بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره.
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون).
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا).
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا).
أما بعد:
فهذه محاولة مبدئية وخطوة أولية في منهج من مناهج البحث الديني لتحديد الإسلام، والتحديد يعني التجريد من الدخيل العليل، ويقتضي التجديد وهو إعداد الأحكام المناسبة للوقائع الجديدة..
والغاية من التحديد والتجريد والتجديد هي التوحيد أي توحيد المسلمين في أمة واحدة هي خير أمة أخرجت للناس.
ومنهجية البحث في العلوم الدينية كغيرها من العلوم الجادة يجب أن تقوم على ثوابت محكمة وعناصر واضحة مع اجتناب القصور أو التجاوز المؤدي إلى الخلل أو الترف العلمي الذي وقع فيه كثيرون من المتقدمين والمتأخرين.
وأمامنا أمثلة لعلوم إنسانية اجتماعية وكونية تجريبية أقامت الحضارة المعاصرة.. وعلوم الدين أجل وأعظم وأولى وأهم.
وهي أي العلوم الدينية تترتب في الأهمية تبعًا لتعلقها بالكتاب والسنة، والمكتبة الإسلامية تتضمن الكم الكبير والكثير من التفاسير وعلوم القرآن وشروح الحديث وما يؤخذ منها من فقه الأحكام وعلم الأصول ومفاهيم التربية.
وخلال مسيرة التاريخ قام العلماء في كل عصر بعرض الإسلام على المسلمين للعمل به وعرضه على غير المسلمين للدعوة إليه، وكثيرًا ما كانت مناهجهم في العرض مبنية على خلفياتهم الفكرية وظروفهم الاجتماعية، فكان تأثير الإسرائيليات اليهودية والنصرانية عن طريق مسلمة أهل الكتابين، وكان تأثير الفلسفة والمنطق والروحانيات عن طريق شعوب شرقية وغربية دخلت الإسلام وبخاصة بعد ترجمة علومهم، وقد ظهر الدخيل بصور متعددة ومتفاوتة في فرق الإسلام ومذاهبه وطرقه.
والرعيل الأول من الصحابة والتابعين لم يتأثروا كثيرًا بالدخيل لقلته ولصلابتهم في مواجهته ولعدم حاجتهم إليه، ولانشغالهم بكتابة القرآن وحفظه ثم بكتابة السنة مع العلم بهما، والدعوة إليهما.. وهم قد فهموا النصوص لكونها بلغتهم وفي بيئتهم ولوجود الذين يجيبون من جهلوا ويذكرون من غفلوا، وقد تركوا علومهم المروية لمن أتى بعدهم إلى عهد التصنيف والتأليف حيث برز نوع من التخصص في تقسيم الدين إلى عقيدة تمثل الرأس في الإنسان وإلى شريعةتمثل الجذع وأخلاق تمثل الأطراف، وكان للتقسيم سلبيات كثيرة تضخمت بمرورالأيام كالزوايا الحادة التي تنفرج أكثر كلما امتدت أضلاعها، فكان التقسيم أشبه بتقطيع الرأس عن الجذع والأطراف حيث كانت كل فرقة من فرق العقيدة في واد بلا تلاق ولا تراء.. وقام الجدل الذي وصل إلى حد العقم والسفسطة، وقام الخلاف الذي وصل إلى حدود التكفير إشعال الحروب، وشيء من هذا وقع بين المذاهب الفقهية، وأكثر من هذا وذاك ما جرى مع الطرق الصوفية.. والسبب كما أشرناهو تأثر الفقه بقواعد المنطق وتأثر الأخلاق بروحانيات التصوف.. وكانت الحصيلة تركة ثقيلة، والشواهد كثيرة في التفاسير وهي بلا عدد كما قيل، وكذا شأن مجاميع السنة وموسوعات الفقه.. التي كثيرًا ما اعتمدت على تكلف الإشارة والتأويل ووقعت في التداخل والتكرير، ثم إن قيامها على الجهد الفردي أفقدها أهم عناصر البحث السليم وهو التفكير الجماعي والعمل الجماعي، ولهذا لم يحسم الخلاف بل على العكس اشتد بين فرق العقيدة ومذاهب الفقه وطرق التصوف، وظهر على الساحة العلمية والعملية في التاريخ أسماء كثيرة يجمعها اسم الإسلام مع تناقضاتها الكبيرة كالظاهرية والباطنية والسنة والشيعة والصوفية والمعتزلة والمرجئة والقدرية والجبرية، وظهرت المجموعات العقدية كالأشعرية والماتريدية كما ظهرت المجموعات الفقهية كمذاهب الشيعة ومذاهب السنة بالإضافة إلى طرق التصوف.. وكل له منهجه ورجاله الذين يكرسون ويبررون الاختلاف بين المسلمين وكأنهم في بعض الأحيان أديان مختلفة وليسوا دينًا مؤتلفًا. وقد تنبه لخطورة الخلاف في وقت مبكر رجل عظيم من رجالات الإسلام هو عمر بن عبدالعزيز الذي قال (إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص) ثم وافاه أجل الموت بعد أن دعا الناس إلى كتابة السنة وقام بحل كثير من خلافات الأمة الاجتماعية والسياسية.. ومن بعده عاد الحال كما كان قبله وزاد، وانشغلت الأمة بالفتن والحروب الداخلية والخارجية وانشغل كثير من العلماء بالفلسفة والمنطق والروحانيات حتى لجت الحاجة إلى منهج يحدد الإسلام ويوحد المسلمين في العلم والعمل، وهذا المنهج لا يلغي الفلسفة والمنطق والروحانيات ولا ما يبنى عليها أو يتأثر بها من علوم، وإنما يمنع تحول الدين إلى فلسفة ومنطق وتصوف.
