مفاهـــيــــــــم 1-7
الصفحة السابقة
- المقدمة
-المفاهيم من 1-7
1-الصوفية بعد الشيعية
- هوامش وتعليقات على الصوفية بعد الشيعية
2-مذهب التبيين بين الكفر والإسلام
-الإسلام والمسلم
-مذهب التبيين
-أدلة التبيين وخطأ القوم في الاستدلال
3- أصول الأحكام الفطرية والشرعية
-الأصل الأول للأحكام: الشريعة
-الأصل الثاني للأحكام : الفطرة
- الأصل الثالث للأحكام : العرف
4- مساجد بلا مظاهر
5- الشورى الملزمة والمعلمة
6-تفضيل لغة على لغة
7- التدخين بين المنع والتحريم
مقدمـــــــة
الحمد لله واهب الحكمة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله نبي الرحمة، وبعد:
فهذه مفاهيم -تليها أخرى- رافقتني طويلاً في نفسي من قبل أن تظهر على لساني وقلمي، وعانيت منها كثيراً، وبخاصة في السنوات العشر الماضيات. وقد هبت عليّ رياحها من صلتي بالإشراف على البحوث العلمية ورسائل الماجستير والدكتوراه، أو كانت مطروحة في الساحة الاجتماعية، تعصف بأفكار الناس وتعصف بي.
وهذه سبعة مفاهيم معروضة، وترتيب عرضها ليس موافقاً لزمن تدوينها.
فالبداية الزمنية كانت بمفهوم -مذهب التبين بين الكفر والإسلام- وهو حوار مع اتجاه الخوارج الذي تطرف في آراء أبي الأعلى المودودي وتلميذه سيد قطب رحمهما الله تعالى، وبخاصة في كتابيهما المصطلحات الأربعة ومعالم في الطريق..
وآخر المفاهيم هو مع الاتجاه الصوفي -الصوفية بعد الشيعة- والاتجاهان يمثلان الإفراط والتفريط في فهم الدين وفي العمل به، وبينما تصنف جماعة التبين مع الخوارج المتشددين من أهل الظاهر فإن جماعة التصوف تعد باطنية من أهل الحلول والانحلال، وتعتبر من أجنحة الشيعة الممتدة داخل صفوف السنة. ولقد تيسر لمفهوم التصوف ما لم يتيسر لغيره، حيث تلقيت وجهات نظر مؤيدة ومعارضة ألحقتها جميعاً بالموضوع.
أما بقية المفاهيم فتتعلق بعلوم الدين عامة… وإني لأرجو أن يتسع الصدر للاستماع إلى الوجهات الأخرى، كي يأخذ كل مفهوم حقه من العرض وحجمه من الموضوعية ليتبين ماله وما عليه من سلبيات وإيجابيات. ومعلوم أن الموضوعات الفكرية المعقدة ينبغي أن تحل باجتماع العلماء حول مائدة واحدة، يتبادلون عليها وجهات النظر المحتملة، حتى يصلوا إلى قرار صالح صحيح. واجتماع العلماء متعذر بسبب الخلافات المذهبية والعقدية والطائفية، أو بسبب التجزئة السياسية أو الطبقية الاقتصادية والاجتماعية، فكان لا بد من الذهاب إليهم وهم في مواقعهم بالتمرير إليهم مع ترك الباب للمتأخرين مفتوحاً للزيادة والحذف والتهذيب. ومثل هذا الصنيع يقود إلى تقريب العلوم إلى جماهير العامة بحيث تصبح في متناولهم، ويكون بإمكانهم المشاركة فيها والحكم لها وعليها.
إن الاختلاف في علوم الدين جعل المسلمين أمماً شتى وليس أمة واحدة، واختلافهم لم يكن في الفروع وحدها وإنما كان في الأصول التي تصل إلى الجذور. ولذلك لم يتماسك المجتمع المسلم في غير العهود الراشدة، لكون كثير من المسلمين لم يكونوا مذاهب في دين واحد لكل وجهاته المتكاملة والمحتملة، بل كانوا في اختلافهم أدياناً يحملون لبعضهم التكفير في ساحات الفكر، كما يحملون السلاح على بعضهم في ميادين القتال.
ومعظم الخلل في الفكر يعود إلى الانحياز إلى المجاز، والإشارة في التأويل، والجمود عند الظاهر، والإسراف في القياس…
هذا مع إيجاب التقليد للمذاهب، وفرض العصمة للأئمة، والعصبية للحكام. وكل ذلك أدى إلى تعطيل النصوص، وبدلاً من أن تكون النصوص الشرعية حاكمة أصبحت محكومة.
ولقد كان من ثمرات التقليد الأعمى للأشخاص المجهولين، والتبعية الكاملة للمذاهب المنحرفة، أن أصبح بعض المسلمين يحملون المتناقضات في أفكارهم، ويمارسونها في سلوكهم بحيث أصبحوا كالأنعام بل كانوا أضل.
ولم يستطع أهل العلم من الوقوف المكافئ في وجوههم، كما لم يستطيعوا تقديم البيان الكافي لعامة الناس. وبمرور العصور ألفت الرعية أن الحاكم مالك وملك على الأموال والأبدان، وكذلك على العقول والقلوب، بحيث لا يسع لأحد مخالفته أو الخروج عليه، وكل مخالفه فكرية أو عملية عدت نقضاً للبيعة تعادل الخروج من الديانة ومفارقة الملة.
ولا أخفي جروحي -وهي أبلغ من جروح البدن- فقد قوبلت بالسكوت المطبق المؤلم حيناً، وبالهزء والسخرية وبالكبر والتهديد، ولكن الله يمن بالأمن من الخوف والحزن حتى يبدو الحق أكبر، فيزداد التعلق به أكثر…
وأخيراً فإن الذي أسعى في تقديمه يمثل وجهة نظري موافقة ومخالفة، وهي وجهة معروضة غير مفروضة، فما كان من حق فمن الله والحمد له أولاً وآخراً، وما كان من باطل فمن نفسي، وأستغفر الله العظيم الرحمن الرحيم.
أسأله تعالى لي ولكل من شارك في إحقاق الحق وإبطال الباطل أن يتفضل علينا بأجر بل باجرين إنه جواد كريم، آمين.
المفـاهيم :
1-الشيعية بُعد الصوفية
إن مجتمعنا أورثنا أن نتهم أنفسنا حتى في اليقينيات، ولذلك عجزنا عن تصحيح ما اشتهر
على الألسنة، أو تقويم المشهورين من السلف والخلف. والشهرة بالصلاح عندنا تمرر
مفاهيم كثيرة حتى تصبح أحكاماً قاطعة، وأعرافاً مفروضة…
نحن نأخذ الدين والدنيا ممن عرف صلاحه ولو كان على حساب فساد العقل وهلاك الدين.
فالصالح فينا ولي، والولي معصوم، والصوفية والشيعة يجعلون الولي فوق النبي.
وعالمنا الإسلامي -ويا لهول المصيبة- يرزح تحت نير التصوف من قرون جعل فيها بعضهم التصوف روحاً للإسلام، وبعبارة أخرى جعل الإسلام قالباً والتصوف روحاً…
ولست أعني بهذا المقال أولئك الذين يلتزمون بالكتاب والسنة ظاهراً وباطناً من الصوفية والشيعة.
فهؤلاء لا خلاف فيهم ولا اختلاف معهم، والكلام في الأصل غير موجه للأشخاص، وإنما المراد عرض الآراء لتبين الخطأ والصواب، والكشف عن الحق والباطل.
اللهم اجعلني سليم القلب صدوق اللسان،
قويم النهج قوي البيان،
وأعني اللهم للدفاع عن الإسلام فهو يهاجم.
الإسلام هوجم في وقت مبكر من الداخل في عقر داره، ومن قبل بعض المنتمين إليه، وتمثلت الهجمة في السبئية اليهودية التي استقرت على مذهب التشيع لعلي وآل البيت.
والفرس قد ركبوا موجة الشيعة لمواجهة العرب ومن بعدهم من الأكراد والأتراك في الصراع الدائر على السلطة السياسية، وهم بعدما كسرت شوكتهم لجأوا إلى ما وصلت إليه أيديهم…
فصاغ مؤرخوهم الأحداث بما يتفق مع مصالحهم ومخططاتهم، بل وجهوا العلوم -بما في ذلك علوم القرآن والحديث-.. فوضع علماؤهم من النصوص، وقرروا بموجبها قواعد فقهية وعقدية تتناسب مع آرائهم ومعتقداتهم…
فقالوا بالبداء كاليهودية، وكانوا كالمنافقين بالتقية، ونسخوا أحكاماً في الأصول وفي الفروع معلومة من الدين بالضرورة الشرعية…
وحصيلة ذلك أن كثيراً مما لديهم لا يمت إلى دين الإسلام بصلة.
وما ذكرناه مجملاً هو مفصل في كتب القوم. ومن تدبر في ماضيهم وحاضرهم عرف أحوالهم وأهوالهم…
والهجمة التالية الباقية ذات الموجة الطاغية قد ركب موجتها الترك سياسياً، وهي متمثلة في التصوف المنحرف، والصوفية وإن كانت سنية الظاهر، أو سنية في الظاهر إلا أنها تشترك مع الشيعة في الباطن.
والباطن عندهم هو الحقيقة التي يقصدونها، والغاية التي ينشدونها. أما الظاهر وهو الشريعة من الكتاب والسنة، وعمل الصحابة والأئمة، فهو مطية الارتحال إلى الباطن، أو مرحلة الانتقال من القشور إلى اللباب. وطريقهم المعهود هو الفناء بين المريد والشيخ، والرسول والرب سبحانه.
والنصرانية تذهب إلى شيء من هذا في مفهوم الأب والرب والإبن المسيح. والبوذية ومن تابعها يذهبون إلى شبه هذا وذاك.
والحقيقة الصوفية ليست عقلية ولا شرعية، بل هي ذوقية وشوقية كثير ما تمثل حالات انحراف النفس البشرية. ومعلوم أن النفس معرضة للانحراف كما أخبر تعالى: {ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها}.
وقد فطر الله للنفس ضابطاً ينظم أفعالها هو (العقل). وعلى الرغم من دقة جهاز العقل وإحكام نظامه إلا أنه غير كاف ولا واف لصلاح الدنيا وفلاح الأخرى، وذلك لنقصانه في ذاته، ولعجزه في وظيفته بسبب اعتماده على الحواس القاصرة، مما يعرضه للوهم في التصور، والخطأ في الحكم.
ولقد أدرك الله الإنسان بنعمته فأكمل نقصه، وأتم قصوره، فأنزل عليه شرعاً مكتوباً لا خيرة فيه، ولا عدول عنه:
{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}.
{ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون}.
{هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون}.
وبهذا وبالذي قبله أصبحت نفس الإنسان محاطةً بسورين محكمين، أو محمية بحصنين منيعين، هما:
-العقل الفطري.
-الكتاب الشرعي.
والحماية في غاية الأهمية للإنسان، كي يتمكن هذا الإنسان من أداء ما يجب عليه من تكليف ومسئولية.
أما زوال الحماية بإلغاء العقل أو الشرع فيعني ترك الباب مفتوحاً ليدخل ألد الأعداء -إبليس وجنوده من الشياطين- الذين يقفون
بالمرصاد لاختراق البرزخ الفاصل بين عالم الجن و عالم الإنس.
ويقوم هؤلاء الأعداء الدخلاء باحتلال نفس الإنسان وتوجيهها واستعبادها..
وفي قضية الظاهر والباطن نجد المتصوفين يتدرجون في الانسلاخ من الظاهر حتى الانتقال الكامل إلى الباطن، والعلائق عندهم عوائق، والوصال لديهم بالانفصال، ولذلك فهم يتجردون ويتعرون، لتقع نفوسهم تحت تأثير مختلف القوى، فتكون نفوسهم أشبه بجهاز استقبال، يلتقط من مختلف العوالم كل بث وإرسال.. ومن ذا الذي يمنع إبليس وشياطينه في مثل هذه الحال أن يحتالوا ما شاؤا. و يجتالوا من شاؤوا، فلا دافع من عقل، ولا مانع من شرع، ولا حسيب ولا رقيب.
إن المتصوفين يمارسون عملية خطرة في إلغاء العقل، وأخطر من ذلك عملهم في إلغاء الشرع، و ما يثبتونه منه يدخل أحد بابي الإفراط والتفريط، وما يتعلقون به في جانب غالباً ما يكون على حساب جانب آخر... كاعتماد الخوف و الخشية على حساب الحب والرجاء في البداية، ثم عكس الأمر في النهاية.
وهم خلال الرياضات والخلوات يترقبون التلقين والإلهام في اليقظة والمنام، ورؤاهم ورموزهم محكومة بالذوق الشخصي، والتأويل الإشاري الباطني على نحو صنيع الكهان والسحرة والشعراء:
{هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون، والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون}.
إن الاتصال بالقوى الخفية الغيبية -الذي يتم دونما إذن من الرب- هو مخالف للدين الذي يقرر عداوة الشياطين، ويحذر من وسوستهم ومسهم وهمزهم ونفثهم ونفخهم... أعاذنا الله منهم.
وإن استقبال هذه القوى أو الدخول في عالمها لخدمتها أو استخدامها.. هذه القوى أو الدخول في عالمها لخدمتها أو استخدامها هو العدوان والطغيان… فهو التعدي على سنن التكوين، والتجاوز للحدود الفاصلة بين عالم الإنس وعالم الجن، ولكل من العالمين حدوده ووظيفته -بينهما برزخ لا يبغيان-.
والخوارق الظاهرة في عالم الإنس مجهولة اليقين هوية وحكماً، فلا يعلم هل هي كرامة وولاية؟ أم هي سحر وكهانة واستدراج؟
ولا يصلح قياس الحال بمقياس التقوى، لأن الظاهر قد يختلف عن الباطل، والتقوى في القلوب غيب مستور في الصدور، علمها عند الله وحده، كما أخبر تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.
وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه أشار إلى صدره وقال:
التقوى ههنا، التقوى ههنا، التقوى ههنا.
