدين, كل ذلك جعل الدوائر الاستعمارية تنظر إلى الوطنين بمنظار واحد وتتعامل مع الشعبين بأسلوب واحد .

والشيء المهم الذي يجب التأكيد عليه هو أن المحرك للشعبين ليس القومية العربية ولا القومية الكردية, وليس الاشتراكية ولا التقدمية ولا غيرها من الشعارات فما هذه الشعارات إلا مظاهر قدمت كبديل للإسلام وفشلت ... لأن بريقها لم يحجب شمس الإسلام, وفشلت لأن أصحابها لا يشكلون ثقلا يذكر إلى جانب المسلمين المحافظين الملتزمين.

لقد نزل رجال الكرد الأشداء أولو البأس الشديد من جبالهم يوما وساهموا في طرد الصليبيين وتحرير مقدسات فلسطين, وتطهير العالم الإسلامي من الأعداء والعملاء ورد اعتباره إليه, وسينزل الكرد مرة أخرى مع صلاح الدين وابن تيمية و سعيد بيران وبديع زمان جديد ...

فالخير في هذا الشعب باق بإذن الله, الذين وهبوا أنفسهم للإسلام مذ دخلوا فيه وكانوا أهله وحماته ولا يزالون.

والذين يعلمون .. يعلمون أن هدف الكرد في تحرير فلسطين لا يقل أهمية عن هدفهم في تحرير كردستان .

-5-

جودي في كردستان يا بروفيسور (جودي-1984م)

قبل سنوات قدمت رسالة علمية إلى إحدى الجامعات في الشرق الأوسط, وقد ذكر الباحث في قصة نوح والطوفان النص التالي:

(واستوت السفينة راسية عند الجبل المسمى بالجودي من جبال أرارات في جزيرة ابن عمر بكردستان).

فقال البروفيسور للباحث: (جودي في تركيا, وليس في كردستان ولا يوجد كردستان في أي مكان).

والبروفيسور -المذكور- يعني انه لا موقع لكردستان على الكرة الأرضية, ولا موضع لها بين معاجم اللغة, ولا في كتب التاريخ, ولا على خرائط الجغرافية, هكذا قرر أتاتورك وساداته, و هكذا أرادت تركيا وأترابها.

وقد نسي البروفيسور أن الباحث ليس كرديا مستضعفا في تركيا وإنما هو أجنبي يعيش حراً خارج الحدود الحديدية, ذي الأسلاك الشائكة المزروعة بالقنابل والمحشودة بالجنود... خارج الحدود حيث يسمح للناس بان يتلفظوا باسم كردستان بألسنتهم متى شاءوا بلا إرهاب ولا عقاب, وأن يسمعوه بآذانهم كما يحلو لهم بلا حسيب ولا رقيب.

ونسي البروفيسور أن كتب التاريخ -خارج السجن الكبير- تتحدث عن شعب كردستان, وكذلك الصحف والمجلات, والإذاعات المسموعة والمرئية وسائر وسائل النشر والإعلان والإعلام.

وخارج حدود الاستبداد والاستعباد -خرائط البلدان, بكل اللغات وبمختلف الأحجام والألوان, معروضة في الكتب ومعلقة على الجدران- وهي ترسم حدود كردستان, وتحتضن جبال كردستان.. نعم كردستان... فهلا تذكرت موقع الجودي يابروفيسور! وهلا عرفت ما يعنيه اسم كردستان يا بروفيسور!.

إنه يعني إسلاميًا:

مهبط نوح أبي الإنسان, ومبعث إبراهيم أبي الأنبياء ومنشأ ابن تيمية بطل الإصلاح, و يعني صلاح الدين الأيوبي قائد الجهاد والكفاح.. ويعني بديع الزمان النورسي إمام الدعوة في الجيل المعاصر.. ويعني عشرات ومئات وألوفا من الفاتحين والمصلحين.

إنه يعني بشريا:

ثلاثين مليونا أولي بأس شديد, لم تهدمهم عقائد الشرق ولم تذوبهم رذائل الغرب.

وإنه يعني اقتصاديا:

بحيرات البترول, ومناجم الفحم والمعادن, ومصادر الطاقة, وقطعان الماشية, وموارد الثروة الحيوانية. وغابات المشمش والتين والزيتون والرمان والأعناب.

واسم كردستان يا بروفيسور يعني:

الجبال الراسيات الشامخات تكسوها ثلوج الشتاء البيضاء الناصعة, وترويها ينابيع الربيع النقية الصافية,وتحمل وديانها أوراق الخريف الندية, وتشع قمتها بأشعة الصيف الذهبية.

وحديث عن أطفال كردستان الصغار.. لا عن الكبار, عن الزهور الزاهية.. لا عن الأشواك الدامية, عن النسيم العليل والفراشات والحمائم.. بلا رياح عاتية.. ولا ذئاب جائعة.. ولا طيور جارحة. وماذا بعد هذا يا بروفيسور!!

ماذا لو نطق جودي كردستان عما فعل ويفعل المستكبرون..

وماذا لو تكلم الكرد الجوديون عما أصاب ويصيب المستضعفين..

-6-

دعوتنا الإسلامية (جودي-1982م)

دعوتنا دعوة إسلامية عالمية, وهي جزء من الحركة الإسلامية الكبرى في وقتنا الحاضر التي تتبنى الإسلام التزاما فكريا في العقيدة, وسلوكا عمليًا في العبادت والمعاملات, ومنهجا تربويا في الأخلاق والآداب, وأسلوبا حركيا في الجهاد والدعوة الى الله, ونظاما سياسيا في الحكم والعلاقات المحلية والدولية .. وليس أمامنا إلا إسلامنا, فهو الدين الذي ارتضاه رب العالمين لخلقه أجمعين, وقد ناسب هذا الدين فطرة الكرد, وترسخ فيهم منذ مئات السنين, وتأثروا به, وتعاملوا معه, حتى اصبحوا جزءا منه, به يفكرون, وبه يتحركون, حتى اصبح واقعا تاريخيا واجتماعيا, مما أوجب أن يكون وان يبقى واقعا سياسيا واقتصاديا, والشعوب تنطلق بما لديها من راس مال كي تتحرر وتتقدم, وليس عند الكرد من راس مال غير الإسلام وأهله.

وإذا طرحنا قضيتنا كقضية إسلامية عالمية, فانها ستكون في اكبر دائرة وأوسع أفق لا كما تطرح كقضية قومية في نطاق ضيق ودائرة صغيرة. فان الشعوب تموت إذا تقوقعت على نفسها, والإسلام وحده قادر على جمع الكرد في فكر موحد وصف مرصوص, وهو قادر على دفعهم بقوة وثقة وثبات الى الغاية والهدف..

إن الإسلام يبعث روح التضحية والبطولة, ويدفع للفداء بالنفس والنفيس, فيتحقق الشعور الذاتي لحل القضية الكردية المستعصية.

إننا نعيد ونكرر ونركز على هوية دعوتنا الإسلامية السمحة, ونحن بهذا نستطيع أن نتعاون مع الجهات والحركات الإسلامية والقومية بسهولة ويسر.. فالتعاون والإخلاص هو شعارنا مع هذه الحركات.. واكبر دليل على هويتنا المشرقة هذه, أن الباب مفتوح لكل مسلم صحيح العقيدة, قويم السلوك, بغض النظر عن اصله أو جنسه, حتى يعمل معنا ويجاهد ويكافح مع شعبنا المظلوم, وقضيته المتأزمة.

ونحن إذ نقبل النصيحة من كل أخ مسلم, ونفتح صدورنا لكل نقد بناء, فإننا في الوقت نفسه نتعاون ونستفيد من الجهات التي تعمل لتحرير الكرد شعبا, وتحرير كردستان وطنا إذا لم تكن هذه الجهات معادية لدين الشعب.

إن أول ما ندعو إليه هو استقامة المنهج الذي نسير عليه.. ذلك أن الغاية الكبرى لتأسيس هذه الدعوة المباركة, هي رضوان الله سبحانه وتعالى, والاستجابة لندائه برفع الظلم والعدوان عن الشعوب المظلومة المستضعفة.

-7-

خلفية تدخل الجيش التركي في كردستان العراق (جودي 1983م)

الحكومة التركية التي أسسها أتاتورك على أنقاض الخلافة العثمانية, لم تكتف بحصتها من كردستان التي قسمت أعقاب الحرب العالمية الأولى بين خمس دول من بينها تركيا التي نالت القسم الأكبر مساحة والأكثر سكانا .. بل طمعت ولا تزال تطمع في شمال العراق وشمال سوريا .. حيث حقول النفط الغنية والمصادر الوفيرة للثروة الزراعية والحيوانية .

