مفاهيـم1-40
الصفحة السابقة
-التقديم
-مقدمة المؤلف
-القرآن والحديث
-الدين والعقيـدة
-الأصـول والفقه
-الإنسـان والأرض
-المنهجية في العلـوم
بسم الله الرحمن الرحيم
التقديم للأستاذ / مصطفى شاهر خلوف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الأمين، رسول الهدى والخير للناس أجمعين، وبعد:
إن من الأمور المسلمة لدى القارئ الكريم، الإيمان بأهمية البحوث العلمية، ومالها من دور كبير في تطوير المعارف والعلوم، وفي تقدم الحياة والحضارة الإنسانية وفي تحقيق السعادة للإنسان في الدنيا والآخرة.
والبحث العلمي بصورة عامة والإسلامي منه بصورة خاصة، لا يحدث بطريقة مرتجلة، وإنما يقوم على مراحل منهجية، ويمكن لنا أن نجملها بما يأتي:
1-اختيار الموضوع، أي اختيار المشكلة التي تحتاج إلى حل، وهذا المرحلة تتطلب الرجوع إلى كتاب يجمع الموضوعات الإسلامية، لاختيار موضوع منها، ولعدم وجود مثل هذا الكتاب نقترح تأليف كتاب يجمع بين جنباته جميع الموضوعات الإسلامية، ويتحقق هذا باستقراء القران الكريم والسنة الشريفة، واستخراج ما فيهما من موضوعات ،ثم ترتيبها ترتيبا موضوعيا حتى يحسن تصورها، ثم ترتيبها ترتيبا هجائيا حتى يسهل الوصول إلى الموضوع المراد، ويمكن أن يسمى هذا الكتاب (الموضوعات الإسلامية) أو (مكنز الموضوعات الإسلامية)، ثم بعد اختيار الموضوع، تجمع الألفاظ المترادفة المعبرة عنه، ثم يختار من بين هذه الألفاظ لفظ ليجعل عنوانا له، ويفضل أن يكون من الألفاظ الإسلامية الواردة في القرآن أو السنة حتى يبقى الناس على صلة بهما، وحتى لا يؤدي اختيار غيرها إلى قطع الصلة بهذه الألفاظ وغرابتها على الناس وصعوبة أو سوء فهم النصوص الإسلامية.
2-جمع النصوص، بعد اختيار الموضوع نقوم بجمع النصوص الإسلامية الواردة في الكتاب والسنة، ولكون السنة مازالت متفرقة في بطون المصادر المتعددة المخطوطة والمطبوعة، فإننا نوصي بأهمية القيام بمشروع جمع السنة في مصنف واحد، حتى يتيسر للباحث حصر جميع النصوص الواردة في الموضوع المختار.
3-توثيق النصوص ، فبعد الانتهاء من جمع النصوص الواردة في الموضوع نقوم بتوثيقها، أي توثيق القراءات القرآنية وتوثيق الأحاديث الشريفة، لمعرفة النصوص المقبولة من النصوص المردودة، حتى تقوم الدراسة على ما ثبتت نسبته إلى الله ورسوله مما هو وحي، ومن أجل الوصول إلى توثيق النصوص فإننا تحتاج إلى وجود كتاب بعنوان (توثيق النصوص الإسلامية)، حتى يرجع إليه الباحث عند الحاجة.
4-ترتيب النصوص، وفي هذه المرحلة نأخذ النصوص المقبولة الواردة في الكتاب والسنة عن هذا الموضوع، ثم نقوم بترتيبها ترتيبا تاريخيا، حتى ندرك تدرج النصوص في التشريع، ونعرف النصوص التي بقيت محكمة ، من النصوص التي أصابها إلغاء جزئي أو كلي في دلالتها. ونحن في هذه المرحلة نحتاج إلى كتاب يحتوي على النصوص الإسلامية مرتبة ترتيبا تاريخيا أو زمنيا، ولعدم وجود مثل هذا الكتاب فإننا نقترح تأليف كتاب بعنوان (موسوعة النصوص الإسلامية) بحيث يحتوي هذا الكتاب على النصوص الإسلامية الواردة في الكتاب والسنة عن كل موضوع مرتبة ترتيبا تاريخيا.
5-تفسير النصوص، بعد ترتيب النصوص الإسلامية المقبولة الواردة في الموضوع، نقوم بقراءة هذه النصوص قراءة تأمل وتدبر للوصول إلى فهم المراد منها، وفي هذه المرحلة علينا أن نستفيد من أقوال العلماء التي وصلتنا في فهم وتفسير هذه النصوص، وأن نقبل من هذه الأقوال، كل قول مأخوذ أو مستخلص منها، ونترك كل قول قائم على الاجتهاد مع ورود نص بذلك، وإذا كان صاحب هذا القول معذورا بهذا الاجتهاد لعدم وصول نص إليه، فنحن غير معذورين في بقائنا على هذا الاجتهاد مع ورود نص بذلك، ثم علينا أيضا أن نترك كل قول مأخوذ من نص مردود لا يصلح أن يؤخذ منه فهم أو حكم. وعلينا عند فهم النصوص أن نعتبر الأصل هو النصوص القطعية والواضحة والمحكمة، ثم نفهم أو نفسر النصوص الظنية والغامضة والمتشابهة على أساسها أو ضوئها. ونحن في هذه المرحلة نحتاج إلى تأليف كتاب بعنوان (تفسير النصوص الإسلامية) يجمع ما ورد في علوم القرآن وعلوم السنة من معلومات عن فهم وتفسير النصوص.
6- نتائج البحث، في هذه المرحلة نذكر المفاهيم والأحكام التي وصل إليها الباحث من خلال النصوص الواردة في الموضوع المختار.
هذه هي مراحل البحث الإسلامي.
والكتاب الذي بين أيدينا هو مجموعة من المفاهيم الإسلامية، وهذه المفاهيم يمكن أن تعتبر أمثلة تطبيقية للمنهج الذي سبق عرضه، أو هي ثمرة من ثمراته، وهي مفيدة في تصحيح العديد من المفاهيم الإسلامية والعلمية، وفي إضافة فهم جديد مفيد إليها، ونرجو أن تحقق هذه المفاهيم قدرا طيبا من أهداف التحديد والتجريد والتجديد التي يسعى المجمع العلمي الإسلامي للوصول إليها، فأرجو من المولى الكريم أن يثيب كاتبها أجر الاجتهاد، وأن ينفع بها القارئ
هذا تعريف موجز عن هذا الكتاب.
أما مؤلفة فهو غني عن التعريف، ولئن تنكر له بعض الناس في الشرق جهلا منهم بقدره، فقد عرف كثير من الناس فضله في الشرق والغرب، فهو مثال للعالم المتواضع، المتصف بالتعامل الحسن، والخلق الكريم.
وفي الختام أسأل الله العظيم أن يمن عليه بالشفاء العاجل، وأن يكتب له أجر العاملين في السراء والضراء والصحة والسقم، إنه جواد كريم.
8/4/1418هـ = 11/8/1997م مصطفى خلوف
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمـــة المؤلف
الحمد لله رب العالمين والسلام على العباد الصالحين، وبعد:
قبل سنين صدر الجزء الأول في سبعة مفاهيم مع توقع صدور الجزء الثاني بعده بشهور قليلة لا سنين طويلة. والتأخير عن الصدور أضعف الصلة العلمية بين مفاهيم الكتابين.
وفي المفاهيم الجديدة أربعون مفهوماً موزعة على خمسة فصول هي: القرآن والحديث، والعقيدة والدين، والفقه والأصول، والإنسان والأرض، والمنهجية في العلوم.
والتوزيع مبني على ضرب من التساهل لأن معظم المفاهيم أسئلة وأجوبة، وقد أوجبت مواجهة المخالفين العجلة في التشخيص والمعالجة تبعا لحد السؤال وحاجة السائل وحالة المسئول غفر الله له.
ولذا اختلفت المقادير في الجانب الموضوعي، واختل التناسب في الجانب المنهجي. والفرصة متاحة لمن أراد النقد المنهجي والموضوعي بغية التصحيح والتوضيح والتكميل والتفصيل.
هذا، وأدعو الله أن يتقبل هذا العمل بقبول حسن وأن يغفر لي ولمن أعان بالفكرة والتذكرة والكتابة والطباعة هو تعالى يتولانا بنصره، نعم المولى ونعم النصير.
القــرآن والحديث
-تعريف القرآن والسورة والآية والقراءة
القرآن مصدر كالقراءة لأنه يقرأ، وقيل لأنه يقرن بعضه إلى بعض فهو كالمصحف حيث جمعت صحفه بين دفتين.
والمشتهر على الألسنة في تعريف القرآن، أنه: (كتاب الله القديم، نزل به الروح الأمين جبريل على خاتم المرسلين محمد، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المتحدى بأقصر سوره، المعجز للإنس والجن، المكتوب في المصاحف، المفتتح بالحمدلة، المختتم بالناس..) وقد يزيدون قيودا أخرى لإطالة التعريف أكثر.
وعرفوا الآية القرآنية كما في الإتقان فقالوا الآية: (طائفة من حروف القرآن علم بالتوقيف انقطاعها يعنى عن الكلام الذي بعدها في أول القرآن وعن الكلام الذي قبلها في آخر القرآن وعما قبلها وما بعدها في غيرهما) واختصروا تعريف الآية فقالوا- كما في بصائر الفيروز آبادي أن الآية: (جملة من القرآن دالة على حكم)، وفيه أن السورة: (قطعة مفردة من جملة القرآن أو جملة من الحكم والحكم)، وعرفوا القراءة القرآنية كما في المهذب في القراءات العشر فقالوا القراءات: (علم يعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية وطريقة أدائها اتفاقا واختلافا مع عزو كل وجه لناقله)..
أقول إن هذه التعريفات نماذج لتعريف كثير من الأعلام والمسائل العلمية، وهي قائمة على صياغة ركيكة في اللفظ والمبنى غير جامعة للمعنى ولا مانعة من الحشو والقصور، تدخلها نزاعات الفرق وخلافات المذاهب، دون تركيز على أركان المعرف وماهيته، ففي تعريف القرآن ساقوا الخلاف في كونه قديما أو مخلوقا، مع أن الوارد في القرآن هو أنه وحي منزل، وحصروا تنزيل الوحي بالروح الأمين وأهملوا الإلقاء في الروع مباشرة أو من وراء حجاب. أما التعبد باللفظ والتحدي للإعجاز فهي خصائص جزئية وصفات ثانوية لا يقوم بها التعريف..وهكذا.
وبالإمكان تعريف القرآن بأنه: (آخر كتب الله المنزل على آخر الرسل بلسان عربي مبين بشيرا ونذيرا للناس أجمعين).
وبعبارة أخرى: (كتاب الله المنزل على محمد بلسان العرب لهداية الناس) حيث تضمن: تاريخ نزوله وبيان وظيفته ومضمونه ومن كلف به ومن أنزل عليه. ويمكن حذف لسان العرب بعد الترجمة إلى لغات الناس، فلكل قوم لغته الخاصة والقرآن لهم جميعا.
أما تعريف الآية فهو بين طويل ممل واختصار مخل بل فيهما زيادة في الإبهام والإيهام وقريب منهما تعريفهم للسورة وللقراءة القرآنية.
ولست بصدد استعراض التعاريف ومناقشتها إنما تقدمت بهذه الكلمة لأبني عليها مطالبة المتخصصين لبحث أمر التعاريف لبيان قواعدها ووضع ضوابط لها ثم صياغتها بإحكام على ضوء تلك القواعد والضوابط.
ونتيجة لذلك قد يعرف القرآن تبعا لمضمونه ومضمون القرآن هو: (التعريف بالله) ببيان صفاته الاسمية والفعلية و معرفة ما يرضيه وما يغضبه من معصية ومن طاعة.
ويمكن تعريف الآية بأنها: جملة من حروف القرآن مختومة بفاصلة، والسورة: جملة من آيات القرآن مبدوءة بالبسملة. والقراءة: طريقة قارئ في اختيار حرف ونطقه، أي وطريقة النطق به.
-جمع القرآن
المعتمد في القرآن جمع عثمان وقد أمر بحرق المصاحف التي جمعها الصحابة، وجمع عثمان هو على حرف قريش، وبعضهم يرى أن الخط العثماني يجمع الأحرف الأخرى، ومن عنده علم يدرك وجود أحرف كثيرة لا يحتملها الرسم وهي لا تزال في صدور القراء وعلى ألسنتهم وفي كتب التفاسير ومدونات عـلوم القرآن وبخاصة كتب القراءات، والمشهور في تاريخ القرآن أنه جمع ثلاث مرات. والجمع الأول كان كتابة القرآن على العرضة الأخيرة بين جبريل والنبي عليهما السلام وبها كتب كاملا وحفظ في بيت النبوة. والجمع الثاني في عهد أبي بكر بمشورة عمر (رضي الله عنهما) وهو كتابة القرآن على مواد متجانسة بحيث وضع بين دفتين أو جلدين يحويان الصحف وسمي المصحف. والجمع الثالث وينسب لعثمان بناء على طلب حذيفة (رضي الله عنهما) ومضمونه كتابة عدد من النسخ وإرسالها إلى الأمصار لمنع الخلاف في كتاب الله.
ونحن ننتظر اليوم الذي يتحقق فيه الجمع الرابع للقرآن ومضمونه جمع الأحرف الصحيحة التي قرأ بها الأئمة في كتاب ملحق بالقرآن أو وضعه إلى جانب نص عثمان، وهو يسد الطريق أمام الادعاءات والاتهامات بوجود النقص والزيادات في كتاب الله، وهذا مهم مع المساعدة على التفسير، فالقرآن يفسر بعضه بعضا كما يقول ابن تيمية وغيره، والقرآن إنما يفسر متى جمعت الآيات جمعا موضوعيا كاملا.
-جمع الحديث
الحديث: كل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قـول أو فعل أو تقرير. وهو المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم. ويعتبر الرسول أول المؤمنين المسلمين العاملين وأول المفسرين وهو مشرع بأمر الله وإذنه له فهو يبين كتاب الله حتى كأنه قرآن يسعى وكان خلقه القرآن.
وجمع السنة تأخر عن جمع القرآن وتسلل إليه دخيل كثير، حيث جمع في وقت اختلط فيه الناس وابتعدوا عن مهبط الوحي وطال بهم العهد عن زمن النزول. ولقد بذل الأئمة جهودا كبيرة لجمع سنة نبيهم وكان الأمر عسيرا بسبب تفرق نقلة السنة في الأمصار المتباعدة وعدم إخضاع الجمع للعمل الجماعي وكان العمل الفردي ولا يزال كما هو معلوم قاصرا لا ينتهي. ولذا لم يتيسر في تاريخ السنة جمعها جمعا كاملا من أول أشهرهم (البخاري) إلى آخر أشهرهم (الألباني) بل كانت الجهود الفردية تتكرر. وهذا جلي في الكتب الستة ومن بعدها إلى زماننا هذا حيث لا يكمل العمل مع أن الحاجة ماسة إلى جمع السنة جمعا كاملا من مختلف بلدان العالم ووضعها في مكان واحد ثم القيام بالخطوة الثانية وهي تصحيح السنة بفصل غير الصحيح عنها بغض النظر عن مراتب الصحة فإنه يكتفي بفصل صحيح المتن الذي يصلح للإستدلال به على الحكم الشرعي وبلا تمييز بين الحكم العقدي أو الفقهي أو الخلقي.
والخطوة الثالثة هي التمييز بين السنة المحمدية العرفية والسنة الشرعية الدينية ونعني بالسنة المحمدية ميوله الفطرية وعاداته الاجتماعية وتقاليده وهذه سنة خاصة به وليست تشريعا لغيره ويدخل في هذا القول والفعل والتقرير.
والمقصود الأصلي من السنة هو السنة التشريعية التي يقوم عليها الدين ولا يقوم الدين بدونها سواء في العقيدة أو الشريعة أو الأخلاق. والسنة بهذا المفهوم وإن كانت تلي القرآن في القوة والدرجة ولكنها لا تقل عن القرآن من حيث علاقة المكلف بالدين دخولا فيه أو خروجا منه فالإيمان بالسنة كالإيمان بالقرآن والكفر بها كالكفر به.
والخطوة الرابعة: ترتيب السنة تاريخيا ثم موضوعيا حسب الأحكام الشرعية ووضعها تحت ما يناسبها من الأحكام القرآنية بياناً له.
والخطوات المذكورة ليست يسيرة وهي ضرورية وينبغي بذل ما في الوسع وعلى مستوى العالم الإسلامي للمساهمة فيه والتعاون عليه.
ولا أعني البدء من جديد بتدوين السنة وأؤكد على الاستفادة من جهود السابقين فيما أعدوه وأنجزوه مع تهذيب الزائد وإضافة الناقص. كما أؤكد على أن عمل السنة لا يقوم به فرد مهما أوتي من علم وعزم أو أفراد متفرقين وإنما يقوم به جماعة تتبع خطة منهجية منظمة دقيقة.
وهذا العمل في السنة يضاف إلى المعمول به في القرآن لإقرار دائرة النقل الذي هو الأصل في الدين وهذه الدائرة معصومة لا يأتيها الباطل وينبغي الإيمان بها والتسليم لها وعدم الاجتهاد فيها أو الاعتراض عليها. والاجتهاد مقبول خارج هذه الدائرة.
-كتابة القرآن
كتب القرآن بين يدي الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) وجمعه من بعده أبو بكر رضي الله عنه في مصحف واحد، ثم نسخ عثمان رضي الله عنه عددًا من المصاحف أرسلها للأمصار، وأصبـح الخط العثماني سنة متبعة وطريقة متواترة إلى يومنا هذا.
ولقد تشدد بعض العلماء فذهب إلى أن الخط العثماني توقيفي يجب التزامه ويحرم تغييره، كما تشدد آخرون فحرموا الكتابة بالخط العثماني لأنه يوقع الجهال في تحريف القرآن، والتوسط بينهما خير منهما.
أما القول بالحرمة أو الوجوب فلا دليل عليه فيما نعلم. وما ذكروه لا يصح الاستدلال به ولا يستقيم...
وللمحافظة على الخط القديم فوائد وعليه مآخذ، ومن فوائد المحافظة على الخط القديم الرجوع إلى المصاحف القديمة والاستفادة منها والاطمئنان إلى صحتها وسلامتها، ولكن هذه الفوائد لا تعتبر عندما تتعذر القراءة بها أو يقع التحريف فيها.