ولذا فلا يعلم حال الخوارق وكونها كرامة على التحقيق إلا بالدليل الصحيح السند، القاطع الدلالة، كما في أمره تعالى لنار النمرود:
{قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم}.
وكذا تسخير الجن لخدمة سليمان عليه السلام كما ورد في "النحل" و "الأنبياء" و "ص" من سور القرآن.
واشتراط اليقين في السند والدلالة سببه أن خرق السنن هو على خلاف الأصل الكوني والشرعي، فالأصل في السنن هو الثبات والدوام كما قضىتعالى وقدر: {سنة الله في الذين خلوا من قبل} {فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً}.
{فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.
إن المقارنة بين المتصوفين وبين الأنبياء في الإيحاء -بطريق النفث في الروع، أو من وراء حجاب، أو بواسطة الملائكة- هي مقارنة بين بعيدين، لأن وحي الأنبياء كان حقاً وصدقاً بالنص… ولأن الإيحاء إليهم تم بحراسة مشددة من السماء، ورصد أشداء في الأرض. قال تعالى في صدر سورة الجن:
{وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً، وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً}.
وقال تعالى في خاتمة سورة الجن:
{عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً}.
والحراسة والرصد من أجل صيانة الوحي، وحماية النبي، ودفع الشيطان:
{وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته، والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد}.
{قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس}.
ثم إن المقارنة بين المتصوفين وبين الخضر عليه السلام للاحتجاج على "العلم اللدنّي" الذي لا يحتاج فيه صاحبه إلى التعلم، هو قياس فاسد لأنه يؤدي إلى تعطيل الأسباب المشروعة والسنن الموضوعة. وفيه تجاوز في حق "الخضر" -العبد الصالح-.
من حيث الحكم عليه بالبشرية، وخروجه من دائرة الجن والملائكة، ووقوعه تحت دائرة التكليف والمسئولية مع نسبة المخالفات الشرعية إليه كقتل الغلام قبل البلوغ، وخرق السفينة لغرقها، وهو إنما كان يؤدي مهمته، ويقوم بوظيفته كما أخبر هو عن نفسه: {وما فعلته عن أمري}.
ومثله في ذلك مثل جبريل تمثل في صورة إنسان.
قال فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما في الحديث المشهور:
(هذا جبريل آتاكم يعلمكم دينكم).
وما ذكرناه في باب المقارنة في الحالتين هو على سبيل المثال لا الحصر، ومن يرد المزيد يجده عندهم، فأقوال المتصوفين وكتاباتهم ملأى بالشواهد، والقوم همهم تصيد الشوارد، واقتناص الغرائب، والتعلق بالشبهات، وتأويل المشتبهات والإشارات. والاستدلال عندهم على حساب الدليل، وهم الذين يرون أنفسهم أنهم الملهمون الذين يقتلون الغلام قبل الاحتلام، ويخرقون السفينة ويغرقونها.
إن هجمة التصوف مستمرة لم تنقطع، بل استمرت كما استمرت هجمة التشيع، والتصوف والتشيع شريكان باطنيان موغلان في الفلسفة الغربية، والروحانيات الشرقية.
والاختلاف بينهما هو في انكشاف حقيقة الشيعة، وظهور أغراضها، فلم يعد باطنها خفياً.
أما باطنية الصوفية فلا تزال مستورة خفية، وسهل عليها هذا اختراق صفوف المسلمين، بعدما اقتنع العامة، وكثير من الخاصة بالدعوى العريضة لبعض الطرق من أنها (لا تزيد ولا تنقص شبراً واحداً عن الكتاب والسنة وعمل الصحابة) وأنها (تطلب الكتاب والسنة شاهدين على كشوفها ورؤاها).
وانطلى الأمر على بعض الحركات الإسلامية المعاصرة التي يهمها الكم، ويشغلها كسب الأنصار عن النظر في الحقيقة والواقع.. فسعت إلى الجمع وكثرة العدد، ولو على حساب الإسلام. وما ذلك إلا جهل وتجاهل، والعاقبة وخيمة بشهادة: التاريخ القديم. والواقع المعاصر.
فلقد تمكن التصوف من بلوغ أكبر منصب علمي ديني في العالم الإسلامي المعاصر، وهو منصب شيخ الأزهر في كنانة الإسلام.
وتمكن التصوف من احتلال أكبر منصب سياسي اجتماعي في العالم الإسلامي لقرون عديدة..
فالدولة العثمانية التي تربعت على رقعة واسعة من العالم الإسلامي، وحكمت عدداً كبيراً من شعوب المسلمين، كانت دولة صوفية تدين في الباطن للحقيقة الصوفية، وفي الظاهر للشريعة الإسلامية. فكانت في حكوماتها وفي فتوحاتها مدينة لطرق التصوف، حيث كانت ترسل المشايخ والدراويش ليكونوا عيوناً وأعواناً، يمهدون الطريق، ثم يفتحون أبواب الحصون للجنود…
ومن الأمثلة التاريخية المعاينة القضية الكردية، فإن الطرق الصوفية التي كانت في كردستان أدخلت سلطان الأتراك، وحافظت عليه. وكانت أداة تمزيق للشعب الكردي، كما كانت وسيلة إضعاف له.
ومعلوم أن الشيخ أصل يرتبط به خلفاؤه حال حياته، فإذا مات الشيخ الأصيل تمزق خلفاؤه من بعده، وانقسموا على أنفسهم، حيث يستقل كل خليفة ليصبح أصلاً جديداً، وليكون شيخاً كاملاً له اتباعه وخلفاؤه وعالمه الأوحد، وهذا ما أدى إلى تمزق المجتمع الكردي، وجعل الأكراد مجموعات تضرب بعضها بعضاً في الداخل، وسخرت المجموعات كلها في الحروب الخارجية.
وإلى يومنا هذا فإن بعض الطرق الصوفية الكردية لا زال يؤيد الحكم التركي، على الرغم من تحول الحكم التركي من الصوفية العثمانية إلى الإلحاد والعلمانية. والغريب أن قادة الصوفية -وهم المشايخ- قد تحولوا من الهوية التركية إلى الهوية الكردية -وهو إرث ثقيل- حتى إنك لا تجد اليوم في تركيا شيخاً "مضبوطاً" غير كردي -على حسب تعبير رئيس الديانة في تركيا- ولكن عملية التحول لم تفد الكردي، بل على العكس من ذلك أضرت به. فكثير من الطرق الصوفية الكردية بقصد وبغير قصد هي حجر عثرة في طريق أية حركة كردية تتصدى للكفر، أو تتحدى الباطل، أو تثور في وجه الظلم والطغيان…
إن الطريقة البكداشية أو البكتاشية كما يلفظها الترك هي التي أعطت العهد ومنحت الإذن وباركت العثمانيين في فتح بلاد المسلمين وغيرهم. والطريقة المذكورة هي نفسها التي اتفقت مع أتاتورك لتقويض الخلافة العثمانية فيما بعد… وهذا معنى كلمة مفادها:
(إن التصوف هو الذي أوصل الدولة العثمانية إلى أبواب فيينا، وهو الذي هدمها أخيراً).
ولم تنقطع بعد أصوات تنادي بعودة الخلافة المسلوبة إلى أصحابها الأتراك العثمانيين… ويا حسرة على العباد الحنفاء كيف اجتالتهم الشياطين السفهاء…
هوامش وتعليقات
أ-الدكتور محمد:
1-ظهر التصوف بعد الحسن البصري على يد عبد الواحد بن زيد البصري، وصاحبه أحمد بن علي العجيمي. وهما متروكان كما يقول الذهبي.
-يقول الشافعي: التصوف مبنى على الكسل، ولو تصوف رجل أول النهار لم يأت الظهر إلا وهو أحمق.
ويقول أيضاً: ما لزم أحد الصوفية أربعين يوماً فعاد إليه عقله أبداً.
-يقول ابن تيمية في خلوة الأربعين يوماً وانتظار المكاشفة ونزول المعرفة: وهي تنزلات شيطانية… فإن الشيطان إنما يمنعه من الدخول إلى قلب ابن آدم ما فيه من ذكر الله الذي أرسل به رسله، فإذا خلا من ذلك تولاه الشيطان.
-الغزالي بنظرية المكاشفة واستعمال مصطلحات الفلسفة مهد لابن عربي وأمثاله من أهل الحلول والاتحاد والحلول والاتحاد -مذهب كبار الصوفية وغلاة الشيعة وهو دين النصارى- ويرى بعض الصوفية أن القرآن كله شرك لأنه يفرق بين الرب والعبد.
-حب الفناء الهندوكي هو على حساب وحدة الجماعة المسلمة.
-أفكار الشيعة والصوفية واحدة مع تغيير لبعض الأسماء كالولاية والمهدية والإمامة والمشيخة وأفضلية الولاية على النبوة، والخضر والغوث والقطب والأوتاد والنحباء.
-مذهب الصوفية في العقيدة جبري قائم على التواكل.
2-في ندوة النصرانية والإسلام المعقودة في بريطانيا -جريدة الشرق الأوسط 28/صفر/1405، 21/11/1984- تحدث فرانك خير الله وهو صاحب معجم كبير في المصطلحات الإنجيلية والنصرانية باللغة الأوردية سماه: قاموس الكتاب، يقع في مجلد لا يقل عن ألف صفحة من القطع الكبير.
وقد أشار إلى أن هناك جوانب في الحياة الإسلامية يمكن أن يستفيد منها من يقوم بعمل تبشيري بين المسلمين، أو من يريد أن يعرض حقائق الإنجيل ومبادئه. وضرب المثل على ذلك بالصوفية، وقال:
(إن الصوفية تقرب من النصرانية في كثير من معانيها).
ب-بهاء:
1-أرى أن تفرق بين نوعين من التشيع، وقد وجد هذان النوعان منذ افتراق المسلمين بعد الفتنة الكبرى، فكان هناك تشيع لآل البيت عموماً دون تبنّ لمعتقدات غريبة، وقد ظل هذا الاتجاه منتشراً بين الكثير من المسلمين إلى أن استطاع الظهور والقضاء على الخلافة الأموية.
وإلى جانب ذلك كان هناك اتجاه باطني ذلك الذي بذر بذوره عبد الله بن سبأ، وما روي من حلول الإله في علي على غرار معتقدات النصارى. وظل هذا الاتجاه مستتراً حتى بعد ظهور الشيعة وانتصارهم على الأمويين. وذلك لأن معتقداتهم كانت مخالفة للإسلام.
وفي العهد العباسي انقسم الاتجاه إلى قسمين:
وهذان القسمان كانا موجودين قبل انهيار الخلافة الأموية، ولكن كانا يعملان سوية واستغل العباسيون الموقف بالمكيدة والخدعة، فاستولوا على السلطة قبل أبناء عمومتهم بني أبي طالب.
وكان للاضطهاد الذي لاقاه المتشيعون لبني أبي طالب في العهد الأموي، ثم في العهد العباسي أثر كبير في انحراف هؤلاء نحو بعض الأفكار الغريبة: كمبدأ التقية، والإمام المنتظر، وغير ذلك.
أما السبئية فقد ظلت تعمل في الخفاء إلى أن استطاعت أن تكون لها أتباعاً كثيرين استطاعوا الظهور على شكل حركات تمردية في بادئ الأمر، ثم قويت شوكتهم فاستطاعوا الاستيلاء على كثير من المناطق، وإعلان خلافتهم.
2-جاء التصوف في مرحلة متأخرة نسبياً، وحتى الصوفيون أنفسهم لا يتفقون على معنى كلمة التصوف، ومن هنا يصعب علينا التعميم وإطلاق الأحكام، ففي الوقت الذي نجد كثيراً من شيوخ التصوف يعتقدون بوحدة الوجود نجد غيرهم ممن لا يقل عنهم شأناً يعتقد بعقيدة أهل السنة، ويقوم بدور إيجابي في إصلاح المجتمع والقضاء على الفساد… ولذلك أرى التركيز على المعتقدات المنحرفة لدى أهل التصوف وغيرهم ممن عرف عنهم الانحراف في العقيدة دون التشهير بالصوفية. وذلك لأنه يفتح باباً للصراع كبيراً بين كثير من المسلمين، ويمكن تلافي ذلك بقول الحق وبيانه دون التشهير بقوم معينين.
3-القول بأن الترك ركبوا موجة التصوف كما أن الفرس ركبوا موجة التشيع يحتاج إلى أدلة، وحتى لو سلمنا أن الترك استغلوا التصوف لبسط سلطانهم فإن غيرهم قد استغل الإسلام نفسه لبسط سلطانه، فهذا لا يتخذ حجة على الصوفية.
4-لا أجد صلة بين التشيع والتصوف، اللهم إلا أن بعض فرق الشيعة تؤمن بالحلول، كما أن بعض مشايخ الصوفية يؤمنون بوحدة الوجود الذي هو أعم من الحلول.
ج-الدكتور عبد الله:
1-العلماء يرجعون تعاطف الفرس لأنهم كانوا يميلون إلى نظام حكم الأسرة السابق تمرسهم عليه… الخ.
2-لقد ظهر التصوف قبل فتح بلاد الترك.. وحتى أن الفرس هم الذين كثر فيهم التصوف أيضاً. ومن يقرأ أسماء الصوفية يعلم من أسمائهم الفارسية ذلك..
3-إن كثيراً من أقوال المشايخ ترى أن الشريعة هي الأصل وأقوالهم دالة على ذلك.
4-هناك فارق كبير بين الفناء والحلول والاتحاد وبين القائلين بكل منها.
5-هناك فارق كبير بين الحلول الصفاتي عند الصوفية، والحلول الذاتي عند المسيحيين كما بينه ابن تيمية في الرسائل والمسائل.
6-فكرة التكاليف الشرعية والعلم الشرعي ضرورة هامة عند الصوفية، لا يتركها إلا المغرورون، وقد ذمهم الصوفية أنفسهم.
(راجع بذلك موقف الصوفية من الشرع والتكاليف).
7-للصوفية في مسألة الإلهام ضرورات تجب مراعاتها، ثم إن فكرة الإلهام معترف بها شرعاً في الكتاب والسنة.
