مفاهــــيم 1-6
الصفحة السابقة
1- الحب في الله
2- كفر تارك الصلاة
3-طلاق الغضبان
4-رؤية الهلال
5-صدقة الفطر
6- قواعد التعامل
1-الحب في الله
- الحب عظيم، وأعظم الحب هو المتوجه إلى ذات الله وصفاته يتبعه ما أمر تعالى بمحبته
من الطاعات والخيرات، في مقابل كراهية الذوات والصفات وما أمر تعالى بكراهيته من
الطواغيت والشرور والعصاة.
- ويتنوع الحب إلى ديني مصدره الكتاب والسنة، وشخصي مصدره العقل والهوى، وفي الحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) فيتقدم الحب الديني على غيره بلا منازع ولا معارض.
- ومفتاح الوصول إلى الحب –كما في علم النفس- هو التحبيب وطريقه التزيين والتحسين، في مقابل التكريه عن طريق التخويف والتقبيح، والتحبيب يعني زرع حب الشيء في أعماق الإنسان وإنظاره لحين استوائه، كبذور الأشجار التي لا تلبث أن تظهر بالخضرة والنضرة والزهرة والثمرة.
- والحب في الأعماق يشحن القلب بالطمأنينة والفكر بالراحة ويملأ النفس بلذة عامرة غامرة دونها اللذات الحسية من الأطعمة الشهية والألبسة الجميلة والمراكب المريحة والمساكن المشيدة..
- والمحب ينشغل بحبيبه وينسى متاعبه، وقد يتلذذ بالمشاق المبذولة في الطريق، مصداقه قوله عليه السلام في الصلاة (أرحنا بها يا بلال) وهو صريح في أن الصلاة راحة عند المحبين.
- وبعد الصلاة الحبيبة نتساءل عن الراحة في الباقيات الصالحات، عن الحج وكيف نحب سعيه وطوافه والوقوف بمشاعره؟ والصوم وكيف نحب جوعه وقيامه؟ وكيف نحب العطاء في الصدقة والزكاة؟ وكيف نتحمل آلام الجراحات، ونحب القتال والجهاد؟ بل كيف نفتح أبواب المحبة كلها ونقع في حب كل عبادة، عبادة رب أعد جنة عرضها السموات والأرض، عبادة تجعل الدين كله راحة في نفوس العابدين؟ وكامل الحب وأحسنه لله الرب الإله وحده ثم لمحمد النبي الرسول بعده ثم للمؤمنين المسلمين المحسنين، شاهده من القرآن قوله (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) والأحباب على هذا الترتيب، وفي الحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) وفي الحديث عن المؤمنين أن المتحابين في الله يوم القيامة (في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله).
- وبدهي أن يدفع الحب المحب إلى طاعة محبوبه واتباعه، فهو حب واجب عليه (قل أن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) وهي محبة متبادلة على سبيل المقابلة فإذا كان حب العبد لربه يدفعه إلى طاعته وأتباعه فإن حب الرب لعبده هو مغفرة ذنوبه وستر عيوبه والتفضل عليه بالسعادة الأبدية..
- اللهم إنا نسألك بحبك -وأنت الجواد الكريم- أن تغفر ذنوبنا وأن تستر عيوبنا وأن تتفضل علينا بالسعادة الأبدية.. آمين.
2-كفر تارك الصلاة
الدين هو: الإيمان الباطن في القلب، وهو: الإسلام الظاهر على اللسان والجوارح. فهو
أي: الدين كله شئ واحد، إذا بطن واستتر سمي إيماناً وإذا انكشف وظهر سمي إسلاماً.
والكفر هو: الخروج من الدين في باطن الإيمان بالنفاق، أو الخروج منه في ظاهر
الإسلام بالردة، أو فيهما بعدم الدخول فيه ابتداءً، أو فيهما بالخروج منه انتهاءً،
أو فيهما في عمل غير مخرج من الملة، وهو الكفر الأصغر، والأنواع الأربعة الأخرى كفر
أكبر مخرج من الملة..
