أحكام القرآن - حكم القدر
1- مقدمة آيات الأحكام
2-حكم القدر
مقدمة آيات الأحكام
للأعلى
الحمد لله رب العالمين والسلام على العباد الصالحين، وبعد:
قد كتب في أحكام القرآن كثيرون قديما وحديثا، وتأثرت كتبهم بعقائدهم ومذاهبهم،
فكانت الآيات كثيرا ما تجرجر وراء نقولاتهم ومقولاتهم، وكل إناء بما فيه ينضح.
واختلفوا في عدد الآيات المتعلقة بالأحكام بسبب الاختلاف في تحديد مفهوم الأحكام،
هل هي الفقه على وجه الخصوص، أم هي الفقه والعقيدة والأخلاق على العموم؟ ومن ثم
تفاوت العدد، والمشهور أنه خمسمائة آية، وبعضهم اقتصر على نصف هذا العدد وأقل أو
أكثر.. من مئة وخمسين عند ابن القيم إلى ثمانمئة وثلاثين عند ابن العربي.
ومما يدعو إلى الأسى والأسف أن تكون الآيات المتعلقة بالأحكام غير محددة، وأن تكون
المناهج المعتمدة في الجمع غير موحدة.
وآيات الأحكام هي المتعلقة بتكليف العباد فعلا وتركا، حسب دلالة الأمـر والنهـي،
ويدخل في ذلك الأحكام المعروفة بالحلال والحرام وما إليهما من الفرض والواجب والسنة
والندب والإباحة وخلاف الأولى والكراهة والحرمة.
وإحصاء آيات الأحكام ينبغي أن يتم من خلال استقراء الموضوعات القرآنية وحصر الآيات
المتعلقة بكل موضوع.
والمكتبة القرآنية حوت كتبا قليلة تخدم هذا المنهج مع الإشارة إلى أن علوم القرآن
لصيقة بهذا الجانب.
وأول كتاب هو: تفصيل آيات القرآن الحكيم، للمستشرق الفرنسي (جول لابوم) وتلميذه
(إدوارد مونتيه)، والثاني هو: الجامع لمواضيع آيات القرآن الكريم لمحمد فارس بركات،
والثالث: تصنيف آيات القرآن الكريم لمحمد محمود إسماعيل، والرابع: هو المعجم
المفهرس لمعاني القرآن العظيم لمحمد بسام رشدي الزين، وهناك معاجم أخرى مثل: تبويب
آي القرآن من الناحية الموضوعية لأحمد إبراهيم مهنا، والترتيب والبيان عن تفصيل آي
القرآن لمحمد زكي، وتفسير وبيان مفردات القرآن لحسن حمصي، ولكن المعجم المفهرس
لمعاني القرآن العظيم أفضلها، وهو مرتب حسب الموضوعات، وفي عصرنا يقدم هذا المعجم
مع المعجم المفهرس للألفاظ إلى المكتبة القرآنية..
وكان ينبغي أن يقدما منذ مئات السنين حيث إن القرآن جواهر كريمة منثورة ونظمها في
عقود يقوم على هذين المعجمين للمعاني حسب الألفاظ وحسب والموضوعات، والمعجمان
المذكوران ينبغي أن يقوما على تفصيل القرآن ثم جمعه تحت موضوعاته ولنا أن نسمي هذا
العمل تنظيم القرآن، وهو يفتح الباب أمام تفسيره تفسيرا موضوعيا، وذلك هو التفسير
الحقيقي الذي يُظهر حقائق القرآن وقواعده وضوابطه وحدوده بحيث يتحدد الدين من خلال
القرآن.وهذا المنهج مطلوب لوضع "أحكام القرآن".
وفيما يلي أنموذج "حكم القدر".
حـكم القـدر
للأعلى
1-القــدر في القرآن والسنة واللغة
2-القدر والقدرة
3-القدر والتكليف
4-القدر والسنن الشرعية والكونية
5-الجبرية والقدرية
6-خاتمــة في مذاهب القدر
القدر عند القدرية هو: قـدرة العبد.