8-للصوفية بحوث هامة في تمييز حديث النفس والشيطان من حديث القلب الصادق، وتضع الضوابط لكل منها.
(راجع الرعاية لحقوق الله للمحاسبي- باب الخواطر).
9-إن التصوف اليوم لم يعد يهتم بمسألة الباطن، إنه منصرف إلى الرسوم.
10-لا ننسى أنهم فتحوا كثيراً من بلدان أوروبا.
د-الدكتور فوزان:
1-قلت عن الخوارق: فلا يعلم هل هي كرامة وولاية أم هي سحر واستدراج، ولا يصلح قياس الحال بمقياس التقوى.
هذا فيه نظر لأن الخوارق إذا جرت على يد مؤمن تقي فهي كرامات، وإن جرت على يد فاجر شقي فهي استدراج، وأحوال شيطانية. قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون}.
وأحب أن تراجع كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
2-يفهم من كلامكم أن الخضر ليس بشراً، ولا يقع تحت دائرة التكليف، وأن مثله مثل جبريل تمثل في صورة إنسان.. وهذا فيه نظر لأن الخضر بشر مكلف، وقد قيل إنه نبي، وما أجرى الله على يده فهي إما معجزات أو كرامات.
3-أقول: أثابك الله على ما كتبت فهو بحث قيم، ويفيد في موضوع حساس، وأود لو توسعت حتى تكون الاستفادة منه أكثر. أثابك الله.. أخوك.
هـ-الدكتور أحمد:
مقال جيد يحتاج لضرب أمثلة.
و-الشيخ محمود:
1-المقال صحيح.
2-يوجد خلط بين الذين أظهروا الحب للإمام علي وقاتلوا تحت هذه الراية وأطلق عليهم "الشيعة" بمعنى مناصرة علي، وشيعة اليوم التي تقوم على فكر وضع فيما بعد تحت تأثيرات شتى.
3-معظم مشايخ الصوفية يدعون الانتساب إلى آل البيت.
4-معظم أتباع الصوفية من أصل فارسي، فالصلة وثيقة بين المجوسية التي أظهرت الإسلام وبعض فرق الصوفية.
5-صلة النسب بين الفرس وآل البيت عن طريق زواج الحسين من إحدى بنات ملوك الفرس، لذا فالحسن إمام مستودع عندهم، أما الحسين فهو الإمام الأساس.
ز-الدكتور شريف:
أظن أن في هذا تحاملاً واضحاً في إلباس القوم لباساً أوسع من جسومهم، وتاريخ الإسلام السياسي والعلمي يشهد بانحراف وانسلاخ من ظهرت عندهم –أو ادعوا- مثل هذه الكشوف والرؤى، وفي الحقيقة لا بد أن نفرق هنا بين فكرة الصوفية كمنهج سلوك وعمل يومي يقوم على التأسي والاقتداء بعمل الصحابة والسلف الصالح فيما يمكن تسميته بالتصوف السني، وما يتلبس بذلك أو يدخل عليه من زيف الكشوف أو ادعاء الرؤى أو ترهات الدراويش أو بله المجانين وغوغائية العامة، التي يمكن أن تكمن وراءها بذور سياسية تلهي الأمة الإسلامية عن العمل الجدي الصحيح وتدفعها لمثل قتل الغلام قبل احتلامه، أو خرق السفينة لإغراقها، أو يمكن أن تكون وراءها انحارفات فكرية تشرد بها الأمة وتذهل عن مصادر دينها الحنيف "الكتاب والسنة" إلى مصادر أخرى "غربية أو شرقية".
إذا كان من الحكمة معرفة الرجال بالحقيقة وما معهم منها، وليس معرفة الحق بالرجال ومن يكونون. فأعتقد أن كثيراً من المسلمين لا يعرفون إلا القليل جداً عمن تولى أكبر منصب ديني وعلمي في العالم الإسلامي المعاصر، وهذه آثارهم تدل عليهم ويكفي أن نذكر مثالاً واحداً يدل على سلوك الرجل منهج السنة لا يحيد، عندما جهر بالحق في وجه أكبر سلطة سياسية في العالم الإسلامي، ورفض الانصياع للباطل. وتقهقر أمامه سلطان السياسة، وفر مذعوراً كقزم ينتظر موت الرجل لينفذ إلى ما يريد، فهذا هو الحق الذي يجهر به أمام جور السلطان، وهو ما افتقده المسلمون طويلاً طويلاً وبخاصة ممن هم أهله من ذوي العلم والاختصاص، وليس من العلم هنا الحكم على الأشياء أو الأشخاص على البعد عنها، فمن الضروري اقتراب الدارس والقاضي أيما اقتراب من موضوع قضيته حتى يصيب وجه الحق في حكمه فيكون ممن يؤجره الله مرتين.
والعلم عند الله تعالى
2-مذهب التبيّن بين الكفر والإسلام
هذه الورقات كتبتها قبل سنوات في عاصفة هبت على شباب حائر، وذكرت بالعاصفة التي هبت
رياحها من قبل، فتمزقت بها الأفكار، وسالت لها الدماء.. وما كتبت فيها لترف عقلي أو
بروز اجتماعي ولذا انصب الاهتمام على معالجة الفكرة بما تيسر من عبارة، ولقد فاتني
العمق، كما فاتني البسط، وحسبي أنني اجتهدت، فيما وجدت من طاقة ومادة ووقت.
واليوم أعود للورقات… -وقد اصفرت صفحاتها، وتمزقت أطرافها- لأنسخها من جديد، لأحس بذلك الشعور الذي دفعني لكتابتها أول مرة، ولأجد الثقة التي تدفعني لإقرارها بمضونها، مع تهذيب يسير.
وفي الورقات -جعلها الله منجية من مردية، وعاصمة من قاصمة- مقدمة عن الإسلام والمسلم، ومناقشة لمذهب التبين من خلال أدلته وشبهه، ثم الختم بجملة من النتائج.
الإسلام والمسلم
الإسلام توحيد الله –لا إله إلا الله- كلف به عباده، كما أخبر سبحانه: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، وأرسل له أنبياءه، كما قال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال: {فاعلم أنه لا إله إلا الله}.
(لا إله إلا الله) كلمة تسع الإسلام كله، دخولاً في دين الله، وخروجاً مما ينافيه، بها البراءة من الكفر جميعه في النفي: لا إله، وفيها الخضوع للدين أصوله وفروعه في الإثبات: إلا الله.
وكلمة التوحيد هي الركن الوحيد الذي يعبر عن كمال الالتزام بكامل الإسلام، وذلك أن الأركان الأخرى أركان عملية مقيدة بأمكنتها وأزمنتها، فالصلاة حتى يحضر وقتها، والحج له مناسكه ومواقيته، والصوم له شهره والقدرة عليه، والزكاة لها أجلها وأهلها… فلم يبق غير هذه الكلمة.
وإذا كان مفهومها مساوياً للإسلام اتفاقاً، كان قائلها مسلماً ضرورة. والحد الادنى من الإسلام هو المسلم ظاهراً.
وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله:
وقد علم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم واتفقت عليه الأمة: أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلماً والعدو ولياً والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال، ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل في الإيمان.
وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام دون باطن
الإيمان.أهـ.
وخلاصة القول أنه مادام مفهومنا لكلمة التوحيد أنها تتضمن الإسلام وجب علينا الحكم بالإسلام لمن تلفظ بها، كما وجب الحكم بالكفر على من تلفظ بكلمة الكفر، صدقناه أولاً فحكمنا له، وصدقناه ثانياً فحكمنا عليه سواء بسواء، ولا منزلة بين المنزلتين.
أما أن لا نصدقه ولا نكذبه بل نتوقف فيه فلا نحكم بإسلامه ولا بكفره فذلك ميدان لمذهب التبين مداراً ومساراً.
مذهب التبين
إن مذهب التبين يعني: التوقف عن الحكم بإسلام الشخص ولو أدى أركان الإسلام لوجوده في مجتمع جاهلي لم يتبرأ منه. يقولون: هو متلبس بجاهلية تمنعه الإسلام، ولا تلزمه الكفر. وهم بذلك يغلقون باب الإسلام كما يغلقون باب الكفر، وإن كانوا إلى التكفير أدنى وأقرب. وقد بنوا مذهبهم على قضية التلبس دون أن يميزوا فيه بين ما يصح البناء وما لا يصح، ولو أنهم فعلوا ذلك لما ركبوا مركبهم الصعب، ولما جنوا على أنفسهم وعلى غيرهم.
فمن التلبس ما لا خلاف فيه وهو المادي المحسوس الذي يخرج صاحبه من الإسلام، أو يمنع من دخوله فيه، كمن قال كلمة التوحيد وهو راكع لطاغوت أو ساجد لصنم، فعلى هذين أن يتبرآ من الطاغوت والصنم أولاً ثم يعلنا إسلامهما.
والنوع الثاني من التلبس هو الحكمي المستور، كوجود شخص في مجتمع جاهلي، وهذا التلبس ليس إلا شبهة قائمة على ظن لا تثبت حكماً ولا تنفي وصفاً، لأن وصف المسلم أو الحكم بالإسلام لا يتعلق بكون الفرد أو وجوده في مجتمع بل هو يكون مسلماً ولو اعتزل الناس وعاش فريداً وحيداً لا يعاشر أحداً.
وحقيقة ذلك أن مدار الحكم على الشخص ذاته، وما يظهر من فعله، ويفهم من قوله، وعرف الشارع في مصطلحاته هو الحاكم، ونحن نتمسك بالمصطلحات الشرعية حماية لما فيها من المعاني، ولما وراءها من الدلالات. ومن الخطأ الفادح والعبث الفاضح تعطيلها وإلغاؤها بمجرد الظن،والظن ما هو إلا كذب غير بين.
وإن تقسيمنا للتلبس كشف عن خطأ القوم في تعميم الحكم، وهذا يهيئ لنا النظر في التبين ذاته لتقسيمه إلى ما هو مشروع مقبول، وإلى ما هو مرفوض غير مشروع. فالمرفوض هو تبين الإسلام في مدعيه، وتبين الصدق في صاحب المقال، وتبين العلم في مجهول الحال، ففي البحث عن السوءات، والكشف عن العورات، خطء وخطأ كبير، وفساد في الأرض وشر مستطير. أما المقبول فهو تبين الكفر في المشتبه به، وكذلك تبين الكذب والجهل، وهذا المقبول ليس مشروعاً بإطلاق بل له شروط وعليه قيود، من حاجة ملجئة وضرورة مسوغة، ثم هو ينحصر في ولي الأمر وليس مشاعاً لكل أحد. ولو أنا احتطبنا بليل وسلمنا لأهل التبين بلا تمييز ولا تقييد ولا اشتراط لوقعنا فيما وقعوا فيه من محاذير يأخذ بعضها برقاب بعض.
نعوذ بالله من مزالق الأقدام وفساد الافهام، ومن هذه المحاذير:
1-مخالفة الأصل المقرر -بالفطرة- للأشياء والأشخاص إذ أن الأصل في القول الصدق والحق حتى يظهر الكذب والباطل، والأصل في الشخص البراءة والأمانة حتى تثبت الجريمة والخيانة. فالذي يدعي الإسلام، الأصل قبول دعواه حتى يثبت خلافها، أو يظهر بطلانها.
2-ومنها أن رسل الله جميعاً -والمرجع في ذلك القرآن- اكتفوا بكلمة تقال هي -لا إله إلا الله- ولم يجعل أحد منهم التبين ركناً للإسلام ولا فرضاً ولا شرطاً.
3-ومنها أن الله تبارك وتعالى أمر خاتم المرسلين بأن يقبل من الأعراب إسلامهم وهم جاهلون أو كاذبون.
4-ومنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل من منافقي المدينة كلمة التوحيد وسماهم أصحابه.
فمن ذا الذي يمد يده أو لسانه لقلب الفطرة، بل من ذا الذي يتحدى ما أمر الله، ويتعدى ما شرع رسول الله:
{يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، واتقوا الله…}.
تعالوا سواء نحتكم إلى كتاب الله، وهاتوا برهانكم إن كنتم على شيء؟ أما أدلتكم التي حملتموها فهي ليست حجة لكم بل هي حجة عليكم، فاسمعوني إن أريد لكم إلا الخير، وما توفيقي إلا بالله.
أدلة التبين وخطأ القوم في الاستدلال
*الدليل الأول من سورة الحجرات، قوله تعالى:
{يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجاهلة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}. حملوا الآية على التوقف في الفاسق، فلم يصدقوه ولم يكذبوه ما لم يتبينوا، وقاسوا عليه من فيه شبهة كفر، فلم يحكموا بإسلامه ولا كفره ما لم يتبينوا. وأستعين بالله في الرد عليهم فأقول:
إن مفرق الطريق بينهم وبين الحق أنهم صرفوا التبين لإظهار الإسلام، وهو استدلال في غير موضعه، لأن التبين موجه إلى إظهار الكفر -الكذب في مثلنا- فعلى الكذب تترتب الإصابة بجهالة، والندم على الفعل -ونص الآية واضح صريح- وليس التبين موجهاً لإظهار الإسلام -الصدق في مثالنا- لأنه لا يترتب على صدقه شيء من الجهالة والندم، ولمزيد البيان أقول:
إن الفاسق متلوث بالمعصية، وفي نبأه شبهة كذب دعا القرآن إلى تبينها خوف الجهالة في إصابة قوم، ومن ثم الندم على فعل ذلك. فسبب التبين هو وقع الإصابة والندم، وليس فيه تكذيب للفاسق، ولا توقف عن تصديقه، بل هو في فترة التبين صادق غير كاذب.
وقياس الشخص المتوقف فيه على الفاسق قياس مع فارق، لأن الفاسق حكم عليه بالفسق لجريمة ارتكبها بنفسه، أما المتوقف فيه فلم يرتكب جرماً، فكيف يحمل وزراً {ولا تزر وازرة وزر أخرى}.
القياس فاسد من وجه آخر أظهر من جهة كونه بين الممكن والمتعذر حيث أن تبين الكذب والصدق في خبر الفاسق ممكن، أما تبين صحة الإسلام فينسحب على أصول الدين وفروعه، وذلك متعذر لا ينتهي ولا يدرك في الحياة ولا يعرف إلا بعد الممات.