ولقد عدوا كلمة عمر بن عبدالعزيز أساسًا لإقامة مشروع المجمع العلمي الإسلامي، وإعلان أهدافه المرحلية في تحديد الدين وتجريده وتجديده.
وللدين بالمفهوم الواسع ثلاثة محاور أصولية هي: النقل والفطرة والعرف.
أما النقل فدليله الكتاب والسنة، وأما الفطرة فدليلها العقل الإنساني العام، وأما العرف فدليله الإجماع أو اتفاق الغالبية في مجتمع خاص.
وتترتب هذه المحاور أو الأصول حسب درجتها وقوتها بداية بالكتاب والسنة تليهما الفطرة الإنسانية وأخيرًا العرف الاجتماعي.
ولا بد من تعريف بعض المفاهيم الدينية، في المراتب وهي الإسلام والإيمان، وفي المخالفة وهي الكفر والمعصية، وفي الدليل وهو الكتاب والسنة، وفي الأحكام وهي الحلال والحرام.. وهذا باختصار واقتصار:
مراتب الدين:
الدين مرتبتان هما الإسلام الظاهر للحواس والإيمان الباطن في النفس والدليل قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا) أي في الباطن (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) أي في الظاهر فقط (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) والسنة بينت الإيمان والإسلام مع ذكر شرط الصحة والقبول وهو الإحسان فيهما.
مخالفة الدين:
الدين مع ما يقابله من مخالفة على ستة مفاهيم تبعًا لكون الدين في ظاهر الإسلام والدين في باطن الإيمان حال اجتماعهما وحال افتراقهما وحال فقدانهما بالكلية وبالجزئية، ويترتب على هذه المفاهيم ستة أحكام:
1 – مسلم مؤمن 2- مسلم منافق 3 – مسلم عاصٍ هو كافر كفرًا أصغر 4- كافر مؤمن هو المكره 5 – كافر بالخروج من الدين ردة 6 – كافر بعدم الدخول في الدين بداية.
دليل الدين:
الدين بالنظر لدليله هو القرآن والحديث، والقرآن: كتاب الله في التعريف بربويته وألوهيته، والتعريف بهوية الإنسان وعبوديته، وبيان العلاقة بينهما في أحكام العبادة التي هي حق الرب وواجب العبد.
والحديث: سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في التشريع قولاً وفعلاً وتقريرًا.
أحكام الدين:
الدين بالنظر إلى أحكامه في الحلال والحرام وما بينهما على درجات هي:
الفرض والواجب والنفل والأولى والإباحة وخلاف الأولى والكراهة والحرمة.
وهناك مفاهيم أخرى منثورة ومنظومة في القسم الثاني من الكتاب..
والكتاب يتضمن ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مشروع المجمع العلمي الإسلامي، وهذا القسم يتضمن:
أولاً: البيان العام حول المجمع.
ثانيًا: الإجابة على التساؤلات المنهجية والموضوعية.
وذلك بإيجاز، والإحالة في التفصيل على المذكرة المقدمة كورقة عمل وهي مطبوعة بالعربية والإنكليزية:
المجمع العلمي الإسلامي ISLAMIC ACADEMIC ASSEMBLY
القسم الثاني: المفاهيم، وهي ثلاثة وخمسون مفهومًا في ثلاث مجموعات:
أولاً: المفاهيم الأربعون المدونة عام 1997م.
ثانيًا: المفاهيم الستة المدونة عام 1998م.
ثالثًا: المفاهيم السبعة المطبوعة عام 1988م.
وقد قُدّمت المفاهيم الأربعون مع الستة على الرغم من تأخرها الزمني، وذلك اهتمامًا بها بسبب تجانسها حجمًا وموضوعًا وبسبب تقديم الأستاذ مصطفى شاهر خلوف لها فناسب تأخير المفاهيم السبعة عنها في الترتيب.
القسم الثالث: الأحكام، وهي مقدمات منهجية مع أمثلة موضوعية للبيان والتوضيح، ويتضمن هذا القسم:
أولاً: مقدمة آيات الأحكام، والمثال: حكم القدر.
وقد أخذت المقدمة من أول الكتاب المطبوع "آيات الأحكام" وأخذ الحكم من الكتاب المطبوع "القدر".
ثانيًا: مقدمة أحاديث الأحكام، والمثال: حكم الطهارة.
والمقدمة والحكم أخذا من كتاب "أحاديث الأحكام"، وهو مخطوط تحت الإعداد.
هذا، مع إمكان الإحالة على كتب أخرى مخطوطة ومطبوعة وبخاصة في التفسير وعلوم القرآن.
وختامًا فهذه التقدمةفي منهجية البحث الديني هي كما ذكرنا في البداية خطوة في طريق أو لبنة في بناء، وهي دعوة لأهل الذكر من العلماء من أجل التعاون على رسم الطريق الأمثل وإقامة البناء الأكمل في سبيل تحديد الإسلام وتوحيد المسلمين.
أعان الله المسلمين – علماء ومديرين وحكامًا وممولين – على العمل الجاد المثمر من أجل حاضر ومستقبل المسلمين تحت مظلة الإسلام العظيم.
وصلى الله على الأنبياء المرسلين،وجميع العباد الصالحين، آمين.
والحمد لله رب العالمين،،،
حرر بمكة المكرمة يوم السبت 4/4/1420هـ - 17/7/1999م
ختم بمدينة الرياض يوم الاثنين 24/8/1421هـ - 19/11/2000م.