وهي تدعي الحق في ضم الشمالين بحجة أنهما منطقتان تركيتان وهي نفس الحجة التي استعملتها في ضم القسم الأول من كردستان, وهذا المنطق يقوم على اعتبار الكرد في العالم أتراكا مع التناسي الكامل لكل ما يقوله علماء النفس والاجتماع والتاريخ.. في عوامل تكون المجتمعات البشرية كالأصل واللغة والعادات والتقاليد والآمال والآلام.. والعامل الديني -وهو ذو أثر كبير- قد استهدف بعد إلغاء الخلافة العثمانية وانسلاخ الحكومة التركية عن الإسلام بالكلية ومحاربتها له بكل سلاح فانهار بذلك ما بين الكرد كشعب مسلم شرقي وما بين الترك كحكومة علمانية ملحدة وكمولودة بريطانية وربيبة أمريكية تخلت عن الشرق وصارت تلهث وراء الغرب في كل شيء.

ولا شك أن العامل الديني أدى إلى وقوف الكرد إلى جانب الخلافة العثمانية.. ليس لأن العثمانيين كانوا أتراكا بل لأنهم كانوا يمثلون الخلافة الإسلامية وهو موقف مشابه لموقف الكرد في حماية الخلافة العباسية من قبل.

أما الشعب التركي المسلم فقد وقفنا معه وقفة تذكير وعتاب في بيان سابق فليرجع إليه من يهتم بمشاكل المسلمين (منشور ملحق جودي).

إن الكثيرين يعلمون أن الكرد يتجاوزون الربع وقد يبلغون الثلث من مجموع سكان تركيا .. وهذا الربع أو الثلث من السكان يعتبرون أتراكا في نظر الحكومة التركية منذ أيام أتاتورك و إلى يومنا هذا أي منذ أكثر من نصف قرن وعلى الرغم من استعمال كافة وسائل التذويب فإن سياسة التتريك فشلت وكل ما حققته عدا تعقيد المشكلة هو تغيير الأسماء الكردية واستبدالها بأسماء تركية كتسمية كردستان باسم (دوغو) أي الشرق وتسمية الكرد (أتراك الجبال) وإجبار كل كردي على حمل لقب تركي في السجلات الرسمية وفرض التحدث باللغة التركية في الدوائر الحكومية .

والذي يؤكد فشل السياسة التركية الانقلاب العسكري الأخير1980م, فالانقلاب وإن كان موجها لتحجيم الاتجاه الإسلامي التركي الممثل في حزب السلامة الوطني إلا أنه قبل ذلك وبعده كان موجها لضرب الثورة الكردية في الشرق.

وقد حصد الانقلابيون أكثر من ثلاثين ألفا من القيادات الكردية وهذه التصفيات الدموية لا يدخل فيها أولئك الذين أعلن عن إعدامهم ولا أولئك الذين يهيؤون للإعدام عن طريق المحاكمات الصورية وهي محاكمات تعلن على الملأ للتظاهر بالديمقراطية المستوردة, ولسبب آخر ليس مجهولا وهو تشويه صورة الشعب الكردي في الخارج وإثارة النقمة عليه في الداخل.

ولا نظن أن المحاكم التركية تجهل أنها تحقق في جرائم ارتكبها عملاء المخابرات التركية (م.ى.ت) بعد أن ألصقت بالتنظيمات الكردية .

وعلى أية حال فإن هذه المحاكمات تتيح للنظام التركي أن يتبجح في المحافل الدولية بالديمقراطية وأن يتذرع بالعدالة أمام لجان حقوق الإنسان .

وهو يشبه إلى حد بعيد ما تذرع به في تدخله بالاتفاقية العراقية الإيرانية التي تعتبر كردستان مفتوحة مستباحة أمام القوات العسكرية ٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌ!!

وذلك يذكرنا بقصة الذئب الذي احتج على تعكير ماء الساقية فهو - أي الذئب- شعار مقدس عند الحكومة التركية تتخذ منه رمزا وطنيا وقوميا والرواية تزعم أن ذئبة تولت إرضاع وتربية الجد الأول للعائلة التركية وهو السبب في تلقيب أتاتورك بالذئب الأغبر وأتاتورك هو أبو الأتراك, وهو السبب كذلك في تكوين تجمعات تركية باسم أنواع من الذئاب, وإذا كنا لا نصدق قصة الذئب المرضع لأنها أسطورة لكن تصرفات الحكم التركي منذ أكثر من نصف قرن هي تصرفات الذئاب الحقيقية في الوحشية والغدر والتزييف والمخادعة.

ونعود إلى عملية الغزو لنجد أن توقيتها يصادف ظروفا حرجة بالغة الأهمية فهي تلتقي مع اقتراب الحرب العراقية الإيرانية من نهايتها وبعد التواجد القوى للكرد في العراق حيث تمت سيطرتهم على ثلث أراضيهم الجبلية.

ومع ازدياد حدة التوتر السياسي داخل تركيا عامة وفي الشرق الكردي خاصة بالإضافة إلى تدهور الوضع الاقتصادي الذي وصل إلى درجة الانهيار شبه الكامل.

بقى أن نقول أن السبب الأهم في عودة الجيش التركي وهو السبب الذي يصر النظام التركي على إخفائه بكل السبل ولا يستطيع الكشف عنه بحال من الأحوال. هذا السبب هو ما وجدوه في كردستان العراق على يد الكرد الذين عرفوا كيف يواجهون ويتعاملون مع الذئاب الشرسة فلم يجعلوا هذه المغامرة سياحة للجيش التركي...

وبعد هذا فإن الخيار مُرٌّ بعد عملية التدخل الفاشلة وسيحتار خلفاء أتاتورك كثيرا في سبيل إعادة الاعتبار بين العودة لغزو الشمال وبين العودة للشرق للانتقام من أتراك الجبال... الانتقام من الشعب الكردي الذي رد جدهم جنكيز خان إلى منغوليا فحموا بذلك حضارة العالم .

والانتقام من الشعب الكردي الذي رد حلفاءهم الصليبيين إلى أوروبا فحموا بذلك حضارة المسلمين.

-8-

متى تستوي الجودي? (جودي - 1983م)

العام الأول يكاد أن ينقضي من عمر جودي ولا زالت جودي تحبو كالوليد السعيد يريد أن يبلغ أشده, وكالبذرة الكريمة في التربة الصالحة تنمو وتكبر حتى تكون شجرة وارفة الظلال طيبة الثمار أصلها ثابت وفرعها في السماء.

وفي ختام العام الأول لا تزال جودي في عرف الناس نشرة في مضمونها ومظهرها, ولمجلة المجتمع الكويتية وجهة نظر تمثل رأي الكثيرين في جودي فقد قالت عن مظهرها: حجم صغير -صفحات قليلة- وطباعة نسخ, وقالت عن مضمونها: إنها تهتم بمقالات وموضوعات ذات قيمة, إنها روح جديدة على الساحة الإسلامية نأمل لها الانتشار والتوفيق.

والأمل المعقود قد يتحقق مع العام الجديد لتخرج جودي في ثوب جديد من الحجم والصفحات والطباعة.

أما المقالات والموضوعات ذات القيمة فقيمتها تكمن في أنها طرحت قضايا دينية ومفاهيم فكرية لفها الجهل والتجاهل. كما أنها ذكرت بأحداث تاريخية أسدل عليها الطغاة والبغاة ستار النسيان والتناسي, وكذلك سجلت ظروفا سياسية صعبة وأوضاعا اجتماعية قاسية تمر بها كردستان أوجدها الجلادون من أدعياء الإسلام وأعداء الإنسانية.

بقي أن نذكر بانتقال جودي في بداية العام الثاني من ملواكي إلى بريجبورت, وهو انتقال من غربة إلى غربة شأنها كشأن الجوديين الغرباء.

فمتى يعود الغرباء إلى كردستان?

ومتى تستوي جودي على الجودي?

-9-

رسالتان إلى الخميني (جودي -1984م)

في عيد 1403هـ أرسل الدكتور كابوري رسالة إلى الإمام الخميني بواسطة مكتب مندوبه الذي يمثله وقد تضمنت الرسالة المبادئ الأساسية لبارتيا اسلاميا كردستاني وكلمة موجزة, ولم يصل الرد بعد.

وفي عيد 1404هـ أي بعد عام كامل, عاد الدكتور كابوري فأرسل إليه كتاباً جديدا يذكر فيه بالقضية الكردية في أقسام كردستان ومن بينها القسم الإيراني من كردستان وبين له: أن الله قد خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا بالفضل والإيثار, وأدنى درجات التعارف هو الحق والعدل, ولذلك فان الاستكبار والطغيان هما من اعظم الظلم على الأرض, ثم أشار إلى أن الشعب الكردي يكاد يفقد صبره وصوابه وهو مهدد بالانفجار والانهيار ليكون لعنة على المجاورين له.