*الدليل الثاني من سورة النساء، قوله تعالى:
{يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا، ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً، تبتغون عرض الحياة الدنيا..}.
والتبين هنا مأمور به لما يترتب على تركه من قتل معصوم النفس خطأ، وأخذ المال المحترم ظلماً. وظاهر الآية: أنتم تقولون لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً، يعني أنت كافر مباح الدم حلال المال، فتبينوا كفره حتى يباح دمه ويحل ماله. وليس المراد فتبينوا إسلامه لأن المسلم لا يباح دمه، ولا يؤخذ ماله بحال.
*الدليل الثالث من سورة الممتحنة، قوله تعالى:
{يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن…}.
والآية ظاهرة في أن التبين أو الامتحان ليس للكشف عن الإيمان فهو ثابت صريح العبارة -المؤمنات- وإنما هو للكشف عن الدافع للهجرة، هل هو الإيمان فلا يرجعن إلى مكة، أو هو سبب دنيوي -نشوزاً من زوج أو رغبة في زوج- فيرجعن التزاماً بشروط صلح الحديبية.
*الدليل الرابع مطالبة من أسلم من النصارى بالتبرؤ من ألوهية عيسى عليه السلام. والجواب أن نفي الإلهية عن عيسى عليه السلام داخل في مفهوم لا إله إلا الله، وليس خارجاً عنه، والمطالبة به للتنبيه عليه أو للتأكد منه، ومعلوم أن التأكد من الشيء يتأخر عنه ولا يلازمه فكيف يسبقه.
*الدليل الخامس: العمل في الجاهلية:
جعلوا من هذه الشبهة دليلاً أوجبوا له التبين ونفوا به الإسلام، بل إن بعضهم أوجب بها لكفر والخروج من ملة الإسلام، ونقول لهم: إن العبرة ليست بموقع العمل ولا بصاحب العمل بل العبرة بنوع العمل، فإن كان حراماً حرم دائماً، وإلا فلا أبداً، والكفر كذلك. وبعيد عن الشرع والعقل قولهم: إن أي عمل هو مساهمة ومشاركة في الجاهلية، وبيننا وبينهم كتاب الله نرجع إليه في هذا الأمر -وهو أمر عقدي تستوي فيه الرسالات جميعاً- وهذا القرآن يحدثنا في أعظم قصصه وأطولها عن يوسف عليه السلام من أنه كان وزيراً لفرعون، أو عزيزاً لمصر، أو كما يقول ابن تيميه نائباً لفرعون مصر وهو وقومه مشركون، وفعل من العدل والخير ما قدر عليه، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان. أهـ.
والحكم في مصر لم يكن فيه شبهة جاهلية، وإنما كان كافراً كفراً بواحاً صريحاً لم يستطع يوسف فيه أن يأخذ أخاه إلا بالطريقة المرسومة في دين الملك. فبم يحكمون على يوسف الصديق الرضي المرضي؟
*بقي في مذهب التبين أدلة أو شبهات هي دون ما سقناه، وهي بين دليل باطل، أو استدلال فاسد. ومن ذلك قولهم عن عمر رضي الله عنه أنه كان يتبين في الصلاة على المنافقين ويتوقف حتى يرى ماذا يصنع حذيفة، لعلم حذيفة رضي الله عنه بأسماء المنافقين.
ونقول لهم: إن التبين لو كان من الدين لما خص حذيفة به، ولما جاز لحذيفة أن يخفيه عن عمر، وعمن هو أقل شأناً من عمر، وليس في فعل عمر –على أية حال- دلالة على ما يقولون لأن من هو خير من عمر لم يكن يصلي على المدين، والدين لا يوقف الحكم بالإسلام ولا ينزع وصف المسلم بدليل أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يمنع المسلمين من الصلاة على المدين بل أمرهم بالصلاة عليه وسماه صاحباً في قوله: صلوا على صاحبكم.
رضي الله عن صحابة رسول الله وأرضاهم، وجمعنا بهم في رحاب رضوانه وروضات جنانه.
بقيت معالم أختم بهن الورقات، وهي تجمع في معلم واحد هو: الحفاظ على فطرة العقل وتنزيل الشرع، وتنفرد منثورة في معالم عشرة، وهي:
-كلمة التوحيد تجمع دين الله دخولاً فيه وخروجاً مما ينافيه.
-كلمة التوحيد إقرار من العبد على ذاته، وإخبار عن علاقته مع ربه، وإيمانه به، وإسلامه له.
-الإقرار على الذات يستلزم الإثبات، بخلاف الشهادة على "الغير" فتوجب البينة.
-الحفاظ على المصطلحات الشرعية حماية لما فيها من المعاني، ولما وراءها من الدلالات.
-الحذر من خرق ما علم من الدين بالضرورة كالتوقف في إسلام المسلم أو تكفير الكافر.
-الحذر من التورط في هدم أصل من الأصول المقررة الثابتة في براءة الذمة، وقبول الظاهر.
-القول حق وصدق حتى يظهر كذبه وبطلانه، والظن كذب وباطل حتى يظهر صدقه وحقيقته أو حقيته.
-القائل المخبر -ولو كان فاسقاً أو متهماً- هو صادق غير كاذب، وعالم غير جاهل، وبريء غير مذنب حتى يثبت كذبه وجهله وذنبه.
-الحذر من الجراءة على دين الله، والتهجم على الأدلة بلا علم ولا عدة، ففي ذلك إضاعة للدين، وهدم للأدلة.
-مجانبة التشديد والتشدد، والتنطع والتكلف، ثم التحلي بالحكمة والتجمل بالصبر في الدعوة والمحاجة، بغية الكشف عن الحق لاتباعه، والكشف عن الباطل لاجتنابه.
ولله عاقبة الأمور.
3-أصول الأحكام الفطرية والشرعية
الحمد لله فرض الشريعة، وقدر الفطرة، وأقر العرف. والصلاة والسلام على محمد عامل
بالفضل، وأقام الحق، وحكم بالعدل. وبعد:
في مفهومي هذا عن أصول الأحكام ثغرات تسدومخالفات وزيادات تحذف وترد، فقد اجتهدت فخطوت خطوة، وبلوغ الغاية إنما يبدأ بخطوة، تليها الخطوات، ربنا: أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. هذا، وإن أصول الأحكام التي تصلح بها حياة الناس في دنياهم وأخراهم ثلاثة، هي:
-حكم الشريعة المنقولة.
-حكم الفطرة المعقولة.
-حكم الأعراف المقبولة.
وترتيبها في الأهمية كما ذكرناها أولاها الشريعة أولها، وآخرها العرف أو الأعراف، وبينهما الفطرة.
وكل حكم منها له مبنى يعتمد عليه في ايجابه والالتزام به.
فمبنى الإلزام بالفطرة هو الخضوع المركوز في الطبيعة البشرية، والخضوع البشري داخل في النظام العام للكون.
ومبنى الإلزام بالشريعة هو الإيمان، وهو وعد وعهد وميثاق يلتزم به العبد لربه، فإذا قال المؤمن: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" أفاد التزامه بالعبادة كما أنزلها الله في القرآن، وكما بينها الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة.
فيكون أداؤه للأحكام من عبادات وحدود، وتركه لكل ما نهي عنه. وكذا يكون سؤاله أمام القضاء الدنيوي والحساب الأخروي مبنياً على التزامه هو.
ومبنى الإلزام بالعرف هو الاتفاق، وهو كذلك وعد وعهد وميثاق لكنه بين الفرد وجماعة من الناس.
ودليل الشريعة القرآن، ودليل الفطرة العقل، ودليل العرف الاختيار أو الحرية.
وحكم الشريعة ملزم للمؤمنين بها، المسلمين لها، من أهل دينها.
وحكم الفطرة ملزم لجميع الناس.
أما العرف فملزم لجماعة من الناس معينة محصورة بزمان في مكان.
وعلى هذا نرسم ثلاث دوائر، في كل دائرة منها مجتمعها، فالدائرة الإنسانية العامة تجمع البشرية كلها، والدائرة الدينية تجمع المؤمنين المسلمين، والدائرة الأخيرة لجماعة قومية أو مذهبية.
وهذه الدوائر تتواصل وتتكامل، ولا تتعارض ولا تتناقض. ذلك بأن منزل الشريعة الدينية هو خالق الفطرة الطبيعية، وسمى تعالى الفطرة أو الخلق ديناً في قوله: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}.
والعقل الذي هو دليل الفطرة هو الذي يدل على الدين ويوصل إليه ويقرر بأنه حق وصدق، ويشهد له.
والدين كذلك يقرر الفطرة ويكشف عنها، ويشهد لها، بل يكملها ويسمو بها. وعلى هذا فالدين متفق مع الفطرة، وحكم عليها ومهيمن…
فما قصر فيه العقل أدركه الدين، وفي ذلك قول الرسول الكريم:
بعثت لأتمم حسن الأخلاق، ومكارم الأخلاق فطرية، لكن العقل وحده يقصر عن إدراكها كلها بكاملها أو يقصر.
ولا يجوز التقليل من دور العرف أو إلغاؤه واعتباره محشوراً مع ما لا يناسبه. فالعرف معروف شرعاً وفطرة، ومأمور به فيهما، فهو لا يخرج في أصله عن قيود الفطرة وحدود الشريعة، بل كل من الشريعة والفطرة يقرر الفروق الفردية والاجتماعية بين الشعوب والقبائل، والأقوام والأحزاب.
وليس من مراد الشريعة ولا الفطرة إذابتها وصهرها، أو تغييرها وتبديلها، وإنما المراد جمعها في إطار الأمة الواحدة المتعارفة على مستوى إنساني أو ديني مراعاة لحرية الاختيار، وعدم الإكراه والإجبار.
{يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.
وعليه فإن كل مجتمع عرفي -مع الاحتفاظ بالإنسانية والشريعة- له الحرية في اختيار أنظمته الإدارية، ومراعاة عاداته وتقاليده، لأن ذلك يعبر عن ذاته ويحقق فكره، ويوجه طاقته، ويستثمر جهده.
واختلاف المجتمعات قائم على اختلاف الجماعات في جنسها ونوعها ووظيفتهـا، فالتميز والاختصـاص سمتان ظاهـرتان أو مبدآن شرعيان وفطريان معاً.
والناظر في الجماعات البشرية يراها ملونة، تتصف كل منها بما يخصها من المواهب والطاقات، ودرجة التفكير وطريقة المعاملة، وكل ذلك يشدها لأن تعيش حياتها الخاصة.
وإذا كانت الشريعة لا تتغير ولا تتحول ولا تتبدل وكذلك الفطرة كما تشهد النصوص… فإن العرف يتغير بتغير الزمان، ويتحول بتحول المكان،ويتبدل بتبدل الأشخاص، وبالتالي لا تثبت أحكامه على حال.
وما ذلك إلا لأن الحكم العرفي يبنى على مصلحة في نظر جماعة، والجماعات ليست واحدة في مقدار فهمها، ولا في درجة اهتمامها، ولا في طريقة معالجتها للأمور..
وقد يقول قائل أو يسأل سائل، لم الفصل بين الفطرة والشريعة والعرف؟ ولم الخروج على أصول الفقه؟ وأمامك الإمام.. فلا تذهب غير مذهب!.
ولرد القول وإجابة السؤال لا بد من دارسة موضوعية وتاريخية للفقه في نشأة أصوله وتطور مذاهبه ولا يتسع المقام لذلك، وما لدي هو ملاحظات أسوقها على سبيل الذكر والتذكير، ومن ذلك:
الإجماع، فقد جعل ملزماً للمتأخرين مع أنه حكم متعلق بالعرف – أي أنه عرف مجتمع قديم اختص بجماعة لها فهمها المحدود، ومصلحتها الموقوتة.
وواضح أن الإجماع ظاهرة من ظواهر التقليد، جعل فيها اتفاق جماعة في زمن ومكان ملزماً لغيرهم في كل الأزمان، وكافة الأماكن.
وإذا كانت هذه القضية تهون لقلة قضايا الإجماع، فإن الخرق يتسع بجعل الأقوال المذهبية للأئمة والشراح والمرجحين والمفتين أحكاماً متوارثة، بل أصولاً للأحكام، أو أدلة أصلية في القياس والتفريع.
وقد يكون ذلك على حساب الأدلة الشرعية والفطرية بعد ليّ أعناقها، وتذليلها بمختلف طرق الإشارة والتأويل والنسخ حتى قال قائل منهم: كل آية أو حديث على خلاف مذهبنا فهو مؤول أو منسوخ. وقال آخر: وعلى المرء نصرة مذهبه والذب عنه بإيراد الأدلة له وأن يوهن حجة خصمه!!
ولقد كان اعتماد القياس في التشريع لإصدار الحكم الشرعي على المقيس عليه، مع افتراض العلل، والتعسف في حكمة التشريع، وفي تخريج الفروع، وفي تقعيد الأصول.. كل ذلك أخرج كثيراً من الأحكام المذهبية عن أصول الشريعة ونصوصها، وأبعد عن قوانين الفطرة ومبادئها.
والأمثلة كثيرة منها: حكم جواز تزوج الأب لابنته من الزنى، والدليل أو العلة أن ماء الزنى لا حرمة له! على ما يراه بعض المذاهب..
إن القياس –الذي سموه اجتهاداً- جعل أقوال الرجال أحكاماً قاطعة بمجرد موافقة أصولهم أو نسبتها لأئمتهم، حتى إن إماماً كان إذا قال يعجبني كان تحليلاً، وإذا قال لا يعجبني صار تحريماً.
وهذا توسيع لدائرة الشريعة لأن أقوالهم جعلت ملزمة باسم الشريعة، مع أن التكاليف الشرعية محدودة معدودة.
ولم يكن التوسع على حساب الشريعة وحدها وإنما كان على حساب الفطرة أيضاً، بحيث ضيق على الناس في أصل الفطرة وهو الإباحة، وفي يسر الشريعة وسماحتها وهو كونها قليلة خفيفة.
