البصائـــــر الثمانون

لعرض البصائر بصفحة مستقلة اضغط هنا .

تم إضافة بصيرة رقم 81 وهي الدعاء وقراءة القرآن

 المقدمة

جاورت بمكـة المـكرمة أسابيع وأياماً من شهري جمادى ورجب عام 1425 من الهجرة النبوية ، وهناك أعدت النظر فـي مجموعة ( خاتـمـة المؤلفات ) ... تكملة المقدمة...

عناوين البصائر الثمانون

1- موازين العلم وميادين العمل  43- حكم عيد النوروز
2-3 القراءة والكتابة   44- حفظ القرآن وتحفيظه
4- النسخ: الناسخ والمنسوخ   45- جمع القرآن
5- التعـريف بالله: الأسماء والصفات   46- تنجيم القرآن
6- رأي ابن القيم في الأسماء والصفات   47- إعجاز القرآن
7- القدرة فوق القدر  .  48- أقسام التوحيد
8- الترجمة الحرفية وترجمة المعاني    49- صلة الإنسان بالله
9- إبـاحة الحيـوان    50- الإسلام والفطرة
10- الردة والحرية الدينية    51- الظاهرية
11- أقسام الكفر بالدين    52- الباطنية
12- تعريف القرآن    53- الطاغوت
13- الإجماع والدليل الشرعي   54- صورة الرحمن
14- التصوير والمصورون    55- الإستواء على العرش
15- تعـريف الإنسـان    56- محمد سيد ولد آدم
16- التكفير والتهـجير   57- النبي والرسول
17-المجمع العلمي:تحديد الدين وتجريده وتجديده  58- آدم وحواء والإنسان
18- دولة الشعـوب الإسلامية   59- آدم والخلافة
19- محـبـة اللـه    60- جنة آدم
20- خواطر منثورة   61- سموات الأرض
21-22 التفسير وعلوم القرآن   62- مخطوطات
23- القومية الكردية   63- التفسير المنتظر
24- الشعب الكردي المسلم   64- كفر تارك الصلاة
25- الـديمقـراطية   65- رؤية الهلال
26- أصول الـدين   66- صدقة الفطر
27- المحكم والمتشابه  67- مذهب التبين بين الكفر والإسلام
28- القرآن القـديم   68- أصول الأحكام
29- جـمع الحديث   69- مساجد بلا مظاهر
30-31- آيات الأحكام وأحاديث الأحكام   70- تفضيل لغة على لغة
32- الجهـاد   71- التدخين بين المنع والتحريم

33- طلاق الغضبان 

72- المرأة والمساواة
34-ظاهر الدين وباطنه. 73- أسماء الله في القرآن_إحصاء وبيان

35- الإرهاب الإسلامي   

74- قضاء الصلاة
36- عصمة الأنبياء والأولياء 75- مصحف صدام
37- تعدد الزوجات 76- مصير المعبودات
38- كشف النفس   77- أسباب هلاك الأمم في القرآن الكريم
39- موسى والخضر   78- اختيار الجنس
40- العورة والحجاب   79- تفسير سورة الرعد
41- عذاب ونعيم القبر

80- رسالة المجمع العلمي إلى العلماء والرؤساء

81 - الدعاء وقراءة القرآن (جديد)
42- قواعد الدين في التعامل بين الناس ملحق آثار مؤلفات مخطوطة ومطبوعة
  ملحق شهادات جرح وتعديل

ملحق شهادة تعديل للدكتور محمد شكري زاويتي.

 

جاورت بمكـة المـكرمة أسابيع وأياماً من شهري جمادى ورجب عام 1425 من الهجرة النبوية ، وهناك أعدت النظر فـي مجموعة ( خاتـمـة المؤلفات ) .

وقد كان المفهوم المراد من كلمة الخاتمة ( خاتمة المؤلفات ) هو رفع القلم وطي الصحف والانصراف إلى المسجد للصلاة وقراءة القرآن والدعاء رغباًَ ورهـبـاً [ فإذا فرغت فانصب. وإلى ربك فارغب ] ( 7-8/94 ) [ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ] ( 99/15 ) .

لكن ذلك الفهم توسع لإضافة " بصائر " كعلم أو كعبادة ولا منافاة بينهما والفارق إن وجد فهو أن العلم أسبق مرحلة وأعظم مرتبة .