لكنه أكد على: أن المجال مازال مفتوحا والفرصة لاتزال سانحة لم تفت بعد لمد اليد لهذا الشعب المظلوم بغية إنقاذه وإنصافه ليكون هذا الشعب رحمة على المجاورين له.

-10-

قبل فوات الأوان (جودي-1985م)

بين أيدينا رسالة من قارئ كردي يعيش في بريطانيا, في عشر صفحات كبيرة تعبر عن آلام الشعب الكردي المسلم.

والمفروض في المسلمين أن يتحدوا في المشاعر, وان يلتحموا في الصفوف كالجسد الواحد, والبناء المرصوص.. حتى يشتركوا في الرؤية الواضحة والحكم العادل.. وحكمنا ورؤيتنا: أن الحكومات قد ابتلي بها الأكراد, وان كانت هذه الحكومات متفاوتة فيما بينها في نسبة بغيها وطغيانها.. بدءا بالعراق وتركيا, وانتهاءا بسوريا وإيران.

والبغي والطغيان يتعديان الكرد إلى المسلمين عامة, فما لقيت الحركة الإسلامية في مكان كما لقيته في أوطانها على أيدي حكوماتها.. ونحن إذ نعلن براءتنا من الحكومات الباغية الطاغية نطالب المسلمين جميعا- وبخاصة في الحكومات الأربع- أن يعلنوا براءتهم ونطالبهم بموالاة المظلومين المستضعفين.. ومعلوم أن البراءة والموالاة هما ميزان الحياة, لأنهما من أصول الدين ومن القواعد الإنسانية. وعندما وقع خلل في هذا الميزان حلت المصائب بنا وبشرقنا كله ولذلك فنحن نتوجه إلى المسلمين- ونؤكد على الذين يعملون منهم في التنظيمات والجمعيات نحذرهم من الإغراق والانجراف في المصالح الشخصية الأنانية, ونذكرهم لقطع كل علاقة بالطغاة البغاة في الداخل والخارج, فنسيان الذات والعمالة لمثل هؤلاء من اكبر الجرائم, وذلك لأن هؤلاء الأعداء إنما يعادون اعظم ما لدينا وهو ديننا. ويستهدفون أغلى ما عندنا وهو أخلاقنا.

ومعلوم لدى إخواننا المسلمين أن أعداء الداخل والخارج قد اجتمعوا على الكرد وكردستان.. لشيئين:الأول :لأن الله قد جعل الكرد قوما أولي بأس شديد, جندهم للقضاء على المغول والصليبيين وغيرهم... ولسبب آخر هو: الثروات الطبيعية التي جعلها الله في ارض كردستان.. من ينابيع البترول وغيرها..

فهيا يا مسلمون لقراءة التاريخ.. والتاريخ الإسلامي بالذات -قراءة صحيحة لمعرفة هوية الكرد الأخلاقية والدينية.

وهيا يا مسلمون لإعادة النظر في واقع الكرد وتقسيم كردستان لمعرفة الجور والإجرام اللذين ارتكبا بأيدٍ تدعي الإسلام.

وهيا يا مسلمون -وقبل فوات الأوان- فان قيام الدولة الكردية على غير الإسلام يعني أولا محاكمة الذين بينهم ثم الذين حولهم, وهو حكم رهيب فيما لو روعي فيه الجزاء بالمثل.

هذا الحاضر فقط وأما إذا نظر في التاريخ فالأمر أكبر من أن يقدر.. لان الذي ارتكب بحق الشعب الكردي لا يتصور.

فعلى المسلمين أن يهبوا جميعا, ويعملوا بقوة, للمشاركة في إقامة حكومة كردستان الإسلامية وهي حكومة تمد يدها للمسلمين خاصة بالفضل, وتمد يدها للناس عامة بالعدل, وهي حكومة تلتزم بمبدأ: الإسلام يجب ما قبله ويقول للمجاورين: اذهبوا فانتم الطلقاء ويقول للمقصرين: اللهم اغفر لهم فانهم لا يعلمون.

بقي أن نذكر الذين لا يحكمون الإسلام في تعاملهم أو لا يرتضونه.. والذين يتاجرون بالإسلام أو يستخدمونه في هضم الحق وهدم العدل وضياع الواجب واستعباد العباد, هؤلاء وأولئك سيندمون مرتين, والمستقبل قريب والأمر كله لله وحده.

-11-

الأحبة في الغرباء (جودي-1986م)

السلام عليكم وعلينا وعلى عباد الله الصالحين وبعد:

هذا طرف من قصة (نحن وأنتم).

* نحن وأنتم... بعضنا أولياء بعض, نرى أنفسنا من خلالكم والمؤمن مرآة أخيه.

* ونحن ننتظر منكم النصح, و(الدين النصيحة).

* ونحن نحتاج لنصرتكم, (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً).

* وأنتم تحسنون إلينا مرتين, مرة إذ تكشفون الإيجابيات الحسنة فتشجعوننا, ومرة أخرى عندما تهدون إلينا عيوبنا.. لنعرف موقعنا ونقف عند حدنا.

* وأنتم قطعتم أشواطاً طيبة في الجهاد, وعرفتم كثيرا من معالم الطريق كتب الله أجوركم ويسر أموركم.

* ونحن في بدايات الطريق.. وقد سمعتم عن بضاعتنا, فان وجدتموها مزجاة.. فهو إناؤنا.. ينضح بما فيه. لكنا نؤكد أن مشاعركم غالية علينا.. فاقبلونا, ونحن حريصون على العروة الوثقى بيننا وبينكم.. ومن أجل حبنا لكم, وحاجتنا إليكم.. فتحملونا!

ونقدم هذا القول للأخ عبد النور من بريطانيا, بل نقدمه لكل فرد أو جماعة من إخواننا المسلمين, الذين يرون أن واحدا من (باك) تجاوز في الحق أو قصر في الواجب.

بقي أن أشير إلى العبارة التي وصفت (كابوري) الأمين العام لبارتيا اسلاميا كردستاني.

والصحيح أن (كابوري) مجرد من كل المسئوليات, وهو الآن شخصية استشارية فقط, بسبب قضائه لفترتين مدتهما ست سنوات, ولا يتيح النظام للأمين العام أن يبقى في منصبه أكثر من هذه المدة, ولعلها سنة حسنة في تدريب القادة, ثم إراحتهم وترك الفرصة لخبرات شابة وجديدة لمنع القدماء من إنشاء التكتلات الشخصية, وسد باب وراثة القيادة وفي الواقع دروس.. والتاريخ مدرسة.

وختاما.. فنحن وأنتم في رعاية الله ورضوانه وجنانه.. إن شاء الله تعالى.

-12-

الوضع الراهن في كردستان (جودي - 1989م)

لقد تعرض الشعب الكردي المسلم في غالبيته منذ الحرب العالمية الأولى وصعود نجم الطاغية مصطفى كمال أتاتورك إلى عديد من المآسي والمذابح التي لا يزال لها أثر عميق في نفسية الإنسان الكردي, فلقد زج بالألوف من الأكراد في السجون والكهوف التي سدت أبوابها بالأسمنت وأعدم منهم الألوف ظلما وعدوانا, وتم الاعتداء على نسائهم وأطفالهم إضافة إلى عمليات حرق القرى وإزالتها من الوجود, ومن ثم تهجير مئات الألوف من كردستان إلى المناطق الغربية من تركيا.

ومنذ الحرب العراقية -الإيرانية تمارس الحكومة البعثية في العراق نهجا أشد وحشية وأقسى حيال الشعب الكردي في جنوب كردستان, حيث استخدم الغاز الكيميائي المحرم دوليا في قتل الألوف من المسلمين وغير المسلمين نساءا وأطفالا, وهدد النظام العفلقي الأوساط الدولية باستخدام الغازات السامة مستقبلا أيضا كعقوبة للشعب الكردي الذي يرفض ربط مصيره بالطاغية صدام, وبعد توقف الحرب زحفت جحافل الجيش العراقي إلى كردستان لتعمل في شعبها ذبحا وتقتيلا, مما تسبب في تهجير مئات الألوف إلى خارج كردستان وإلى الصحارى الجنوبية وسط صمت العالم الإسلامي، والعرب الذين يؤيدون النظام الدموي في بغداد تأييدا لا يمكن تفسيره إلا على أساس الجاهلية التي حاربها الدين الإسلامي الحنيف, نعم إنها الجاهلية التي حاربها الإسلام.