فإذا حكمت الشريعة بتحريم شيء زادت بعض المذاهب فحرمت أشياء وأشياء، وكذلك شأن التحليل والإيجاب.
وهذا ما أدى إلى اختلاط الدوائر، مع التجاوز في دائرة والتقصير في أخرى… وللأسف فإن الأولوية عندهم كانت للأحكام العرفية.
وأذكر أنني كنت في حج التزمت فيه بالنصوص، ولكن صاحبي أوجب علي من الدماء بعدد المخالفات المذهبية، ولم يلتفت إلى أن الرسول الكريم قال في مثل هذا اليوم: افعل ولا حرج.
نحن لا ننكر على السابقين اجتهادهم فهو حقهم، وما يراه المجتهد من رأي هو دين له، عليه أن يلتزمه ويأخذ به، بل إن ما ينذره من المباح يصبح ديناً له، لكنه لا يصبح ديناً لغيره، ولا يكون متوارثاً من بعده.
وسنة التقليد ليست من سنن الفطرة، وليست مشروعة في دين من الأديان، وهو مما اخترعه أرباب الأديان وأولياء الأمور، والحديث الصحيح فيها صريح: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. ولم يقل أو يسلمانه لأن الإسلام {إن الدين عند الله الإسلام} لا يقبل فيه التقليد بل العلم واتباع الدليل. والطين يزداد بلة إذا كان التقليد لمذهبٍ الغلبة فيه للعرف، والعرف قائم على الظن ومعرض للخطأ، وهما طريقان للباطل والإثم.
ولولا التقليد لوصلت الأحكام إلى قرار صحيح كما حصل في العلوم التجريبية، حيث وضعت الاحتمالات والفرضيات على محك العصور،وتعاقب الأجيال، فجبر الكسر، وكمل النقص، وظهر الخفي بما أضافه وإستدركه المتأخرون على المتقدمين.
بينما التقليد يكرس الخطأ ويبرره، ويخفي الحقيقة أو يردها. ومآل ذلك تعطيل الشريعة وإفساد الفطرة.
واليوم قد غدوتَ عاجزاً عن الدفاع عن شريعتك أو فطرتك، وأنت تراها تتهم بالعجز والقصور والانحراف والتخلف… وبالتالي عدم الصلاحية للحياة.
وما ذلك إلا لأنه دخلها ما ليس منها، وعد عليها ما ليس فيها.
الأصل الأول للأحكام : الشريعة
مصدر الأحكام الشرعية هو القرآن الكريم المنزل بلغة العرب على ما يستعملونه من المباني، وما يفهمونه من المعاني. فتؤخذ أحكامه من نصوصه على ما يقتضيه ظاهر اللفظ العربي تصريحاً وتضميناً مع الالتزام بقيدين:
أولهما: جمع النصوص القرآنية المتعلقة بالحكم -والقرآن يفسر بعضه بعضاً- فيؤخذ بتقييد المطلق، وتخصيص العام، وتفصيل المجمل، وتعيين المبهم، والتصريح بالمحذوف، وتبيين المشكل ونحو هذا وسمي بعضه نسخاً وهو اصطلاح لا مشاحة فيه.
ثانيهما: البيان النبوي قولاً وعملاً، من تقييد وتخصيص وتقييد وتصريح وبيان، والزيادة النبوية من البيان الذي أوحي به، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجتهد في التشريع بل ينقل الوحي:
{وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}.
وعلى هذا فإن الحكم يؤخذ من معنى اللفظ إذا انفرد. وإذا تعدد معنى اللفظ عين المراد بالرجوع إلى المواضع الأخرى من القرآن، أو عين بالرجوع إلى ما تيقن صحته من السنة ، لأن الحق واحد، ومراد الشارع لا يتعدد في حقيقته.
وفي هذا قوله تعالى:
{إن علينا جمعه وقرءانه، فإذا قرأناه فاتبع قرءانه، ثم إن علينا بيانه}.
والبيان يكون لفظاً أو حكماً.
وأعني باللفظ ما نزل من القرآن بياناً في مواضع أخرى، أما "حكماً" فهو بيان الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، بقوله وفعله، ومن ذلك تفسير {لامستم النساء} بالجماع وليس مطلق اللمس، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قبّل -وهو نوع من اللمس- وصلى دون وضوء. وكان بيان الرسول الكريم ملزماً دون بيان غيره، لأن إنزال الوحي عليه وعمله به كان محفوظاً مرصوداً، كما قال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً}.
وقال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين}.
والآيات في هذا كثيرة، وهي تقرر بيان النبي الكريم، أو تصححه. أو تكمله، أو ترده كما في قوله: (عفى الله عنك لم أذنت لهم}، وقوله: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض}، وقوله: {عبس وتولى أن جاءه الأعمى - إلى قوله - فأنت عنه تلهى}، وغير ذلك من الآيات التي تدرك النبي بالتوجيه والإرشاد والتوضيح والتصحيح، وقد انقطع الوحي عن غير الأنبياء فلا يكون قولهم ملزماً كائناً ما كان وكانوا.
والعبادة التي هي المقصود من أحكام الشريعة لا تبنى إلا على يقين في ثبوت الدليل وفي صحة الاستدلال.
-ولا اجتهاد مع النص- كما قالوا وحبذا لو عملوا بما قالوا، فتركوا تعليل النصوص وقياس الفروع وتقعيد الأصول مما قام على الافتراض في المنطق والفلسفة وتحكيم العقل وتجاوز الحدود: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم}.
إن القرآن هو مصدر الشريعة كما قدمت، ولو عرفت القرآن لقلت هو التعريف بالرب أي بأسمائه وأفعاله.
والغرض هو: هداية العباد لما كلفهم به ربهم من أحكام، وسيق لهذا الآيات الكونية في الآفاق والأنفس من دنيوية وأخروية لتذكير العباد وترغيبهم وترهيبهم.
ولكن المتأخرين نقلوا لنا: أن القرآن فيه كل شيء، على ما فهموه من نحو قوله:
{ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء}.
وقوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء}.
وما ذهبوا إليه مبالغة في التعميم، إذ ليس هناك عموم مطلق، بل عموم كل عام مقيد ببابه الذي يستعمل فيه، كالعموم في قوله عن ريح عاد: {تدمر كل شيء} أي كل شيء أتت عليه وأرسلت إليه وليس كل الأشياء بإطلاق.
والعموم في الآيتين وأمثالهما مقتصر على ما يتعلق بغرض القرآن وهو هداية العباد لمعرفة ربهم، ففي القرآن كل ما يتعلق بهذه الهداية.
ودعوى "كل شيء" على العموم المطلق أوقعهم في تكلف شديد عندما أرادوا سوق علوم النظر والخبرة والتجربة بل كافة العلوم للأولين والآخرين، حتى اللغات التي يتكلم بها البشر متجاوزين التصريح بنزوله عربياً -بلسان العرب-.
ولعلنا لا نتجاوز حداً إن نحن طلبنا الحد من فتح الأبواب الثلاثة بل إغلاقها إن أمكن وهي: المجاز والتأويل والإشارة.
فالانحياز للمجاز والميل للتأويل، وتصيد الإشارات والخواطر، وكذلك الانكباب على النسخ… كل هذا أدى إلى ثغرات لا تسد، وجروح لا تندمل.
ولست منكراً للمجاز ولكني لا أراه أسلوباً للخطاب في الأحكام، ولا يخفى أن التأويل عامة والإشارة خاصة ملوثان بالسفسطة المنطقية، وغارقان في التبرير والتحايل الباطني. أما النسخ في القرآن ففيه مقال - ولست أنكره -.
ونسخ الرسول للقرآن محال، فما بال ما ينسب لهذا وذاك من الرجال…
وبعضهم يلوح بالتلفيق المذهبي "كحل" وسط لاجتماع المسلمين سياسياً مع أن أصحاب أي مذهب يرون الخروج على مسألة واحدة خروجاً عن المذهب كله، فهذا ليس بحل، والحل يحب أن يكون من الجذور في رسم دائرة شرعية من الكتاب والسنة وحدهما، تضم المعلوم من الدين بالضرورة بحيث أن من خرج عن هذه الدائرة خرج عن الإسلام فتستبين سبيل المؤمنين كما تستبين سبيل المجرمين.
{وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}.
وبعد الدائرة الشرعية إسلامياً يبحث في الفطرة الإنسانية ثم في العرف الإداري… وهنالك لن يشتد الخلاف ولن يتعمق ولن يطول، بل سينتهي بعد شيء من التهذيب والتجريب إلى قرار صحيح…
الأصل الثاني للأحكام : الفطرة
الفطرة هي الخلقة الأصلية للأشياء المقدرة بذواتها وصفاتها ووظائفها وظواهرها وسننها النافذة أبداً، الثابتة بلا تبديل ولا تحويل، وفي ذلك آيات كثيرة منها:
-{فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}.
-{وخلق كل شيء فقدره تقديراً}.
-{سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى}.
-{فلن تجد لسنة الله تبديلاً. ولن تجد لسنة الله تحويلاً}.
ومن الفطرة النفس العاقلة المكلفة كما قال تعالى:
{ونفس ما سواها فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}.
وليست الفطرة بمنفصلة عن الشريعة، وآية الروم السابقة سمت الفطرة (الدين القيم).
وفي السنة عدد الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أعمالاً فطرية خمسة أو عشرة وأشرت قبل إلى أن دليل الفطرة وهو العقل يشهد للشريعة إقراراً وقبولاً وتسليماً.
والعقل الفطري لا يراد منه عقل فرد أو جماعة فذلك داخل في دائرة العرف، وإنما المراد العقل البشري العام الذي لا يجتمع على فساد.
فالبشرية العاقلة تعرف بفطرتها أحكاماً في الحسن والقبح، والحق والباطل، وهي أحكام قاطعة صائبة تنتظم فيها مع الكون الكبير في عدالته وحقيقته وحكمته.
ولا يلتفت إلى الشواذ الذين فسدت فطرهم، وانحرفت عقولهم عن سواء السبيل. وسنن الفطرة في الإنسان -كما في أي كائن آخر- ثابتة، فالظواهر النفسية كالظواهر الطبيعية والمظاهر الدنيوية كالأحوال الأخروية، كلها محكومة بقوانين زمانية ومكانية على ما يعرف ويكشف من الأجناس والأنواع والفصائل والخصائص، فكل جزء أو فرد موضوع بإحكام لحكمة، ومكلف بوظيفة، ومسئول ومجازى وهكذا الإنسان ولكنه {كان ظلوماً جهولاً}.
والسنن العامة للمظاهر الكونية، والظواهر النفسية معروضة أمام العقل يراها ويسمعها ويحس بها ويدركها.
ومعرفته بها وكشفه عنها يسهل تعامله معها واستفادته من خيراتها واجتناب مخاطرها، ويجب عليه عدم الإضرار بها بسوء استخدامها وتلويثها والإفساد فيها، ويدخل في الفطرة الحسن العام والقبح العام لأنهما عقليان.
ومن ذلك مبادئ الأخلاق وأمهات الفضائل.
ولا معارضة بين ما يثبت فطرة وما يثبت شريعة إلا ان ما تعدد مصدره كان أثبت واقتضى الاهتمام به أكثر.
والشريعة حكم على الفطرة وليس العكس، وبالأولى أن تكون الشريعة حكماً على العرف. لكن ما رأيناه في واقعنا أو سمعنا به في تاريخنا هو التعدي على الشريعة من قبل العرف وضياع الفطرة بينهما.
والعقل البشري يخطئ في الفطرة، ومن الأعراف ما هو ضلال، أما الشريعة فمعصومة، وتميزها يعني إعطاء كل ذي حق حقه، ويعني حمايتها من الباطل وإبعادها عن التهمة.
الأصل الثالث للأحكام : العرف
نثرت الحديث عن العرف في الأصلين السابقين وأجمع عنه هنا جملاً. وقد ترددت في تسمية هذا الأصل بين مصطلح قانوني وهو: أحكام الإدارة. ومصطلح فقهي وهو: أحكام الإجماع، وغير ذلك كأحكام المجتمع، والأحكام الاختيارية، والأحكام المحلية…
ثم حبذت مصطلح (العرف) أي العرف السائد وهو نوع من الحكومة المحلية، والإدارة الذاتية لتحكيم العادات والتقاليد والأنظمة الإدارية المتفق عليها بين الراعي والرعية.
وأحكام العرف مقبولة إن لم تخالف شريعة ولا فطرة، وهي ملزمة لاتباعها عليهم إطاعتها وعدم الخروج عليها، وهذا من باب الوفاء بما اتفقوا عليه، والتزموا به.
وأهمية هذا الأصل أنه يحفظ الحرية ويحقق الاختيار، فإذا كان الفرد حراً في دينه الذي يعتقده، وفي رأيه الذي يعبر عنه، وفي سلوكه الذي يختاره ويريده دونما سيطرة أو إكراه أو إجبار، فمن باب أولى أن يعطى هذا الحق لجماعة ترى رأياً، وتعتقد ديناً، وتختار مذهباً، وتمارس سلوكاً..
ولا يجوز التسلط والاستكبار لاستضعاف أحد أو استعباده.
ولقد عانت البشرية من طغيان الفكرة المفروضة، والقيادة المستبدة.. والبشر اليوم - كما كانوا من قبل - مختلفون، ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة، ولكنه خلقهم معادن، وأعطاهم الخيار كي يجتمعوا تحت إطار عام واسع يتحقق فيه التعارف بالحق والعدل:
{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا}.
والتعارف يكون فيما يتشابهون ويشتركون فيه، أو يتراضون ويتفقون عليه. ولذلك يجبرون في أحكام الإدارة كما يجبرون في إقامة الحدود الشرعية بسبب أنهم هم الذين أوجبوها على أنفسهم.
إن الجزاء الديني -فيما عدا الحدود والكفارات- هو جزاء أخروي، أما الظلم الاجتماعي فجزاؤه عاجل في الدنيا قبل الآخرة، ولذلك شرع الجهاد، ومدافعة الظالمين.