وكذلك الخط الجديد له فوائده وعليه مآخذه ومن المآخذ تبعية الكتابة لقواعد الإملاء المعرضة للتغير والتطـور.
والتوسط في القول هو الأخذ بالفائدة عند الإمكان واللجوء إلى المصلحة عند التعذر يعني المحافظة على الخط القديم مادامت القراءة به متيسرة ومتى تعذرت وجب تغييره بما يحفظ القرآن، فالكتابة ليست إلا وسيلة من وسائل حفظه، والأصل في الحفظ ليست الكتابة وإنما القراءة، ومن أنزل عليه القرآن لم يكن كاتبا، وإنما كان حافظا في قلبه تاليا بلسانه كما قال تعالى في أول ما أنزل: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وقال عن نبيه: {وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن}. وقال:{وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك}.
والكتابة القرآنية لوحظ فيها الجانب الفني في ملء السطر وإتمام الصفحة بل بإنهاء كل صفحة مع نهاية الآية.
والمكتوب هو بالخط العثماني المنسوب لعثمان بن عفان وهو الخط المعروف في بداية الكتابة العربية بالحجاز وتحديدا بمكة والمدينة وكانت رموز الكتابة قليلة متشابهة مما سبب لبساً عولج بضبط الشكل والتنقيط فيما بعد.
والخط المذكور محفوظ على سبيل التواتر من لدن عثمان إلى يومنا هذا، وقد ذهب بعضهم إلى وجوب بقائه وحرمة تغييره بل جعله ضابطا من ضوابط قبول القراءات القرآنية، وعلى الرغم من أن الرسم وسيلة لكنه جعل غاية محكومة بالتحليل والتحريم، فقد أوجبوا خطوطا مع أنها تؤدي في بعض الأحيان إلى تحريف الجهال للقرآن كما صرح الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام.
وإني لأرى الباب مفتوحا في أن يكتب القرآن بأية صورة مادامت وسيلة لسلامة النطق، وسلامة النطق هي الأصل في تحمل القرآن وفي أدائه. والحرف العربي بالصورة التي كتب بها ليس توقيفا منزلا كما أوضح ابن خلدون حيث نسب الخطأ إلى الكتبة وعلل بالبداوة حيث أن البدو لا يتقنون الصنائع، والكتابة من الصنائع المدنية ولا علامة لذلك بأخلاق ولا ديانة الصحابة ومن بعدهم.
إن الحفظ بطريقة الرموز والخطوط كالحفظ بوسائل التسجيل المعروفة على وجه اسطوانة أو شريط كاسيت أو ديسك كومبيوتر، ولا ينبغي لأحد أن يلوم أو يقول: لم؟
وعليه فإنه يتوجب كتابة القرآن بالحروف المفهومة عند المخاطبين بغض النظر عن كيفية الرسم .
هذا، وينبغي أن يكتب القرآن كتابة موضوعية كما يقرأ، بحيث تقسم السورة إلى موضوعات، والموضوع يتكون من فقرات، والفقرة تتكون من عبارات، وكل عبارة تتكون من جملة أو أكثر.
وينظر في قضية الوقوف والاجتماع على قراءة يتحقق فيها تكامل في الموضوع…
ومعلوم أن الفواصل في الآيات قائمة على جانب الوزن وهو مطلوب في التغني بالقرآن للإكثار والاستمرار وليس ذلك للتربية والتوعية ولا للتفهيم والتعليم، والمسلمون اليوم بأمس الحاجة إلى كل ما يدعو إلى التدبر والتعقل وذلك يتحقق بإحسان وضع واستعمال علامات الوقوف من وصل وفصل.
فقراءة القرآن أو تلاوته وترتيله ينبغي أن تكون بمراعاة الوقوف المناسبة حسب المعنى وذلك بملاحظة الاستفهام والتعجب.. وتمام المعنى.. فيطول السكوت أو يقصر ويبدأ من أول المعنى الجديد، سواء كان يقرأ لنفسه أو لغيره كي يتأثر ويؤثر وليس المهم تحسين الخط ولا إجادة الصوت، والتجويد الذي أوجبوه وجعلوا من لا يلتزمه "حتما آثم" يعاد فيه النظر ويعمل فيه الفكر لأننا في مواجهة كتاب منزل للفهم والتفهيم والعمل، فتهمنا القراءة العلمية والتعليمية كما تهمنا الكتابة الموضوعية ثم يأتي دور التجويد.
-تنجيم القرآن
القرآن نزل منجما أي نجوما: شيئا فشيئا من عند الله -من بيت العزة من السماء الدنيا على ما روي- في ثلاث وعشرين سنة وقيل في ثماني عشرة وقيل في خمس وعشرين.
والظاهر أن كتب الله أنزلت كلها منجمة مفرقة على الأحوال والمناسبات دون أن يختص آخرها بالتنجيم والتفصيل والتفريق، إذ الغرض الذي ذكره تعالى عن القرآن في قوله {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} يتوجب في كل الكتب المنزلة. والدليل الذي بني عليه القول بأن الكتب السابقة أنزلت جملة هو قول الكافرين: {لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة}. حيث فهم من إنكارهم نزول القرآن منجما أن الكتب الأخرى نزلت جملة، وهو نموذج لسذاجة الاستنباط، والخطأ في الاستدلال واضح لأن الكافرين من مشركي مكة ما كانوا عالمين ولا مؤمنين حتى يعتد بقولهم، بل كانوا أميين جاهلين بكيفية نزول الكتب السابقة، وكانوا متعنتين جاهليين، ولو نزل عليهم القرآن جملة لقالوا: لم لم ينزل منجما؟ وهو مثل قولهم في القرآن العربي لم لم ينزل أعجميا؟ ولو كان كذلك لقالوا مثل ما أخبر تعالى:{ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ؟}. وقريب من هذا مطالبتهم بأن يكون رسول الله من الملائكة، ومعلوم أنه لم يكن المرسلون قبله من الملائكة بل كانوا صلوات الله وسلامه عليهم بشرا مثله كما قال تعالى:
{وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة}.
{وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا} {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق}.
ولمزيد من البيان نضرب لذلك مثلا في سيرة أحد الأنبياء، وهو موسى عليه الصلاة والسلام فقد نزل عليه الوحي بالوادي المقدس طوى بعد خروجه من مدين، وخلال إقامته بمصر، وعند العبور الكبير، وفي الطوركان نزول الألواح، واستمر النزول بعدها في سني التيه بسيناء.. وهكذا تتابع النزول تبعا لحال الدعوة وموقف الأمة، وكان حصيلة ذلك كله التوراة، بما في ذلك الألواح التي نزلت في الطور، وتخصيصها بالذكر لبيان شرفها وأهمية ما فيها من الوصايا، وهو كتخصيص بعض سور القرآن بمرافقة الملائكة، أو الإنزال في ليلة الإسراء والمعراج.
-إعجاز القرآن
الإعجاز من العجز وهو الضعف، وإعجاز القرآن هو: إيقاع الإنس والجن في العجز عن الإتيان بمثل القرآن.
ووجوه الإعجاز كثيرة محصورة في المعاني والبيان.
والإعجاز البياني أشهر أوجه الإعجاز القرآن، وتكلف له كثيرون واقتصروا عليه أو قدموه على غيره!
وليس يسلم ذلك لهم، بل الذي يسلم هو الإعجاز الموضوعي الذي يدور حول المعاني فهو الأصل المعتمد في التحقيق وهو المقدم على غيره من الوجوه الكثيرة لإعجاز كتاب الله الكريم. بل هو المقصود من الأدلة التي تثبت مشروعية الإعجاز وهي آيات التحدي في القرآن: كما في قوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} وقوله تعالى: {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون، فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} وقوله تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات. وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} وقوله تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} وقوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين}.
ففي هذه الآيات دلالات تقرر وجه الإعجاز المقصود وفي ذلك قوله تعالى: {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} والبيان في فصاحته ونظمه ووزنه لا يوصف بالافتراء وعدمه، لأن البيان قالب وهيئة وليس قلبا وماهية.
ثم إن البيان ينصرف بخاصة إلى العرب وهم أقل القليل ويخرج عامة العرب عن التحدي فضلا عن الإنس الذين لا يعرفون العربية مع أن التحدي لهم وللجن معهم جميعا.
والمقصود من القرآن حقيقة أحكامه وصحة شواهده وأخباره. وذلك في الموضوع المعنوي وليس في البيان اللغوي، فما اللغة إلا وعاء، فالمراد الحقيقي من الإعجاز القرآني هو إثبات حقيته ودفع الباطل عنه وإظهار صدقه وتنزيهه عن الكذب، وأنه كمال لا نقص فيه ولا زيادة عليه، كما في قوله تعالى: {وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} وقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا }.
وهذا الجانب لا يختلف حوله عاقل، ولا يماري فيه منصف ومن رام إثباته والدفاع عنه وجد ميدانه وسلاحه بخلاف البيان الذي يفتح أبواب القيل والقال، ويصعب فيه العودة لمرجع معين أو الاحتكام لميزان موحد .
ويؤدي مثل ذلك إلى التشويش على الناس، وصرفهم عن الموضوع الذي كلفوا به وتعلق بهم صلاحهم وفلاحهم في دنياهم وأخراهم .
ولقد أدت المبالغة في الاهتمام بالوجه البياني إلى مسيرة التفسير وعلوم القرآن في مسار بعيد عن تحقيق الهدف من البشارة والنذارة والهداية.
وهذا الاهتمام هو وراء الكم الضخم من التفاسير البلاغية والبيانية على حساب المضمونات الموضوعية من علوم تجريبية وظواهر كونية وتاريخية واجتماعية ونفسية وغير ذلك مما يتعلق به المعاش والمعاد.
ولو أن الأمر سار في مجراه لوجدت المكتبة القرآنية تزخر بالمصنفات العلمية العملية بدلا من مصنفات السجع والطباق والمقابلة والتكرار والتقديم والتأخير والاسمية والفعلية... ولم يخل هذا الكم الضخم من تحامل أو تكلف والشواهد في مكتبة القرآن كثيرة.
-القرآن القديم
اختلف أهل السنة والمعتزلة في القرآن اختلافا عقدياً دام طويلاً ولا زالت المسألة معلقة بلا حلول، حتى مع أستاذ جامعي تضلع في السلفية بعد الخلفية، وله في المكتبة عدد من المؤلفات وكان في ندوة علمية يحضرها ملأ من أهل العلم والمعرفة، وألح مؤكدا الاطمئنان إلى ما عندي من جواب لسؤالهم: ما القول في خلق القرآن وقدمه لدى المعتزلة وأهل السنة؟
فقلت في الجواب: لا يوجد في علمي خلاف علمي بين السنة والمعتزلة، لا في خلق القرآن ولا في قدم القرآن، وإنما الخلاف شخصي وسياسي بين العلماء والحكام! لقد رفع المعتزلة راية الإرهاب الفكري بحمل الناس على القول بخلق القرآن كوسيلة ضغط على الناس للخضوع والطاعة للنظام الحاكم.
وكان موقف أهل السنة وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل مختلفا بالكلية وبصورة ردة فعل وقلب للمسألة، فإذا كان خلق القرآن عند المعتزلة أصلا دينيا يتميز به أهل الحق والعدل حسب أصول المعتزلة الفكرية، وكان القول بخلق القرآن شعارا سياسيا يظهر به الولاء للدولة، ويعين أو يفصل بسببه الولاة والقضاة والموظفون… فبالمقابل رد عليهم الإمام أحمد وخلفه أهل السنة بالقول: بكفر من قال بخلق القرآن، بل أكثر من ذلك بكفر من لم يكفر القائلين بخلق القرآن.
وقد تعجب ملأ الندوة من هذه الإجابة، فقلت موضحا: إن أهل السنة يقصدون بالقرآن صفة الكلام، والكلام صفة قديمة، بينما المعتزلة يقصدون بالقرآن الكلمات المقروءة باللسان حسب المخارج، المسموعة بالآذان حسب الأصوات، المكتوبة بالأيدي وبالأقلام على القراطيس بالحروف الهجائية العربية.. مكتوبة برموز معرضة للتعديل والتبديل والتحويل... فلا خلاف بين الفريقين في حقيقة الأمر، وظهور الخلاف سببه اختلاف زاوية النظر.
وينبغي التنبيه إلى ما اشتهر على ألسنة أهل السنة من وصف القرآن بالقدم، حيث يرد عليه أن القديم والحادث بمعنى واحد، فالقديم حادث متقدم، فقولنا القرآن قديم، كقولنا القرآن حادث، فما من قديم إلا وكان حادثا، إذ القديم بدايته ماضيه، والحادث بدايته آنية، وكل من الحادث والقديم مخلوق، ولذلك احترز بعضهم بقوله: قديم بلا بداية.
وأصل الخلاف سببه عدم التفريق بين الصفة الاسمية والصفة الفعلية أو عدم التفريق بين الصفة وأثر الصفة، فالصفة أزلية دائمة لازمة موجودة بوجود الموصوف، أما أثر الصفة فحادث مخلوق أو مخلوق حادث.
ونضرب مثلا للتوضيح من إحدى صفات الله مثل صفة الخلق، فالخالق اسم الله والخلق صفة اسمية والمخلوق أو المخلوقات أثر هذه الصفة، وظاهر أن صفة الخلق أزلية، أما المخلوق المقيد المحدد فهو الحادث،ولو قسنا هذا على الباب الذي نحن بصدده، لقلنا: إن صفة الكلام أزلية غير مخلوقة، بخلاف أثر هذه الصفة وهو الكلمات بالحروف الأبجدية واللغات واللهجات الإنسانية.
وفي شرح الطحاوية أن الكلام نوعه قديم أزلي لا أول له، وأفراده أو آحاده حادثة تحدث في وقت دون وقت، فهو يتكلم متى شاء، والصوت الذي يتكلم به سبحانه ليس بقديم.
وعليه فإن الكلام لفظ يراد به إما التكليم وإما الكلمات، والكلمات العربية والعبرية والكردية هي مخلوقة عند من أنعم الله عليهم بنعمة العلم في العقل والنقل، ممن حلاهم الله بفضيلة التواضع وخلاهم عن رذيلة الجهل والغرور...
إن من يقول بقدم القرآن كلمات وحروفاً وأصواتاً ورسوماً مع القول بنزوله منجماً وطروء النسخ والانساء والنسيان عليه، لاشك أنه يذهب إلى أن اللغات أبدية أزلية، وأن أصحابها الذين ابتكروها وتكلموا بها هم أبديون أزليون، كالعرب مع القرآن، وبنو إسرائيل مع التوراة والكرد مع آفستا، وهو شأن كل قوم وكل لغة. وعليه يتوجب القول بقدم المخلوقات، أو قدم العالم، كما يقول الفلاسفة الضالون تعالى الله عما يقولون ويتقولون من الكفر..
وأهل التكفير جعلوا التاريخ ميدانا لتكفير المخالفين وتفرقة المسلمين، وقد سلطوا سيف السلطان وسنان الأعوان على رقاب كثير من العلماء حتى ألجموهم وأحجموهم وأفقدوهم الجرأة على الرأي والقدرة على الكلام، وكان مثل هذا سببا في ضياع العلم وتعطيل الفكر، وإفساد منطق العقل، حتى أصبح العلم محصورا بالنقل، فكثر النقلة، وقل العقلة.. وما عدم السلاطين وعلماء الباطل من تهم يلصقونها بعلماء الحق لإبعاد أهل الذكر عن مراكز الفكر والتعليم والتربية والدعوة.
الديـن والعقيدة
-مراتب الدين مراتب الدين ثلاثة: هي الإيمان والإسلام والإحسان على ما قالوه، ودليلهم الحديث المشهور، وفيه بين الرسول لجبريل عليهما السلام معنى كل من الإسلام والإيمان والإحسان...
والتقسيم المذكور محل نظر لأن الدين مرتبتان هما الإيمان الباطن والإسلام الظاهر وليس ثمة مراتب أخرى لا قبلا ولا بعدا والدليل قوله {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} فذكر تعالى الإيمان والإسلام حصرا، والإحسان ليس مرتبة بل هو شرط صحة أو شرط قبول وهو مطلوب في كل شيء كما في الحديث من أن الله كتب الإحسان في كل شيء والإحسان: إخلاص في الإيمان ومتابعة في الإسلام على الحد الأدنى للقبول أما أعلى الدرجات في الإخلاص والمتابعة فهو الشعور بالمراقبة وكأنك ترى الله. كما نص في الحديث.
فالحديث يذكر درجات العمل في عمق الإخلاص والإتقان وليس السياق في تعداد المراتب لأنه خلط، والخلط في المصطلحات الشرعية يوقع في خطأين هما التقصير والتجاوز. ومعلوم لدى من له صلة بالعربية أن الإحسان مصدر صاحبه: المحسن وفعله: حسُن ومنه الحسنة في مقابل الإساءة والمسيء والسيئة.. ولم يقل أحد بأن الإساءة مراتب كالكفر له ثلاث مراتب هي كفر الظاهر وكفر الباطن والإساءة، لأنها -أي الإساءة- من الكفرين والكفران هما الإساءة ذاتها وليست الإساءة مستقلة عنهما أو منفصلة، كذلك الإحسان في الإسلام والإيمان.
الكفروالكافرون:
الكفر هو: مخالفة الدين في الظاهر والباطن، وظاهر الدين هو: الإسلام وباطنه هو: الإيمان، والموصوف بهما هو: المسلم المؤمن، والمخالف لهما هو: الكافر المنافق. وصفة الإيمان والإسلام بالنسبة للموصوف بهما تنتفيان أو ينتفي أحدهما مع ثبوت الآخر بالكلية أو الجزئية، وعليه فالكفر المخالف للدين خمسة أقسام:
الأول: كفر الظاهر بانتفاء الإسلام وثبوت الإيمان. كالمكره في قوله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}.
الثاني: كفر الباطن بانتفاء الإيمان وثبوت الإسلام، كالمنافــق وهو في الآخرة كما قال: {في الدرك الأسفل من النار} وفي الدنيا يعامل كالمسلمين (لنا الظاهر والله يتولى السرائر) كما في الخبر.