والكفر المخرج من الملة يكون بنقض الدين وهدمه في كلية أو في جزئية مادامت معلومة من الدين بالضرورة، والمعلوم بالضرورة كل ما عليه نص ثابت من الكتاب والسنة لم يتطرق إليه احتمال النسخ أو التأويل. بداية بأركان الإيمان والإسلام وإنتهاءاً إلى مشروعية السواك وإزالة الأذى عن طريق.
وقد ورد في السنة نصوص تحكم بكفر تارك الصلاة كقوله عليه السلام (من تركها فقد كفر)، ويرى بعضهم انه كفر مخرج من الملة، ويرى آخرون انه كفر أصغر لا يخرج من الملة، وله أمثال، منها:
1-ارتكاب الزنى وفي الحديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ظاهره فمن زنى فقد كفر.
وفي القرآن شاهد (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) وظاهره شرك الزاني.
2-منع الزكاة، وقد قاتلهم الصديق أبو بكر وسماهم الناس بالمرتدين، وعرفت حروبهم بحروب الردة.
وفي القرآن شاهد في قوله (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون)حيث وسط منع الزكاة بين الشرك والكفر مما يدل على أنه من جنسهما وله حكمهما.
3-ترك الحج وقد روى عن الفاروق أنه أمر بفرض الجزية على القادرين وقال (ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين).
وفي القرآن شاهد في قوله (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) مما يدل على أن المستطيع إذا ترك فقد كفر.
وهناك أمثلة أخرى على الشرك أو الكفر ومن ذلك ما ورد في الظالمين والكاذبين والقاذفين والقاتلين والسارقين والناهبين والحالفين بغير الله، وفي الحلف مثل ما في الصلاة (من حلف بغير الله فقد أشرك) وأشد من ذلك وأبلغ ما ورد في الجار الشبعان بجانب الجوعان (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن).
وقد اختلف الناس في التكفير بسبب الخلاف في مفهوم الكفر، وتشدد بعض الظاهرية:
1-فالخوارج من غلاة الظاهرية كفروا حتى أخرجوا من الدين مرتكب الكبيرة، والكبيرة: كل فعل عليه حد أو وعيد، واحتجوا بمثل قوله (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) يعني الصغائر دون الكبائر، والخوارج بهذا وقفوا عند بعض الأدلة فحكموا ببعض الكتاب وتركوا الحكم ببعض كما في قوله تعالى (إن الله يغفر الذنوب جميعاً) ولم يستثن غير الشرك في قوله (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).
2-والمعنزلة قالوا: إن مرتكب الكبيرة يخرج من الدين ولا يدخل في الكفر، فجعلوه في منزلة بين المنزلتين أي منزلة الكفر ومنزلة الإيمان أو الإسلام، وأبقوه معلقاً غير محكوم بإسلامه وإيمانه أو كفرانه.
3-وفي زماننا قام ظاهريان:
-أولهما قال بكفر المحكومين والرعية التي تحتكم إلى من يحكم بغير ما أنزل الله، راجع مذهب التبين بين الكفر والإسلام وسيأتي.
-والثاني ذهب إلى كفر تارك الصلاة بمعنى خروجه من الدين والملة، وليس هذا جديداً خالصاً، فمن قبل نسب لأحمد مثله فناقشه الشافعي قال له: يا أحمد أأنت تقول بكفر تارك الصلاة؟ قال نعم، قال الشافعي: إن خرج بترك الصلاة أيدخله بفعل الصلاة؟ فسكت أحمد.. فقام في زماننا من جديد من يتكلم بعد أحمد ويحكم بكفر تارك الصلاة، ومروقه من الدين، وخروجه من الملة، ونزول غضب الرب عليه، وزوال رحمته عنه، وحرمانه من نعيم الجنة، وخلوده في نار جهنم في الآخرة.. بعد إجراء أحكام المرتدين عليه في الدنيا، والحكم بالقتل كفراً، وطلاق الزوجة، وعدم التوارث، وعدم الدفن في مقابر المسلمين وعدم الصلاة عليه، مع عدم الدعاء أو الاستغفار أو الترحم..