ولقد كان هم الطغاة المستكبرين تعبيد الأتباع، وإنزالهم عن حريتهم، وسلبهم اختيارهم، مع أن الاختيار أو الحرية هو مناط التكليف والمسئولية، وعلى المستضعفين في الأرض أن يفروا إلى الله، بالهجرة من الظلام إلى النور، وأرض الله واسعة.
وليعلموا أن أعظم ظلم يرتكبونه هو أن يضعوا العقل تحت أقدام السادة، أو يضعوا القلب في سجن القادة.
تعليق
إن فساد الرسالات السابقة كالرسالة التي جاء بها موسى، أو الرسالة التي جاء بها عيسى كان بسبب خلط أتباعها بين الأمور الربانية والأمور البشرية، وبناء على هذا ومن أجل الوصول إلى هدف التمييز بين ما هو رباني وما هو بشري، يمكن أن تقسم الأحكام إلى قسمين:
1-الأحكام الربانية: وهي الأحكام الشرعية في اصطلاحكم.
2-الأحكام البشريـة: وهي الأحكام الفطرية، والأحكام العرفية، في تقسيمكم.
وعلى كل حالٍ الخلاف بين هذا التقسيم الذي أراه، والتقسيم الذي ترونه خلاف شكلي ليس له أثر عملي. والمهم كما ذكرتم ألا ينسب حكم بشري إلى الرب تبارك وتعالى لأنه افتراء على الله.. وفقكم الله وأعانكم على بيان الحق، وأعانكم على الصبر في مواجهة الجاهلين من الذين يدعون العلم وهم عنه غافلون.
الخلاصة: إن الأحكام نوعان على وجه الإجمال، وثلاثة على وجه التفصيل.
ملاحظة: البحث قيم ومفيد، وحبذا لو أدرج ضمن كتاب المفاهيم، ليؤدي دوره في تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة في أذهان الناس.
تلميذكم / أبو شاهر
4-مساجد بلا مظاهر
التطاول في البناء دونما حاجة من أشراط النهاية، وهو داء الأمم الذي أصاب أمة الإسلام فظهر بأشكاله حتى في بيوت الله.
وهاهي مساجد المسلمين مقامة على الخلوات والمقابر، تعلوها القباب وتحوطها المنائر، وقد فرشوها بالوثير الأثير، وزخرفوها بالفسيفساء، وطلوها بالذهب، وطعموها بالفضة والعاج…
نحن اليوم بحاجة لنرجع البصر كرتين لنكشف عن الوقوف عند البناء، وتوقف المسجد عن العطاء.
ولعل مقالنا هذا يدفع مهندساً معمارياً للتفكير في طريقة مثلى للبناء المتناسب مع دور المسجد في التعليم والإعداد والتربية.
ولعلنا نصل إلى المجتمع المنشود الذي يترك المظاهر ويدرك الجواهر، والمساجد بيوت معمورة أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه:
{يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار}.
وعمارة المساجد عمل كلف به المؤمنون الذين لا يشركون:
{ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون}.
{إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين}.
وأول مسجد موضوع لعبادة الناس هو البيت العتيق بمكة، رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وقد جعله الله قبلة في الصلاة ومنسكاً في الحج.
{إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين} {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق…} {وليطوفوا بالبيت العتيق} {فول وجهك شطر المسجد الحرام}.
والمسجد الثاني أسسه الرسول الكريم على التقوى في دار الهجرة بالمدينة المنورة.
وفي مقابله اتخذ المنافقون مسجد الضرار على غير التقوى:
{والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون، لا تقم فيه أبداً لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين}.
والمسجد الأقصى ثالث الحرمين وكان أولى القبلتين، شرف الله ذكره وبارك حوله:
{سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}.
هذه المساجد الثلاثة هي فضلى مساجد الأرض، وفي الحديث أن الرحال لا تشد إلى غيرها.
والمساجد عامة مواضع علم وعبادة حذر الله من تعطيلها:
{وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}.
{ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم}.
والأرض وإن جعلت جميعها مسجداً وطهوراً كما في الحديث، لكن البناء المعين يعين على أداء العبادة، كما يعين على تلقي العلم. وللعبادة العلم خلق الإنسان كما قال تعالى:
{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } بمعنى ليعرفون.
وللمسجد الإسلامي دور كبير في إعداد الفرد الصالح، وتكوين المجتمع الرشيد، ولقد أدى دوره الفردي والجماعي من خلال كونه معبداً للذكر وإقامة الصلوات، وكونه جامعة علمية عامة ومنبراً سياسياً مفتوحاً للحوار العلني بين القيادة المختارة وجماهير العامة.. ولكون المسجد كذلك مركزاً اجتماعياً لاجتماعاته المتكررة، ولقاءاته المنتظمة في اليوم خمس مرات لصلاة الجماعة، وفي الأسبوع مرة لصلاة الجمعة مع خطبة جامعة، ولقاءان كبيران في العيدين مع خطبة عامة. ثم اللقاء الأكبر في الحج بالمسجد الحرام.
ولذلك كان الرعيل الأول في صدر هذه الأمة من الجنسين، ومن مختلف الأعمار والمستويات يهرعون إلى المساجد عند سماع الأذان: حي على الصلاة… وكانوا يؤمنون بأن في المسجد فلاحهم عندما يسمعون حي على الفلاح…
وقد أخذ المسجد أهميته من أهمية الصلاة التي تؤدى فيه ولذلك هدد الرسول الكريم المتخلفين عنها بالتحريق في النار…
والصلاة ليست عبادة مبتورة بل هي موصولة بعبادات أخرى، وبمصالح دنيوية جماعية وشخصية، وبخاصة معالجة النفس وإعدادها.
{فإذا فرغت فانصب}، أي إذا فرغت من أشغالك الدنيوية فانصب بإقامة الصلاة والذكر والعبادة..
وصرح الرسول الكريم بأثرها النفسي في قولـه: يا بلال أرحنا بالصلاة، وفي خبره عليه السلام: وجعل قرة عيني في الصلاة.
والراحة النفسية والاستقرار وجدهما الصحابة ومن تبعهم في كثرة النوافل، والقيام بالليل والنهار، والتعلق بالمساجد أكثر من التعلق بالبيوت والنوادي.
ولقد ظهرت أثار المسجد من خلال الصلاة في جوانب كثيرة:
كالقيادة الملتزمة، وتنظيم الجماعة، وهما ثمرة الشورى في اختيار الإمام ومتابعة المأمومين.
وقد تهدد الرسول الكريم من أم قوماً وهم له كارهون.
ويظهر مبدأ الشورى في الخطب التي يلقيها الإمام الحاكم، وما يدور حولها من مناقشات وطروح لوجهات النظر..
ويظهر مبدأ المساواة في الصفوف المتراصة المستوية، والمصلون يقفون بين يدي رب واحد، ويتجهون إلى قبلة واحدة يركعون ويسجدون معاً، ويذكرون الله إقراراً بربوبيته وإظهاراً لعبوديتهم.
في رحاب المساجد غذاء العقول من العلوم، وتزكيه النفوس بالعبادات، وإعداد الأجيال من الأسلاف والاخلاف المعلمين الفاتحين المؤسسين لأعظم حضارة في دنيا الناس.
ولذلك فإن للمساجد دوراً كبيراً منظوراً ومنتظراً إلا إذا كانت المساجد أسماء وهياكل دون مسميات ومحتويات، حينئذ قد لا تكون المساجد أكثر من متاحف أثرية، أو تحف فنية تحف بها المنائر، أو تكون عمائر فوق المقابر.
كثير من المساجد مرفوعة الجدران ذات قباب شامخة دونما فائدة، والمآذن تناطح السحاب، وتخلب الألباب، والنقوش والألوان والمرمر والفيسفاء والعاج والأبنوس والعقود والأعمدة والقناديل والبوابات التي استنفدت فن المهارة والعمارة، وأفرغت الخزائن، واستهلكت الخبرات والجهود والطاقات.
وفي العالم الإسلامي مشاهد وشواهد كثيرة وبخاصة في تلك البلاد التي كانت مراكز لحكومة الخلافة.
كاستانبول والقاهرة وبغداد ودمشق وغيرها، بل إن المساجد الفضلى الثلاثة أصبحت تعد مع هذه الشواهد.
وبعضها وصل إلى اعتباره من الأعاجيب، كتاج محل في الشرق، ومسجد قرطبة في المغرب، ولن نستقصي الشواهد نظراً لكثرتها ونكتفي بشاهدين، نقف قليلاً عندهما:
*الأول: في استانبول ذلك المتحف المسكون كما يقولون، وقد ساق العثمانيون الأتراك إليها الأموال والعمال والفنيين من سائر البلاد المفتوحة، وعملوا خلال قرون عديدة على بنائها وزخرفتها، وجل اهتمامهم توجه إلى المساجد ذات القباب والمآذن المتعددة المرتفعة.
ومما نراه في استانبول ازدحام المساجد وتجاورها، ومما نسمعه فيها التحدي بين مسجدين متجاورين، وعبارة التحدي مروية عن السلطان أحمد الذي بنى المسجد الأزرق في موضع قريب من مسجد أيا صوفيا.
والمسجد الأخير كان كنيسة من قبل أن يحولها السلطان محمد الفاتح إلى مسجد -ولسنا نرى عقلاً ولا شرعاً تحويل الكنائس إلى مساجد، ولا تحويل المساجد إلى كنائس-.
ومن التجاوز أن يتدخل الفاتح المنتصر في أديان الناس وأماكن عبادتهم، بل ينبغي المحافظة على المعابد سواء كانت بيعاً أو كنائس أو مساجد، والحروب في ذاتها وفي أهدافها غير موجهة إلى الأديان لتغييرها، ولا إلى المتدينين لإكراههم.
وعلى أية حال فلا خلاف في أن أيا صوفيا في عهد السلطان أحمد لم يكن كنيسة بل كان مسجداً ذا محراب في داخله، تحيط به أربع مآذن على جوانبه.
وسبب التحدي عند السلطان أحمد في بنائه المسجد الأزرق -حسب زعمه وفهمه- هو إظهار عظمة الإسلام في الارتفاع فوق النصارى الذين بنوا أيا صوفيا.
ومن العسير فهم تصرفه لأن المسجد الأزرق وغيره من مساجد استانبول مبنية على الطراز البيزنطي بقبابه وأبراجه بل هي نسخ مكررة للبناء الكنيسي في أيا صوفيا، إلا المآذن الرفيعة المرتفعة فهي منقولة عن أبراج المراقبة الحربية في بلاد التتار المغول. مع ما أشرنا إليه من تجاور المسجدين بحيث يدخل أحدهما في حديقة الآخر أو في حرمه، فيعتبر أحد المسجدين زائداً عن الحاجة.
والسلطان الذي بنى المسجد الأزرق يمثل نمطاً من التفكير البدائي والعقلية الأنانية المتحكمة في رقاب المسلمين في تسخيرهم، وإهدار أوقاتهم، وإفساد أذواقهم وتبديد ثرواتهم.
وأي إسراف وإتلاف أعظم من بناء مسجد ملاصق لمسجد، وللأول أربع مآذن، وللمسجد الجديد ست مآذن، والمجموع عشر مآذن ذاهبات في الفضاء، تحتها عدد لا يحصى من القباب وأنصاف القباب، تعلوها قبتان عظيمتان تقومان على أعمدة هائلة.
وكل هذا على حساب الصلاة والمصلين الذين يتجهون إلى أفق القبلة ولا يتجهون إلى جهة الفضاء.
وهو كذلك على حساب البلاد الأخرى المحكومة المحرومة من ضرورات الحياة.
ولا شك أن العقدة التي ابتلي بها السلطان أحمد واضرابه قد انعكست على المسلمين عامة، إذ تحول الاهتمام من الجواهر المفيدة إلى المظاهر الزائفة، وانحصرت تلك المظاهر في منطقة معينة وأهمل غيرها من المناطق ولذلك لا نجد مساجد تذكر في بلاد الكرد المجاورة لمركز الخلافة، بل وصل الإهمال إلى الصلاة نفسها، ويذكر والدي الذي كان يسكن في "وان" أنه كان من العيب أن يصلي المرء قبل بلوغ الأربعين.
ولا بد أن نستثني الحرمين بالحجاز فقد حظيا ببعض الاهتمام، ولا يخفى الغرض السياسي بسبب تواجد المسلمين بالعمرة والحج، وهم يقومون بنقل صورة الخلافة إلى أقاصي البلاد…
والشاهد الثاني نختاره من القاهرة حيث تقف القلعة شامخة، وهي قلعه صلاح الدين، وتعرف بقلعة محمد علي أيضاً.
والنسبة لشخصيتين كرديتين حكمتا مصر، وكانتا من أقل الحكام المتأخرين اهتماماً بالمظاهر على ما بينهما من اختلاف.
والواقف على القلعة المذكورة يشرف على القاهرة القديمة، ويطالعه بجوار القلعة مقبرة الرفاعي أو مسجد الرفاعي بقبته ومئذنته وأعمدته المبرومة، وفي مقابله مسجد السلطان حسن، والفاصل بين المسجدين تراه أضيق بسبب ارتفاع المسجدين، ولا يعد فاصلاً يذكر على أية حال…
وما عقدناه من مقارنة بين مسجدي استانبول نراه هنا أيضاً وإن كانت المقارنة تأخذك إلى تاج محل المبني على رفات زوجة الحاكم، وقد تأخذك المقارنة إلى الأهرام المبنية على رفات الفراعنة!!
في مسجد القاهرة حلقة علم وذكر، وقد نبه أحد الغيورين شيخ الحلقة إلى دخول السائحات الكافرات كاسياتٍ عارياتٍ، وكان جواب الشيخ: مالك ولهن لو لم ترغب في النظر إليهن لما التفت إليهن.؟؟
وفي شارع القاهرة انتظمت فيه المساجد كحبات المسابح مسماة بأسماء المقبورين فيها.
ولقد حاولت أداء صلاة الفجر في عدد منها فلم أفلح لأنها –كما قيل- مغلقة في غير شهر رمضان.. ولأنها مغلقة في غير مواعيد السياحة…
والمسجد الحالي في كثير من بلاد المسلمين فقد حيويته وأهميته، وأهمل دوره العلمي والعملي والتربوي.