لقد وصل الأمر بصدام, بعد سلسلة من المذابح المروعة التي ارتكبها جيشه ضد الشعب الكردي إلى شروعه في إخلاء كردستان من شعبها الذي يسكن هذه المنطقة منذ فجر الحضارة البشرية.

ومما يدعو للأسف أن الصحافة العربية التي تلهث وراء الأنظمة والحكومات وتأكل من فتات موائدها تقف إلى جانب صدام بتغطيتها لمشاريعه العدوانية إعلاميا.

وبمجرد أن شعرت الدولة التركية المعادية للإسلام بأن العالم ساكت عن قمع الشعب الكردي لجأت هي الأخرى إلى البدء في سياسة تهجير عشرات الألوف من الأكراد وترحيلهم عن مناطقهم وذلك بعد سلسلة من ممارساتها القمعية حيال اللاجئين الأكراد الهاربين من طغيان صدام بزجهم في معسكرات اعتقال يتم فيها القضاء على روح المقاومة والثورة والانتفاضة, ولقد أصبح مشهورا لدى العالم ما قامت به الأوساط المعادية لهذا الشعب من محاولة تسميم آلاف اللاجئين بسم الثاليوم أثناء تقديم وجبات الطعام, كما يعلم العالم أن موقف الحكومة التركية تجاه اللاجئين الأكراد يختلف اختلافا جذريا عن موقفها حيال الأتراك الهاربين من بلغاريا.

فمن جهة تمنع أية مساعدة دولية للأكراد, ومن جهة يتوسل رئيس النظام التركي إلى العالم كله من أجل دعم ومساعدة الأتراك ويحاول إثارة العطف والشفقة لدى الشعوب الإسلامية, فأية عنصرية هذه وأية جاهلية?

وغريب جدا أن قائدا كرديا يقتل أثناء مفاوضاته مع حكومة إيران دون أن يثير ذلك غضب أحد في عالمنا الإسلامي, مع أن مثل هذه المفاوضات كانت ستحقن دماء المسلمين إن نجحت.

إن وضع الشعب الكردي الحالي بات معروفا لدى برلمان الدول الأوروبية في حين تقمع كل كلمة حق تقال عن الشعب الكردي في العالم العربي.

وفي مثل هذه الظروف القاتمة التي تحيط بكردستان تحاول أبواق الدعاية بث اليأس في نفس هذا الشعب الذي جبل على محاربة الظلم و رد العدوان والتصدي للطواغيت, والتاريخ شاهد كبير على مواقف هذا الشعب في حربه المستمرة ضد المجرمين ومغتصبي حقوق الإنسان.

ونحن نقول للشعب الكردي, وكلنا ثقة وأمل بأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

وقال الله تعالى في حـق الظالمين المستكبرين : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) كما قال في حق المؤمنين المستضعفين : ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ).

ونختم القول ببشارة بديع الزمان النورسي, وهو يخاطب قومه الأكراد: (لكم الفضل بسبق بأصالة فطرتكم الجوادة, ولكم الشرف ملء خيامكم السوداء التي ستنقلب قصورا بيضاء ).

الكرد لا سند لهم ولا صديق لا في الداخل ولا في الخارج ...

وإنما المصالح تدفع بعض الداخلين والخارجين إلى مساندة الكرد وصداقتهم, والكرد يبادلونهم ذلك مرحليا من باب المعاملة بالمثل..

فعلى ملالي كردستان وعلينا أن لا نثق بأحد إلا بمقدار ما يحقق النفع ويدفع المضرة ! وعندما نصبح في مركز القوة فلسوف نثق في كثيرين.. أما الآن فقد تلقينا من الضربات ما صرنا نعد بسببه من كبار المغفلين, ورسولنا الأمين أخبرنا أن المؤمن كيِّس فطن, وأن المؤمن لا يلدغ من حجر مرتين.

فتعاملوا بالعدل ولكن لا تصبحوا عملاء لأحد ولا تغرنكم الشعارات فتجار الشعارات ليس لهم دين أو خلق أو ضمير.

واسألوا أي كردي عنهم في أي جزء من أجزاء كردستان واسألوا آباءهم فمتى يفهم الأبناء والأحفاد الذين هم نحن ...؟

-13-

بين الإفراط والتفريط (جودي-1989م)

بعض المفكرين يطلبون المفاصلة الكاملة لتطبيق مفهوم الولاء والبراء, ودار الإسلام ودار الكفر والمجتمع الجاهلي...

وفي مقابلهم أهل التذوّب والتسيب المتسترين بمفاهيم الجبرية من تقية, وإمامة وإمامية, وانتظار المسيح والمهدي..

وبغض النظر عن الفريقين فليس هناك مانع عقلي ولا شرعي من المعاملة الحسنة.. فإحسان التعامل هو حكم الشرع والعقل, وقد كتب الله الإحسان في كل شئ كما أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم.

وفي القرآن مواضع يخبرنا فيها تعالى أنه يحب المحسنين, وانه معهم, حتى انه أمر بالمعاملة الحسنة مع الأعداء كما في قوله: ( ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) بل مع أطغى الطغاة (فرعون) كانت وصية الله لنبيه موسى وهارون عليهما السلام: ( فقولا له قولا لينا). ولذا كثر حديث القرآن عن المجادلة الحسنة, والدعوة إلى الصبر والعفو والصفح والمغفرة, ولذلك نجد مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائمة على المرحلية في التغيير من القلب واللسان واليد.

ولهذا لم يكن غريبا على رسول الله أن يتمنى المساهمة في حلف مثل حلف الفضول المعقود زمان الجاهلية، ومن قبل عمل الصديق يوسف عليه الصلاة والسلام وزيرا لفرعون أو نائبا له في حكم مصر فأحسن إلى الناس وحكم بالعدل بقدر المستطاع والعمل بالدين عامة مرهون بالمستطاع المقدور عليه والقرآن صريح البيان في حسم الموضوع: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ) وهذا مع غير المسلمين فما بالك بالمسلمين?

أما الشدة والغلظة والقطيعة فهي مع الظالمين المستكبرين سواء كانوا كافرين أو مسلمين, وهم أولئك الذين لا ينفع فيهم أو معهم حسنة ولا حسنى..

هذا والحذرَ الحذرَ يا أخوة الإسلام من أن تكونوا طعاما أو تكونوا طعماً, فالدعوة إنما تكون مع بقاء عزة المسلم بلا مذلة, والتعاون على الخير لا يعني العمالة وفقدان الهوية فالمعاملة يجب أن تبقى وسطا بين الإفراط والتفريط أي بلا إفراط ولا تفريط.

-14-

كتاب مفتوح لشيخ المجاهدين في كردستان (جودي-1989م)

بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة الشيخ عثمان بن عبد العزيز حفظه الله ورعاه ونصر حزبه وأعز جنده وخذل عدوه آمين...

سلام الله عليكم وعلينا وعلى جميع المجاهدين ورحمته وبركاته, وبعد:

فمن موقع جندي رباني أتقدم إليكم لأكون معكم في عداد من يرفض الطاغوت ويعلن الولاء لله الواحد ويتبرأ من الظالمين عملاً بقوله تعالى: ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ).

ويعتصم بمثل قوله تعالى: ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا...).

سيدي: والجندي ناصح والنصيحة كما يقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم هي: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم...

وأبدأ بالاستغفار من الله والتوبة إليه وإحسان الظن فيه ومطالبة إخواني بالدعوات الصالحة والشهادة بالخير.

اللهم إنا نسألك غفر الذنوب وستر العيوب وحسن الختام ودوام السلام...

ونصحي لنفسي -زكاها الله- ثم لمن أتوسم فيهم السمع والشهود وأرجو أن أكون مصيبا في ظني فيكم وتسليمكم أمانتين بيدين قويتين.

- في الأولى: الفكر الذي قام عليه بارتيا ئيسلاميا كوردستاني, وقد طرح هذا الفكر قبل عشر سنوات لحل القضية الكردية بالعدل في ضوء الإسلام. ويمكنكم الوقوف على المبادئ الأساسية والنظام الداخلي وما نشر في جودي أو ضمن الملاحق والنشرات وبعض الكتب النافعة.

- وفي اليد الثانية دعوة المجمع العلمي الإسلامي وبرفقه خلاصة أحسبها كافية للتعريف بالمضمون وبيان الأهمية لتشخيص مرض المسلمين ووصف العلاج بالرجوع إلى الإسلام عن طريق تحديده وتجديده وهو ما يؤدي إلى توحيد المسلمين في خير أمة يكون فيها الكرد وغيرهم سعداء بالإسلام بلا استغلال لعرق أو استبداد لذات.