وقد خالف المكفر المذكور مدارس الفقه علمياً، كما خالف الحكومات الإسلامية تاريخياً، وتناقض من وجهين بينما تناقض الخوارج والمعتزلة من وجه واحد، حيث إن الخوارج لم يميزوا بين الكبائر، ولهم دليلهم ظاهراً وإن كان استدلالهم به قاصراً.
والمقطوع به أن الصلاة كبيرة ولكن لا وجه لتخصيصها، وغيرها أولى منها بحكم التكفير لكونه أغلط في الدليل.
وقد يعتمد الذين يكفرون على باب سد الذرائع، ومعلوم أن تساهل الناس لا يعني تغيير الأحكام، لأن الأحكام ثابتة لا تتأثر ولا تتغير، ومعلوم أيضاً أن الضرورات مقيدة بأزمانها وأشخاصها.
3-طلاق الغضبان
الأحكام مشروعة لمصلحة العباد في المعاش والمعاد، وهي مرتبة باعتبارات حسب القوة
والدرجة وحسب الأشخاص والأحوال، فهي تتفاوت في الفعل والترك والأداء والقضاء
والعزيمة والرخصة أو الإتمام والتخفيف، ولكلٍ علة وحكمة علمنا وجهلنا كثيرا.
وكافة الأحكام خاضعة للأدلة الشرعية، والسنة في ذلك كالقرآن، قال تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال عليه السلام: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) أي السنة، وقال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به).
وطلاق الغضبان يقوم على دليل من السنة نصه (لا طلاق في إغلاق) واختلفوا في تفسير الإغلاق الذي ينتفي معه الطلاق بين من يرى أنه الإكراه أو أنه الغضب على خلاف في درجة الغضب وقوته: فإن بلغ نهايته حتى يصبح الغضبان كالمجنون فاقد العقل والوعي والإدراك فهذا اتفقوا على عدم وقوع طلاقه –ومثله غير مكلف- وفي المقابل اتفقوا على وقوعه إن كان الغضب خفيفا، واختلفوا في الغضب الشديد الذي يخرج صاحبه عن المعتاد من طبعه ويؤثر على رضاه واختياره ونيته مع بقاء عقله ووعيه وإدراكه.
وإلحاق هذا النوع بالأول متوجه من حيث أن الحديث لو كان لفاقد العقل والوعي والإدراك لما كان للنص معنى جديد، ولكان تحصيل حاصل لتعليق التكليف أصلا بالعقل والوعي والإدراك فلا يكون للنص ميزة ولا خاصية وفي الحديث أن الرسول أوتي جوامع الكلم، وقال تعالى عنه {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}.
وإعمال النص على الوجه الذي ذهبنا إليه فيه تيسير على الناس وما خُيّر الرسول بين أمرين إلا اختار أيسرهما كما في الحديث، ومعلوم: لأن يخطئ أحدكم في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة، وفي هذا ميل إلى الحذر من الأخذ بالأشد مع ما يترتب عليه من: ندم الزوج، وفسخ الزواج، وانقطاع المودة والرحمة، ووقوع القطيعة والخصومة بين الزوجين وبين أقربائهما ومعارفهما، مع ما يلحق الأولاد من تشريد وضياع.. ومثل هذا لا تفتح له الأبواب بل تغلق وتسد المنافذ إلا إذا تعين أبغض الحلال وكان أهون الشرين.
وفي العلاقة الزوجية مقابلة بين الزواج والطلاق أحدهما دخول وهو الزواج والأخر خروج وهو الطلاق، والأصل أن يتساويا في الركنية كتحقق الرضا وفي الشرطية كالإشهاد، والطلاق أولى لما فيه من حماية المصلحة ودفع المفسدة، إلى جانب وجه آخر يتميز به الطلاق عن الزواج من حيث أن الزوجية قائمة والطلاق طارئ ولا يزول القائم بالطارئ إلا بيقين.