الثالث: كفر الظاهر والباطن بانتفاء الإيمان والإسلام لعدم الدخول فيهما، وهو يترك على حاله بلا إكراه لقوله {لا إكراه في الدين} وعذابه أخروي.
الرابع: كفر الظاهر والباطن بانتفاء الإيمان والإسلام بالخروج منهما، وهذا عذابه أخروي، وعليه الحد في الدنيا عند الجمهور وهو المقصود في حديث (التارك لدينه المفارق للجماعة).
الخامس: كفر الظاهر والباطن في جزئية من الإسلام أو الإيمان، وعليه حد الدنيا كفارة له، أو عليه وعيد في الآخرة تحت المشيئة، وهذا الكفر أو النفاق من باب كفر دون كفر أو نفاق دون نفاق، وهما لا يخرجان من الملة لأنهما معصيتان داخل أحكام الدين وليستا خارجه.
ويرى الخوارج من الظاهرية الكفر المخرج من الملة في الكبائر كلها، وبعض الظاهرية يخصون بعض الكبائر ككفر تارك الصلاة، وآخرون من المعتزلة يجعلون هذا الكفر منزلة بين المنزلتين، فهم يخرجونه من الدين ولا يدخلونه في الكفر، والعامة لا يكفرون أهل القبلة، والباطنية يكفرون غيرهم، والجبرية منهم لا يكفرون أحدا بسبب قولهم بالفناء والحلول أو الاتحاد ووحدة الوجود.
وفي التاريخ العلمي للإسلام من خلال الفرق والطرق والمذاهب عجائب الخلاف في مفهوم الكفر ومفهوم الدين وما يترتب عليه من اختلاف المسلمين قديما وحديثا.
والحقيقة تقول: إن توحيد الأمم قائم على توحيد المفاهيم وبخاصة المفاهيم الدينية.
-اقسام التوحيد:
قسموا التوحيد ثلاثة أقسام:
-توحيد ربوبية.
-توحيد ألوهية.
-توحيد أسماء وصفات.
وأحسبهم قصدوا من التقسيم التعليم والتفهيم بمراعاة حق الله وواجب العبد، والرد على من أهمل بعض الصفات من أهل التأويل والتعطيل.
وقد آثرت الاقتصار على الربوبية لأن الإلهية تندرج فيها، فهي صفة كبقية الصفات، أما الأسماء فهي موصوفات أطلق عليها أسماء من باب التغليب وكثرة الاستعمال.
والربوبية هي أعظم صفة وهي أصل الصفات الأخرى وما سواها من الصفات تدخل فيها لغة أو اقتضاء.
وسبب عدولي عن التقسيم هو ما ذكرت هناك وما يرد على التقسيم الثلاثي، فالأصل الذي اعتمد عليه من أن العرب وغيرهم من الأمم أقروا بالأول وأنكروا الثاني لا يسلم، ففي القرآن قول يهود: {عزير ابن الله} وهو تجزئة للذات حيث أن الابن جزء أبيه ومثل هذا شرك في الربوبية.
وتثليث النصارى في تجزئة الذات إلى أب وابن وروح قدس هو كذلك في الربوبية، أما العرب الذين جعلوا الملائكة بنات الله فقد جزأوا الذات وعددوها بقدر عدد الملائكة، وهو عدد من الأرباب كبير.
ولئن أقر بعض الكفرة المشركين بوصف ما للرب سبحانه وتعالى كوصف الخلق أو وصف الرزق فما ذلك إلا كمثل إقرارهم بعبادة ما لله سبحانه وتعالى كعمارة البيت وسقاية الحاج، والطواف حول الكعبة والدعاء عند الحاجة والمصيبة مما أقر به كفار مكة مشركوا قريش وغيرهم، فكما لم يعتد بإقرارهم بجانب من الإلهية لا يعتد بإقرارهم بجانب من الربوبية، وفي القرآن بيان لمن تدبر بيانه.
{وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون}.
11-صلة الإنسان بالله اختار الله الإنسان -بعد أن علمه- لخلافة الأرض، وسجد له الملائكة -بعد أن اقتنعوا- كلهم أجمعون إلا كبيرا منهم تكبر بدعوى أنه من نار وهو من تراب، فناصب العداء وتوعد بالشر .
والإنسان كثيرا ما ينسى ويحتاج للصلة بالله والتذكير بحقيقة الصراع مع الشر، ولكن الله {لا تدركه الأبصار} لأنه {ليس كمثله شيء} فعقدت الصلة به بطريقة النبوة والمراسلة، أما الصلة الأخرى فعقدت بطريقة الكشف والمباشرة.
ومن أجل الصلة بالله حصّن الله السماء حتى {ملئت حرسا شديدا وشهبا} وتخير الأمثل الأفضل، ملكاً ورسولاً {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا} ، {علمه شديد القوى، ذو مرة فاستوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى}.
والصلة الأخرى في ظاهرها أنها مع الله وفي حقيقتها قد تكون مع سواه، ولذلك فهي بلا حرس السماء ولا رصد الأرض ولا المعلِم الشديد ولا المعلَم الأمثل...
وتبدأ هذه الصلة بالتخوف الموصل إلى الترجي، بطريق مكتسب وبرياضة الزهد في الخلوات وترقب الوحي والإلهام، وما يتراءى لواحدهم في اليقظة والمنام يراه هو الباب المفتوح إلى الرجاء فيلجه ويتخلص من الخوف وآثاره، ويتفرغ لارتقاء الدرجات الأربع للرجاء، وهي:
1- الفناء في الصفات وينتهي إلى الفناء في الذات.
2- الحلول بدخول الأعلى بذاته في ذات الأدنى.
3- الاتحاد بالتداخل في المشاركة على سبيل المماثلة والمعادلة.
4- الوحدة في الوجود، ووحدة الوجود تعني: أن كل موجود هو كل الوجود، أو كامل الوجود ذاتا وصفة، ومن بلغ منهم هذه الدرجة لم ير أحدا فوقه بل لم ير أحدا غيره.
وهؤلاء الوجوديون -النورانيون أو النيرانيون- من أقدم عصور التاريخ هم أدواء البشرية وأوبئتها، وهم وراء هدم الأديان كلها.
وبالنسبة للأديان المعروفة كالزرادشتية واليهودية والنصرانية والإسلام، فقد ظهرت أعراض الأمراض عليها تبعا لأنواع الأدواء والأوبئة التي حقنت بها.
وهذا ما أدى إلى تمزق الأديان، فترى الزرادشتيين واليهود والنصارى والمسلمين -إلا من رحم ربك- متفرقين، كل في واديه بلا تلاق ولا تراء، وفي كل يتسارع الانشطار ويستمر الافتراق إلى سبعين فرقة وزيادة... كلها في النار إلا واحدة.
-الإسلام والفطرة
الإسلام دين الله للعباد، ومضمونه توحيد العبادة لله وحده، وذلك بالإيمان به باطنا، وبالإسلام له ظاهراً، وقد يغلب الإيمان أو الإسلام فيدخل أحدهما في الآخر لما بينهما من تلازم، فهما وجهان لحقيقة واحدة لا يفترقان إلا في حالتين، هما نفاق الكافر وإكراه المسلم، ودليل الإسلام كدين هو الكتاب الكريم والسنة المطهرة...
أما الفطرة والفطر فمن الفعل فطر ومعناه أوجد الشيء ابتداء، على تفسير ابن عباس في قوله {فاطر السموات والأرض} وشهادة إعرابي احتكم إليه في بئر فطرها أي ابتدأ حفرها، وهو صريح القرآن في قولـــه: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} حيث وضع خلق موضع فطر..
ومع ذلك اسمع الكثيرين يقولون: الإسلام هو الفطرة، ودليلهم حديث (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ولم يقل أو يسلمانه لأن الإسلام هو الفطرة على زعمهم، وهو استدلال غريب بتعليل عجيب، ذلك أن اليهودية والنصرانية والمجوسية تقوم على التلقين والتقليد للأبوين بخلاف الإسلام الذي يقوم على التفكر والتدبر والبرهان والدليل، ولو أن الولد تبع والديه أو غيرهما بلا فهم أو دليل أو برهان ما صح إسلامه، فالحديث لم يذكر الإسلام لاختلاف طريق الدخول في الإسلام عن طرق الدخول في الأديان الأخرى .
والاستدلال بالحديث على ما ذكروه يبنى عليه أن المولود لأبوين غير مسلمين هو مسلم، مما يوجب نزع الولاية وعدم التوارث والتناكح، وعدم الدفن في مقابر المشركين، وهو ظاهر الفساد. وقد ذكرنا أن عدم ذكر الإسلام، ليس لأن الإسلام هو الفطرة، بل لأن الدخول في الإسلام لا يصح عن طريق التلقين من الأبوين، والتقليد للآخرين، بل يجب فيه الاقتناع وتوافر الرضى والاختيار بخلاف التهود والتنصر والتمجس.. حيث لا اعتبار بالرضى والقناعة والاختيار.
هذا في الأصل، وإن كان الإسلام اليوم قد أصبح كغيره من حيث الدخول فيه، فيمكن أن يقال: فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه أو يسلمانه. على واقع كثير من المسلمين.
ثم إن الإسلام مصطلح شرعي خاص، يعني الالتزام بجملة من الأوامر والنواهي نزلت في زمن من الأزمان على نبي من الأنبياء ونقيضه الكفر، فقد يصبح المرء مسلما ويمسي كافرا كما في الحديث، بينما الفطرة أو الخلقة صفحة خالية نقية، ليس فيها كسب من خير أو شر والإسلام والكفر من كسب العبد. ودعوى أن المراد بالإسلام ما عهد في عالم الذر مردودة، والمراد بعالم الذر ما ورد في قوله تعالى {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا} لأنه عهد حاصل في ذرية آدم بعد الفراغ من فطرهم وخلقهم كما يفهم من قوله تعالى: {ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها} وهذا بالفطرة أي بخلق الله {قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها} وهذا بالإسلام وهو بكسب العبد.
وينبغي القول لدى المقارنة بين الإسلام والفطرة أن الإسلام فوق الفطرة، ذلك أن الفطرة هي المخلوقات في هذا الكون ودليلها هو العقل، أما الدين أي الإسلام والإيمان فدليله هو النقل من الكتـاب والسنة. ومعلوم أن النقل فوق العقل، وهذا مسلم به من حيث القوة والدرجة، ومن حيث المسؤولية أمام الله، فالأحكام المنقولة هي عهد وميثاق، ودونها في المسؤولية الأحكام الفطرية العقلية.
وبعضهم يقصد بعبارة: الإسلام دين الفطرة، أنه يساير الفطرة ولا يقف في طريقها، وإنما يتفق معها حتى سمى بعضهم كتابه: "درء تعارض العقل والنقل"، لكنَّ توافق حكم النقل والعقل مبني على الغالب لأن الشارع والفاطر رب واحد لكنْ قد يقع التعارض بينهما، أي بين المعقول الفطري والمنقول من الكتاب والسنة، وهناك أمثلة ومنها في القرآن أن إبراهيم أمر بذبح ولده في النقل، وحكمه مخالف لفطرة الأب في المحافظة على الولد، لكن إبراهيم قدم النقل على العقل أو الإسلام على الفطرة وحمل السكين وتل الابن للجبين. والخلاصة فإن الإسلام ليس الفطرة بل الإسلام فوق الفطرة.
-الظاهرية:
يتصف الدين بالوسطية والاعتدال بلا إفراط في الظاهر كما هو الحال عند كثير من طوائف الظاهرية وبلا تفريط في الباطن كما هو الحال عند كثير من طوائف الباطنية، والمقصود غلاة الظاهرية والباطنية لأن الظاهر والباطن حال الاعتدال فيهما أصل معتمد في فهم النصوص الشرعية لابد منه. والنصوص الشرعية لها ظاهر معروف في اللغة ودلالات محدودة في الاستعمال لدى أهلها كما قال تعالى {كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون} أي يعلمون العربية فمعنى القرآن وكذا السنة وهما أصلا الدين موقوفان على الدلالة المفهومة من اللغة.
والظاهرية يقفون عند ظاهر بعض النصوص دون بعضها فلا يجمعون النص مع النصوص التي تكمله وتبينه، بالإضافة إلى أن عامة الظاهرية يتعجلون ويحكمون بعلم قاصر في الأصول وفهم محدود في الفقه.
والخوارج من الظاهرية كفر بعضهم بعضا فضلا عن تكفير غيرهم واستباحوا دماءهم وأموالهم وكان تناقضهم في النصوص الشرعية النقلية وفي فهم الأوليات العقلية الفطرية واضحا وصريحاً.
وبعض ظاهرية اليوم يمتون بالصلة إلى ظاهرية الخوارج فيما يتعلق بعدم جمع النصوص وفهمها والحكم بموجبها، كفهم سلفهم في قلة العلم والفهم والاغترار الذي قد يصل إلى درجة الكبر والاستهانة بالغير وكره أهل العلم لمجرد مخالفتهم وتحجيم العقل وتوقيف التفكير وهذا الذي فعلوه في أنفسهم تجاوزوه إلى غيرهم لإكراههم وإرهابهم، وقد عدوا من الكبائر قولي لهم: "هنيئا لكم لجهلكم بدينكم وبدنياكم"، وقلما تجد منهم الإحسان في المعاملة أو المخاطبة وهم بذلك يهدمون الأساس الأول للدعوة وهو الأساس الخلقي ومن قبل هدموا الأساس العلمي، ولديهم نماذج من الشخصيات التي تعطي صورة نحيفة وسخيفة للإسلام والمسلمين في ذواتهم وفي العلوم التي يتداولونها والجراءة في وصف الله بما لا ينبغي في العقيدة والتحليل والتحريم في الفقه، وهي في حد ذاتها لا تقوم على أساس ثابت يقين.. ودعوى العودة إلى ما كان عليه السابقون بمجرد تقدمهم دعوى باطلة فلكل صاحب ملة ونحلة أن يدعي بمثل هذه الدعوى ويتمسك بما كان عليه الآباء والأجداد، ودعوى الصلاح دعوى عليلة إذ أن الصلاح مرهون بالتقوى، والتقوى في القلوب مجهولة، وإن كان المراد بالصلاح أداء العبادات فهو ليس وقفا على زمان أو مكان، ثم إن صلاح السلف لا يعني صحة علومهم فالأولياء الصالحون لا يعني أن يكونوا علماء مجتهدين وقد شاع بين كثير من العباد والزهاد كثير من الجهالات والجاهليات.
-الباطنية:
الباطنية الغالية مردودة لأنها على حساب الظاهر المشروع وكثيرون يتصدرون الباطنية المنحرفة على تفاوت في خرافاتهم التي تصل إلى الكفر البواح والشرك والنفاق حيث يرون الحقيقة من خلال الباطن دون أخذ أو اعتبار للظاهر. وهم يقابلون الحقيقة بالشريعة ويفصلون بينهما، فالشريعة –دين الله- ظاهر غير مقصود عندهم أما المقصود فهو الطريقة الباطنية وحدها، ويمثلون بالشجرة لبها وقشرتها ومثل الغزالي بالجسد والروح، والحقيقة عندهم مأخوذة من الله بصلة مباشرة على حد زعمهم، ومبنى عقيدتهم وشريعتهم وسلوكهم الخلقي هو هذه الصلة، ويتظاهرون بالديانة دون اعتقاد فيها أو اهتمام بها ويفعلون ما يفعلون مراءاة للناس طمعا فيهم وخوفا منهم وذلك لأن الباطن يسقط الظاهر فلا يحتاجون إلى التكاليف، وأداؤها عندهم لاسكات العامة الجهلة وهو شبيه بمفهوم اليهود من العامة الغوييم، ويبقى الإسلام والإيمان والكتاب والسنة عند هؤلاء بلا دلالة ولا مضمون إلا خواطر النفس التي حملوها على الكتاب والسنة وحملوا الكتاب والسنة عليها، ولجأوا إلى الإشارات والتأويلات والرموز الغريبة وجبهوا من أنكر عليهم أو نصحهم وذلك بإظهار فضل علمهم عليه، وبهذه المداخل تمكنوا من تحريف النصوص عن ظاهرها وصرفها عن مقاصدها وحكموا فيها نوازع النفس السيئة والهوى الأسود.
وهذه تفاسيرهم في القرآن الموضوعة على طريقهم المملوءة بالغرائب والأباطيل والأضاليل حتى أصبح الدين حبرا على ورق وكلمات مجردة بلا دلالات أو تأويلات لخلاف المراد، وهذا ما وقع فيه السابقون من اليهود والنصارى والمجوس وإن كانوا دون هؤلاء في التغيير والتحريف فخطرهم أكبر من اتباع الأديان الأخرى لأنهم لم يكتفوا بإبعاد الناس عن تعاليم الدين بل جاؤوا بتعاليم مغايرة.
ومما يحز في النفس ويزيد في الحسرة أنهم يحسبون أنهم يحسنون ويرون أنفسهم الصفوة الصالحة الخالصة المتميزة عن الناس وأن على الناس أن يتبعوهم في باطنهم.
-المفاضلة والمواصلة:
التعامل مبني على الإحسان، فقد كتب الله الإحسان في كل شيء كما أخبر الرسول الكريم، وفي القرآن مواضع كثيرة يخبرنا الله فيها أنه يحب المحسنين وأنه معهم، وهو تعالى قد أمر بالمعاملة الحسنة أحيانا حتى مع الأعداء كما في قوله {ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} بل مع أطغى الطغاة فرعون، وكانت وصية الله لموسى وهارون المجادلة الحسنة والدعوة إلى الصبر والعفو والصفح والمغفرة، ولذلك نجد مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائمة على المرحلية في التغيير، من قلب ولسان ويد، ولهذا لم يكن غريبا في هذا الدين أن يتمنى رسول الله المساهمة في حلف مثل حلف الفضول المعقود زمان الجاهلية.
ومن قبل عمل الصديق يوسف عليه السلام وزيرا لفرعون أو نائبا له في حكم مصر، فأحسن إلى الناس، وحكم بالعدل ما استطاع.
والعمل بالدين عامة مرهون بالمستطاع المقدور عليه، والقرآن في بيانه صريح حاسم {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم، أن تبروهم وتقسطوا إليهم} وقد يكونون قرابات أو زوجات يهوديات ونصرانيات.. هذا مع غير المسلمين، فما بالك مع المسلمين؟.