سيدي: أضع تجربتي ومعرفتي أمامكم.. والبدء بالأهم يدعو إلى عرض مشهد يستحق الوقوف عليه وهو يتعلق بالثورة الإيرانية, فبعد نجاحها أرسلت للخميني رسائل عن طريق مندوبيه في الحج عاما بعد عام ونشر بعض الرسائل في جودي.. ولم يجبني في حياته, وأعتبر الوصية الإلهية المنسوبة إليه هي الجواب على رسائلي الموجهة إليه قبل سنوات, فقد صرح بما هو عليه من دين وسياسة وطبع وخلق. ومعلوم أنه إمام يتبعه الشيعة في إيران وغيرها, وأرجو أن تقرؤوا الوصية المذكورة لتعلموا أن كردستان التي ندعو إليها لن يكون لها ذكر لا في إيران الشيعية ولا في العراق التي ستضم لإيران مستقبلا أو في سورية التي ضمّت إليها من قبل ولا في تركيا التي يخطط لضمّها عن طريق ملايين من الشيعة العلويين ....

والسلاح الإيراني اشد من التركي والعربي, لأنه يستخدم مع القومية القديمة, سلاح الدين الجديد وهو سلاح رهيب ويؤسفني أن أقرر أن المصير في العراق بعد هزيمة صدام هو نفس مصير أحمد مفتي زاده بعد هزيمة الشاه في إيران أو مصير البارزاني أو أبنائه.

فلا يسلم القوميون الكرد, ولا الإسلاميون الكرد من الأئمة المعصومين من أهل التقية والرجعة والعويل على قتلة الحسين أو هدمة الدولة الفاطمية....

سيدي: أنت تعلم أن البارزاني كان ينفق على الخميني في مقابل كردستان, فكان المقابل أن دخل البارزاني إيران جثة هامدة.. وقام الخميني مع أبناء البارزاني بما قام به الشاه مع البارزاني الأب, كلاهما تحت الشعار القومي...

وأنت تعلم أن الخميني المعصوم الذي كان ينتظر المهدي السامرائي اتفق مع أحمد مفتي زاده تحت شعار الإسلام, ولما مات الشاه على الشطرنج الإيراني - وتعرف بقية القصة- كيف نزع سلاح الإسلاميين الكرد باسم الإسلام ثم أدار ظهره ودخل خلوته ليدع الإسلاميين فريسة لقاسملو, حتى إذا ما أجهز على الإسلاميين خرج الإمام ليهدم كردستان.. أرجو أن تسمعها من الأخ أحمد إن كان حيا أو كان المرض أو السافاك الجدد يسمحون له بالكلام والحديث معك...

إن الحكم الإيراني منافق وقد امرنا الله تبارك وتعالى بالغلظة في معاملة المنافقين: ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ).

وعن طريق التقية جعلوا النفاق دينا والكذب غرضا والخيانة مسلكا..

فإياك يا سيدي أن تعطيهم ظهرك كما فعل البارزاني وأحمد مفتي زاده فهم أشد عليك من الشاه ولكنهم يحتاجون اليوم كما احتاج الشاه من قبل, وسيضحون بك كما ضحى بهما... والله أعلم ما كان ويكون وما هو كائن.

أنا لا أقول: أعلن الحرب عليهم الآن لأنك مشغول بغيرهم, ولكنهم يستعدون ويتداوون ويشغلون عدوهم المنتصر بك, فأنت وعدوك عدوان لهم.

أوصيك بأن لا يكون اعتمادك على عدو في هذا اليوم كبيرا بحيث يتمكن منك غدا, فيجب تفويت الفرصة على العدو الأدنى كتفويتها على الأبعد. وخير الأمور فيما أرى ترك العدوين يصطدمان, فليتوجه صدام لأقرانه فبينهما تكافؤ وتشابه.. ليحطّم الشر بالشر.

والعاقبة للكرد المستضعفين إن شاء الله رب العالمين.

( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ).

-15-

تعريف عام بالقضية الكردية (مجلة الغرباء- 1990م)

الحمد لله والسلام على الصالحين من عباد الله, وبعد :

فهذه لمحات موجزة حول الكرد وكردستان, قصدنا من ورائها التعريف العام لمن يريد المعرفة السريعة حول السكان والأرض واللغة والحكومات والشخصيات والثورات والأحزاب.

1- سكان كردستان:

يزيد عدد الأكراد على ثلاثين مليون وتزيد نسبة السنة فيهم على 90% أكثرهم في القسم التركي يليهم القسم الإيراني فالعراقي فالسوري فالروسي.

وحسب تقديرات 1984م كان العدد العام 220ر21 مليون موزعين بالكم التالي:

22ر9 في كردستان تركيا.

500ر7 في كردستان إيران.

500ر3 في كردستان العراق.

900ر0 في كردستان سوريا.

وهذه الأرقام لا تمثل الحد الأقصى ولا الأوسط بل الأدنى, وبلا ذكر للكرد في روسيا, هذا وإن كردستان يعيش فيها أربعون مليونا.

ويعني وجود عشرة ملايين هم قرابة الربع من غير الكرد, وفي مقابل هذا هناك أقليات كردية في كل من باكستان وأفغانستان...

2- مساحة كردستان:

تزيد على نصف مليون كيلومتر مربع, وبعض المصادر قبل عدة سنوات ترى المساحة هي 408647 كم2 فقط, وهذا التقدير في الحد الأدنى, والمساحة المذكورة موزعة على الكم التالي:

245ر194 كردستان تركيا.

000ر123 كردستان إيران.

000ر71 كردستان العراق.

292ر20 كردستان سوريا.

وأهم ما في كردستان ثروتها النفطية الهائلة وثروتها المعدنية والحيوانية والمائية ففيها دجلة والفرات وآراس والخابور مع بحيرات: وان وأورميا وخامزار, بل أهم ما في كردستان أكرادها الذين جمعوا بين العلم والشجاعة والكرم والعفة والغيرية وكانوا -كما قالوا بحق- فرسان الشرق .

3- اللغة الكردية:

اللغة الكردية من اللغات الهندوأوروبية, وتعد من اللغات الإيرانية الشمالية, وأهم لهجات اللغة الكردية هي:

الكرمانجي الشمالي وفروعها ستة.

الكرمانجي الجنوبي وفروعها خمسة.

الكورانية وفروعها أربعة.

اللورية وفروعها ستة.

4- حكومات كردستان الإسلامية :

كردستان مهد البشرية في الجودي ومن الجودي جرت الأصول في جميع الاتجاهات كما تتوزع شرايين البدن من القلب الكبير , وفي القرن السادس قبل الميلاد سقطت مملكة ميديا الكردية على أيدي الفرس الأخمينيين .

وفي عام 18هـ دخل الكرد الإسلام على يد عياض بن غنم رضي الله عنه.. دخلوا أفواجا وبقوا من ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا... حماة الإسلام وحملته, وأقاموا حكومات كثيرة وأهم الحكومات الكردية الإسلامية:

- الحكومة الروادية 230- 618هـ.

- الحكومة الشدادية 340- 465 هـ .

- الحكومة الدوستكية 350- 476هـ .

- الحكومة الأيوبية 567- 950هـ.

- الحكومة الأردلانية 617- 1284هـ .

5- أهم الشخصيات الكردية الإسلامية :

من الصحابة جابان (كافان) وابنه ميمون من التابعين, وصلاح الدين هازم الصليبيين, وأبو مسلم الخراساني مقيم العباسيين.

وابن تيمية وابن حجر وابن صلاح وابن الحاجب وأبناء الأثير وابن خلكان ومحمد عبده وبديع الزمان النورسي .

6- ثورات كردستان:

قسمت كردستان الكبرى ووزعت على العراق وسوريا وتركيا وإيران وروسيا, والقسم الروسي قسم إلى قسمين لأذربيجان وأرمينيا.

واتبعت الدول المذكورة فيهم سياسة التتريك والتعريب والتفريس مع محاولة القضاء على إسلامهم, ونزع عروق الرجولة والجذور العلمية, ونشر الجهل والمرض والتخلف وإثارة النزاعات القبلية والمذهبية.

ولم يخضع الكرد للمستعمرين, فقامت ثورات لم تنطفئ شعلتها إلى يومنا هذا, ومن أهم هذه الثورات:

تركيا : - ثورة الشيخ سعيد بيران 1925م.

- ثورة الجنرال إحسان نوري الباشا 1927- 1930م.

- ثورة ديرسم 1937م.

إيران : - ثورة سمكو 1920م.