ومن العجيب الغريب أن يقع العكس فيشدد في عقد الزواج بالشروط القاسية ويتساهل في الفراق والطلاق، حتى ذهبوا إلى وقوع طلاق المكره وطلاق الثلاث وطلاق الحالف وطلاق البدعة وطلاق السكران والغضبان.. دون ما اعتبار يذكر بالحياة الزوجية وطبائع الزوجين وبخاصة مع كثرة الأولاد وزيادة المسئوليات وثقل المطالب.. مما يوقع الأزواج في حالات انفعال وردود أفعال فيلقون كلاما يندمون عليه كثيرا، والزوجان يواجهان المشاكل في بيت صغير وبيئة مغلقة ولا يستطيع أحدهما أن يغادر موقعه أو يغير حالته إذ لا بد من المواجهة ولا سبيل إلى اجتناب الغضب والانفعال… والشرع يراعي مثل هذه الحالة المرضية، فالغضبان مريض النفس وهو كمريض البدن الذي يندم بعد زوال غضبه أو انتهاء وجعه، والمصلحة الشرعية والعقلية تقتضيان مراعاة الشخص والحال.
ومن الفقه المذهبي ما نقله الجزيري قال: وأما الغضبان فاعلم أن بعض العلماء قسم الغضب إلى ثلاثة أنواع، الأول: أن يكون في أول أمره فلا يغير عقل الغضبان وبهذا المعنى يقع الطلاق وتنفذ عباراته باتفاق.
والثاني: أن يكون في نهايته بحيث يغير عقل صاحبه ويجعله كالمجنون الذي لا يقصد
ما يقول ولا يعلمه ولا ريب أن الغضبان بهذا المعنى لا يقع طلاقه لأنه هو والمجنون
سواء.
الثالث: أن يكون الغضب وسطا بين الحالتين فيشتد ويخرج من عادته ولكنه لا يكون
كالمجنون الذي لا يقصد ما يقول ولا يعلمه، والجمهور على أن القسم الثالث يقع به
الطلاق.
الحنفية قالوا: الذي قسم هذا التقسيم هو ابن القيم الحنبلي، وقد اختار أن طلاق الغضبان بالمعنى الثالث لا يقع، والتحقيق عند الحنفية أن الغضبان الذي يخرجه غضبه عن طبيعته وعاداته بحيث يغلب الهذيان على أقواله وأفعاله فإن طلاقه لا يقع، وإن كان يصح ما يقول لا ما يكون في حالة في إرادته فلا يكون قصده مبنيا على إدراك صحيح دائم، فيكون كالمجنون لأن المجنون لا يلزم أن يكون دائما في حالة لا يعلم فيها ما يقول فقد يتكلم في كثير من الأحيان بكلام معقول ثم ما يلبث أن يهذي.
ولا يخفى أن هذا تأكيد لقول ابن القيم، غاية ما هناك أن ابن القيم صرح بأنه لا يكون كالمجنون.أهـ.
4-رؤية الهلال
رؤية الهلال لبداية الصيام ودخول شهر رمضان وكذا لبداية شوال وحلول عيد الفطر
المبارك، وفي الحديث (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وقد ذهب جمهور من العلماء إلى
إيجاب الرؤية بالعين المجردة كشرط لدخول الشهر في رمضان وفي شوال، ومتى رأى شاهد أو
شاهدان وقع الحكم بالصيام والفطر، وقد يتعدد الشهود ويختلفون في الرؤية فيختلف
المسلمون في الفطر والصيام، وهم يعلقون الخلاف على اختلاف المطالع والمغارب، حتى
اصبح اختلاف المسلمين واقعاً مفروضاً بسبب تعدد المطالع والمغارب المبينة على
العيون والأهلة..
ومعلوم أن القمر من توابع الأرض الدائرة في فلكها ويقع عليه ظلها يقع على الباقي نور الشمس، وتزداد الظلال حتى يختفي القمر في نهاية الشهر ثم يظهر الهلال في بداية الشهر ويزداد الضياء حتى تكتمل الدائرة ويكون البدر في وسط الشهر، ثم في كل شهر يتكرر هذا من سنة إلى سنة ومن قرن إلى قرن.
وهي سنة كونية ماضية والحكمة باقية في الخليقة {ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا} {ولتعلموا عدد السنين والحساب} والحساب دقيق ليس كما يدعي أهل المطالع والمغارب، ليس فقط بالأيام بل حتى الساعات والدقائق والثواني، وكل في فلك يسبحون لم يتغير في الآلاف من السنين وكذا لن يتغير إلى ما شاء الله.