القدر عند الجـبرية هو: قـدرة الرب.
والحق أن القدر هو: علمه المكتوب في لوحه المحفوظ.
والقدرة فوق القـدر، تثبته أو تمحوه.
1-القــدر في القرآن والسنة واللغة
للأعلى
القرآن الكريم عرض القدر في آيات كثيرة كما في قوله: {قد جعل الله لكل شيء قدراً}،
{إنا كل شيء خلقناه بقدر}، {وكان أمر الله قدراً مقدورا}، {إنا أنزلناه في ليلة
القدر}، {وما ننزله إلا بقدر معلوم}، {والله يقدر الليل والنهار}، {وقدر فيها
أقواتها}، {نحن قدرنا بينكم الموت}.
والسنة المطهرة قررت أن القدر هو الركن السادس من أركان الإيمان في الإسلام، ففي
حديث النبي صلى الله عليه وسلم: {وتؤمن بالقدر خيره وشره}.
واللغة العربية أفادت أن القدر -بتسكين الدال وفتحها- والتقدير هو:
- تبيين كمية الشيء من حيث المكان وتوقيته من حيث الزمان.
- وأصل ذلك: العلم، ومن لوازمه: تدبير الشيء وتهيئته وتقسيمه وتسويته، والقضاء فيه،
والحكم عليه…
2-القدر والقدرة
للأعلى
أما القدرة في اللغة فهي: الطاقة والوسع والاستطاعة، أي القوة على فعل الشيء
والتمكن منه وعدم العجز عنه، ومنه القادر والقدير والمقتدر وهو: الفاعل لما يشاء
ويريد.
والفهم الصحيح للقدر يكشف عن حقيقته وأهميته في تكوين الفرد والمجتمع علمياً
وعملياً.
وعليه فإن القدر في الكتاب الكريم وفي السنة المطهرة على فهم العاقل بالفطرة،
العالم باللغة، ليس مع الجبرية الموجبة للظلم، ولا مع القدرية الموجبة للجهل.
وليس قدرة المشيئة والإرادة، ولا العلم المطلق الذي لا يدرك كنهه، بل القدر يعني
التقدير، وهو: علم الله المقدر المكتوب في التشريع والتكوين مكانياً وزمانياً.
والعلم المقدر: هو المتعلق بالسنن الشرعية الدينية والسنن الكونية الفطرية، هذه
السنن مقدرة أي محددة المقادير المكانية والزمانية، فهي بحسبان وميزان، وهي موقوتة
دون تقديم أو تأخير، وثابتة بلا تحويل ولا تبديل، كما قال تعالى: {ولن تجد لسنة
الله تبديلاً}، {ولن تجد لسنة الله تحويلاً}، {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا
تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}.
والمراد من التشريع هو: التكليف بالعبادة، وبيان حدود المعصية والطاعة.
والمكان هو: كميات الأبعاد والأوزان للمخلوقات في الأرض والسموات.
والزمان هو: الوقت الماضي من بداية الخلق، والحاضر والمستقبل إلى نهاية الحياة
الدنيا وبداية الحياة الآخرة.
والعلم المقدر هو: المكتوب بالقلم الأول على اللوح المحفوظ وفي صحف الملائكة، قال
تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب} {وما من غائبة
في السماء والأرض إلا في كتاب مبين} {وما يعمر من مُعمّرٍ ولا ينقص من عمره إلا في
كتاب} {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن
ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} {ولا رطب ولا
يابس إلا في كتاب مبين} {لكل أمة أجل} {لكل أجل كتاب} {إن الله بكل شيء عليم}،
{ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر}.
{فيها يفرق كل أمر حكيم أمراً من عندنا..} وفي الحديث: ((إن أول ما خلق الله القلم،
فقال له: أكتب، فقال: ربّ ماذا أكتب؟ قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة)) ،
((كتب الله مقادير الخلائق)) هذا في القدر العام، أما قدر الإنسان خاصة، ففي
الحديث: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمة أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك،
ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات، بكتب
رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد)).