أما الشدة والغلظة والقطيعة والمفاصلة فهي مع الظالمين المستكبرين سواء كانوا كافرين، أو مسلمين من الذين لا ينفع فيهم أو معهم إحسان في المقالة أو المعاملة.
والدعوة إنما تكون مع العزة بلا مذلة، والتعاون بغير عمالة، فلا تعني المواصلة فقدان الهوية وذوبان الماهية، والغيرية لها حدود والأنانية عليها قيود.
-الطاغوت:
كل من تجاوز حد الشريعة فقد طغى وهو طاغوت، وكل من تجاوز حد الفطرة المعقولة فهو طاغوت أيضاً، والأول يحكم عليه بهذا الوصف ديانة، والثاني إنسانية، وقد يجمع بعض الطواغيت بينهما وما أكثرهم في التاريخ على ما سمعنا وما أكثرهم في واقعنا المعاصر على ما نسمع ونرى.
وسبب الطغيان هو على الغالب المال لأن الاستغناء والظهور على الغير يتحقق به على الغالب مع حب الإنسان له {وإنه لحب الخير لشديد}، {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} {إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} وقد يكون النسب سببا فيتكبر صاحب النسب، وبدأ هذا ملك كريم فأصبح شيطانا رجيما بسبب كبره بنسبه النيراني أو النوراني على نسب آدم الترابي أو الطيني، ويتكبر العالم بعلمه على الجاهلين والأميين فيحرمون من علمه ويحرم من تعليمهم ويكون علمه وبالا عليه وعليهم، والقوة من أسباب الطغيان كما أخبر سبحانه تعالى عن عاد قالوا {من أشد منا قوة} فعتوا وأفسدوا ومن قبل ومن بعد وحيثما توجهت وجدت كثيرا من الأقوياء طواغيت وقد يصبحون حكاما فيلبسون طغيانهم ثوب الشرعية الدينية والدنيوية، فكثير من الناس يصبحون طغاة بعد وصولهم إلى الحكم.. إن القتل والإرهاب ومصادرة الأموال والاعتداء على الأعراض وإشغال الناس وصرفهم عن حاجتهم ومنعهم من أداء حقوقهم أو القيام بواجباتهم، كل هذا يفتح أبواب الطغيان على حساب جوانب أخرى حيث ينقلب الميزان فيكون الطغيان ويكون الشر على حساب الخير وكذا شأن الحق والباطل والعدل والظلم والصواب والخطأ والاستقامة والانحراف...
والرموز المتربعون على كراسي الحكم في كثير من أنحاء العالم وتنفذ رغباتهم بإشاراتهم أو الجالسون على عروش المال كثير منهم طواغيت يشترون الهمم والذمم.
فالأسماء الكبيرة والألقاب الشهيرة لا تعني الخير بالضرورة وقد تعني الشر الكبير المستطير.
وعلى المرء والمرأة مراقبة النفس الأمارة بالسوء لئلا تستولي عليها الأنانية فتقع في حب الكبر ويقع عليها عقاب الدنيا وعقاب الآخرة أشد وأبقى.
-مصير المعبودات
اشتهر على ألسنة الناس أن المعبودات غير الله تدخل النار مع عابديها واستدلوا بمثل قوله عن النار {وقودها الناس والحجارة}. وقوله لأصحاب جهنم {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم }.
ولا يؤخذ قولهم على إطلاقه فجمع العابد مع المعبود لا يتحقق دون قيود بل هو مقيد برضى المعبود، إذ يصبح شريكاً لعابده في المعصية كالشيطان ومن تبعه، وفرعون ومن أطاعه وكل طاغوت مع من يخضع له ويعبده.
ويخرج من هذا من لم يقع منه الرضى أو لا يتصور فيه الرضى، كالملائكة المكرمين والأنبياء المرسلين والأولياء الصالحين، وما لا يتصور فيه الرضى كالحجارة والأشجار وظواهر الطبيعة.
والاستدلال بالآية الثانية قاصر فقد حملوا "ما" في قوله وما تعبدون على أنها موصولة بمعنى أنكم والذي تعبدونه أي معبوداتكم لكن جعلها مصدرية أولى بمعنى أنكم وعبادتكم، والعبادة عمل والجزاء من جنس العمل أو هو بالعمل، والذي يفهم من الكتاب والسنة أن العاصي يعذب بالعمل ذاته.
أما الاستدلال بالآية الأولى ففيه تجاوز، لأن المعبودات لم تكن حجارة تعبد بقدر ما كانت أشجارا وبيوتا معظمة وشمسا وقمرا وغير ذلك من الجمادات، والحجارة المذكورة في الآية هي حجارة أعدت في جهنم لتعذيب العصاة في الدنيا، ولا يشترط أن تكون حجارة الدنيا المعدة لمصالح الناس {ولاتزر وازرة وزر أخرى} وقد جادلني بعضهم في هذا طويلا وما سكت إلا عندما ضربت له مثلا في الحجر الأسود فقلت هب أن الحجر الأسود عبد من دون الله أتقول بدخوله في نار جهنم؟.
-صورة الرحمن
"خلق آدم على صورة الرحمن"هو عنوان لكتاب حديث، والعنوان المذكور تفسير لروايات حديث "خلق الله آدم على صورته" وفهمهم يتفق مع المنصوص عليه في التوراة المتداولة، ويخالف ما ذهب إليه أولون وآخرون فهموا الحديث على أن الله خلق آدم على الصورة الآدمية ولم يخلقه على صورة أخرى، كما تدعي الداروينية في التطور عن الدود والقرود، أو ادعاء النسبة غير الآدمية إلى الشمس والقمر والظواهر الطبيعية.
وقد رأيت صورة الرحمن في كتاب خوري بركات، وهو يصور آدم على مثاله شابا وهو تعالى قد شاب، وهما يشتركان في الأجهزة والأعضاء والرأس والجذع والأطراف واليدين والعينين والرجلين.. على نحو ما يريد أن يقوله صاحب كتاب (آدم على صورة الرحمن) بلسان الحال.
وقد أنكروا علي عندما وقفت عند ظاهر القرآن، ومع كونهم ظاهرية، لكنهم كانوا أشد عليّ من الباطنية المؤولة، ومن الأمثلة أني قلت: إن الله له اليد واليدان والأيدي.. حيث ورد في القرآن إثبات الإفراد والتثنية والجمع، ومعلوم أن المثنى جمع خاص باثنين، وتتعين التثنية إذا ذكر مع الجمع، حيث يكون للمغايرة، فيكون الجمع لأكثر من اثنين، وقلت لهم إن الله أعلم بذاته وصفاته وبعدد ماله وما عنده إفرادا وتثنية وجمعا، وقلت لهم: إنهم بهذا خرقوا أصلا عظيما من أصول الديانة، يتعلق بذات الله وصفاته، وقد حكموا على الله بالتجسيد التحديد، والتشبيه والتمثيل، غير ملتفتين إلى بيان القرآن الذي أخبر عن الجبل الذي اندك لذات الله أو لصوته {وخر موسى صعقا} وهم أقل شأنا من موسى.
والأمثلة كثيرة على جهل وتجاهل كثيرين منهم، حاولت كثيراً وطويلاً الوصول إلى مستقر لتفهيمهم.
وفي القرآن كل البيان، فالحق تعالى لا يدرك بحواس الإنسان، ومن بينها البصر كما قال تعالى "لا تدركه الأبصار"، والعلة مذكورة في مواطن أخرى كقوله "ليس كمثله شيء" وإذا كان ليس كمثله شيْ فكيف يكون الشيء على صورة الرحمن، أو يكون الرحمن على صورة شيء من الإنسان حتى تعد القائمة بأعضاء وأجزاء الرحمن في مقابل الإنسان..؟
ونذكر أصحاب الصورة بما قاله الرحمن في القرآن: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله}، {فلا تضربوا لله الأمثال}.
-الاستواء على العرش:
ورد في الاستواء عدة معاني منها: علا وارتفع وصعد واستقر واستولى، وأنكر ابن الأعرابي وآخرون المعنى الأخير للزوم المقابلة إذ يلزم في عملية الاستيلاء أن يتقدم المستولى عليه، وتتقارب المعاني في ارتفع وصعد مع علا وجميعها في العلو، ومعنى استقر هو لتمكن الذات والقرار، أما استولى فهو التمكن من الشيء والتسلط عليه والهيمنة، ولما كان الاستواء من صفات الله وجب التدقيق في معنى اللفظة المفردة وأداة التعدية وهي هنا "على".
وفي اللغة الاستواء مصدر استوى، تقول استوى طرفا الميزان أي تساويا وتعادلا وتماثلا ومنه المساواة أي المعادلة والمماثلة.
وأداة التعدية تعطي اللفظ معنى جديدا فالأداة "على" المفيدة للعلو تعطي الاستواء معنى الاستعلاء أو العلو ويدخل فيه الارتفاع والصعود.
والتعدية باللام أي استوى له بمعنى استولى، والتعدية بفي بمعنى استقر...
وعلى هذا فمعنى الاستواء هنا مقيد بأداة التعدية "على" فيلزم التفسير بدلالتها وهو الاستعلاء والعلو ويقوي هذا المعنى وجود اسم "العلي والأعلى والمتعالي" من أسماء الله الحسنى.
أما المستوى عليه فهو العرش وهو مخلوق عظيم محيط بالأرض والسموات وهو سقف الجنة المحيط بعالمنا الدنيوي والأخروي على ما روي، ولا يعني أنه عرش الكون وأنه محيط بكل أرض وكل سماء فالكون بسفليه وعلوية أعظم من أراضينا وسماواتنا وقد استوى الله على كل شيء، واستواؤه مطلق غير مقيد بمكان أو جهة، وحديث الجارية (إن الله في السماء) أي في العلو المطلق لأن معنى السماء في اللغة هو العلو، وعلو الله عز وجل صفة ثابتة والكيفية مجهولة ومن قيد بجهة أو مكان فقد كيف.
والمجسمة -المكانية الجهتية- يرونه علواً مكانياً في جهة معينة ويبدأ المكان من جميع الجهات من فوق رؤوسهم وتحت أقدامهم لأن العلو نسبي في الأرض المكورة -والسماوات مكورة بالإجماع الذي نقله ابن الجوزي- فتتحدد بداية الله ويلزم منه تحديد النهاية فلكل بداية نهاية ويكون المكان يقله أو يظله تعالى الله عن قيلهم.
-عصمة الانبياء والاولين:
الأنبياء حملة النبوات المكلفون بتبليغ الرسالات وهم أول المؤمنين برسالاتهم السماوية والأمثل في تطبيق شرائعهم الدينية.
ودعوى عصمة الأنبياء المرسلين بمعنى عدم وقوعهم في الخطأ والإثم هو غلو في الأنبياء المرسلين مردود بالشواهد الصريحة في القرآن، ومن ذلك ما صرح به من وقوع بعضهم في الإثم كما في أكل آدم من الشجرة، وهروب يونس من دعوة قومه، وما ذكره تعالى من وقوع بعضهم في الخطأ كما في استغفار إبراهيم لأبيه، ومطالبة نوح بنجاة ابنه، وقتل موسى للقبطي، وتولي الرسول عن الأعمى، وفدائه الأسرى يوم بدر، ويلحق بهذا ما ذكره من توبة آخرين وإنابتهم، كما في الحديث عن داود وسليمان.
وإذ لم تثبت العصمة على عمومها في شئون الدين فمن باب أولى عدم إثباتها في الشئون الدنيوية الاجتهادية، وفي سيرة خاتم المرسلين أمثلة كما في حادثة تأبير النخل والنزول في موقع يوم بدر.
والعصمة الثابتة مقيدة بالأمانة على الوحي والصدق في تبليغ الرسالة كما أخبر تعالى: {وما هو على الغيب بضنين} وقوله: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين}. ولم يأخذه تعالى باليمين ولا قطع منه الوتين لأنه عصم عن الخيانة والضن وعن الكذب والتقول. وهناك عصمة خاصة كما في قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} ولذلك صرف الرسول بعدها حرسه.
فإذا قصد بالعصمة سلامة الوحي وصحة الرسالة واستقامة السيرة بالصحيح الذي وافقوه أو بالتصحيح الذي اتبعوه بعدما عاتبهم تعالى وحذرهم وقبل توبتهم واستغفارهم فمقبول، وما عدا ذلك غلو وتجاوز.
ومن العجيب أن يتجاوز بعض الفرق حدود الدين والعقل فيثبتوا العصمة العامة لغير الأنبياء المرسلين من الأئمة والصالحين دونما دليل أو برهان إلا الذوق والهوى!
والأولياء جمعوا من الصفات الحسنة واجتناب السيئات وتقربوا إلى الله بالطاعات فكانوا أولياء الله وكان الله وليهم، ولكن الأنبياء يتميزون بالوحي الصادق والمعجزات الخارقة وهذا مقطوع به بخلاف الأولياء حيث يتعذر إثبات إلهامهم وكراماتهم وقد يكون الإلهام من غير الله كما تكون الخوارق من السحر لا من الكرامة.
وعليه فإن الولي دون النبي لكن الغلاة لم يجعلوهما سواء فحسب بل جعلوا الأولياء فوق الأنبياء ولذلك تجد أولياء العبادة من الزهاد وأولياء العلم من الفقهاء وأولياء التربية من المشايخ وأولياء الأمور من الحكام تجدهم أئمة متبوعين معصومين أو شبه معصومين لا يعترض عليهم أو يفترض في حقهم وسواء كانوا سابقين أو قائمين أو مستقبلين منتظرين.
-موسى والخضر:
يُروى أن موسى رأى نفسه أعلم أهل زمانه فأرسله الله إلى من هو أعلم منه وهو الخضر فتعلم ثلاث مسائل الأولى قتل الغلام قبل البلوغ والثانية خرق السفينة في البحر والثالثة بناء جدار يريد أن ينقض، والخضر بين لموسى ما خفي عليه من قتل الغلام رحمة بأبويه وبناء الجدار تكريما للأبوين الصالحين وأن تعييب السفينة كان لدفع الغصب عن المساكين، ولم يصبر موسى ليتعلم المزيد ولم يتحمل الخضر فكان الفراق بين المعلم والمتعلم.
وقد اختلف الناس قديما ولا يزالون مختلفين في هوية الخضر والأكثرون على أنه إنسان من البشر على الخلاف في ولايته ونبوته، ويراه الباطنية وليا والولي عندهم مقدم على النبي كما تقدم خضر على موسى في زعمهم لأن النبي يتلقى عن الله بواسطة الملك ويتلقى الولي مباشرة بلا واسطة والولي له العصمة بخلاف النبي غير المعصوم عن الذنوب والأخطاء.
هذه الولاية قد جرت على الإسلام فتنة كبرى عمياء خلال تاريخها الطويل وكان خطرها عظيما ودخانها يعمي الأبصار ويأتي على الأخضر واليابس تجهيلا وتخريبا وتدميرا.
والذي كنت ولازلت أراه أن العبد الصالح الذي ورد في القرآن لم يكن ولا ينبغي له أن يكون من البشر، لأن البشر ومنهم الأولياء بل الأنبياء ملزمون بالشرائع ويحكمون بالظاهر فلا يخرقون السفن لإغراقها في البحر، ولا يبنون الجدران في الخرائب والبراري، ولا يقتلون الغلام قبل الاحتلام دون حق.. فمثل هذا العمل إذا فعله الإنسان العادي كان سفيهاً مفسداً مجرماً، فكيف إذا كان ولياً أو كان نبياً؟ وقياس الخضر على إبراهيم في الولد هو قياس مع فارق لثبوت بشرية ونبوة إبراهيم بالنصوص والنقول القطعية بلا معارض ولا نكير بخلاف بشرية ونبوة الخضر القائمتين على الاجتهاد، وهو اجتهاد في مواجهة ظاهر الشريعة والفطرة.
والأقرب كونه من الملائكة أو الجن أو ما شاء الله من جنود السماوات والأرض الذين وظفهم الله لقبض أرواح الناس صغارا وكبارا وإغراق السفن الصالحة وغير الصالحة وبناء الجدران في الخرائب والعمران.. ولذلك صرح القرآن على لسان العبد الصالح -الخضر- {وما فعلته عن أمري} فهي وظيفته التي أداها أستاذاً معلماً لموسى وتلقاها موسى تلميذاً متعلماً، مثلهما في ذلك مثل النبي في أصحابه أتاهم الملك جبريل بصورة الإنسان معلما وأستاذا فقال الرسول لأصحابه: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ).
ولعل هذه الكلمة تذكر أولئك الذين يحتجون بالخضر على تقديم الولاية على النبوة ويكتفون بالخلوات للوصول إلى العلم الإلهي -اللدنّي- والصلة المباشرة بالإله، ولعلهم ينتهون عن قولهم: إن الإمام أو الولي فوق النبي، والحقيقة أو الطريقة فوق الشريعة.
-محمد سيد ولد ادم :
شاع أن النبي محمدا خير الخلق وسيد الأولين والآخرين وسيد الكون أو الكونين والثقلين وأنه سبب الخلق والتكوين على العموم والإطلاق، ونقلوا: لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك، وقالوا: أوتي علم ما كان وما يكون وما هو كائن وكتمه، بل قالوا: ظهور الحق بالصورة المحمدية..
والمروي أن النبي سيد ولد آدم فهو بالنص سيد الآدميين غير آدم نفسه، هذا عند المسلمين، وعند غير المسلمين رتبوا العظماء وحصروهم في مئة كان أولهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن لا يقوم خلاف بين الناس مؤمنهم وكافرهم حول سيادة محمد على الناس فيمكن القول بأنه أفضلهم وأمثلهم وأقربهم من الله ورسالته أعظم رسالة خرجت عن الدائرة القومية إلى الدائرة العالمية وكان كتابه خاتمة الكتب هيمن على الكتب قبله ونسخ دينه الأديان كلها وكان خاتم المرسلين فليس بعده من نبي رسول وله الشفاعة العظمى والمقام المحمود والحوض الكوثر وأمته شاهدة على الأمم يوم القيامة.
وهذا التفضيل والتقديم نقلاً بالنسبة لذرية آدم مع دخول آدم نفسه عقلا.. لكن التفضيل والتقديم خارج الجنس الآدمي فيه تجاوز نقلي وإفراط عقلي.