إن أهل الذكر من علماء الهيئة يقولون إن ميلاد شهر يكون بظهور القمر على خط طول هو واحد مهما تباعدت البلدان طولا، ويستمر هذا الميلاد خلال دورة الأرض مع تابعها القمر أربعاً وعشرين ساعةً وعليه فطلوع الفجر في خط طول على الأرض هو دخول للشهر في الأرض كلها مع فارق الليل والنهار تبعاً لكروية الأرض ودورتها ، فدخول الشهر موحد لبداية الصيام وبداية الفطر على حساب الأهلة الدقيق الذي لا ينقص ولا يزيد.
واعتماد الرؤية وحدها يوجب تسلق الجبال والتلال أو الارتفاع بطائرة خاصة -مستأجرةً في لندن مثلاً- للصعود فوق الغبار والسحاب والضباب لرؤية الهلال حتى يدخل الصوم ويحل الفطر وإلا فلا رمضان ولا شوال.
مع أن الصيام كالصلاة الموقوتة حدد الرسول مواقيتها برؤية الشمس والظلال وطلوع الفجر وغياب الشفق..
والمصلون لا يقيسون الظل ولا يرون الشمس ولا ينتظرون الفجر والشفق لوجود بديل أصيل في الساعة التي لا يمنعها السحاب والغبار والضباب وظلام الليل، والساعة المذكورة معتمدة بلا نكير ولا شبهات وبلا رمي بتهمة البدعة والضلالة.
والصيام أيضاً كالحج المشروط بالزاد والراحة، والزاد من قوت البلد في ذلك الزمان، والراحلة هي الإبل و الخيل والحمير قبل معرفة السيارات والبواخر والقطارات والطائرات وغيرها من المراكب الآلية المستحدثة المبتدعة وهي مستعملة مركوبة بلا نكير أو تضليل.
5-صدقة الفطر
صدقة الفطر في نهاية رمضان يعقدون من أجلها الندوات ويلقون حولها المحاضرات ويخطبون
عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، يقولون: صدقة الفطر يجب أن تكون
على المنصوص عليه بالتعيين من التمر والاقط والشعير، ويقيسون عليها قوت البلد كالبر
والأرز ويؤكدون أن قيمة التمر والاقط والشعير والبر والأرز.. لا تجزئ ولا تصح ولا
تجوز. ويستدلون بظاهر الحديث والوقوف على الأمثلة الواردة، والمذكورون من أهل
الندوة والمحاضرة والكتابة والخطابة يمهدون ويختمون بدعوى اتباع السلف خير القرون
والوقوف عند ما هم عليه وهجر الخلف المخالفين، واعتبار الغير بدعة مهجورة وضلالة
مسعورة.
وفي سوق الأقوات في أم القرى تعرض أكداس الأكياس الفطرية، وعبوات كل منها بسعة صاع وزنة 2,5 كغ، وأسرة أفرادها عشرة أنفار فطرتها عشرة أصواع وهو حجم كبير، ووزنه 25 كغ وهو حمل ثقيل يتعب الحامل من الأغنياء والمحمولة إليه من الفقراء وقد لا يطول بحث الأغنياء لوجود فريق محترف من الفقراء يستلم صوريا من المشتري ويسلم الى البائع بنصف القيمة وأقل، ثم يأتي المشتري الثاني لتجري عملية الشراء والبيع من جديد على الصيعان المعروضة المكدسة المكيسة وتجري عليها عمليات بيع وشراء مزدوجة لمرات ومرات في ذات اليوم وبعده في السنة الجارية والسنوات القادمة.. وللعلم فإن ما في هذه الأكياس لم يعد ذلك القوت المأكول صالحاً بعد انتهاء صلاحيته ولكن العمليات الصورية لا تحتاج للصلاحية.