والقدر بهذا المعنى غير القدرة ولوازمها من المشيئة والإرادة والإنعام والانتقام..
فمعنى القدرة هو: فعل الله في العلم المقدر المكتوب من حيث إثباته وإظهاره في زمانه
ومكانه، ومن حيث محوه ونسخه ونسيه وإنساؤه.
قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} {فعال لما يريد} {ويفعل
الله ما يشاء}…
والعلم والقدرة من صفاته تعالى الذاتية، وصفات الله الذاتية أبدية أزلية وكاملة
متكاملة، ويتغالب بعضها فيغلب ويغلب.
والمغالبة صريحة بين صفتي الغضب والرحمة، كما في الحديث ((إن الله حين خلق الخلق،
كتب بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي)) وفي روايات ((غلبت وسبقت)).
وأرى مغالبة بين صفتي العلم أو التقدير العلمي وبين القدرة الفاعلة، وقد لخصت رأيي
ورؤيتي في "خواطر" بكلمتين خفيفتين على اللسان والأذهان، قلت: (غلبت قُدرته علمه في
القدر والقضاء، وغلبت رحمته غضبه في الحساب والجزاء) ثم قلت: (غلبت قدرته قدره
ورحمته غضبه).
3-القدر والتكليف
للأعلى
ويدخل في باب القدر تكليف العباد ومسؤوليتهم، وهو سبحانه قد كلف عباده بالعبادة
{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وكل عبد مسؤول أمامه عن الطاعة والمعصية حساباً
{ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}، وهو مسؤول جزاءاً {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن
يعمل مثقال ذرة شراً يره}.
ومن أجل صحة التكليف والمسؤولية أعطى الله عبده حرية النية في الإرادة والمشيئة،
وهذا مفهوم التخيير بين الخير والشر وحرية العمل والكسب وما في هذا المعنى، قال
تعالى: {اعملوا ما شئتم} {وهديناه النجدين} {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} {ونفس
وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} {فأما من
أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره
للعسرى} {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} {لمن شاء منكم أن يستقيم}
{فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}.
وفي الحديث: (إنما الأعمال بالنيات) (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) (أنا عند ظن عبدي
بي فليظن بي ما شاء) (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فإنما أطعمه الله وسقاه) فنسب
الفعل لنفسه لفقدان اختيار عبده بسبب نسيانه.
أما قوله تعالى: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} فهذه الآية وأمثالها لا يفهم منها
حرمان العبد من المشيئة، بل يفهم منها أن مشيئة العبد عطية من الرب وهي مضمونة منه
ومحمية، للحفاظ عليها والاطمئنان إليها، وفي ذلك من الترغيب والترهيب ما لا يخفى.
4-القدر والسنن الشرعية والكونية
للأعلى
وما تقرر يتفق مع قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء، ويثبت، وعنده أم الكتاب}. يعني
أنه يمحو ويثبت منه وفيه ما يشاء ويريد {ما ننسخ من آية أو ننسها} فالنسخ للمستقبل
والنسيان للماضي، والله تعالى قادر على المحو ماضياً ومستقبلاً، وهو قادر على ذلك
في الحاضر الواقع، فبيده سبحانه الزمان والمكان يطويهما بقدرته كما يريد ويشاء، وهو
تعالى {لا يُسأل عما يفعل}.
والمقرر يتفق مع قوله تعالى: {ادعوني استجب لكم} والحديث صريح في أن الدعاء يرد
القدر، (ولا يرد القدر إلا الدعاء). وفي الخبر عن عمر: (اللهم إن كنت كتبتني في
ديوان الشقاوه فامحه عني واكتبني في ديوان السعادة)…
وهناك آثار وأخبار مروية مع آيات قرانية كانت تعد من المشكلات المتشابهات، نراها من
خلال هذا المفهوم من الواضحات المحكمات، ومن أمثلة ذلك قوله: {وقيل اليوم ننساكم
كما نسيتم لقاء يومكم هذا} {سنقرئُك فلا تنسى إلا ما شاء الله} حيث يفهم النسيان
ونحوه في هذين الموضعين وغيرهما في ضوء المحو والنسخ.