- قاضي محمد وجمهورية مهاباد الكردية 1945م.

العراق - الشيخ محمد الحفيد 1920- 1930م.

- الشيخ أحمد البرزاني 1931م.

- الملا مصطفى البرزاني 1935- 1943م.

وانتهت ثورات البارزاني عام 1975م بعد اتفاقية الجزائر.

وقامت بالعراق ثورات أخرى إسلامية ووطنية قوبلت بالأسلحة الكيميائية والغازات السامة, والتهجير والقتل الجماعي, والتشريد وما لا يوصف بالكلمات.

7- الأحزاب الكردية الإسلامية:

قامت خلال العقود الماضية حركات وطنية وقومية غلب على كثير منها طابع العلمانية الاشتراكية, فكانت في حال عداء للإسلام وجهل وتجاهل.

وقد أدى هذا إلى تشويه سمعة الأكراد في النصف الثاني من هذا القرن من خلال ما كانت تطرحه الأحزاب من إلحاد ومخالفات للدين واستخفاف به أو إهمال له.

وكان من المحزن أن يضطر كثير من المتدينين إلى الالتحاق بتلك الأحزاب بسبب عدم وجود البديل الإسلامي الكردي.. ومن جهة أخرى فإن الأحزاب الإسلامية المجاورة من عربية وتركية وإيرانية.. لم تكن مؤهلة لفهم القضية الكردية, و لم تكن قادرة على إقامة جسور للتعامل مع الشعب الكردي كإخوة لهم, وعليهم حقوق كثيرة على جميع المسلمين.. وأظن أن هذه الأحزاب لا تزال تعاني من عقدة عدم الفهم, بل إن بعضها كان ولا يزال يداري الحكومات القائمة المعادية.. على حساب الكرد.

ولذا فكانت الحاجة ماسة لإقامة حزب بل أحزاب إسلامية في كردستان تشعر بآلام الشعب الكردي المسلم, وتحل عقده وتحمل عنه بعض همومه ومشاكله.. وتطلق طاقاته الهائلة نحو البناء الديني والدنيوي.

هذا, وإن أول حزب قام على تحديد الشعارات السياسية, ووضح مبادئ أساسية فكرية معلنة مع إقامة تشكيل حركي منظم كان الحزب الإسلامي الكردستاني الذي أسس بتاريخ 11/12/1400هـ وبعده تأسست رابطة الطلبة المسلمين الأكراد.

وفي 16/9/1407هـ أعلنت الحركة الإسلامية في كردستان العراق الثورة الإسلامية المسلحة, وبعدها تأسست الرابطة الإسلامية الكردية, وفي الساحة الكردية الجيش الإسلامي الكردي, وحزب الله الكردي, ومكتب القرآن.

ولا تزال الساحة الإسلامية واسعة تنتظر أحزابا جديدة.. ومعلوم أن كثرة التحركات بالنسبة للفراغ الكبير هي علامة صحة لا مرض, وذلك لطرح كافة المشاكل والحلول من مختلف الزوايا الفكرية والشرائح الاجتماعية, يستثنى من ذلك الأحزاب التابعة لجهات خارجية وتسعى لاستخدام الكرد حسب مصالحها ومصالح الذين يريدون تقديم أرض كردستان لتكون ساحة لتصفية الحسابات والتناقضات عسكريا, مع تجنيد الكرد للقيام بهذا الدور الدموي الخطر!

ولذلك كانت العمالة لدولة أجنبية أو التبعية لحزب خارجي.. تعد عقبة في طريق المخلصين لدينهم في وطنهم مع شعبهم.. وهؤلاء العملاء يظهرون بين الحين والحين تجمعهم وتفرقهم المصالح, ونحن بإذن الله نراهم خلف قوالبهم المهترئة.

( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ).

والله المستعان نعم المولى ونعم النصير.

-16-

الشورى والديمقراطية (جودي-1990م)

(ألقي في المؤتمر الإسلامي الأول للقضية الكردية 21/1/1990م كولونيا).

هذا العنوان استخدم العطف والعطفُ يحتمل المغايرة والمفارقة كما يفهم من عنونة بعضهم لكتابة بقوله: الشورى لا الديمقراطية.

ويحتمل المساواة والموافقة وكأننا نقول الشورى الديمقراطية فهو تخصيص بنوع من أنواع الشورى:

فالشورى نوعان: ملزمة ومعلمة.

والشورى المعلمة تعني الاستشارة الشخصية للتزود بالخبرة والبصيرة, وهي تتعلق -كما هو مفهوم من التسمية- بالجانب الإعلامي أو العلمي: أما الملزمة فلا تتوقف عند حدود الاستشارة الشخصية النظرية, وإنما تتعدى ذلك إلى جانب التنفيذ الحركي والتطبيق العملي الجماعي, ولها تأثيرها في العلاقات الإدارية السياسية الاجتماعية. والفرق كبير واضح فالفرد في المعلمة مختار في الشورى نفسها ومختار في القبول, وله أن يخالف سواء كان:

- حاكماً.

- عالماً.

- مربياً.

بينما الفرد في الملزمة ملزم فيها أي مجبر في الشورى:

استشارةً فيها ونزولاً عندها, فلا يسع الحاكم مخالفة المحكوم وكذا العالم والمربي وكل من تولى رعاية, بينما الآخر: الحاكم مطاع والعالم مقلد والمربي مراد...

قبل أربع سنوات ألقيت موضوع الشورى من هذا المكان وأودعت المقال في كتابي مفاهيم تحت الرقم الخامس.

واذكر انه ألقى قبلي بيوم أحد الأخوة موضوع الشورى وذهب إلى أن الشورى معلمة وألف كتابين أحدهما عنون له بقوله: الشورى لا الديمقراطية.

وعلى الرغم من خطورة الأمر فان مفهوم الشورى كان بين زميلين فكرا تفكيرا مختلفا ومع كل جمهور,وهذا يعني عدم وضوح الطريق مما يسبب وعورة السير فيه, ويدعو هذا وغيره كثير إلى التفكير في التشخيص والمعالجة.

وقد ألقيت بيانا حول هذا من هذا المكان قبل أشهر في المؤتمر الإسلامي الرابع عشر...

إن تقسيم الشورى إلى معلمة وملزمة هو ضروري لان مضمون الشورى الملزمة هو خلاف مضمون الشورى المعلمة فهما متقابلان, وأقول هذا لأؤكد إن التقسيم ليس لفرعين ينتميان لأصل متفق أو لنوعين ينضويان تحت جنس مشترك بل هما شيئان مختلفان يأخذ بكل فريق من المسلمين ويصل الاختلاف لدرجة أن القائد يأخذ بواحد والمقود يأخذ بالآخر.

ومن جهة مصطلح الديمقراطية فإنها تلون خارطة العالم بثلاثة ألوان رئيسية.

- الشرق.

- الغرب.

- العالم الآخر.

وخلفية كل من الشرق والغرب والعالم الآخر تختلف من جهة لجهة ومن بيئة لبيئة , ونعني بالخلفية المؤثرات الدينية والبيئية والتاريخية.

ولقد اصطبغ الشرق ولا يزال مصبوغاً بالديمقراطية العلمانية على الطريقة الاشتراكية الشيوعية.

والغرب مصبوغ بالديمقراطية العلمانية الرأسمالية.

أما العالم الآخر الثالث التابع فهو حسب المتبوع من العالم الأول أو الثاني. ويدخل في هذا العالم المسمى بالإسلامي... ففي العالم الإسلامي ديمقراطيات اشتراكية وديمقراطيات رأسمالية وديمقراطيات فوضوية شهوية.

فهي شرقية وغربية أولا شرقية ولا غربية بلا ذات ولا هوية, وهذا هو الوسط الضائع التائه, أما الوسط العدل الحق الراشد فهو الغائب المنتظر.

أما العلاقة بين الشورى والديمقراطية من حيث الموافقة والمفارقة فابتداء أقول: إن من يذهب إلى الشورى المعلمة فقط يذهب بالضرورة إلى نفي الديمقراطية ويراها في الطرف الآخر المعادي ولذا يتهمها ويشتمها ويعاديها.

وأما من يرى الشورى ملزمة فهو بصورة مباشرة أو غير مباشرة يقر الديمقراطية جزئيا أو كليا.

أي أنه يرى أن الديمقراطية هي حكم الشعب نفسه بنفسه بحيث يتحقق الاختيار والحرية.