هذا، وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بيان واجب الأغنياء وحق الفقراء فأمرهم (أغنوهم في هذا اليوم) أي يوم العيد اغنوا الفقراء عن السؤال والانشغال ليتفرغوا لمشاركة الأغنياء في بهجة العيد والراحة وصلة الرحم… وإنما يكون التفريغ بقضاء الحاجة وليست الحاجات كلها طعاماً فالحاجة حسب الحال فقد تكون إلى الكساء والدواء وأجرة السفر أمس من الطعام والغذاء، واكثر الفقراء لا يستطيعون الجلوس على الأرصفة إلى جانب الأكياس بانتظار عملية البيع والشراء التي يخسر فيها اكثر من النصف.
مع حمل الأوزان الثقيلة والأحجام الكبيرة التي لا تخفى عن الأعين وبخاصة بالنسبة للمستورين الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف..
أيها الملأ إن القيمة النقدية تريح الغني وتغني الفقير لأنها وسيلة لقضاء كل الحاجات، وهي في خفة وزنها وصغر حجمها بحيث تخفى عن اليمين والشمال والرياء وتحفظ ماء الوجه، ومع ذلك بل قبل ذلك تمنع التحايل على دين الله وتمنع تجار الأقوات من استغلال المساكين المحتاجين.
6-قواعد التعامل
(قواعد الدين في التعامل بين الناس)
الدين المعاملة كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقواعد التعامل بين الناس في الدين تقتضي عرض جوانب متعددة تتعلق بالمصطلحات الواردة في العنوان، وبيان جهات التعامل، ومصادر التعامل، ثم قواعد التعامل العامة، وقواعد التعامل الخاصة.
أولاً: بيان مصطلحات العنوان وهي:
أ-القواعد: وهي ضوابط إذا كانت عامة فهي أصول، وإذا كانت خاصة فهي أحكام، وإذا كانت أدلة فهي مصادر.
ب-التعامل أو المعاملة: وهو الفضل أولا والعدل آخرا وما عداهما هو الظلم.
ج-الدين: وهو الإسلام الظاهر والإيمان الباطن حال موافقتهما، أما حال المخالفة فهو الكفر والمعصية.
د-بين الناس: وهو تخصيص لعموم الموضوع وتقييد لإطلاقه، حيث إن دائرة التعامل على عمومها وإطلاقها واسعة كبيرة تعني التعامل مع الحياة كلها في الأرض وفي السماء وما بينهما من الجمادات والسوائل والغازات..
كالتعامل مع الحيوانات وفي الحديث أن امرأة فاجرة دخلت الجنة في كلب أحسنت معاملته فسقته، وأن امرأة عابدة دخلت النار في هرة أساءت معاملتها فحبستها.
والتعامل مع النبات: إذا قامت القيامة على أحدكم وفي يده فسيلة فليغرسها، ومع كسرة خبز: يا عائشة حسني جوار نعم الله عليك.. فقد كتب الله الإحسان -أي إحسان التعامل- في كل شيء وجعله تعالى صدقة حتى في إماطة الأذى عن طريق الآخرين.
ثانياً: جهات التعامل وهم الناس خاصة، وينقسم الناس تقسيماً ثنائياً متقابلاً:
أ-مسلمون مؤمنون وهم قسمان: طائعون وعاصون.
ب-كافرون مشركون وهم قسمان: مسالمون ومحاربون.
ولا يوجد الفريق الثالث إلا على رأي المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين أي غير كافر وغير مؤمن،وهو افتراض بعيد.
ثالثاً: مصادر التعامل وهي الأدلة الثلاثة:
أ-المصدر الديني وهو الكتاب والسنة.
ب-المصدر الفطري وهو العقل العام الذي أجمع الناس على حسنة.
ج-المصدر العرفي وهو العادات الموروثة والأحكام الإدارية المبنية على إجماع جماعة خاصة.
وهذه المصادر مرتبة أعلاها الدين لأنه حق لا يحتمل الباطل تليها الفطرة السليمة وتليهما الأعراف المقبولة.
وهذا الذي ذكرناه من استقلال الأدلة يشهد له حديث معاذ عندما أرسله النبي إلى اليمن قاضيا وسأله:
بم تحكم؟ فأجاب: بكتاب الله ثم بسنة رسول الله ثم الاجتهاد بالرأي.