و " بصائر " جمع بصيرة من أبصر ومنه البصر للرؤية بالعين وهي أَثبت من السمع واللمس وغـيـرهما من أسباب العلم ، وضدها العمى والعياذ بالله : [ قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ ] ( 104/6 ) .

قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ] ( 108 /12 ) وبصائري بعضها جديد والباقيات مراجعات ومختارات مأخوذات من مؤلفاتي كالمفاهيم والأحكام والخواطر والبيانات .. العلمية والسياسية .. مع محاولة تهذيبها أو تذهيبها وتحصينها أو تحسينها .. وهاكم مجموعة منها في أربعين بصيرة وبصيرة .

و المأمول أن اللائحة القائمة والمنتظرة طويلة عريضة نأخذ منها ما يمكن أخذه منها ، ونترك فيها ما يمكن تركه فيها ، دونما تسلسل زمني أو ترتيب موضوعي لغاية في نفسي .  

ولست أنسى دعوة الآخرين من الموالين والمعارضين والساكتين فلازلت أرى أن من الحق الواجب تقديم النصح والمشاركةَ في النقد البناء عقلاً ونقلاً قبولاً ورفضاً ..

والله ربنا نسأل أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه ، ونسأله سبحانه أن يرزقنا حسن الخاتمة الحسنى .

 تقــــــــــــــــــديم

تقدمت العام الماضي بالمجموعة الأولى من البصائر العلمية والسياسية، بلغت أربعين وواحدة (1-41)، وحينها تم طبعها ونشرها. 

وأتقدم هذا العام بالمجموعة الثانية، وتبلغ أربعين إلا واحدة (42-80)، والمجموع ثمانون بصيرة: فيها الجديد، وفيها القديم المأخوذ من كتاب: تحديد الإسلام وتوحيد المسلمين، وكتاب: تحرير الكرد وتوحيد كردستان...

والثمانون عددا وإن كان كبيرا كثيرا في ذاته إلا أنه لا يعد كبيرا ولا كثيرا بالنظر إلى وظيفته في الإصلاح –تشخيصا ومعالجة- ولذا فإن الأبواب تبقى مفتوحة لاستقبال المزيد من البصائر من أجل تحقيق أهداف المجمع العلمي والحزب الإسلامي، وهي: تحديد الدين وتجريده وتجديده وتكريده.

والمراد: تحديد الإسلام على أصوله وثوابته، وتجريده من الدخيل العليل، وتجديده للحاضر والمستقبل، والتكريد يعني ترجمته إلى اللغة الكردية للأكراد، كأنه أُنزِل فيهم..[ليبيّن لهم]..[أفلا يتدبرن القرآن، أم على قلوب أقفالها].

 

 

1

موازين العلم وميادين العمل

 

 

العلم والعمل أصلان متلازمان ومتكاملان في حياة الإنسان في هذه الدنيا التي جعلها الله دار تكليف بالعبادة علماً وعملاً ، وللعلم موازينه وللعمل ميادينه :

موازين العلم ثلاثة :

الأول: ميزان الدين الإلهي: دليله الكتاب والسنة ، وحكمه بيان علم الحلال والحرام.

الثاني: ميزان الفطرة الإنساني: دليله العقل السليم ، وحكمه بيان النافع والضار.

الثالث: ميزان العرف الاجتماعي: دليله الإجماع، وحكمه بيان الحسن والقبيح.

وموازين العلم الثلاثة هي زاد السفر ونور الطريق بالنسبة لميادين العمل، وهذه الموازين مرتبة، فدين الله أولاً لأنه وحي معصوم، ثم الفطرة الإنسانية لأن سننها ثابتة، وأخيراً العرف الاجتماعي وهو نسبي يتطور ويتغير.

ميادين العمل متعددة نجملها في أربعة:

الأول: ميدان النفس، وفي النفس يجري الصراع بين الخير والشر أو بين التقوى والفجور : [ فألهمها فجورها وتقواها ] ( 8/91 ) ويغلب أحدهما الآخر : [ قد افلح من زكاها . وقد خاب من دساها ] ( 9-10/91 ) .

والتزكية و الفلاح في الصراع النفساني هو التخلص من النفس الأمارة بالسوء ومن النفس اللوامة والوصول إلى النفس المطمئنة..