والمقارنة إنما تجري بين الأشباه والأمثال كالأفراد في النوع الواحد والأنواع في الجنس الواحد، فلا يسلم نقلا ولا يصح عقلا إجراء المقارنة بين الأجناس كدعوى المفاضلة بين الإنس والجن أو الملائكة والقول بأفضلية هذا ومفضولية ذاك.
فلا يقال هذا الإنسان أفضل من الملائكة ولا العكس ولذا ما قبلت دعوى إبليس بأنه أفضل من آدم وردت حجته بأفضلية النار على التراب.. فدعوى أفضلية الإنسان على الملائكة لا تقوم على أصل ثابت أو دليل معقول أو مقبول وقولهم في نبي أنه أفضل من الملائكة فضلا عن إنسان عادي غلو كبير ودعوى عريضة وأكبر من ذلك دعاوى الأفضلية على الخلق والكون.. ولا يعلم أحد امتداد الكون ولا عدد الخلق {ويخلق مالا تعلمون}، {وإنا لموسعون}، {ما أوتيتم من العلم إلا قليلاً}.
إن الغلو في النبي ووصفه بغير صفاته هو داء الأمم السابقة وقد نهينا عنه (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح) وأمرنا بمخالفة اليهود والنصارى في تعظيمهم لقبور الأنبياء (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
هذا مع الاحتراز في التمييز بين السيادة والأفضلية، فقد ورد النهي عن القول بأفضلية محمد بن عبد الله ومفضولية يونس بن متى عليهما السلام.
إن الغلاة يزعمون أنهم يحبون محمداً ويعظمونه ويتقربون إلى الله به وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وصدق الرسول الكريم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم).
-النبي والرسول :
النبوة والرسالة وصفان يجتمعان في موصوف واحد ومضمون الرسالة هو مضمون النبوة، إلا أن النبوة باطنة لتعلقها بالإيحاء وهو الإعلام الخفي للنبي بحيث يخفى عن غيره، أما الرسالة فظاهرة لأنها إظهار النبوة وتبليغ الناس، فالفارق بين النبوة والرسالة يشبه الإيمان والإسلام في الدين من حيث أن الإيمان باطن والنبوة كذلك ومن حيث أن الرسالة ظاهرة كظهور الإسلام، وكما أن المؤمن يصبح مسلما فكذلك النبي يصبح رسولاً.
فدعوى (كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا) فيها نظر لأنهم فرقوا بين النبوة والرسالة في الموصوف أي النبي والرسول وبنوا قولهم أو حكمهم على حديث لم يثبت سنده ولم يستقم متنه لمعارضته صريح الآية في قوله {ورسلا قد قصصناهم عليك ورسلا لم نقصصهم عليك} والحديث المذكور يذكر الأعداد وهم آلاف الأنبياء ومئات المرسلين.. وعللوا في التفريق وعولوا على أقوال:
منها أن الرسول من أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من أوحى إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه يعني أمر بكتمانه وهو مخالف لأصول الديانة في نشر العلم وعدم كتمانه كما في قوله {لتبيننه للناس ولا تكتمونه} وفي الحديث أن (من كتم علماً ألجم بلجام من نار يوم القيامة).
ومنها أن الرسول من بعث بشرع جديد والنبي من بعث بشرع من قبله وهذا غير صحيح فكثير من الأنبياء المذكورين كانوا على شريعة من قبلهم كأنبياء بني إسرائيل من بعد موسى إلى عيسى عليهم السلام كانوا مرسلين وهم على شريعة موسى وأولهم أخوه هارون فقد كان رسولا على شريعة أخيه {أن أرسل معي أخي هارون} والقرآن صرح برسالة الأنبياء جميعا في قوله {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} أي أرسلنا النبي بداية وأرسلنا الرسول ثانية، فكلاهما رسول.
وكل رسول نبي أوحي إليه من قبل، وكل نبي رسول أي سيرسل مستقبلاً ولا يتصور بقاؤه بلا رسالة، إلا أن يكون وحيداً بلا أهل ولا عشيرة ولا قوم وهو محض افتراض، والبداية تكون بالنبوة بالوحي وتستمر حتى ينقطع الوحي، والرسالة تبدأ بالتبليغ وتستمر حتى الموت، واجتماع النبوة والرسالة من بداية التبليغ إلى نهاية الوحي، فقولنا: كل نبي رسول وكل رسول نبي ينطبق على حال الاجتماع وقولنا: كل نبي ليس رسولاً ينطبق على البداية وقولنا: كل رسول ليس نبياً ينطبق على النهاية.
ولو نظرنا إلى صحة هذا في سيرة النبي خلال ثلاث وعشرين سنة من حياته لرأينا أن النبوة بدأت بنزول {يا أيها المزمل قم الليل} وبدأت الرسالة بنزول {يا أيها المدثر قم فأنذر} وبعدها ترافقت النبوة والرسالة واستمر عليه السلام نبيا ورسولا سنين إلى أن انقطع الوحي بعد آخر ما نزل وهو قوله {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} أو قوله {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا} وبعد انتهاء الوحي وختم النبوة استمرت الرسالة أشهرا وأياما حيث توفاه الله وكان يبلغ الرسالة وهو يحتضر فيوصي بالمحافظة على الصلاة والاهتمام بالنساء.
-وفاة عيسى:
اختلف المسلمون حول وفاة عيسى عليه السلام المذكورة في القرآن في قوله تعالى {إني متوفيك ورافعك إلي} هل الوفاة بمعنى الموت أو هي مؤولة لا يراد بها الموت المعروف وإنما توفية أمور أخرى غير الموت كما في قوله عن إبراهيم {وإبراهيم الذي وفى} أي أدى ما عليه وافياً.
والموت مكتوب على كل نفس {كل نفس ذائقة الموت}وقد علم بالنص إنظار إبليس إلى يوم يبعثون ليقوم بمهمة الغواية وتزيين الضلالة. وهذا مفهوم حيث يعيش الإنسان في صراع مع الشر الذي يتزعمه إبليس فبقاؤه مستمر ما دام الإنسان باقيا على الأرض يعمل الخير والشر، وأما بالنسبة لعيسى عليه السلام فغير مفهوم لأن الأمة الإسلامية ظاهرة بالحق إلى قيام الساعة ويكون عيسى عليه السلام أحد المجددين لهذا الدين كما في الحديث (ويبعث الله فيها من يجدد لها دينها).
والموت إما أن يكون بالنفس في المنام وإما أن يكون بالروح وهو الموت المعروف، وهو خلاف وقع شيء منه في إسراء الرسول ومعراجه، وكونه بالنفس لا ينبغي أن يقع فيه اختلاف، ومدار الاختلاف على الروح.
والموت هو انتهاء الوقت المحدد لتكليف الإنسان، وبعدها تصعد الروح والأعمال إلى البارئ سبحانه، وكل مرهون بعمله ينتظر الحساب من أجل الجزاء بالثواب والعقاب، ومن ذلك المتوفى عيسى {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد}.
ولقد كان سبب صرف التوفي عن معنى الموت هو المعارضة الظاهرة في قوله {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم}،{وما قتلوه يقينا}… ولكن هذا نفي لأحد أسباب الموت أو الوفاة وهو القتل ولا يعني نفي الأسباب الأخرى كما لا يعني إثبات بقاء الحياة واستمرارها، وإن كان الرفع مع الحياة عاماً في الأولياء من الصالحين والشهداء وعيسى من أوائلهم يرفعهم الله مع أعمالهم إلى عليين وهم أحياء عند ربهم يرزقون.
وسبب آخر لصرف التوفي عن معنى الموت هو المعارضة مع ما ورد في السنة من نزول المسيح بدمشق وكسر الصليب وقتل الخنزير والدجال والحكم بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم والحكم بالعدل ونشر الأمن… وتنتفي المعارضة بإحياء عيسى من الموت كعزير مات مئة عام ثم أحياه الله.
وعيسى المسيح عليه السلام يملأ الأرض عدلاً بعدما ملئت جوراً.
وهذا الذي يروى عن عيسى المسيح يرويه بعضهم عن إمام منتظر دخل سرداباً في سامراء ولا زالوا ينتظرون خروجه ويتعجلون خروجه وفرجه. وتلتقي عقيدة الانتظار مع عقيدة الجبرية في القدر وانتظار وقوع المقدور، وهذا قد أدى ويؤدي إلى إهمال الأسباب وعدم البحث عن السنن لمعرفة الكون بل ومعرفه الشرع ويؤدي ذلك إلى الجهل بالدنيا وبالديانة.
-التصوير والمصورون
وردت أحاديث بالوعيد الشديد في التصوير والمصورين، منها العام ومنها الخاص، ومعلوم في علم الأصول حمل الأول على الثاني فيخصص العام.
ومن هذه الأحاديث (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) على العموم فيدخل كل مصور في حكم التحريم لكن هذا العموم ورد عليه التخصيص في قوله (يضاهئون بخلق الله) أي يعارضونه ويتحدونه بالإتيان بمثله أو الزيادة عليه، وهذا التخصيص شرط أو علة أي سبب موجب للتحريم.
والأصل جمع النصوص للتوفيق بينها، وقد انتقض هذا الأصل من قبل الخوارج الظاهرية والغلاة الباطنية لوقوفهم عند بعض النصوص دون بعض، ولا يمكن فهمها إلا بجمعها كلها لئلا يقع إفراط في حرمة التصوير أو تفريط في حله.
وحرمة التصوير مقيدة بعلة المضاهاة، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً فإذا وجدت المضاهاة حرم التصوير، وإذا عدمت أبيح.
فوجه التحريم في التصوير هو مضاهاة المصور حيث يجعل نفسه نداً للرب في شيء من صفاته كقوته وقدرته، وهو مردود بمثل قوله {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} والمصِّورون لهم حكم المصَّورين إذا كانوا راضين لاشتراكهما، واجتماعهما في الحكم لاجتماعهما في الفعل.
ولحرمة التصوير علة أخرى هي التعظيم بالنصب أو التعليق، وفي الحديث نهي عائشة عن تعليق الصورة لامتناع الملائكة عن دخول البيت الذي فيه صورة، فأنزلتها وجعلتها وسادة، وفي هذا منع للتعظيم لا للتصوير.
وفي القرآن حديث عن جن سليمان الذين كانوا يعملون له ما يشاء من تماثيل وحديث عن عيسى الذي كان يصنع من الطين كهيئة الطير، فإذا جازت الهيئات والتماثيل جاز التصوير من باب أولى… ومعلوم أن باب التصوير من العقائد التي لا تختلف فيها الشرائع فلا يحتج بأنه شرع من قبلنا.
وقد يحتج بالواقع أو الوقوع منذ عهد التابعين بوجود صورة الخليفة عبد الملك المجسمة ذات الظل على الدينار الإسلامي، وكذا التصاوير في أيامنا على العملات المعدنية والورقية.
وبعضهم فرق في التصوير بين ذوات الأرواح وغيرها، مع أن النص عام في كل ما خلق الله من إنسان أو حيوان أو نبات أو سماء أو أرض أو جماد.
وبعضهم يرى التفصيل بين ماله ظل وما لا ظل له، أو يميز بين المرسوم باليد والمصَّور بالآلة الثابتة أو المتحركة…
ثم إن الصور وسيلة معينة على التعليم والتربية، ومعرفة الأشياء تكون بالاطلاع على ذواتها أو صورها، وربما أغنت صورة عن كلام كثير.
والتصوير في حد ذاته يكون هواية، ويكون حاجة، وكثير من المحرمين رخصوا في تصوير الحاجة، وحاجات عصرنا الحاضر كثيرة منها التعريف بالأشخاص، وتثبيت المعلومات، وتحقيق البيانات، ونشر العلوم، وغير ذلك مما يتعذر حصره وإحصاؤه.
وقد كثرت رخصهم حتى باتوا لا يفترقون كثيراً عن المبيحين للتصوير.
الأصول والفقه
-الاجماع : الإجماع هو اتفاق الجماعة على حكم اجتهادي غير منصوص عليه في الكتاب والسنة.
والذين عددوا مصادر الدين في ميدان الفقه والشريعة، عدوا نحوا من عشرة مصادر، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة وعمل أهل المدينة وشرع من قبلنا... وكلهم وضعوا الإجماع بين أول المصادر وربما قدموا الإجماع عليها جميعاً.
وقسموا الإجماع باعتبارات كثيرة إلى عام كلي مطلق، وخاص جزئي مقيد وإلى صريح قولي، وحكمي سكوتي، وإلى إجماع المتقدمين والمتأخرين... ولما قسموا الدين إلى عقيدة وشريعة وأخلاق، وجدت أقسام للإجماع تبعا لفرق العقيدة، ومذاهب الفقه، وطرق التصوف.
ويهمنا القاء نظرة على الإجماع السكوتي لما له من أثر على فهم الدين في واقع المسلمين، والإجماع السكوتي في حضرة الرسول يتصور فيما يسمى بالتقرير، بمعنى أنه إذا حصل أمر في حضرة الرسول ولم ينكره، فإنه يعتبر حكما لأن السكوت إقرار، وعلى هذا شواهد منها حديث استئذان البكر، وفيه يقول الرسول: (وإذنها صماتها) أي سكوتها، وكذلك العموم المفهوم في قوله: (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)، وأن الأمة (لا تجتمع على باطل أو ضلالة).
وأصل هذا أن المسلم لا يجوز له أن يسكت على باطل، وكلمة الحق واجبة، والبيان مفروض في القرآن {وقل الحق} {لتبينه للناس ولا تكتمونه} وحديث (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) والحديث يعتبر عمل القلب من وسائل التغيير وهو مستتر غير ظاهر وصاحبه صامت ساكت، والجمع بين هذا والذي قبله أن السكوت يعتبر إقراراً مع وجود قرينة تدل على الرضى بتوافر الدواعي وانتفاء الموانع وهذا القيد مطلوب في إجماع المتكلمين كما هو مطلوب في إجماع الساكتين…
فالإجماع الذي ينعقد في ظل ظروف صعبة، يمارس فيها الاضطهاد والتهديد بقطع الألسنة والرقاب وانتهاك الأعراض وانتهاب الأموال والاغتصاب.. لا عبرة به، وما بني عليه باطل، وفي بيعة بعض الخلفاء التي أخذت بمثل هذه الطرق تجاوزات كطلاق الأزواج حتى أعلن بعض الأئمة أن طلاق المكره لا يقع، ومن ثم لا تكون البيعة مشروعة، وعلى هذا فالرضى أصل يجب وجوده بوجود القرائن، فإذا تقرر أنه لا عبرة بالقول فمن باب أولى أن لا يعتبر بالسكوت، فاشتراط قرينة دالة على الرضى أمر لابد منه سواء كان الإجماع مبنيا على القول الصريح أو على التقرير والسكوت، ويلحق بهذا إجماع جماعة جاهلة، سيان قولها وسكوتها.
والإجماع المنعقد المعروف هو إجماع مذهبي في الفقه، أو فِرَقي في العقيدة، أو طرقي في التصوف، وأهل كل مذهب وفرقة وطريقة جعلوا إجماعهم ملزما لغيرهم، فأوجبوا الحق لأنفسهم، وخطأوا غيرهم وضللوهم وربما كفروهم، ومن دعاة هذا النوع من الإجماع من قال: كل آية أو حديث ليس عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ، وقال آخر: على المرء أن يذب عن مذهبه ويوهن حجة خصمه، وهذان من أهل الفقه، وقال صاحب العقيدة في مسألة خلق القرآن: يكفر من يقول بخلق القرآن، ويكفر من لا يكفر القائلين بخلق القرآن... وهم كمن قبلهم أوقفوا التفكير، وأغلقوا باب الاجتهاد ، وألزموا التقليد والاتباع للإمامة والإمامية والمشايخ والحكام، فلا اعتراض ولا افتراض وكل جديد أو تجديد بدعة، وأصبح الدين ممزق الأوصال كالبدن الذي أبعد رأسه عن جذعه وأطرافه، فالعقيدة في وادي الفلاسفة والشريعة في وادي المناطقة، والأخلاق في وادي الطرق.. وكل في واديه بلا تلاق ولا تراء.
إن الإجماع أيها الملأ ليس دليلاً شرعياً وإنما هو نتيجة النظر في الأدلة فقد ينتج عن النظر في الأدلة إجماع على حكم ما أو اختلاف فيه لأن الجماعة مجموعة أفراد، ليس لهم منفردين ولا مجتمعين سلطان التشريع، لأن المشرع هو الله رب العالمين وحده، والرسول مبين له، وكل ما في الأمر أن الإجماع دلالة اطمئنان، أي أن النفس تطمئن بوجود جماعة تشاركها وتأنس بها، فلا يكون حكمها غريباً شاذاً غير مألوف.
ولو صح أن يكون الإجماع دليل تشريع، لصح اجتماع الزردشتية على عبادة النار، واليهودية على عبادة عزير، والنصارى على عبادة المسيح.
- أما قوله عليه السلام: لا تجتمع أمتي على ضلالة، فلا يعني إجماعهم على حق وصواب، وإنما يعني أنهم مجتهدون، إذا أخطأوا كان لهم أجر، وإذا أصابوا كان لهم أجران، فالمجتهد مثاب مأجور غير موزور ولا آثم على أي حال.
- وقول الرسول: (عليكم بسنتي)، فهو بيان للقرآن عن طريق الوحي، وهو المسمى بالسنة التشريعية العامة، وفي الحديث: (كان خلقه القرآن)، (وكان قرآنا يسعى)، وقال: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، أي أوحي به، ويدخل هذا في قوله تعالى عن نبيه: {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى}، فيخرج من السنة الملزمة ما يتعلق بالفطرة والعادة والاجتهاد.
-و "سنة الخلفاء الراشدين" إلى قيام الساعة هي اتباع سنة الله في كتابه، واتباع سنة نبيه المبينة عن طريق الوحي، والراشدون غير محصورين بعدد ومكان وزمان.
-وأما العترة في حديث (وعترتي) فالمراد حبهم ومودتهم كما قال تعالى: {إلا المودة في القربى} والمودة لا تقتضي الاتباع في الباطل، ودعوى عصمتهم من أعظم الباطل بسبـب تكلـيفهم كغيرهم، ولا تجتمع عصمة وتكليف معاً.