ولكن كثيرين يرون تعميم المصدر الديني وشموله للفطرة والعرف بدليل قوله تعالى في التعامل مع عامة الناس {يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}وقوله في الفطرة {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم} حيث جعل الفطرة من الدين، وكذلك العرف الذي يعتبر اجتماع جماعة من الناس في مكان وزمان، ومعلوم في الفقه أن الأعراف محكمة.
رابعاً: قواعد التعامل العامة وهي الأصول:
أ-الفضل بالإحسان كما في قوله {ولا تنسوا الفضل بينكم} وقوله {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} وفي الحديث (كتب الله الإحسان في كل شيء).
ب-العدل بالمكافأة كما في قوله {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} وكقوله {ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}.
ج-الظلم بالعدوان وهو التجاوز أو التقصير وفي الحديث القدسي (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا).
خامسا: قواعد التعامل الخاصة وهي الأحكام -ولكل حكم دليله- والميدان واسع لشواهد القرآن والسنة والفطرة القويمة والأعراف المقبولة.. وفيما يلي بعض من هذه القواعـد أو الأحكـام مـع ما يخـالفها مقـرونة ببعض الشـواهد:
1-التواضع خلاف الكبر شاهده أو دليله قوله تعالى {واخفض جناحك لمن اتبعك}.
2-الرحمة خلاف الغلظة والشدة {رحماء بينهم}.
3-الولاء يقابله البراء {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا}.
4-المواصلة خلاف المقاطعة والمفاصلة {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل}.
5-الحب خلاف الكره وهذا ضمير مستتر لكن آثاره تظهر وفي الحديث أن المتحابين في الله يوم القيامة في ظل عرش الله.
6-القبول والموافقة خلاف الإعراض والمفارقة والرسول ما كان يحب الخلاف على الأصل، فالأصل في القول الصدق وفي العرض العفة وفي النفس الأمانة وبراءة الذمة.
7-الإصلاح خلاف الإفساد {فأصلحوا بين أخويكم} {والصلح خير} {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما}.
8-الصبر الجميل خلاف العجلة المذمومة {فاصبر صبرا جميلا}.
9-العفو خلاف الانتقام {وأن تعفوا أقرب للتقوى}.
10-التقدير والإكرام خلاف السخرية والاستهزاء {ولقد كرمنا بني آدم} {لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}.
11-القول اللين خلاف القول الخشن الغليظ حتى في مواجهة مثل الطاغية فرعون {فقولا له قولا لينا}.
12-الجدال الحسن خلاف الجدال الباطل {وجادلهم بالتي هي أحسن}.
13-البشاشة والابتسام خلاف العبوس والتجهم وفي الحديث (وابتسامتك في وجه أخيك صدقة).
14-التحية والسلام خلاف العزلة والوحشية {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها}.
والنصوص كثيرة في الدين.. والقرآن كتاب الله صريح في إحسان التعامل على العموم والإطلاق، وأنه هو الأصل والأساس، وأن المخالفة هي أحوال خاصة واستثناءات.. فالحياة قائمة على الفضل ثم العدل في الحد الأدنى من التعامل المقبول المشروع.. وكفانا آيتان أولاهما {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا} وفيه تأكيد على أهمية الصبر في المعاملة، والآية الثانية {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}.
والبر يكون بالإحسان والفضل والإقساط يكون بالانتصار والعدل..
ووصل الإحسان في التعامل في بر الوالدين إلى أن قال تعالى {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا}. وقال تعالى {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا}.
والفضل والعدل في التعامل مع الزوجات النصرانيات واليهوديات من أهل الكتاب {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} وهو تعامل دائم مع خلطة ومعاشرة.
وفي سير الأنبياء شواهد ماثلة في الفضل والعدل كما في سيرة يوسف الصديق الذي كان وزيرا لفرعون أو نائبا له فأحسن في الحكم وأصلح بين الناس بمقدار ما استطاع.
والرسول شارك في حلف الفضول في الجاهلية وتمنى في الإسلام أن يساهم في مثله لدفع الظالم والدفاع عن المظلوم..
وما أكثر الشواهد في حياة الصحابة الكرام البررة، والأمثلة المذكورة لو عددناها
لطال بذكرها الخطاب والكتاب.