الثاني: ميدان الأهل في تربيتهم وتعليمهم ورعايتهم ودعوتهم في بشارتهم ونذارتهــم، وهؤلاء الأهلون أولياء و قد ينقلبون أعداءً على الرغم من قربهم وقرابتهم : [ إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم ] ( 14/64 ) فإذا كان هذا حال بعض الأهلين فما بالك بغيرهم من الآخرين من العشيرة والقوم وعموم الناس ؟ ولذا يتوجب الصبر عليهم ومداراتهم وإعذارهم ما أمكن.

الثالث: ميدان القومية بدءا بالعشيرة.

الرابع: ميدان الإنسانية العامة.

وميادين العمل الأربعة تمثل دعوة الأنبياء المرسلين -والعلماء ورثتهم- وهذه الميادين مرتبة بداية بالنفس [ عليكم أنفسكم ] ( 105/5 ) ثم الأهل [ قوا أنفسكم وأهليكم ]  ( 6/66 ) ثم العشيرة [ وأنذر عشيرتك الأقربين ] ( 214/26 ) والقوم ، وفي القرآن بيان وفي السنة كذلك بيان أن كل نبـي أرسل إلى قومه خاصة، وأن خاتمهم أرسل إلى الناس كافة .. صلى الله عليه وعليهم وعلينا وسلم.

 

 

2-3

القراءة والكتابة

 

 

  بدأ نزول القرآن بالدعوة إلى القراءة والكتابة : [ اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم * ] ( 1-5/96 ) .

  القراءة باللسان من الغايات ، والكتابة بالقلم من الوسائل .. ودائرة البحث وسيعه في الاثنتين نقتصر في الأولى على علاقة القراءة بالتجويد ، ونقتصر في الثانية على علاقة الكتابة بالقواعد :

أ ـ القراءة والتجويد:

  التجويد : إجادة القراءة يريدون به الترتيل الوارد في الكتاب أو التغني الوارد في السنة ، وهو كيفية في الأداء أوجبه بعض القرّاء ، وآخرون لم يوجبوه وردّوا أدلة الموجبين وبخاصة دعواهم أن اللغة العربية في الأداء العام هو التجويد ذاته ، ولا يخفى ضعفه لأن التجويد لم يروَ في الحديث وهو أقرب النصوص إلى القرآن ، ولم يرِد في الشعر وهو ديوان العرب ولا في السجع ولا فـي النثر والخطب والحكايات والأمثال وغـيـرها من كلام العرب ..

  فالادعاء بأن التجويد حتماً لازم وأن من لم يجود القرآن حتماً آثم .. مسألة فيها نظر ، يقول ابن تيمية : " ولا يجعل همته فيما حجب فيه أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن إما بالوسوسة بخروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإمالتها ونطقٍ بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك ، وكذلك شغلِ النطق بأءنذرتهم وضم ميم عليهم ووصلها بالواو وكسر الهاء أو ضمها ونحوِ ذلك ، وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت .. " إهـ .

  وبعض التجويد حق يشهد له خط المصحف في الحذف والفصل والوصل مثل الإدغام في " أن لا " حيث كتبت " ألاّ " بإدغام النون في اللام وكذا " من ما " حيث كتبت " مما " بإدغام النون في الميم .. وينبغي دراسة هذه الظاهرة في المصحف كله مع محاولة وضع علامات الترقيم حسب المعاني الموضوعية ولم يرَ الشيخ طاهر الكردي بذلك بأساً .

  والوزن في رؤوس الآيات شاهد على الوقوف للتغني على شبه بقافية الشعر وفاصلة السجع وليس له علاقة بالوقوف الموضوعية ، فلا مسوغ لرجوع القارئ وإعادته من أجل الوحدة الموضوعية وإتمام المعنى لأنه تكرار يوهم دخوله في النص،كما في قوله تعالى : [ وأكواب كانت قوارير قوارير من فضة ] ( 15 – 16/76 ) وقوله : [ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا ] ( 108/9 ) و تدبر ذلك مع فاتحة سورة الروم [ الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم * ] ( 1-5/30 ) والشواهد كثيرة.

  وكثير من التجويد تجاوز الحدود بالمدود والغنن والقلقلات والإقلابات والإخفاءات والإدغامات والمبالغات في مخارج الحروف ، وسبب ذلك قطع الكلام وتداخله حتى أصيب كثير من الكلمات بالغموض على حساب المعاني .. و هذا من أهم الأسباب المؤدية إلى قصور العامة من العرب وهم من أهل العربية عن فهمهم وتدبرهم للقرآن العربي المبين .