عزلت عنه المرأة شطر المجتمع، كما أبعد الأطفال عدة المستقبل، وانقطع عنه الشباب بناة الأمة وحماتها.
والصلاة وقفت عند حدود الكلمات والحركات لا تبعث خشية في القلب، ولا تصلح سلوكاً في الفرد، ولا تحقق إصلاحاً في المجتمع، والإمام الخطيب أصبح صورة في تأدية وظيفته وترديد خطبته التي تملى عليه…
وفي بعض البلدان الخطيب الإمام صورة مضحكة –وشر البلية ما يضحك- وقد خصصوا للمذكور عدة الإمامة والخطابة، مكونة من عدد من المسابح، وجبة سوداء، وعمامة بيضاء يرتديهما في المحراب وعلى المنبر داخل المسجد، فإذا خرج من المسجد خلعهما وتخلى عنهما.
وهذا العرف سائد في تركية، ونقله الترك معهم إلى مهاجرهم كما رأيت في أوروبا.
إن المسجد في حقيقته عرين المجاهدين، ومدرسة الدعاة المرشدين، والسد المنيع في وجه الهوى المردي، والشيطان المغوي، وهو المزيل للفوارق الطبقية المحقق للأخوة الإيمانية بين الشعوب والقبائل الإسلامية.
والمسجد كذلك هو مأوى النفوس الحائرة في ظلمات الحياة، وهو الحصن والملاذ للمعذبين الذين يفقدون ثقة الناس…
في المسجد يقطع المصلي "روتين" الحياة الممل.. ويتوقف ليسترد الأنفاس، ويعيد الحساب، ويجلو ما تقدم ليتبين ما تأخر، ويتذكر فطرته الإنسانية، وعهده الرباني.
فلا ينغمس في غروره، ولا يتسلط عليه شيطانه وشهواته، ولئلا يلهيه التكاثر أو يتحول في ظل الحضارة المعاصرة إلى مسمار مضروب في آلة صماء، أو سير يدور حتى يتقطع ويبلى بلا ذكر ولا أثر أو كرقم في كومبيوتر قد يزيد ثم ينقص ويتناهى إلى الصفر.
هذه الحياة في عرف الشرق والغرب مادية ترهقها المصالح دون توقف، وتتراكم فيها الأخطاء دون حساب.
وفطرة الإنسان ليست في هذا الاتجاه، بل إن الفطرة كما تحكم على البدن بالخلود إلى الراحة عقب المرض أو العمل الشاق، فكذلك النفس بدورها تلجأ إلى الراحة لإزالة الران عن القلب، والشوائب عن الفكر.
ولئن نجحت الحضارة المعاصرة في معالجة أمراض البدن لكنها فشلت في إصلاح النفوس.
ولذلك هجم المارد المتوحش على الغرب بعقده النفسية، وأمراضه الاجتماعية، وانتقلت العدوى المميتة إلى الشرق.
فهل يصاب المسلمون بالداء فيضاف إلى بلائهم القديم بلاء جديد…
والمسلمون يجدون المناعة كما يجدون الشفاء في مساجدهم متى عادت إلى سالف عهدها قائمة على تقوى الله وعلى نهج رسول الله وأتباعه الراشدين.
نحن ندعو المسلمين إلى أن يبنوا مساجدهم على مقدار احتياجهم بلا إسراف في المال، ولا إتلاف لعصب الحياة، ولا تطاول في البناء، ولا استكبار على عباد الله. وندعوهم إلى أن لا يجعلوا مساجدهم مقابرهم، أو مآثر لكبرائهم. ومن قبل لعن اليهود والنصارى على لسان خاتم الأنبياء المرسلين لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فكيف بمن يبنيها للطواغيت أو على الطواغيت.
إن التطاول في البنيان، والانصراف إلى الزخرف يلهيان عن العلم وعن العبادة، ويدلان على الإصابة بعقد النقص التي تكمل بمثل هذه المظاهر.
والمسلمون لا يحتاجون إلى التظاهر لأنهم ظاهرون بما يقدمون لإخوانهم من فضل، وما يقدمونه للبشرية عامة من عدل.
ونخص قومنا بالذكر لأنهم لم يحفلوا خلال تاريخهم بالمظاهر الجوفاء، وقدموا علماء أفذاذاً في ضروب المعرفة، كما قدموا قادة عظماء في حروب التاريخ الفاصلة.. فليتقدموا للمسلمين بمساجد تضاف إلى مآثرهم، وتمحو عنهم ما جره إليهم سفهاؤهم…
والمسجد الذي نقترحه نطلب له الأكفاء من المهندسين إلى جانب علماء الدين، ومعهم ممثلون عن طبقات المجتمع.
وهؤلاء مجتمعون يستطيعون أن يقوموا بتخطيط بناء المسجد بما يتفق مع دور المسجد، كي يكون مركزاً حضارياً يبرز عظمة الإسلام من خلال سلوك المسلمين.
إن الرجال والنساء والأطفال كأفراد وكهيئات لكل طاقته وحاجته ودوره، وينبغي لكل منهم أن يجد ميدانه في المسجد.
ونرى أن يضم المسجد في بنائه ثلاثة أقسام سواء كانت رأسية أو أفقية حسب المساحة المتاحة من الأرض.
والقسم الأول يقام تحت الأرض كملجأ حصين تخوفاً من الحروب الحيوية والنووية، ويتخذ في الأحوال العادية محضناً وملعباً للأطفال خلال انشغال ذويهم بالعلم والعبادة..
والقسم الثاني يخصص للرجال، والقسم الثالث يخصص للنساء. ويتبع هذا وذاك ملاحق تضم مكتبة علمية صوتية ومرئية، كما تضم نوادي وملاعب للتربية البدنية.
وبهذا يرتبط المسجد بحياة المسلمين، ويجمع المسجد جميع المسلمين في سياج واحد بل في نسيج واحد.
5-الشورى المُلزمة والمعلمة
قالوا الشورى معلمة وليست ملزمة، وقالوا المعلمة هي حق لأهل الحل والعقد، واحتجوا بسلوك أبي بكر الصديق في حروب الردة.
ومع أن الشورى المعلمة هي شكلية فإن بعض الحركات الإسلامية يلغيها نظرياً كما ألغاها عملياً.
الشورى أصل من الأصول الاجتماعية في الإسلام، فهي ملزمة للحاكم ولكل من تولى أمراً من أمور المجتمع. وليس في الإسلام إكراه على قول، أو إجبار على مسلك، بدءاً من التزويج ووصولاً إلى إمامة المسلمين في الحكم.
والآيات في ذلك صريحة وسنة الرسول تصديق وتطبيق.
وهذا فيما لا نص فيه، لأن النص ملزم للجميع، والخروج على النص يعني مخالفة الإسلام. ولقد شاع وذاع بين الناس خلط الشورى بالاستشارة المتعلقة بمصلحة الفرد الشخصية، والفرد إنما يستشير للاستفادة والاطلاع ثم يختار ما يشاء. أما الشورى فتعني جمع الآراء للالتزام بها، والوقوف عندها، وعدم الخروج عليها. فالحاكم مثلاً هو نائب عن الأمة، ووكيل لها و إن شئت قلت هو أجير خادم.. وقد اتفقت الأمة معه على الحكم ضمن حدود وبنود وقيود، وعليه أن ينزل عليها، ويلتزم بها، ولا يخرج عليها أو يحيد عنها.
ومن المؤسف أن تكون قضية الشورى خلافية حتى لدى بعض الحركات الإسلامية، فبعضهم يقول هي ملزمة، وآخرون يقولون هي معلمة، وكونها معلمة غير ملزمة هي السارية الجارية منذ قرون.
ومع أن الشورى المعلمة هي شكلية لا تلزم الحاكم ومع ذلك فإن بعض الحركات الإسلامية يلغيها بالكلية.
وبعلم وبسوء فهم أو بجهل يلغي النصوص القرآنية {وأمرهم شورى بينهم} {وشاورهم في الأمر}.. كما يلغي الأحاديث والسيرة، ويعتدي على الفطرة الإنسانية في احترام الحرية ومحاربة الطغيان.
وقد يحتج بسلوك أبي بكر في حروب الردة فيقلب الدليل ليخطئ في الاستدلال. وقد خالف عمر وحده كما تروي كتب السنة، وكان أبو بكر يريد الحرب ومعه المسلمون..
وبقي عمر وحده لم يكن معه أحد إلا ما ترويه بعض كتب التاريخ والسيرة. وعلى أية حال فقد تنازل هو أيضاً عن رأية وسار مع الجماعة دون مخالفة منه ولا من غيره.
إن إزالة الشورى من حياة المسلمين كان أخطر معول لهدم الجماعة، حيث وسد الأمر لرجل واحد تسير خلفه الرعية كالقطيع.
إن عمل الرسول وأصحابه ومن بعدهم شاهد على أن المسلمين لا يعيشون أفراداً متفرقين، أو جماعات منفصلين، وإنما هم مجتمع واحد لهم نظام يجمعهم ورأس لعمومهم هو خليفتهم الذي يحكمهم، وأميرهم الذي يسوسهم، وإمامهم الذي يقودهم، كما يقود القائد الجنود في المعركة، وكما يقود أمير الركب المسافرين في السفر، وكما يقود الإمام المأمومين في الصلاة، وإذا كان إمام الصلاة ملتزماً بأمر الله في أداء حركات الصلاة، وكان على المأمومين اتباعه في هذه الحركات فإن دور الإمام هو تنظيم هذه الحركات، ومتى خالف الإمام توقف المأمومون عن متابعته ولجأوا إلى تذكيره ومفارقته.
وكذلك الشأن في خليفة المسلمين فقد بايعوه على طاعة الله، فهم يطيعونه ما دام لله طائعاً، فإذا خرج وتعدى فلا سمع له ولا طاعة، بل عليهم أن يذكروه ويقوموه أو يقاتلوه ويعزلوه.
والحكومة الإسلامية حكومة شورية، ولسنا نعني بالشورى الاستشارة وحدها، أو ما يسمى بالشورى المعلمة، فهي اختيارية مندوبة في كل الأمور، وإنما نعني الشورى الملزمة التي أمر الله بها رسوله: {وشاورهم في الأمر}. فجعلها تعالى واجباً مفروضاً في كتابه الكريم، وجعلها الرسول سنة متبعة في خلفائه الراشدين، وقاعدة لدولة الإسلام وأساساً لنظام المجتمع الإسلامي. كما أخبر تعالى وأمر: {وأمرهم شورى بينهم}.
وأهم أمر للمسلمين هو رئيسهم الأعلى.. ولا يعتبر وجوده مشروعاً ما لم يتم انتخابه بحرية من جميع المسلمين، أو من أغلبيتهم المطلقة، والانتخاب هو المعروف بالبيعة ولقد امتدحها تعالى في قوله: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}.
وقال: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك}.
والبيعة اتفاق بين الجماعة وولي الأمر على الالتزام بالأحكام الشرعية والفطرية والعرفية.
والبيعة بين الحاكم والمحكوم عبادة تؤدى لله: {يد الله فوق أيديهم}. والمبايع الأول رسول الله ثم خلفاؤه من بعده. والمسلم المعتصم بحبل الله جندي ينضوي تحت هذا اللواء الذي عقده رسول الله، فهو صلى الله عليه وآله وسلم أول قائد لهذه الأمة، وعلى نهجه تمضي القيادة إلى قيام الساعة.
ولقد عانى المسلمون من جراء تسلق بعضهم إلى سدة الحكم عن طريق القوة والقهر، ببيعة صورية أو بلا بيعة، مما كان له أسوأ الآثار في تشويه الصورة المشرقة لنظام الحكم الإسلامي، كما كان له آثاره السيئة في التزام الناس بالإسلام في الداخل، وفي سير الدعوة بين غير المسلمين في الخارج.
ولقد زاد الأمر سوءاً بعد سقوط الخلافة الإسلامية وانتشار ظلمة الجاهلية إلى حد أن يقوم أحد علماء المسلمين ليلعن السياسة وتصاريفها، وأن يقوم أحد حكامهم فيعلن على الملأ أن لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، بمعنى الفصل بين الدين والحكم، وأن الدين لله والوطن للجميع أي لغير الله، كما هو شريعة القوميين الجاهليين، أو أن ما لقيصر لقيصر وما لله لله كما يقول النصارى فيما آلت إليه النصرانية.
ووصل الجهل والتجاهل ببعض الحركات الإسلامية إلى القول بجواز الاحتكام إلى شريعة الجاهلين. ولما طلب منهم الدليل احتجوا باحتمال احتكام المستضعفين -الذين عجزوا عن الهجرة إلى المدينة- إلى شرائع الكافرين بمكة. وهو نمط لادعاءات علماء السوء خلال الاحتلال الغربي للعالم الإسلامي، ثم حلال حكم عملاء الغرب، وإن كان بعضهم قد رجع إلى الصواب وقال مع الحق: إن الإسلام دين ودنيا، وسياسة وعبادة، ودولة وحكومة.
وإن الحكومة الإسلامية ضرورة شرعية لتكوين المجتمع المسلم، ولحماية المسلمين، ولنشر دعوة الإسلام، وإلا فكيف تقام الحدود في مجتمع لا يقرها؟ وكيف ترد المظالم في أنظمة تقوم على الظلم؟ وكيف يكون الجهاد في سبيل الله ورد البغاة وردع الطغاة وتأديب السفهاء؟ وإن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن.
ولا شك أن فكرة الحكومة الإسلامية خطر على الأنظمة الدولية القائمة على الاستبداد والاستعباد، وتسخير الشعوب، ولذلك تتكالب دول العالم على حرب الحركات الإسلامية التي تدعو إلى الحكومة الإسلامية.