وبعيدا عن النبي وعترته ضربت مثلا للمتعصبة في امرئ أحب أباه لتربيته وأخاه لمعروفه وزوجه لجمالها.. أيدفعه حبه إلى طاعة أبيه الزرادشتي وأخيه اليهودي وزوجته النصرانية؟
-قضاء الصلوات
قال تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} فكيف تقضى الصلاة المفروضة المتروكة عمداً ووقتها الموقوت انقضى؟
والأكثرون من أهل القياس أجازوا بل أوجبوا قضاء الصلوات والآخرون منعوا القضاء بل منعوا القياس.. والصفحة التالية كلمات مع المجيزين والمانعين..
إن مخالفة إمام من الأئمة في مسألة ما ليس تهجما على ذلك الإمام ولا هدما لمذهبه وإنما هو خلاف محصور في مسألة معينة، ومسألتنا محدودة ومحصورة في (الصلاة المتروكة عمدا)، وهذه المسألة خلافية ليست مما اجتمع عليه الأمة ولا اتفق فيه مذاهب الأئمة، وقد سئل ابن تيمية عنها أكثر من مرة ومما أجاب به قوله: (فيه قولان للعلماء، في مذهب أحمد ومالك وغيرهما قيل يجب القضاء، وهو المشهور عند أصحاب الشافعي وكثير من أصحاب أحمد، وقيل لا يجب القضاء وهو الظاهر).
ومرادنا أنه لا يسوغ مذهبياً الإنكار على من أنكر القضاء لأن من قال به أعلام من هذه المذاهب ومثله لا يكون شاذا ولا منكرا، ثم أن الإنكار عليهم يؤدي إلى الإنكار على كل من قال بقولهم ممن يكفر تارك الصلاة من الصحابة وغيرهم مثل عمر بن الخطاب وابنه عبدالله وسعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي وابن مسعود ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز وغيرهم...
وقد يحسب بعضهم أن الخلاف بين المجيزين للقضاء وبين المانعين منه هو خلاف بين مثبتي القياس ونفاة القياس من أهل الظاهر، فيبنى على ذلك المناقشة ويستنبط الحكم، ولا أرى ذلك لأن الخلاف بين الفريقين ليس فيه وإنما هو في شيء آخر، فأصل الخلاف هو (هل يكفر تارك الصلاة أم لا يكفر ؟)، فلو بحثت المسألة من هذا الوجه لقل العناء كثيراً ولظهر أن من يقول بكفره يلزم منه القول بعدم القضاء.
وأما من يقولون بعدم كفره ويتأولون ظاهر الأدلة فبينهم يقع الخلاف في وجوب القضاء أو منع القضاء فمنهم من يأخذ بالقياس ومنهم من لا يأخذ به مع أنهم من أهل القياس وأتباع المذاهب وليسوا من نفاة القياس أهل الظاهر كابن حزم وغيره وهؤلاء لم يأخذوا بالقياس لأنه لم يستقم لديهم، والمراد بالقياس الذي نردده هنا هو قياس الصلاة على الحج والصوم وقد ورد فيهما القضاء عن النفس وعن الغير، والقياس دليل متأخر لا يتقدم على الكتاب والسنة، وللقياس فيما يصح الاجتهاد فيه شروط من انعدام المعارض وانتفاء الفارق ووجود العلة حتى يستوي الحكم، فهل يسلم هذا لمسألتنا بين الصلاة من جهة والصوم والحج من الجهة الأخرى أم بينهما فوارق وموانع؟ فقد شرع للصوم {فعدة من أيام أخر} وجعل الحج على التراخي، فهل شرع تأخير الصلاة لأيام أخر، أو قال أحد بأنها على التراخي؟
وقيد الشارع الصوم والحج بالقدرة والاستطاعة ووجود الزاد والراحلة فهل قيد الصلاة بشيء غير التكليف بالإسلام؟ وهل أسقطها لعذر أو قبل تأخيرها بحال؟ فكيف يكون التعمد بالترك عذرا ؟
وفي قضية الحائض فارق بل مانع من القياس، فقد أمرها بقضاء الصوم دون الصلاة ولو كانت الصلاة من الديون التي يجري فيها القضاء لوجب عليها قضاء الصلاة قبل قضاء الصوم لأن ترتيب الصلاة في الأركان قبل الصوم.
وإقامة حد القتل على تارك الصلاة كفراً وشأنه واضح في منع القضاء، أو حداً مثل القطع في السرقة والرجم في الزنى، فلو شرع القضاء فمتى يقام عليه الحد؟ والحد على قول المجيزين لا يثبت إلا بالموت دون صلاة ما دام في العمر متسع للقضاء؟ ثم على أي شيء تقع الاستتابة التي يقولون بها؟ وقد يحتجون بتأخير الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه رضوان الله تعالى عليهم الصلاة أو الصلوات في غزوة الخندق، وكذا فعل بعض من سار إلى بني قريظة.
والواقعتان متتاليتان الثانية على أثر الأولى فهما في حكم الواقعة الواحدة ونزل على إثرهما صلاة الخوف كما هو الظاهر فيما روي، ولا وجه لرواية مفادها أن صلاة الخوف نزلت قبل الخندق لأنه يؤدي إلى القول بأن الرسول وأصحابه لم يعلموا بها، وأنها -أي صلاة الخوف- نسخت أو أنهم جميعا نسوها أو أنسوها!
- العورة وحجاب المراة:
في القرآن تحديد لعورة الأبوين في الجنة، وهما السوءتان ومواراتهما حجبهما، وذريتهما مثلهما، لأنهما في ذات الصورة، والحكم للذكر والأنثى سواء، شأن الأب آدم والأم حواء، وروايات أن الفخذ عورة معارضة بانكشاف فخذه عليه السلام.
وستر العورة غير الحجاب، فإن الرجل يحتجب ويغطي من بدنه مواضع الفتنة، ولما كانت المرأة أكثر فتنة، كان حجابها يتناسب مع حالها، أي واسعا غير ضيق، وساترا غير كاشف، وكاتما غير شاف، فالحجاب هو تغطية المفاتن الفطرية، وإخفاء حلي الزينة، وهذا الحجاب من حيث النظر، وهناك حجاب من حيث الصوت والسمع والشم، فيدخل في هذا العطور، ووسواس الحلي {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها }، {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن}، {وليضربن بخمرهن على جيوبهن}، {وليدنين عليهن من جلابيبهن}.
والزينة في العين بالكحل، وفي الأنف والأذنين بالحلق، وباليدين والقدمين بالأسورة والخلاخيل.. فما ظهر من هذا عادة أو حاجة خرج عن إيجاب الحجاب، والوجه يظهر للحاجة، ففيه وسائل الاتصال والاستقبال، في رؤية العينين، وشم الأنف، وسمع الأذنين، والأكل والشرب والكلام في الفم، واليدان للعمل والقدمان للمشي، وبعضهم يحدد القدمين إلى منتصف الساقين، واليدين إلى منتصف الساعدين.
والمجتمعات الإسلامية متفاوتة في موضوع الحجاب وستر العورة، فبعضهم لا يميزون بينهما ويجعلون المرأة كلها عورة، مع الوجه والكفين، ويرون أن الوجه زينة، فلا يفرقون بين الزينة وموضع الزينة، وقد أمرت المرأة بإخفاء الزينة لأن الزينة زيادة، والوجه فطرة غير زينة وغير زائدة، والمطلوب عدم إبداء الزينة وليس الوجه، وكيف يحجب الوجه واليدان وهما يكشفان في الصلاة بين يدي الله في المساجد، بل في الحج، حيث تكون المواجهة مع مختلف الناس؟
-تعدد الزوجات
الزوجة واحدة في الشريعة والفطرة : واحدة لآدم وواحدة لمن خافوا أن لا يعدلوا وهم الأكثر.
وبعض المسلمين يعددون الزوجات كأية سلعة من السلع التي يمتلكونها من مراكب ومساكن وملابس ومطاعم ويعتقدون أن التعدد هو الأصل وأن التوحيد ليس أصلا وقد نشأ عن هذا الفهم في العلاقات الاجتماعية سلبيات كثيرة لم تدرس على المستوى الاجتماعي.
والأصل في هذا قوله تعالى في النكاح {مثنى وثلاث ورباع} ثم قيده بالواحدة إذا لم تتوافر الإعالة أو العدالة في العدد {فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة} (ذلك أدنى أن لا تعولوا).
والحِل على سبيل الرخصة والحاجة شيء وعلى أن يكون هو الأصل في الديانة والفطرة شيء آخر، والفرق بينهما واضح وكبير فالعقل والفطرة وكذلك الشريعة دالة وشاهدة على أن الأصل التوحيد وليس التعديد، وإنما التعديد على الاحتياج فحسب، والحاجات متعددة شخصية نسبية وقد تكون اجتماعية عامة كزيادة النسل في الجماعة أو حاجة شهوية أو الرغبة في الولد أو بسبب المرض... الخ.
لكن يبقى الأصل في أن الواحدة للواحد بحيث يكونان زوجين، ونظام التكاثر بالكون نظام زوجي منذ البداية، وقد خلق آدم وخلق له زوجة واحدة، هذا جانب، والجانب الآخر هو تعليق التعدد بالعدالة وهو شرط يكاد يكون مستحيلاً بالنسبة لأكثر الناس ولا يقدر عليه إلا قلة وأهل العدالة في كل جيل وقبيل قليلون.
وفي حال التوحيد لا يجوز تدخل الدولة إلا في إنفاذ الزواج والإعانة عليه لأن له الوجوب فطرة وشريعة، وأما التعدد إذا كان رخصة فلإدارة الدولة التدخل لتنظيمه وتقييده ومراقبته بما يحمى المجتمع ويحفظ حقوق الزوجات وتربية الأولاد والحفاظ على روابط الأسرة والمجتمع.
-اباحة الحيوان:
(الحلال بيٌن والحرام بيٌن) -في الحديث- (الحلال ما أحله الله في كتابه والحرام ما حرمه في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنكم).
وعليه فالتشريع تحليلاً وتحريماً بيد الله وحده لا مشرع سواه أنزل شرعه في خاتم كتبه على خاتم رسله، ورسوله يتلقى الوحي من ربه ويبلغه {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} بلا زيادة {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين} ولا نقصان {وما هو على الغيب بضنين } وقريء {بظنين}.. وعلى خاتم الأنبياء البيان شأنه شان الأنبياء قبله {لتبيننه للناس ولا تكتمونه} فكان عليه السلام معلماً عاملاً داعياً.
حتى إنه (كان قرآنا يسعى) -في الحديث- (كان خلقه القرآن)، والرسول الأمين في قوله وفي فعله هو مؤمن بالقرآن مسلم له، ليس له أن ينسخه بحديثه، ولا أن يغيره أو يبدله من تلقاء نفسه، كما أخبر تعالى عنه وعن قومه: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليّ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم}.
ولقبول الحديث قيدان هما صحة السند وسلامة المتن، وميدان صحة السند الرواة والجرح والتعديل، وأما المتن فمقيد بموافقة المعلوم بالضرورة الشرعية النقلية والضرورة الفطرية العقلية، ومعلوم أن الحديث قد خضع زماناً لعمل البشر ولم يسلم كثير منه من الدخيل العليل، بخلاف كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حتى نزلت درجته وضعفت قوته عن درجة القرآن وقوته، فلا يجوز بحال ولا يحل مساواة السنة بالقرآن، فضلاً عن تقديمها عليه، والله المستعان عليه، وبخاصة في مسألة إباحة الحيوان:
والأصل حل الحيوان وإباحته إلا ما نهت عنه النصوص وهو قليل مثل لحم الخنزير، وتحريمه للابتلاء والامتحان كابتلاء آدم بالنهي عن أكل الشجرة.
وكثير من العلماء استدلوا بحديث الناب والمخلب على تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وحرموا الكلب لما ورد من غسل لعابه سبعاً إحداهن بالتراب، وحرموا ما تعافه الطباع وتكرهه النفوس من الحيوان المتقذر، وظاهر القرآن قصر التحريم على لحم الخنزير كما بين تعالى {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير}، قال ابن العباس: ما خلا هذا فهو حلال، وقال: ليس شيء من الدواب حرام إلا ما حرم الله في كتابه، وعن عائشة أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير تلت الآية: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما، وعن الشعبي أنه سئل عن لحم الفيل والأسد فتلا الآية.
وفي السنة أيضاً تحريم لحوم الحمر الأهلية كما في حديث جابر وإن كان نسب لابن عباس رده كما روى البخاري من رواية عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ولكن أبى ذلك ابن عباس وقرأ {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما}.
ونقل القرطبي في تفسيره أن ابن عمر سئل عن لحوم السباع فقال: لا بأس بها، فقيل له: حديث أبي ثعلبة الخشني، فقال: لا ندع كتاب ربنا لحديث أعرابي يبول على ساقيه- وحديث أبي ثعلبة فيه (أكل كل ذي ناب من السباع حرام) وبهذا المعنى روايات وفي بعضها زيادة (وكل ذي مخلب من الطير) وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد والحديث عند مالك دون الزيادة.
والمالكية قالوا: يحل أكل كل حيوان طاهر غير ضار، فيجوز أكل الطير الذي له مخلب كالباز والنسر.. والغراب بجميع أنواعه، والمشهور عندهم أن كل حشرات الأرض جائز إن قبلتها طبيعة الآكل ولم تضر، وقالوا يكره أكل سباع البهائم المفترسة كالأسد والنمر واختلفوا في الكلب والبغال والحمر الأهلية، وقولنا، المالكية أي جمهورهم فالمروي عن مالك نفسه تحريم السباع وروى ابن القاسم عنه أنها مكروهة وبه أخذ جمهور أصحابه.
وفي هذا إشكال أصولي لا يخفى والحاجة إلى البيان كانت ولا تزال قائمة بالبحث في عمق المشكلة وجذور المسألة ولذلك فلا بد من بيان العلاقة والصلة بين مصادر التشريع.. ومصادر التشريع المشهورة كتاب الله عز وجل وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم.
وهذه المصادر مرتبة في درجتها حسب قوتها والمراد من القوة صحة السند في الرواية وسلامة المتن في النص.
فالقرآن هو في الدرجة الأولى لصحة روايته وسلامة نصه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تليه السنة الموحى بها أما السنة الاجتهادية فهي تحت مراقبة الوحي قبولاً ورداً.
وأقوال الصحابة المنقولة عن النبي لها حكم السنة وأقوالهم الأخرى معرضة للخطأ والصواب، والخطأ بأجر والصواب بأجرين، والصحابة هم أفضل الناس وقرنهم هو خير القرون ولهم من الأجر ما شاء الله.
والسنة في حقيقتها بيان للقرآن في التفسير وفي التطبيق، وما عدا السنة الموحى بها فإن السنة قد تتعلق بالظروف الزمانية والمكانية والشخصية فتعلل وتؤول، والتعلق بالظروف الشخصية والمكانية والزمانية يثبت في أقوال الصحابة ومن بعدهم فتعلل وتؤول من باب أولى.
وعلى هذا فيمكن توضيح الصلة بين المصادر الثلاثة في حالة تعارضها الظاهري من خلال الأمثلة التالية بين القرآن والسنة وبين السنة والسنة وبين القرآن وأقوال الصحابة وبين السنة وأقوال الصحابة:
1-التعارض بين القرآن والسنة مثل آية إباحة عموم الحيوان باستثناء الخنزير وحديث تحريم السباع، وجحة من لم يأخذ بظاهر الحديث أو علة ذلك أن لفظ التحريم في السنة مؤول يحمل على المنع والمراد منه الكراهة وغيرها.
ومثل آية التعدد مثنى وثلاث ورباع وحديث منع النبي عليا من الزواج وعلة النهي هي أبوة النبي وحرصه الشخصي على مصلحة ابنته فاطمة.
2-التعارض بين السنة والسنة كما في النهي عن ادخار لحوم الأضاحي ثم الأمر بالإباحة، والعلة من أجل الدافة، وكذا النهي عن زيارة القبور ثم الأمر بالزيارة لأنها تذكر بالآخرة.
3-التعارض بين القرآن وأقوال الصحابة كما في منع سهم المؤلفة قلوبهم مع ثبوته في القرآن والعلة عزة المسلمين وكثرتهم، وكذا عدم القطع في السرقة مع ثبوته في القرآن لحاجة السارقين عام الرمادة.
4-التعارض بين السنة وأقوال الصحابة كما في منع متعة الحج مع ثبوتها في السنة والعلة دوام الطواف بالبيت طوال العام، وكذا بقاء بناء البيت مع تمني النبي البناء على أسس إبراهيم وإسماعيل… ونحو أو غير هذا وذاك من الأمثلة.
وفي المحرر لابن عطية بعد أن ساق آية إباحة الحيوان عدا الخنزير وساق حديث تحريم السباع قال:
ثم اختلفت الصحابة ومن بعدهم في تحريم ذلك فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أن يحمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهية ونحوها، وما اقترنت به قرينة التأويل كتحريمه عليه السلام للحوم الحمر الإنسية فتأول بعض الصحابة الحاضرين ذلك لأنها لم تخمس، وتأول بعضهم أن ذلك لئلا تفنى حمولة الناس، وتأول بعضهم التحريم المحض، وثبت في الأمة الاختلاف في تحريم لحمها، فجاز لمن ينظر من العلماء أن يحمل لفظ التحريم بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها. أهـ.
- اختيار للجنس:
آيات القرآن وأحاديث السنة تقرر الاختلاف الجوهري بين الأجناس والأنواع والأفراد، فلكل واحد وواحدة الشخصية الخاصة المستقلة أي أن نوع الذكر يختلف عن نوع الأنثى كما في قوله تعالى {وليس الذكر كالأنثى}، والعلماء يقررون اختلاف خلية الذكر عن خلية الأنثى فضلا عن الاختلاف في الأجهزة العضوية والوظائف والطبائع النفسية وفي القرآن أن الله {الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى}،{ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة}، وفي الحديث (كل ميسر لما خلق له).
والمحافظة على الفطرة أو البقاء على الأصل ومنع التغيير في الجوهر صريح في كتاب الله {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}، {فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا}.
وفي القرآن كذلك نكير على من يقوم بالتغيير وأن التغيير من عمل الشيطان لعنه الله {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} ولعن رسول الله كما في الحديث المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.