وإذا استعملنا مصطلح المعسكرات في التقسيم الدولي, فان المعسكر الغربي الرأسمالي له ثوابت يقيم عليها نظامه الديمقراطي. والمعسكر الشرقي الاشتراكي له ثوابت يبني عليها ديمقراطيته الشيوعية, والمعسكرات الأخرى كذلك لها ثوابت تشيد فوقها ديمقراطياتها, وحسب هذه الثوابت المتغايرة تتلون الديمقراطيات, وتترتب في الارتقاء في درجات الحسن أو تتنزل في دركات القبح سواء في اليمين أو في اليسار أو في الأطراف الأخرى, وموقع الشورى الملزمة من الديمقراطيات هو الوسط المنظور أو المنتظر سواء كان على سبيل المطابقة التامة أو كان على الدخول والاحتواء, وإذا كان القاسم المشترك بين الشورى الملزمة والديمقراطية احترام حرية الإنسان أو مراعاة اختياره وعدم إكراهه والوقوف عند قناعته, فلن تكون الفاصلة بينهما كبيرة إن وجدت فواصل, ولنا في هذه الحالة أن نتصور مجتمعا عرضت عليه الديمقراطية بالشكل التالي: أيها الناس تخيروا النظام الذي ترغبون بكل حرية فكان الجواب: نختار الكتاب والسنة على المذهب الفلاني بفهم فلان... وهذه دائرة التطابق.

ولو اختار هذا المجتمع جوابا آخر غير الكتاب والسنة... الخ, لدخلوا تحت وعيد آيات المائدة وغيرها في جريان حكم الكفر والفسوق والجاهلية هذا للحاكم, ولدخل المحكوم تحت وعيد قوله: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) (النساء 65).

وهذا تحول وانتقال وارتداد من لون إلى لون مغاير, كما يقع الآن في المعسكر الاشتراكي حيث يتحول إلى الرأسمالي, فبينما كانت رومانيا تقوم على الشيوعية, غدت الشيوعية محظورة بالنص رسميا, وكما سيقع في المعسكر الرأسمالي عندما يتحول إلى الإسلام فالإسلام هو الخصم الوحيد الباقي في مواجهة المعسكر الرأسمالي الموحد على ما يفهم من مقال أو تقرير فرانسس فوكوياما.

إن الديمقراطية المزيفة تشبه إلى حد كبير الشورى المعلمة التي تظهر في الحاكم المستبد الآمر المطاع بلا نكير, والعالم الفرد الإمام بإيجاد التقليد وإيجابه بلا خلاف, والمربي المرشد المراد (اسم مفعول من المريد الفاعل) وفعله هو انه لا يعترض ولا يفترض لئلا ينطرد.

وواقعنا الحاضر تراكم من التاريخ الغابر فلقد سمعنا الحاكم يقول لرعيته: من قال لي اتق الله ضربت عنقه, وأطلق العنان لواليه في المشرق يفعل ما يشاء ويضرب البيت العتيق بالمنجنيق, ولقد سمعت من عرف الدولة الإسلامية بأنها الخليفة يعني الحاكم الذي لا يتكلم بغير اللغة العربية.

وهذا في مقابل من جهل الجواب أو تجاهل السؤال بقوله: هذا شيء سابق لأوانه,وكان السؤال هو: ما شكل الدولة الإسلامية التي تدعون الناس إليها? والتاريخ يخبرنا عن صراع فكري بين مراكز القوى... فتكلموا في وقت مبكر في القدر وظهرت القدرية المعتزلة التي قادت نهضة فكرية قامت على الاستبداد أو الإرهاب الفكري...

ثم استلم الراية الفريق الآخر وهم الجبرية وبخاصة خلال فترة الحكم العثماني الصوفي الذي جمع مع الاستبداد والإرهاب الفكري, الجمود والانحطاط الاجتماعي... حتى قام في بداية العصر الحديث أحد رجالات الأكراد بالوقوف في وجه تيار الجبرية أعاد سلطانا شبيها بالاعتزال.

والبحث لا زال جاريا دائرا يدعوا إلى الاعتدال بين الجبرية والاعتزال, والاعتدال هو العلاج المطلوب.

إن التغافل عن سنن الفطرة والشريعة وكذا التواكل والتخاذل, هو ما أوقع في إفراط الظاهرية وتفريط الباطنية, وكان فيما ضاع الشورى (الديمقراطية) الملزمة.

ومصدر الديمقراطية الاختيار والانتخاب والتجريب لبقاء الأنفع والأصح, ومصدر الشورى الملزمة ما تقدم في ثنايا الحديث, وفيما يلي نصوص تشهد تصريحا وتضمينا من الأصول والفروع على أن النظام العام قائم على التخيير في التكليف لتصح المقابلة بالمسئولية ومن ذلك:

1- تكليـف السـماء والأرض قال الله لهما: ( ائتيا طوعا أو كرها) فاختارتا الطوع ( قالتا أتينا طائعين ) (فصلت 11).

2- تكليف الملائكة, كما أخبر تعالى في كتابه الكريم (البقرة 30-34).

( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون, وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين? قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم, قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم: فلما أنبأهم بأسمائهم, قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض, وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون, وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ).

وقال إبليس: ( فانظرني إلى يوم يبعثون قال انك من المنظرين ).

وقال إبليس ( لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين....)

3- تكليف الإنسان بالقدر ضمن دائرة السنن الكونية العقلية والسنن الشرعية النقلية.

4- الأصل العـام المأخوذ من قـوله: ( لا إكراه في الدين قد تبـين الرشد من الغي) ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) (يونس99) * (البقرة 256).

فلا إكراه على رأي ولا على مذهب.

ويشهد لهذا الأصل نصوص كثيرة في حصر دائرة الدعوة في التبليغ ونفي الإجبار والسيطرة وما في معنى الإكراه.

5- إسقاط المسئولية والتكليف بسبب الإكراه.

( إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) (النحل106).

6- علاقة المؤمنين بالله وعلاقتهم برسول الله وعلاقتهم بعضهم ببعض, والأول واضح ذكر فيما تقدم والعلاقة بالرسول قائمة على الشورى {وشاورهم في الأمر } وعلاقة المؤمنين بعضهم ببعض دليلها قوله: { وأمرهم شورى بينهم }.

ومن نماذج الشورى ما وقع في نزول جيش المسلمين ببدر, وحفر الخندق بمعركة الأحزاب وقول الرسـول صلى الله عليه وآله لصاحبيه: لو اجتمعتما على شيء ما خالفتكما.

-17-

المقوم الأساسي للقضية الكردية (جودي-1991م)

(ألقي في المؤتمر الوطني الثاني بلندن عام 1991م)

إن القضية الكردية ذات أبعاد في التاريخ وأعماق في الواقع والمستقبل, وان التشخيص والمعالجة بحاجة إلى الكشف عن الخلفية التاريخية كما هو بحاجة إلى تحليل الواقع والتخطيط للمستقبل, هذا عبء ثقيل يحتاج للكثير من الوقت مع بذل الكبير من الجهد.

إن كردستان كالجسد ينبغي أن يتداعى له سائر الأعضاء بالإحساس بالمرض والحاجة للدواء, وكردستان كالبناء ينبغي أن يشد بعضه بعضا, وكردستان كالبيت الذي داهمه الطوفان أو الحريق, وعلى أهل البيت جميعا أن يقوموا لإخماد النار والإنقاذ من الغرق.

ونحن كمسلمين ننظر من خلال التاريخ والواقع والمستقبل, نرى أن حل القضية الكردية يقوم على البناء الذاتي للحركة داخليا وإقليميا وعالميا, ولما كنا- بحكم الأغلبية- مسلمين داخليا وبجوارنا أغلبية من المسلمين إقليميا... كان لابد من اعتماد الطريق الإسلامي كحل من الحلول, كي يتم التفاهم بين القيادة الحركية والقواعد الشعبية في هذين المجالين, وأعني الداخلي والإقليمي, أما المجال العالمي فلا بد له من تغطية دولية برفع الشعار العام لحقوق لإنسان.

كردستان ممزقة, والكرد متفرقون, وكذلك شأن المنطقة العربية والإسلامية, وكتل العالم تعاني من ذلك أيضا, والهيئات والمنظمات العالمية لا تخفي هذا التفرق والتمزق... وعلى الحركة الكردية الواعية أن تتفهم هذا, وأن تحسن التحرك فيه والتعامل معه بالحكمة بما يناسب المقام.

إن ما تحتاج إليه الحركة الكردية هو الفهم الكافي لعملية الإيقاظ والتحرك الشعبي العام. وإيقاظ الكرد ودفعهم إلى الحركة يحتاج إلى الاعتماد على الثوابت الذاتية لرسم إطار فكري جامع يدفع بكافة الشرائح الاجتماعية إلى الإمام.. والثوابت الذاتية للشعب الكردي ممثلة في الإسلام كدين, وفي القومية كفطرة.