والمقرر المسلم به بالعقل الفطري متفق مع النقل الشرعي في ثبوت الاختيار في النية،
وبعبارة أخرى: ثبوت الحرية في الإرادة والمشيئة.
وكل من القدر الفطري والشرعي ثابت لا يتغير ولا يتبدل، له ظواهره الكونية وأحكامه
الدينية في حدود المكان والزمان، فالأمر سواء في الديانة والكينونة مع خضوعهما
للقدرة.
ولنضرب لذلك مثلاً من السنن الكونية في النار: {أفرأيتم النار التي تورون أأنتم
أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون}، فقدر الله المعلوم المكتوب هو أن النار حارقة،
ولكن لما ألقي الخليل إبراهيم في نار النمرود، دخلت القدرة عندما أمر النار بقوله:
{يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} فحالت دون الإحراق.
وكذلك الأمر في السنن الشرعية من طاعة ومعصية، فقد جعل تعالى من أسباب دخول الجنة
مثلا اجتناب المعصية، ولكنه سبحانه بقدرته يلغي الأسباب، فيغفر الذنوب ويستر العيوب
ويبدل السيئات حسنات ويضاعف الحسنات.
هذا، وإن ما قدمناه من دليل واستدلال قليل من كثير، وفي القرآن والسنة من الآيات
والبيانات، وفي الفطرة العقلية من البينات، ما يقرر ويؤكد حقيقة القدر، واستمع إن
شئت إلى مطلع من مطالع القرآن: {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون
له أنداداً ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها
أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها
وللأرض: ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا: أتينا طائعين، فقضاهن سبع سموات في يومين
وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز
العليم}.
فقد أشار في الخاتمة إلى التقدير العلمي وبمعناه الخلق والجعل والقضاء والإيحاء..
ذلك تقدير العزيز العليم.
وهذا القدر المعروض في التكوين المادي ومثله في التشريع الديني تعترضهما القدرة
بالإرادة والمشيئة…
5-الجبرية والقدرية
للأعلى
إن القدر بهذا المفهوم يتناسب مع مشروعية التكليف ويتناسب مع المسؤولية الجزائية
بحيث يدفع للعمل ويمنع الكسل ويحقق إثبات العدل لله وينزهه عن الظلم، وفيه رد على
الجبرية، كما يثبت العلم لله وينزهه عن الجهل، وفيه رد على القدرية.
فالقدرية ترى الإنسان يخلق فعله، ولازمه القول بالبداء ونسبة الجهل إلى الله، تعالى
عما يقولون.
أما الجبرية فترى الإنسان مكرهاً على فعل الطاعة والمعصية، ومكرهاً على دخول الجنة
والنار، ولازمه نفي العدالة وحصول المحاباة لفريق من الناس دونما سبب وهو ظلم،
تعالى الله عما يتقولون.
والجبري لا يرى قيمة للعمل فيكسل، ويصبح تابعاً للواقع بمغيراته ومؤثراته.
والفرق كبير بين الجبرية والقدرية، فهما فريقان مختلفان قائمان على الإفراط
والتفريط.
وفي تاريخنا صراع بين الفريقين ابتدأ في وقت مبكر في حلق الفكر بين أهل الذكر، ثم
امتد إلى عامة الناس ودخل ميادين الاجتماع والسياسة، ومن هؤلاء المعتزلة القدرية
ولهم دورهم في الخلافة الحاكمة والحضارة التي كانت قائمة، فسادت وبطرت ثم بادت أو
كادت.. والجبرية لهم أدوارهم الخطيرة أطولها الخلافة العثمانية التركية التي تبنت
الجبرية الصوفية، فكانت عامل تخلف حضاري وتحجيم عقلي وانحطاط خلقي ونفسي.. فالشرعة
الجبرية برأت الإنسان بعد أن جردته من حوله وطوله وتكليفه ومسؤوليته، فليس لأحد أن
يعترض أو يفترض فينطرد كما يقول بعض الصوفية.