ونصوص أخرى تقرر بقاء المخلوقات على هيئاتها ومعالمها وطبائعها ووظائفها ومن ذلك جنس الإنسان بنوعيه: الذكر والأنثى بل بكل فرد من الأفراد...
والحالات المرضية كفقدان عضو أو جهاز أو قصور في أداء وظيفة... يقع في دائرة الإصلاح بالمعالجة الدوائية أو بالبتر والزرع بالعملية الجراحية وهذا بديل لإعادة التشغيل والتوازن في البدن... وهناك جانب التحسين كما في عمليات التجميل والمطلوب فيها الاعتدال وعدم الخروج عن الحد المعتاد.
إن الذكورة والأنوثة نوعان منفصلان لا يدخل أحدهما في الآخر بسبب اختلاف الجوهر والوظيفة، والانتقال لا يمكن تحقيقه في الجسم إلا إذا كان ذكراً بصورة أنثى وبالعكس فالعمليات الجراحية تظهر تلك الحقيقة.
إن الاستجابة لرغبات الشاذين والشاذات بدعوى مرضهم النفساني هو مثل الاستجابة لرغبتهم في الانتحار أو القتل أو الاعتداء على الأموال والأعراض... فهؤلاء وأمثالهم مرضى في عرف بعض علماء النفس ويجاب طلبهم بايداعهم في المصحات والسجون ومنعهم وإيقافهم عند حدودهم وحمايتهم وحماية المجتمع منهم.
الإنسان والأرض
-تعريف الانسان وتكوينه:
اختلف تعريف الإنسان عند أهل الاختصاص من حيث النظر إلى عناصر تكوينه أو وظائفه ومسؤولياته، فقيل هو حيوان ناطق، والحيوانات كلها ناطقة لها لغاتها الخاصة بها في عالمها.. وبعضهم عرفه بأنه كائن عاقل، ولكنه لا يختص بالعقل دون الكائنات الأخرى. ومن الوجهة الدينية، يمكن تعريفه بأنه: المكلف المعلم المستخلف.
وفيما يلي بيان موجز حول هوية الإنسان تكوينا ووظيفة، فقد خلق الله آدم وخلق منه زوجا له، ومن الزوجين كان التكاثر بأمشاج من ماء مهين يخرج من بين الصلب والترائب، فكان أصله مهيناً، وأتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، تبعه حديث الملأ من الملائكة إذ يختصمون في اختيار خليفة للسيادة على الأرض قالوا لربهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} فبين لهم علم آدم بالأسماء دونهم، والعلم يرفع صاحبه، وقد ابتلاهم الله ليظهر المتكبر منهم والمتواضع، حيث تكبر إبليس، قال: {أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين} وظهر كبره وإصراره على العصيان في عهده وقسمه {فبعزتك لأغوينهم أجمعين} {ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق اللهْ}، {ولأقعدن لهم صراطك المستقيم} فكان من الكافرين، ولم يغن عنه معدنه ولا موطنه، أما آدم فلم يضعه بُعده في الأراضين، ولا ضعف بدنه ومهانة طينته من اللحاق بالعليين، فقد تاب بعدما أذنب بكلمات مقبولة، فكان كالملائكة الذين استجابوا لربهم بالسجود لآدم وهم يقولون: {سبحانك، لاعلم لنا إلا ماعلمتنا، إنك أنت العليم الحكيم}.
والإنسان يتكون من بدن، وروح، ونفس:
أما البدن فهو من تراب الأرض اختلط بمائها فكان طينا لازبا آسنا، ثم جف واشتد حتى قوي كالفخار على صورة الهيكل الإنساني المكون من الأجهزة العظمية والعضلية والعصبية... ومادة التكوين هي خلايا تتنوع في وظيفتها حسب موقعها.
وأما الروح فهي مادة خفية مجهولة، تنفخ في البدن فيصبح البدن حياً، وهي أشبه بالكهرباء التي تعطي الطاقة لإدارة الأجهزة الإرادية وغير الإرادية، والروح تدخل بعد أربعين يومًا في بدن الجنين، وتخرج منه عند الموت.
وأما النفس فهي جوهر الإنسان وحقيقته، وهي المكلفة المسئولة المسلطة على البدن المادي الحي الروحاني، فالبدن والروح مسخران وموضوعان تحت تصرف النفس، ولقد أخبر الله عن النفس فذكر أنها لوامة ومطمئنة وأمارة بالسوء كما في قوله : {ولا أقسم بالنفس اللوامة} وقوله {إن النفس لأمارة بالسوء} وقوله {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية} كما ذكر تعالى تسوية النفس وتكليفها ومسؤوليتها ومصيرها فقال: {ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها}.
فالنفس بهذا المفهوم الخاص تختلف عن الروح لكون الروح من أمر الله، ترجع إلى بارئها، وتدخل جسم الإنسان وتخرج منه كسائر الأحياء مرة واحدة، وهذه الروح مع أجهزة الجسد وأعضائه شهود يوم القيامة على ما قدمته النفس في حياتها الدنيا {يوم يقوم الروح والملائكة صفا} {شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون}.
ونشير إلى أن النفس بالمعنى اللغوي العام تطلق على جملة الجسد والروح والنفس، وقد استعمل في القرآن بهذا المعنى كما في قوله، بعد عرض آيات القدرة {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} والأنفس هنا كل ما يدرك بالبصر والبصيرة من آيات بدنية وروحية ونفسية..
ويبدو أن مركز النفس هو تجويف الصدر، حيث القلب، وقد كثر ذكر الصدر والقلب في الكتاب والسنة كمركز لصلاح الإنسان وفساده وخيره وشره، ومن ذلك إشارة النبي عليه السلام إلى صدره (التقوى هاهنا) وصار يكررها.
ولقد وقع خلط بين النفس والروح قديما، ولازال هذا الخلط قائما حيث فسروا النفس بالروح، وهذا التفسير عطل الدراسات النفسية بسبب الإمساك عن الروح، كما ورد في الكتاب والسنة، قال تعالى: {يسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي}، وكان النبي قد وعد بإجابة السائلين عن الروح.
وفي تاريخ الفكر الإسلامي من سمى كتابه بالروح أو سماه بحادي الأرواح، حتى في أيامنا سمى بعضهم كتابه تربيتنا الروحية.
وفي القرآن تقريرات وإشارات لظواهر وحقائق نفسانية، والسنة كذلك، في تربية وتوجيه جيل الصحابة.
ومع أن المدرسة النفسية إسلامية، ومن أعلامها ابن خلدون، لكن هذه المدرسة لم تعمر ولم تستمر فخسر المسلمون معرفة النفوس، حيث تنظم العلاقات الإنسانية ويتم التخطيط، وتعالج الوقائع، ويقوم بناء الحضارة لخير أمة.
والتمييز بين النفس والروح صريح في القرآن، وذلك في قوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} والآية أربعة أقسام: {الله يتوفى الأنفس حين موتها}، {والتي لم تمت في منامها}، {فيمسك التي قضى عليها الموت}، {ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى}.
فالآية بيان حول:
1- خروج النفس من البدن مع خروج الروح بالموت.
2- إمساك النفس وإمساك الروح وعدم عودتهما إلى البدن بالموت.
3- خروج النفس من البدن مع بقاء الروح بالنوم.
4- عودة النفس إلى البدن عند اليقظة من النوم.
وتخرج النفس في كل نومة أو غفوة وما في حكمها من غفلة وسكرة أو إغماءة ثم تعود فتدخل البدن بعد أجل مسمى.
ونؤكد على أن الخطأ في عدم التميز بين النفس والروح كان وراء تعطيل الدراسات النفسية الفردية في علم النفس، والجماعية في علم الاجتماع، ففقدت الأمة ميزانا لتقويم التاريخ ومعالجة الواقع كما أشرنا، وترك هذا الميزان والميدان للغرب الذي تمكن عن طريق استخدام علم النفس وعلم الاجتماع من السيطرة على الشرق واستعماره وتغريبه.
-أقسام الإنس والجن:
الإنس في اللغة من الأنس والإيناس بمعنى الايلاف، أو من آنس بمعنى ظهر، ويقابله الجن وهو في اللغة الاختفاء والاستتار.
والجن حسب التكليف، ينقسمون ثلاثة أقسام:
الأول: الأخيار من الملائكة، والملك معناه المرسل المختار لأداء رسالة، وهم بين الجن أشبه بالأنبياء المرسلين بين الأنس.
والقسم الثاني: الأشرار وهم إبليس وشياطينه.
والقسم الثالث: هم الجن في عرف الناس، وفيهم قابلية الطاعة والمعصية وفعل الخير والشر.
وفي القرآن أخبار عن إبليس والجن والملائكة، وأنه أي إبليس من الجن {كان من الجن ففسق} ومن الملائكة كما في الخبر عن سجودهم لآدم، وعدم سجوده.. {فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس}.
وفي باب الإستثناء، أن المستثنى بعض المستثنى منه، لأن الاستثناء من تثنية الشيء نفسه وهذه دلالة لغوية، وكذلك في باب المنطق والحكمة، فالعقلاء في كل لغة يستنكرون ما يسمى بالاستثناء المنقطع الدخيل الذي اختلقه بعضهم لتأويل النص، وإخراجه عن ظاهره، حتى يوافق ما هم عليه من فكرة وخلفية، فالحكماء لا يقطعون الصلة والتجانس بين أطراف الكلام، والمستثنى والمستثنى منه طرفان متجانسان، ولا يليق الفصل بينهما، فهو مناف للحكمة عند البشر، فما بالك برب البشر في أعلى خطاب وأحكم كلام! وعليه فإن إبليس كان من الملائكة وكان من الجن وهو تقرير على أن الملائكة جن، يؤكده إخبار الله عن العرب كبني مليح قالوا عن الملائكة بنات الله، فأخبر تعالى عنهم {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} وأنكر عليهم بقوله {ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذن قسمة ضيزى}.
ويرد على هذا شبهة من السنة في حديث مسلم (إن الله خلق الملائكة من نور، وخلق الجن من نار) وفيه دلالة على الاختلاف بين الجن والملائكة في أصل الخلق، لكن هذه الدلالة غير صريحة، وهي محمولة على اجتماع النار والنور، فهما اسمان لمسمى واحد، فالنور من النار، وليست النار إلا نوراً كما هو معلوم عند الناس، بل كما هو معلوم في القرآن حيث قال الله تعالى {الله نور} مع قوله لموسى عن النار {إني أنا الله} والله أعلم.
وقد فهم بعضهم من سجود الملائكة الوارد في بضع آيات أفضلية آدم والبشر أو خواص البشر على الملائكة.
ولست أرى في الآيات ما يصح به هذا الفهم أو الحكم، والسجود -والله اعلم- هو جعل آدم قبلة كالسجود لجهة الحجر الأسود من الكعبة، وهو رمز لأداء الوظيفة في حفظ الإنسان ورعايته ومرافقته من بدء نفخ الروح فيه إلى نهاية مصيره، وهي الوظيفة التي أباها إبليس واستكبر عليها، ولاشك أن تفضيل الإنسان على الملائكة بسبب السجود يؤدي إلى القول بتفضيل الحجر الأسود على المسلمين جميعاً.
وعلى أية حال، فالمفاضلة بين البشر والملائكة غير متصورة لاختلاف جنس البشر عن جنس الملائكة، وكذا اختلاف الوظيفة في كل منهما، والمفاضلة المتصورة هي بين أنواع الجنس الواحد من الأشباه والأمثال والنظائر كأفراد البشر، وهي مع ذلك مبنية على التقوى، والتقوى شأن غيبي، لا يكشف عنه إلا يوم القيامة، بعد العرض والحساب، ولا يمكن معرفته قبل ذلك إلا ما نزل الوحي به وشهد المعصوم له.
-ادم وحواء والانسان: آدم كما صرحت به كتب الله عز وجل هو الأب الوحيد لذريته من زوجته الوحيدة حواء، وحواء جزء من آدم فصلت عنه لتحمل وتلد وترضع بدلاً منه لئلا ينقطع هو عن الاستمرار في القيام بواجبه في الخلافة والسيادة على الأرض، فعلاقة آدم بحواء علاقة زوجية لتكوين الأسرة الأولى التي أصبحت أصلا لهذا العالم الذي تكاثر وتناثر على رقعة الأرض بقاراتها أو أراضيها السبع.
وعلاقة آدم بالإنسان فيها خلاف كثير وكبير من حيث البنوة أو الأبوة، والمشهور عن أهل الرواية أن آدم أبو الإنسان، وهو معارض بظاهر آيات من القرآن، والقرآن معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه حيث نجد الملائكة يتساءلون عن سبب خلق آدم بشرا يفسد في الأرض ويسفك الدماء وهم طائعون، ولم يقولوا ما قالوه إلا عن علم رأوه وسمعوه، وهو دليل على أن آدم متأخر وقبله أناس خلقوا مثله وكانوا خلائف لكنهم بادوا عن آخرهم بسبب سفك الدماء والفساد.. وكان آدم الأخير أصلاً لمجموعة جديدة تميزت بالذكر والتكريم بخلاف من كان قبله كما قال تعالى {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكـــن شيئا مذكورا}، {ولقد كرمنا بني آدم} ومن تكريمه له قوله {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} وكذا تعليمه الأسماء وسجود الملائكة له مع الرعاية والمرافقة والمقارنة في الدنيا والشهادة في الآخرة.
وهذا الذي فهمناه من القرآن.. يؤكده بحوث العلماء في عصرنا الذين يعودون بأصل الإنسان إلى مئات وألوف الألوف من السنين، ولا يرون فارقا في أصل الخلق بين الإنسان القديم والمعاصر من حيث الهيكل والأجهزة العضوية.
وعن عمر الإنسان الآدمي يقدره بعضهم باثني عشر ألف سنة أو أكثر حسب الوارد في التوراة عند أهل الكتاب وهو الوارد على ما يبدو في روايات الإسلاميين.
-كشف نفس الانسان:
النفوس معادن مختلفة الذوات والصفات والوظائف ويدل على ذلك قوله تعالى {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}.
هذه الفطرة بميولها وغرائزها النوعية أو الجنسية مع تميز الإنسان بالعلم الذي يرقى بالفطرة ارتفاعا أو ينزل بها هبوطا وهذا معنى قوله {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} وهو ما يفهم من الحديث (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).
والعلم المكتسب الجديد والعلم السابق أي الخبرة هي ميزة للإنسان حيث يتمكن من التحكم في حياته فيزداد علماً، وبسب العلم أعطي الإنسان الأمانة وخلافة الأرض وتسخير الملائكة والحساب والجزاء بالثواب والعقاب.
هذا، وإن تعلم العلم طريق لكشف النفس، فالعلم مفتاح بيد العالم يفتح به باب نفسه ليكشف ما بداخلها من أسرار ويفك رموزها ويطلع على خفاياها وخباياها ويسبر أغوارها، ومتى عرف الإنسان نفسه وفهمها تمكن من التفاهم معها وتوجيهها لدفعها ومنعها ومعالجة عللها وأمراضها، ومن استطاع أن يفتح نفسه ويكشف عما بداخلها وعرف طريق الوصول إلى المفتاح والقيام بعملية الفتح والبحث عن بواطن النفس وظواهرها كانت الخطوة الثانية أن يتعرف على الآخرين فيحاول معرفة مفاتيحهم والكشف عن أنفسهم لمعرفتهم تمهيدا للتعامل معهم، وقد يقع هذا جماعيا بالنسبة لفئة من الناس يراد معرفتها وتوجيهها...
والدراسات النفسية في العقود الأخيرة موجهة هذه الوجهة وإن كانت في معظمها مستغلة لمصالح سياسة خاصة أو ديانة معينة فاليهود والنصارى أو الرأسمالية والاشتراكية في الشرق والغرب هؤلاء يبحثون ويقدمون دراسات نفسية لمعرفة الشعوب وتأثراتها وعوامل التأثير فيها لتوجيهها حسب الطلب والمصلحة.
ومعلوم أن الدراسات النفسية تؤدي إلى معرفة النفس وهذه المعرفة سلاح ذو حدين حيث يمكن استغلالها في الخير أو الشر.
والله سبحانه وتعالى عرض النفس لمعرفتها ووضع الضوابط لرقيها والسمو بها في درجات الخير وفي المقابل بين الشر الكامن في النفس مع ما يقوم به الشيطان من الانحدار بالنفس في دركات الشر.
هذا، وإن أعظم هدية من سلف لخلف ومن والد لولد وأعظم وصية هي هذه الوسيلة التي يعرف بها الإنسان نفسه ثم يعرف غيره...
وفي تاريخنا عالم نفسي كبير من البربر هو ابن خلدون وضع الأسس لعلم النفس ولكنه بقي أستاذا بلا تلاميذ فلم يقم بناء لعلم النفس الإسلامي بعده، وتركت الساحة مفتوحة للآخرين الذين استخدموا الدراسات النفسية في تحقيق أطماعهم.. وما نراه في عالمنا من دمار واستعمار ما هو إلا نتيجة لتخطيط علماء النفس الذين تمكنوا من تقييد الشعوب وتسييس الحكومات وإشعال الحروب حسب الطلب، فلقد جعل علماء النفس العالم محصورا في لوحة أزرار تعبث بها أصابع السادة الذين يفجرون أي منطقة في العالم يريدونها بعد أن تمكنوا من معرفة الأسرار ونقاط التفجير والحساسيات والفروق والخلافات على مستوى الأديان والمذاهب والأعراف والعادات والتقاليد والميول والغرائز.
والعجب كبير في عدم نشوء علم النفس عند المسلمين مع أن القرآن كتاب حول علم النفس،والسنة تطبيق عملي حول النفس الإنسانية،والسبب هو الخلط بين النفس والروح فقد جعلوهما شيئا واحدا حيث قالوا النفس هي الروح، والروح هي النفس فإذا كانت الروح من أمر الله{قل الروح من أمر ربي} وكان الواجب عدم الخوض في أمرها لزم منه سريان هذا الحكم على النفس أيضاً.
علم النفس الذي نراه في مؤلفات ومقررات المعاهد والكليات لا يمثل علم النفس الإسلامي المأخوذ من الكتاب والسنة وإنما هو في الغالب علم غربي يمثل فهم الغرب ويحقق مصالحهم ألبسوه ثوب الإسلام ودعوه باسم الإسلام بعد حذف أسماء المؤلفين.