ولا منافاة بين القومية والدين, وقد قطع الإسلام منذ البداية في القومية من أنها مشروعة ومسخرة في خير الإنسانية: { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا }.

نحن نرى الإسلام الذي يجمعنا للفكر والعمل هو الذي يدعونا للتعاون والوفاق مع جميع الشرائح الوطنية.. وعلينا أن نعترف بوجود اللوثات الفكرية أو التسمم العلمي عند كثير من المسلمين حتى بين الكرد أنفسهم. وهذا أثر كما أثار مخاوف العاملين لكردستان, بل دفع بكردستان إلى الطرف الآخر باستيراد العلاج من الخارج, والنظر في حلول غير قريبة من الثوابت الذاتية. ونتج عن هذا خطأ في التشخيص والمعالجة, وأدى هذا إلى انفصال القيادة عن القاعدة, وهذا ما يفسر عدم نجاح القيادة على الرغم من قوتها.. والسبب هو عدم المساندة الكافية من قبل القاعدة الذاهبة في العرض والعمق. ولهذا سهل على القوى المعادية ضرب الحركات الكردية, وإطفاء شعلتها أو شلها عن الحركة, وإبعادها عن المسرح.

إن مشكلة كردستان أنها لا تعيش داخل الجسم الإسلامي حتى يحس بها المسلمون.. بل لا تعيش داخل الجسم العالمي حتى يحس بها الناس في أقطار العالم.. وكل ذلك لأننا لا نحسن التفكير فنفشل في التخطيط..

إن المقوم الأساسي هو الدين, وفي المنطقة كان ولا يزال الدين مقوما قوميا ووطنيا.. حيث يرى بعض العرب والفرس والترك أن الكرد تابعون لهم باسم الدين. ولقد رسموا للدين صورة يضيع فيها الكرد كما تضيع كردستان. وهي صورة مشوهة للإسلام, اتخذ فيها الإسلام ستارا لمصلحة بعض الشعوب والقبائل والأسر الحاكمة والمتحكمة. فالشعوب تتحرر فكريا ثم يكون التحرير السياسي.. وطرق التحرير مهما تعددت وسائلها فإنها لابد من الاعتماد على الفكر الناضج عند القاعدة الجماهيرية, وبهذا تنقاد القاعدة للقيادة... والإسلام فكر الشعب الكردي الذي يفهمه ويتأثر به ويتفاعل معه, ولا أعني الإسلام الذي ينحاز نحو الترك بسبب الخلفية العثمانية, ولا أعني الإسلام الذي ينحاز نحو العرب بسبب اللغة العربية للقرآن وكون الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم من العرب, ولا أعني الإسلام الذي يفهمه الشيعة في تفسير النصوص الدينية بآراء الأئمة المعصومين عندهم, كما لا اعني بالإسلام الذي تدور حوله الطرق الصوفية التي فرقت الكرد داخل كردستان. هذا النوع من الإسلام لا يضيع فيه الكرد وكردستان فقط, بل يضيع فيه الإسلام والمسلمون.

وإنما أعني الإسلام الحقيقي, ذلك الدين السماوي الذي يحرر الكرد ويوحد كردستان, بل يحرر كل إنسان على هذه الأرض, ويجمع الناس كلهم في أسرة واحدة سعيدة, كما يقرر القرآن العظيم: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ).

الإسلام الذي يبني الإنسان السليم, ويقيم المجتمع الصالح قوميا وإقليميا وعالميا.

هذا الإسلام الذي يدعو إليه باك -بارتيا ئيسلاميا كوردستاني- منذ تأسيسه قبل عشر سنين.

واستطاع خلال هذه الفترة القصيرة أن يصحح كثيرا في الموازين, ويعالج كثيرا من الشبهات والسموم الفكرية التي كانت تعيق التحرر الكردي, وهذا التصحيح يجعل لغة الكرد مفهومه عند بقية المسلمين.

ولقد استبشرت خيرا مما نشر في العدد الأخير في جودي حول المجمع العلمي الإسلامي الذي يدعو إلى إعادة النظر في الإسلام من خلال تحديده وتجديده.

وأحب الوقوف قليلا على بعض النقاط الهامة, منها:

1- الانحياز إلى طرف في ظرف عدم وجود تناقضات حقيقية بين الأطراف المعادية لكردستان:

ولقد علمتنا تجربتنا الأخيرة لتاريخ كردستان المعاصر أن الأطراف المتناقضة -ظاهرا- هي متفقة في القضية الكردية -حقيقة- سواء كانت شرقية أو غربية في الخارج, أو قومية أو دينية في الداخل.

أقول إن هذا الانحياز خطأ لا زال بعضهم لا يلتفت إليه بل يقرره ويكرره. مما دفع إلى القول: إن شعب الكرد -على الرغم من قوته البدنية والفكرية- لا يفكر ولا يخطط ولا يأخذ الدرس فيقع في نفس التجربة المريرة.

2- العداء والمخالفة: الخلاف الفكري وبخاصة في الفروع لا يعني العداوة. فبالامكان اجتماع كافة الفصائل الكردية إذا توحدت الغاية في تحرير الكرد وتوحيد كردستان, وليس الخلاف الفكري علامة مرض, بل هو علامة صحة إذ أن تنوع الأفكار وتعدد التنظيمات يغطي الطبقات الاجتماعية لتسير جميعا إلى الغاية المشتركة.. والذين ينادون بأن الساحة الكردية لا تسع غيرهم يعنون أن كردستان ملك لهم, وأن الكرد فوضوهم, وهم بذلك مخطئون وسيندمون.

3- خوف الشعب من الأحزاب: إن الأحزاب الناجحة هي التي تكسب ثقة الجماهير وحبها. وقد نبهت من قبل لقضية فهم اللغة التي يخاطب بها الكرد من خلال واقعه وتراثه.

إن مشكلة الكرد وكردستان هي وقوع الظلم وضياع الحق والعدل. فإذا ما صدر الظلم وغاب الحق والعدل عند الأحزاب الكردية وقع الناس في اليأس ولم يلتحموا بها...

لا يكفي رفع العلم الكردي, واستغلال العواطف الجياشة عند الشعب التواق للحرية, فان ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس, كما يقول إخواننا العرب وأي ظلم اكبر من الظلم الواقع على دين الشعب أو نفسه أو عرضه أو ماله أو عقله.

إن الخائف منك هو جندي لعدوك يسهل اختراقه وتعبئته ضدك.

4- لغة المخاطبة: الشعب الكردي عاقل ونريد أن يستخدم طاقته في التنفيذ, والذين يريدون أن يجعلوا القضية الكردية قضية اقتصادية مثلا يخطئون من جهتين:

الأولى: هي أن العاقل يخاطب بالعقل لا بالبطن, فالحيوانات الدنيا هي التي تعرف طريق الطعام فقط.

والثانية: الاقتصاد وتجربة الدول المستقلة فإذا ما جربت الرأسمالية وفشلت انتقلت إلى الاشتراكية أو بالعكس. وليست هذه مشكلة الشعوب التي تسير نحو الحرية والاستقلال, بل إن مشكلة الشعوب المستعبدة هي أن تفجر طاقتها الذاتية بالاعتماد على تراثها كالإسـلام, والمبادئ الإنسانية, والأعراف والتقاليد الإيجابية.

وأخيرا: فان هذا المؤتمر على مستوى الوطن هو خطوة إيجابية لفتح باب الحوار الديمقراطي, والذي نسميه الشورى الملزمة, وبالحوار تحديد للثوابت الجامعة من الأصول والأسس العامة التي ينبغي معرفتها والاتفاق عليها.

وكذلك لتنظيم الخلاف في الفروع الثانوية الشخصية التي لا تضر ولا تؤثر على المسيرة الجماعية.

إن مجرد الدعوة لهذا المؤتمر ثم تحقيقه على أي مستوى كان هو بادرة في الاتجاه الصحيح والرؤية السليمة, بالنسبة لنا ولمن يأتي بعدنا... ولعل هذا المؤتمر يحقق فيما يحققه ما طرحه بعض الاخوة في باك:

1- أن يكون خطوة أولية لعمل كردستاني مشترك.

2- أن يلفت أنظار العالم إلى واقع الشعب الكردي المرير.

3- أن يشكل لجانا:

أ- لجنة لتعميم الاتصالات بين الأطراف الكردية والبت في الخلافات.

ب- لجنة للاتصالات العالمية.

ج- لجنة لشؤون اللاجئين والأسرى وحقوق الإنسان في كردستان.

د- الوصول إلى ميثاق عمل وطني أولي.