والمسلمون اليوم يأثمون إن استمروا على السكوت الطويل والصبر الذليل بلا دولة ولا جهاد، ويخرج من الإثم من بذل السبب وقدم الجهد. والأسوة في ذلك رسول الله عليه صلاة الله وسلامه، وأصحابه عليهم رضوان الله ورحمته، الذين أقاموا الحكومة الراشدة بإعداد الرجال خلال دعوة سرية استمرت ثلاث سنين، ودعوة جهرية عشر سنين، ثم هاجروا عندما عجزوا عن إقامتها بمكة فأقاموها بالمدينة، وقاموا بحمايتها والدفاع عنها.
وهذه السنة جارية والوسائل متاحة والمعالم واضحة، وعلى كل مسلم أو مسلمة أن يقوم بدوره وأن لا ينعزل بنفسه، أو يستهين بجهده، أو يعتذر بعجزه وضعفه.
6-تفضيل لغة على لغة
في تاريخنا صفحات سود وفي عقولنا تسمم وتلوث ومن ذلك أن اللغة العربية أفضل اللغات ومن ثم فإن العرب أفضل الشعوب واستمر التكاثر بالمفاخر ليشق الصفوف ويمزق القلوب.
ولا زلنا نعيش تحت الركام مختلفين حتى في مثل هذه القضية الفطرية.
واللغات آيات للخالق العظيم سبحانه، أنطق بها ألسنة المتكلمين. وأنزل بها كتب المرسلين، وجعلها أوعية الحكم والمعارف، ووسائل للتفاهم والتعارف.
ونرى أن التمييز بين اللغات كالتمييز بين المتكلمين بها، كما نرى أن تفضيل لغة على لغة كتفضيل قوم على قوم، كل لا يحل شرعاً ولا يصح عقلاً.. فهو لا يحل شرعاً لأن التفضيل حكم شرعي يجب أن يعتمد على دليل شرعي قطعي في كتاب الله عز وجل، أو في سنة رسول الله صلى الله علي وسلم. ولسنا نعلم -في حدود ما نعلم- دليلاً شرعياً واحداً من كتاب أو سنة يقرر التمييز ويدعو إلى التفاضل.
ونقول لا نعلم دليلاً خاصاً في هذا كما لا نعلم دليلاً عاماً، وذلك لأن الشارع يقرر الأفضلية من حيث العموم بسبب الوصف وليس بسبب الذات، فالأشياء تتفاضل بصفاتها لا بذواتها، ولذا عد إبليس فاسقاً عندما فضل ذاتاً على ذات، فرأى النار خيراً من الطين وبنى على ذلك تفضيله على آدم.
وتبعاً لما تقدم فإنه لا يقال: اللغة العربية أفضل من اللغة العجمية، كما لا يقال العربي أفضل من الأعجمي.
وكون القرآن عربياً لا يستدعي كون اللغة العربية هي الأفضل بل يكون الأفضل هو القرآن لا غير، ومثله أن الرسول الكريم هو الأفضل، وكونه عربياً لا يستدعي أفضلية العرب على العموم بل يكون الأفضل هو النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على الخصوص.
ثم إن نزول القرآن بالعربية كنزول كتب الله باللغات الأخرى، ولم يكن كل ما نزل قبل القرآن عربياً، ولا كل من أرسل قبل خاتم المرسلين عرباً.
وأما قولنا: إنه لا يصح عقلاً فلأن اللغة وعاء يمكن ملؤه بأي معنى، والممدوح أو المذموم هو المعنى وليس الوعاء.
فلا تذم اللغة العربية نطقاً أو كتابة بسبب الشعر الجاهلي، والفكر الوجودي والضلال والإلحاد والانحلال، وذلك كله باللغة العربية مقروء، وبالحروف العربية مكتوب ومطبوع، فكذلك لا تمدح اللغة العربية نطقاً وكتابة بسبب تلاوة القرآن بلفظها أو كتابة المصحف بحروفها، والله أعلم.
ولابن حزم (علي) تفصيل للمسألة ننقله بطوله، قال رحمه الله:
((… وقد توهم قوم في لغتهم أنها أفضل اللغات وهذا لا معنى له لأن وجوه الفضل معروفة، وإنما هي بعمل واختصاص ولا عمل للغة، ولا جاء نص في تفضيل لغة، قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} وقال تعالى: {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} فأخبر تعالى: إنه لم ينزل القرآن بلغة العرب إلا ليفهم ذلك قومه عليه السلام لا لغير ذلك. وقد غلط في ذلك "جالينوس" فقال: إن لغة اليونانيين أفضل اللغات لأن سائر اللغات إنما هي تشبه إما نباح الكلاب أو نقيق الضفادع. قال "علي": وهذا جهل شديد، لأن كل سامع لغة ليست لغته ولا يفهمها فهي عنده في النصاب الذي ذكر "جالينوس" ولا فرق.
وقد قال قوم: العربية أفضل اللغات لأنه نزل بها القرآن كلام الله تعالى، قال "علي": وهذا لا معنى له، لأن الله عز وجل قد أخبرنا: إنه لم يرسل رسولاً إلا بلسان قومه، وقال تعالى: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} وقال تعالى: {وإنه لفي زبر الأولين} فبكل لغة نزل كلام الله تعالى ووحيه، وقد أنزل التوراة والإنجيل والزبور وكلم موسى عليه السلام بالعبرانية، وأنزل الصحف على إبراهيم عليه السلام بالسريانية فتساوت اللغات في هذا تساوياً واحداً.
وأما لغة أهل الجنة وأهل النار فلا علم لنا إلا ما جاء في النص والإجماع ولا نص ولا إجماع في ذلك. إلا إنه لا بد لهم من لغة يتكلمون بها ضرورة ولا يخلو ذلك من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها:
إما أن تكون لهم لغة واحدة من اللغات القائمة بيننا الآن، وإما أن تكون لهم لغة غير جميع هذه اللغات، وإما أن تكون لهم لغات شتى. ولكن هذه المحاورة التي وصفها الله تعالى توجب القطع بأنهم يتفاهمون بلغة إما بالعربية المختلفة عنهم في القرآن أو بغيرها مما الله تعالى أعلم بها.
وقد ادعى بعضهم: إن اللغة العربية هي لغتهم واحتج بقول الله عز وجل: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} فقلت له: فقل: إنها لغة أهل النار لقوله تعالى عنهم أنهم قالوا: {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص} ولأنهم قالوا: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} فقال لي: نعم، فقلت له: فافرض أن موسى وجميع الأنبياء عليهم السلام كانت لغتهم العربية لأن كلامهم محكي في القرآن عنهم بالعربية! فإن قلت هذا كذبت ربك وكذبك ربك في قوله: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}. فصح أن الله تعالى إنما يحكي لنا معاني كلام كل قائل في لغته باللغة التي بها نتفاهم ليبين لنا عز وجل فقط.
وحروف الهجاء واحدة لا تفاضل بينها ولا قبح ولا حسن في بعضها وهي تلك بأعيانها في لغة فبطلت هذه الدعاوى الزائفة الهجينة وبالله التوفيق.
وقد أدى هذا الوسواس العامي اليهود إلى أن استجازوا الكذب والحلف على الباطل بغير العبرانية، وادعوا أن الملائكة الذين يرفعون الأعمال لا يفهمون إلا بالعبرانية فلا يكتبون عليهم غيرها وفي هذا من السخف ما ترى.
وعالم الخفيات وما في الضمائر عالم بكل لسان ومعانية عز وجل لا إله إلا هو وهو حسبنا ونعم الوكيل)) أهـ.
ورحم الله ابن حزم وجزاه خيراً على مقالته.
وهذه مقالة أخرى لعلم من الأعلام المعاصرين وهو المودودي في كتابه الحكومة الإسلامية يقول: أما وحدة اللغة، ففائدتها أن أبناء اللغة الواحدة يجدون فرصة أوسع وأكبر في التفاهم وتبادل الأفكار فيما بينهم مما يزيل عنهم الغربة والاستوحاش إلى حد كبير، وإن أبناء اللغة الواحدة أقرب إلى الشعور والإحساس ببعضهم البعض. ثم يقول: إن من يتكلم لغة بلد ما يكون أكثر إفادة في شئونها وأعمالها.
7-التدخين بين المنع والتحريم
اختلف المسلمون في فهم أو في حكم الشريعة النقلية بحجة الاحتمالات اللغوية ودلالات القرائن وكذلك اختلافهم في الفطرة العقلية. ولقد وقع خلط بين حكم الشريعة وحكم الفطرة…
وفي المفهوم التالي إشارات لذلك من خلال موضوع التدخين بين المنع والتحريم.
من سنين عديدة وحملة العالم على التدخين تزداد وتشتد، للتضييق على المدخنين، وملاحقة شركات الإنتاج والتوزيع والدعاية…
وفي الوقت نفسه فإن حملة من نوع آخر تشتد وتزداد بين المسلمين، هذه الحملة هي الاختلاف في مشروعية التدخين، والاختلاف يدور حول عدة أحكام وهي أحكام دينية تعلن على الناس باسم الشريعة:
-التدخين حرام.
-التدخين مكروه.
-التدخين حلال أو مباح… أو واجب!!.
ومع أن التدخين في حد ذاته لا يتناسب مع اسم المسلم ودوره الرائد في خلافة الأرض وقيادة البشرية.. فإن كثيرين –من خواص المسلمين وعوامهم. صغاراً وكباراً من كلا الجنسين- يدخنون.
ولا نستثني "الأكراد" من بينهم بل نخصهم بالذكر لأن كثيرين منهم يدخنون حتى في حلق العلم داخل المساجد.
والذين يدخنون لا يدركون أبعاد ما يصنعون في أنفسهم فضلاً عن أبدانهم من: هزيمة الذات، وهدم الإرادة، والهروب من الواقع، واللجوء إلى البديل الرديء، فكثيراً ما يكون التدخين بديلاً لذكر الله. وقراءة القرآن، والصبر الجميل، والانصراف إلى الأهم.. والوضوء والصلاة وغير ذلك مما يتسلح به المسلم لمواجهة مصاعب الحياة ومضايقاتها، أو في سبيل إطفاء نار الغضب في القلب، والسمو بالغرائز والميول في النفس…
والمدخنون -أكثر من غيرهم- عبء على ذواتهم ومجتمعاتهم لإصاباتهم بأمراض الصدر والمعدة والقلب والفم.. إلخ. إلى جانب روائحهم الكريهة وتلويثهم للبيئة. وهم مستعبدون لآلية التدخين، مدمنون على النيكوتين ينبغي أن تصرف لهم علب السكاير كما تصرف الوصفات الطبية من الصيدليات الخاصة.
وأن يجري عليهم الكشف الطبي دورياً وباستمرار في المستشفيات والمصحات كالمرضى الآخرين المصابين جسمياً ونفسياً.
أما قضية إطلاق الأحكام الشرعية فهي محزنة حقاً. لأنها استخدمت شعار الشريعة لإدخال التدخين في دائرة الأهواء الاجتهادية، والسفسطة التي تتخذ من المنطق والفلسفة وسيلة لقلب الحقائق الدينية والعقلية والحسية.
صحيح إننا لا نجد نصاً صريحاً نجعله دليلاً معيناً على حرمة التدخين كما لا نجد النص الصريح على الإباحة والكراهة والوجوب.
ولكن عدم وجود هذا النص لا يقلب الحقائق، وهي حقائق فطرية أحكامها قطعية.
والتدخين يتعلق حكمه بالفطرة الإنسانية –يعني فطرة الخلق والتكوين للإنسان على هذه الأرض- فلا يصح أن يختلف فيه اثنان من أهل العقل. سواء وجد دليل أم لم يوجد.
ولذلك فإن الذين يوجبونه ويبيحونه أو يكتفون بكراهيته هم أناس يجهلون أن التدخين محظور ممنوع بسبب كونه خبيثاً، وخبثه ذاتي شأنه في ذلك كشأن غيره من السموم.
ولا ندري كيف نسمع صوتنا للذين يتجاهلون وجود الإدمان في التدخين، ويعددون حسناته، ويدافعون عنه باستدلالات عقلية كما دافعوا باستدلالات دينية، ويحسبون أنهم بذلك يحسنون إلى أنفسهم وإلى غيرهم عندما يقعون هم وهم جميعاً في عبودية السيكارة.
وكلمة عبودية أخذناها من إحصائية نيويورك لعام 1984م وقد وردت ضمن العبارة التالية:
(إن أربعة أخماس المدخنين يريدون الإقلاع عن التدخين ولا يستطيعون التخلص من عبودية السيكارة) ونضيف إلى هذا رأي –ريشارد بولين- مدير المعهد الوطني الأمريكي حيث يقول: (إن التدخين أصبح اليوم أخطر أنواع الإدمان في العالم… إنه أخطر من الإدمان على الهيرويين).
-والهيرويين الذي اكتشفه العالم الألماني: هيرتش دريسر عام 1875م هو أحد مشتقات الأفيون المستخرج من أزهار الخشخاش. من آثاره: اضطراب الشخصية والسلوك العدواني مع ظهور أعراض التسمم والجلطة والوريدية والغيبوبة والوفاة-.
وأخيراً فنحن المسلمين يؤسفنا أن نجد كثيرين من أتباع ديننا لا يساهمون في الحملة العالمية ضد التدخين، وما يقوم به القليلون لا يستحق الذكر.. ويؤسفنا أكثر أن عدد المدخنين في بلادنا في ازدياد.
وأن كميات التبغ المستهلكة عندنا في ارتفاع يصل إلى مستوى الشراهة وإلى حد تعاطي أردأ الأنواع.
ومع هذا وذاك فنحن نحسن الظن بالمدخنين من المسلمين، وظننا فيهم أن يستيقظوا مبكرين قبل فوات الأوان، لمواجهة عدو الإنسان اللدود "التدخين" للحجر عليه والإقلاع عنه، والحماية منه… وهم بإذن الله منتصرون.. وكيف لا ينتصرون وبأيديهم أمضى سلاح ألا وهو سلاح الإيمان بالله، والاعتماد عليه نعم المولى، ونعم النصير..
عندها يكون المسلمون قدوة متبوعة وأسوء مسموعة، أو يكونون على الأقل مثل بقية الناس في مدافعه الضرر والضرار…
عافانا الله وإياكم والآخرين، من الابتلاء بالتدخين.
ومن العبودية لغير الله رب العالمين.