- ادم والخلافة :
يعتقد العامة وكثير من الخاصة أن الإنسان بداية بآدم هو خليفة الله في الأرض -تعالى الله- والخلافة تعني أن يقوم الخليفة مقام الله كما يقوم الوارث بعد وفاة المورث، والوكيل بعد غياب الأصيل والخلف بعد زوال السلف وكما يخلف الوالد الجد والولد الأب والحفيد الولد وكل متأخر ومتقدم فيكون له سلطان بعد زوال سلطان من قبله.
والخلافة مأخوذة من قوله تعالى للملائكة {إني جاعل في الأرض خليفة} أي خليفة الله والفهم المذكور خطأ، والخطأ في الفهم والاستدلال جلي واضح لأن الله موجود على الدوام حي أزلي بلا زوال، لا يعتريه عجز ولا قصور وهو سبحانه كامل ومثله لا يحتاج إلى خليفة لأنه هو الخليفة فهو الحي الباقي الوارث، قال تعالى {ونحن الوارثون} وفي الحديث: (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل).
إن القول بخلافة الإنسان لا يعني خلافته لله وإنما يعني خلافة الإنسان للإنسان كما في قوله تعالى {جعلكم خلائف في الأرض} والخلافة في الأرض مكانية وزمانية يتناوب الخلفاء عليها قرنا بعد قرن جيلاً وقبيلاً.
وأصل الخلافة قائم على وحدة الأجناس والأنواع ولذلك حكمنا على أن الذين سبقوا آدم كانوا مثله في الإنسانية وجوهر التكوين وإن كانوا مختلفين في العلم والتكريم ونوع الوظيفة.
ولقد جُبّهتُ عندما واجهت من زعم أن الإنسان خليفة الله الرحمن الرحيم فقلت: الناس خلفاء حسب ذواتهم في فطرهم وخلفاء حسب وظائفهم أو أخلاقهم وفي ذلك قول المصطفى: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة لا ينقص من أجورهم شيء ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى قيام الساعة لا ينقص من أوزارهم شيء).
وخلافة الخير مقابلة لخلافة الشر.
-جنة آدم:
جنة آدم في السماء على ما قيل، سكنها الأبوان عليهما السلام فعصيا بالأكل من الشجرة وأخرجهما الرب من الجنة {قلنا اهبطوا منها جميعا} والهبوط هو النزول من العلو إلى السفل، وإذا كان القرار على الأرض المعروفة كان العلو فوقها والعلو هو السماء بل سبع سماوات، والمروي أن الجنة في السماء السابعة وأن الصالحين يدخلونها يوم القيامة، والمشهور أن الأبوين عليهما السلام كانا في تلك الجنة فعوقبا بالنزول إلى هذه الأرض، وهو مشكل لسببين الأول أن الجنة السماوية مستقبلية والسبب الثاني أن آدم خلق من تراب الأرض وخلقت زوجته منه وتناسلت الذريات خلائف في الأرض، ولا يعلم أحد أن الجنة السماوية دار تكليف، ودعوى خلق آدم في السماء معارضة بصريح القرآن في الخلق من الأرض {منها خلقناكم} {والله أنبتكم من الأرض نباتا} والصعود من الأرض قبله ليس عليه دليل.. وتبقى المشكلة حول الهبوط بمعنى النزول من العلو ومتى ما حلت المشكلة وأزيلت الشبهة استقام الإحكام وذلك يدور حول معنى الهبوط، والهبوط في اللغة لا يلزم أن يكون من علو إلى سفل بل قد يكون دخولا مقابل الخروج فاهبطوا منها أي اخرجوا منها واهبطوا إليها أي ادخلوا فيها، وهذا كقولك نزلت مدينة آمد وهو نزيل آمد بمعنى أنني دخلتها وهو ساكنها ومستقر فيها.
وفي القرآن استعمال لكلمة هبط بمعنى دخل في قوله لبني إسرائيل {اهبطوا مصرا} أي ادخلوها ولم ينزل عليها بنو إسرائيل من السماء العالية.
وفي التوراة تصريح بأن جنة آدم أرضية وتحديد لموقعها حيث يلتقي نهر دجلة بنهر فرات جنوبي كردستان وليس في القرآن ما يمنع ذلك إلا قوله تعالى لآدم وزوجه {اهبطا منها} وقد بينا المراد من الهبوط، إذ هو كهبوط بني إسرائيل من مصر إلى فلسطين.
- سماوات الارض :
في بضع مواضع من القرآن ذكر الله عدد السموات السبع وأنها سقف وطرائق وحفظ وأنها خلقت بعد الأرض والاستواء وأنها خلقت في يومين بعد خلق الأرض في أربعة أيام حيث تم خلقها في نصف زمن الأرض.
وقد تعارف الناس على أن هذه السموات هي سموات الكون، وأن الشمس في السماء السابعة والقمر في الرابعة كما نقل في روايات، ورأيت كراسة رسم صاحبها فيها رسما لأهل الهيئة وما عليه الفلكيون والعلماء المعاصرون وعنون له بـ(الصورة الباطلة للكون) ومعه صورة أخرى سماها (الصورة الصحيحة للكون) جعل النجوم والمجرات كلها في السماء الدنيا وبعدها القمر والشمس.. والمذكور وأشباهه دفعهم لهذا القول تفكير قاصر في تفسير بعض الآيات كقوله {وزينا السماء الدنيا بمصابيح} فظنوا أن زينة السماء كزينة البيوت تتعلق بسقوفها السرج فتكون دونها والسقوف بعدها، وجهلوا أن السموات مادة شافة يكون ما بعدها زينة لها دون أن يتوجب أن تكون السموات بعد الزينة.
وما يجب أن يعلم أن أرضنا ليست مركز الكون وأن الخلق غير محصور فيما نعلم فقد قال تعالى {ويخلق مالا تعلمون} وقال {وإنا لموسعون} وأخبر عن السموات والأرض أنهما {كانتا رتقاً ففتقناهما} وأن السموات داخلة في حدود الرؤية ينزل منها الماء والضياء.
نعم، إن المراد بالسماوات سموات الأرض وليس سماوات الكون، فالحديث للإنسان عن أرضه التي يقطن عليها وهي كالبيت سقفه السموات، والفرق بين الأرض وسمواتها وبين مادة أخرى أن المادة المعتادة لها سماء واحدة تغلفها وتحفظها، وقد خص الله الأرض بسبعة أغلفة زيادة لحفظها وليطمئن عمارها وتكريما للمستخلفين فيها.
والذي يرجح عندي أن السموات هي سموات الأرض وليست سموات الكون هو أن الحديث عن السموات في القرآن هو حديث عن شيء قريب بينما الحديث عن النجوم هو حديث عن شيء بعيد بعيد كما قال تعالى {والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق} وقوله {فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} هذا أولاً، وثانياً يمكن الجزم بهذا القول أخذا بما صرح به القرآن في قوله {وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا} أي فيهن أي السموات السبع وهذا يعني أن القمر ينير السموات كلها وكذا الشمس ويكون لدينا حد أدنى لامتداد السموات، وحد أقصى هو مدى انتشار نور القمر أو مدى انتشار ضوء الشمس وأقصى ما يبلغه أحدهما يكون حدودا للسماء السابعة وذلك فلك صغير غير كبير.
فإن أرضنا وما حولها من ماء وهواء وما بعدها من سموات إن هو إلا مخلوق من ما خلق الله ولا يمثل إلا حلقة ملقاة في فلاة أو فلوات.
المنهجية في العلوم
-مخطوطات الجامعات:
1- للمخطوطات فوائد جليلة فعلى القديم يبنى الجديد ، وبنبغي التوكيد على أن العمل الأكاديمي لا يقصد إخراج التراث نفسه وإنما يقصد إلى تكوين الطاقات العلمية وتوجيه المواهب الفطرية ووضع المناهج المناسبة لإخراج التراث.
إن مهمة إخراج التراث إلى النور ملقاة على عاتق جهات علمية متمرسة ومتخصصة في العلوم التي تقوم عليها المخطوطات أو تحوم حولها مع العلم بالخلفية التاريخية لعصور التأليف ومعرفة الرجال تأثراً وتأثيراً من شيوخ وتلاميذ ومراجع ومصادر كي يكون التوثيق دقيقاً والتحقيق سليماً... مع الخبرة بالواقع الاجتماعي لمعالجة المعلومات المخطوطة بما يناسب مع حاجة الناس فكريا واجتماعيا كي تكون هذه المخطوطات مفيدة للناس ومثمرة، وعلى هذا فمن الضرورة جعل العمل في المخطوطات ودراسة خطوطها القديمة ودراسة مناهج التأليف مع لمحات تاريخية وجغرافية ويجعل هذا مادة دراسية في المعاهد والكليات أو يخصص دورات لمن يختار العمل في التحقيق.
ومن فوائد المخطوطات الإسلامية غير العربية أن دراستها وتحقيق نماذج منها هو تعريف بها وترغيب فيها وتمهيد لترجمتها وهو توسيع دائرة الفكر العربي للعمق الإسلامي.
2- الاهتمام بجانب الدراسة المنهجية والموضوعية العامة والخاصة وهذا يشمل المخطوطات والمطبوعات، فيقوم الكتاب كله أو تختار موضوعات معينة للدراسة جمعاً وعرضاً وتحليلاً ونقداً وتقويماً وموازنة ومقارنة.
3-يقدم مع الخطة بيان تفصيلي للموضوعات التي يراد العمل فيها سواءاً أكان المراد التصحيح أم الاستدراك.
4- وضع صيغة موحدة للتحقيق والدراسة المنهجية يؤكد فيها على الأخذ بطريقة النص المختار للوصول إلى نص المؤلف.
5- تحديد حجم الرسالة.
6- الإجمال فيما يرد عرضا كالتراجم، والتفصيل فيما هو مقصود كدراسة القضايا العلمية ومناقشتها.
7- تحديد المراجع والمصادر.
وقد رأيت تقديم كلمة حول المصادر والمراجع المتعلقة بالتفسير وعلوم القرآن ومما يعد أصلا في إعداد الرسائل العلمية من: تحقيق للمخطوطات القديمة وتأليف للموضوعات الحديثة.
ومعلوم أن المصادر والمراجع المطبوعة والمخطوطة والدوريات والفهارس والنشرات هي كثيرة ومتفاوتة ومتنوعة، ويخفى على الواحد مالا يخفى على الجماعة فأفق الجماعة فائض بالخبرة ممدود بالمذاكرة والمشاركة.
والجوانب المطروحة للدراسة تتمثل فيما يلي:
1- التمييز بين المصادر الأساسية والمراجع التابعة.
2- وجود المصادر والمراجع كثرة وقلة.
3-أماكن وجود المصادر والمراجع في المكتبات والبلدان.
4- مناسبة المصادر والمراجع للبحث موضوعيا وتاريخيا.
5-اختيار العدد الكافي من المصادر والمراجع.
6-بيان القيمة العلمية لهذه المصادر والمراجع.
7-قابلية الباحث على الاستيعاب والإفادة والاستفادة.
وبعد الدراسة توضع لوائح للمصادر والمراجع مرتبة ترتيباً موضوعياً بحيث تكون كافية لمجموعات من المخطوطات والمطبوعات أو تكون كافية لموضوع معين أو مخطوط معين، ولابد من تشكيل لجنة للمتابعة وللتهذيب والإضافة.
والفائدة المرجوة هي تحديد النقول التي يقوم بها وعليها البحث العلمي بحيث تسلم الرسائل العلمية من القصور والتضخم مع ما في ذلك من تيسير على الباحث وتخفيف عن المشرف.
ومن المأمول أن يرفق كل باحث مع خطته قائمة بمصادرها ومراجعها مع دراسة إجمالية لها أو تعريف كافٍ بها.
- التفسير المنتظر :
لا نزال بانتظار تفسير للقرآن الكريم مناسب لعصرنا، والتفسير المنتظر يجمع بين المنقول والمعقول فيقوم على القديم السليم ويضيف الجديد المفيد، وفي القرآن معالجة للأمراض وحل للمشكلات وتوجيه إلى ما فيه الخير الدنيوي والفلاح الأخروي، وفي الصفحة التالية خطة عاجلة هي ورقة عمل مبدئية لإعداد التفسير المنتظر للقرآن الكريم.
أولاً - تعريف التفسير: بيان المباني اللفظية والمعاني الموضوعية لنصوص القرآن بطريق الرواية والدراية.
ثانيًا- هدف التفسير: الوصول إلى الدلالات المرادة من نصوص القرآن.
ثالثًا- شروط التفسير: فيما يلي ثلاث نقاط أراها أساساً للتفسير القرآني الذي ينتظره المسلمون:
1-تهذيب ما كتب في علوم القرآن ووضع كتاب جامع للعلوم التي لها مساس بفهم كتاب الله.
2-حصر التفاسير المتداولة بين الأمة وتناولها بمناقيش النقد والغربلة كما فعل في اعتزاليات الكشاف.. وذلك بوضع هوامش وملاحق لكل تفسير والتنبيه على العليل من الآثار والكشف عن الخطأ في الدليل والاستدلال والتأويل.
3-وضع كتابين الأول موضوعي وهو في تفصيل الآيات القرآنية على أبواب العقيدة وأبواب الفقه وأبواب الفضائل والأخلاق، والثاني لفظي في ترتيب الألفاظ القرآنية ترتيباً هجائياً وتفسيرها بما في اللغة من معان محتملة وبما في الشرع من مصطلحات محددة.
وينبغي استمرار الاتصال بهذين الكتابين وبخاصة الثاني منهما ، لتعهدهما بالتصحيح والتوضيح كلما اقتضى الأمر، وإلا آل حالهما إلى ما آل إليه حال البصائر والمفردات وغيرهما في كثير من الأحيان وهو انقطاع الصلة بين ما قيل وبين ما يدل عليه القرآن من معاني.
وفائدة هذا العمل أنه يكون منجداً لمن يريد فهم القرآن من موارده، وعمدة لمن يسلك سبيل المفسرين في التفسير.
رابعًا- إعداد التفسير:
نحن بحاجة إلى إعداد ثلاثة أنواع من التفاسير، تناسب النمو العقلي والمستوى الفكري واختلاف الأحوال:
1-التفسير الوجيز، ويكون لعامة الناس، ويركز على أصول الدين، ويترجم إلى اللغات الأجنبية لدعوة الأمم الأخرى إلى الإسلام.
2-التفسير الوسيط، ويكون لعامة المسلمين يأخذون منه العقيدة والفقه والأخلاق.
3-التفسير الجامع (الشامل)، ويكون للمتخصصين وأصحاب الدراسات وأرباب البحوث، ويتضمن ما صح من النقل وحسن من العقل قديماً وحديثاً، بحيث يغني عن غيره من التفاسير.
خامسًا- طريقة التفسير:
علماء المسلمين بحاجة إلى طريقة تجمع المفيد من القديم وتفتح مجالاً واسعاً لدخول الجديد وتتلخص الطريقة في:
1- تقسيم الآيات إلى فصول، لكل فصل منها نوع استقلال وتميز.
2- النظر كرتين إلى الآيات: أولاهما في المباحث التحليلية أي التفسير اللفظي للكلمات وبيان المراد بها لغة وسياقاً وملاحظة المتداخل الذي يظن فيه الترادف والأحرف السبعة من القراءات والمأثور والأقوال...
والنظرة الثانية في المباحث الموضوعية وهي مسائل عامة من مناسبة الفصل في السياق، والمعنى العام للفصل ومناسبات النزول ومناقشات يقصد من ورائها إزالة ما عسى أن يعترض به من وجود اختلاف بين آيات القرآن أو بينه وبين أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، أو وجود تعارض بين ما دل عليه القرآن وبين حقائق العلوم، وكذلك بلورة ما تهدف إليه الآيات من المبادئ الإسلامية، واستنباط ما عسى أن يستنبط من الفوائد والحكم والأحكام في مجال الإرشاد والتوجيه والتحلي بمكارم الأخلاق.
سادسًا- ضوابط التفسير :
1- تفسير القرآن بالقرآن، أو بالسنة ، أو بالاجتهاد.
2- يجب استبعاد الإسرائيليات جملة وتفصيلاً مما روي عن التوراة أو حكي من التلمود، لأن إباحة التحدث بها –كما في الحديث- لا يعني حمل كتاب الله عليها وإلزام المسلمين بها.
3- تجنب الروايات الضعيفة من المأثور ولا أقل من اشتراط الصحة، ولا يستثنى من ذلك ما تساهلوا فيه من الفضائل والترغيب والترهيب وأسباب النزول ودعاوى النسخ ووجوه القراءات...
4- الاقتصار في وجوه الإعراب على ما يقوم به المعنى دون إغراق وإغراب وخوض في الاحتمالات التي يسوقها النحويون.
5- الأصل هو الوقوف عند الظاهر ولا عدول عنه إلى التأويل أو التخصيص أو التقييد أو النسخ دون ضرورة مسوغة فينبغي الحذر مما يذكره أهل البيان في ضروب المجاز ومتاهات التأويل.
6- أن يكون الفهم الذي يراه المفسر متفقاً مع الحقائق الدينية والحقائق العلمية ولا يتعارض مع واحد منها.
سابعًا- تدريس التفسير:
من المهم أن نذكر بالعلاقة بين الأستاذ والطالب ودور كل منهما، فطالب العلم ينبغي أن لا يجعل الأستاذ إماماً، ولا الكتاب لزاما بل يأخذ المتعلم دور الباحث المتبصر المتذكر، كما يأخذ الأستاذ دور المشرف الموجه الذي يثير الاهتمام بالتشويق إلى المعروض للإقبال على الموضوع بهمة ونشاط وتأثر وتأثير.. مع الترغيب في العودة إلى المراجع القديمة حتى المخطوط منها والدعوة لمتابعة البحوث الحديثة المطبوعة و المسموعة.
ولما كانت المعلومات المجموعة من هذه المراجع في الكثير من الأحيان مضطربة وأحيانا متناقضة كان الواجب يقضي بعقد المقارنات للوصول إلى الترجيح والتصحيح، وجمع التساؤلات التي تحمل الشبه والأباطيل... وكل هذا لفتح الطريق لمعايشة المشكلات العلمية ومواجهتها وعدم الخوف أو الفرار منها بل المشاركة في حلها، وهذه خطوة كبيرة في الإعداد الفكري وفي بناء الشخصية العلمية.
الصفحة السابقة