واستمر الحال على هذا المنوال إلى القرن الهجري الماضي لحين قيام المدرسة الإصلاحية
المعاصرة ومن أشهر رجالها "محمد عبده" الذي واجه الجبرية وحاول إعادة القدرية
متأثراً بالغرب والشيعة المعدودين من القدرية.
ولا زال كثير من الناس في حيرة فكرية وحركية بين القدرية والجبرية، وتساق أدلة
الكتاب والسنة على مشروعية كل فريق وأحقيته، ويقع المعاصرون المتأخرون فيما وقع فيه
المتقدمون الأولون من الغلو في الإفراط والتفريط الباطلين، والحق وسط بينهما كما
يقولون، ولنا أن نقول: هو فوقهما، ولم نقبل التوسيط بين الجبرية والقدرية، لأن
القدر إما أن يجمع شريهما وهو مردود مرفوض، وإما أن يجمع خيريهما، وهو جمع قاصر،
فالبينية لا تغني عن الفوقية.
اللهم إنا بقدرتك نسألك أن تغفر ذنوبنا وتستر عيوبنا وتبدل سيئاتنا حسنات، وتضاعف
لنا الحسنات… آمين.
6-خاتمــة في مذاهب القدر
للأعلى
تبين مما تقدم أن الناس في مفهوم القدر على ثلاثة مذاهب:
الأول: القدرية، وأصحاب هذا المذهب هم نفاة القدر، واشتهر منهم المعتزلة والشيعة،
ويعد العالم الغربي المعاصر بينهم.
والقدرية تعتمد على حق الله في تكليف العبد بالخير والشر، وعلى عدله تعالى في
المسؤولية الجزائية بالثواب والعقاب، كما تعتمد على حق العبد في حرية الاختيار وخلق
الفعل.
ويتميز القدري بالتزام السنن والأخذ بالأسباب الدينية والدنيوية رجاء وخوفاً من
المسؤولية الجزائية.
ويؤخذ عليه تفريط في حق الله بادعاء البداء وعدم العلم بفعل العبد إلا بعد وقوعه،
كما يؤخذ عليه الإفراط في حق العبد في خلق الفعل.
الثاني: الجبرية، وأصحاب هذا المذهب هم غلاة الإثبات، وعامة أتباع الأديان منهم،
وبينهم كثيرون من المسلمين وفيهم جموع الصوفية.
والجبرية تفسر القدر بالقدرة أو بالعلم المطلق، ولذلك فهي تعتمد على حق الله وحده
ولا حق للعبد البتة، فليس له حرية في الاختيار ولا في الفعل.
وظاهر الجبرية اتهام الله في عدله بنسبة الظلم إليه وعدم الحكمة في التكليف
والجزاء.
والجبري يتواكل ويهمل السنن والأسباب، فيعطل العبادة والعمارة، ويقع فيما وقع فيه
الصوفية من فناء الذات والصفات والاتحاد والحلول ووحدة الوجود.
الثالث: مذهب أهل الحق، ويشهد له الكتاب والسنة، ونقول أهل التحقيق من هذه الأمة،
وهو: فوق الوسطية. ونعني بالوسطية التوسط بين الجبرية والقدرية.
وهذا المذهب يعتمد عل حق الله في نفي الجهل وإثبات العلم مع إثبات العدل ونفي
الظلم، والتفريق بين قدر الله وقدرته وعلمه المطلق، ولا يهمل حق العبد في الاختيار
والمسؤولية.
والقدر بهذا المفهوم هو: (العلم المكتوب في اللوح المحفوظ)ويدخل فيه أفعال العباد
والسنن والأسباب الدينية والدنيوية، فالقدر غير العلم المطلق الذي لا يدرك كنهه،
وليس هو قدرة المشيئة والإرادة، لأن القدرة فوق القدر، فهي تثبته أو تمحوه وتنسخه
وتنسئه وتنسيه.. والله أعلم.