ب ـ الكتابة والقواعد :

  لم يلتزم الكاتبون الأولون بقواعد الكتابة الإملائية في الكثير من المواضع ولم يصحح لهم مَن أتى بعدَهم فزيدت حروف وحذفت حروف أو كتبت على خلاف ما قرئت .. والمواضع لا تكاد تحصى ويجب إحصاؤها مهما كثرت لأن الواجب المؤكد هو كتابة القرآن على الوجه المقروء الملفوظ وعلى سبيل الموافقة والمطابقة بلا زيادة وبلا نقصان وبلا تبديل وبلا تغيير .. لكن الواقع مختلف الحال كما قلنا مع الأخذ بعين الاعتبار تطور قواعد الإملاء ، وهاكم أمثلة :

ألف لام ميم أسماء لحروف كتبت ألم حروفاً ، وهي وأمثالها في فواتح تسع وعشرين سورة .

الصلاة والزكاة بالألف كتبتا بالواو الصلوة والزكوة ، والتوراة بالألف كتبت بالياء التورية .

لأذبحنه بالإثبات كتبت لا أذبحنه بالنفي .

سأريكم مـن الـرؤيـة كتبت بالواو سأوريكم أي سأحرقكم أو سأخفيكم .

المسيطرون بالسين كتبت بالصاد المصطيرون .

ننجي بنونين كتبت بنون واحدة نجي .

ملإه ، بأيد كتبتا بياء زائدة ملإيه ، بأييد ..

الجنة كتبت بالتاء المربوطة وكتبت بالتاء المفتوحة جنت .

ومعروف أن الكتابة العربية فصلت بين الحركات والحروف فلم تعدَّ الحركات حروفاً فلا يمكن استعمالها إلا مع الضبط بالشكل في كل شيء حتى  الرسائل العادية والصحف اليومية ، أو إلا بعد معرفة علم النحو والصرف ، وهما علمان يتعذر تعلمهما كما يتعذر استعمالهما , ولو أن كلمة بثلاثة أحرف طرحت دون شكل لأمكن أن تقرأ باثني عشر وجهاً وأزْيد كلها خطأ إلا واحدا ، وذلك كبير وكثير على لغة من اللغات وبخاصة في وقت لا توجد فيه أم عربية تلقن اللغـة الفصحى ، ولا توجد مدرسة تيسر علم النحو والصرف ، ولا مطابع تكتب كل شيء بكامل الشكل.

لقد وقع الخطأ من الكاتبين الأولين ولم يكونوا معصومين وكانوا معذورين.. يؤكد ابن خلدون على أن ليس في خطإهم نقص في خلق أو دين بناءاً على أن الكتابة من الصنائع المعاشية المدنية ..

ولقد منع الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام الكتابة بخط المصحف وعلله بقوله : " لئلا يوقع الجهالَ في تحريف القرآن " .

وأقول : هو كذلك ، وهو أيضاً لئلا يوقع العلماءَ في كتمان العلم ، والوعيد فيه شديد فعلى الكاتبين الآخِرين واجب الكتابة من جديد ..

وما هذا الشأن إلا كشأن الكعبة المشرفة في إدخال حجر إسماعيل إلى داخل البيت العتيق ، ليكون البناء على قواعد الخليل إبراهيم تحقيقاً لأمنية خاتم الأنبياء المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين .

 

 

 

4

النسخ : الناسخ والمنسوخ

 

 

النسخ هو : رفع حكم شرعي ، أو إزالته وإلغاؤه وإبطاله ، والحكَم في عملية النسخ روايات ندر فيها الصحيح واجتهادات وليس المقام مقام الاجتهادات .

وحسب هذا التعريف فإنه لا يكون في القرآن نسخ لا ناسخ ولا منسوخ .

والمتقدمون  توسعوا في مفهوم النسخ فاستعملوه في التدرج في التشريع وفي تخصيص العام وتقييد المطلق والاستثناء والشرط والصفة ..

والمتأخرون وهم ما بعد ومَن بعد الشافعي فالنسخ عندهم هو النسخ المعروف وهو رفع حكم .. إلخ

ولفظ النسخ استُعمل في معناه الجامع للآية الكونية والشرعية [ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ] ( 106/2 )وبمعناه المحو [ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ] ( 39/13 ) .

واستُعمل النسخ بالمعنى الخاص للآية الشرعية [ فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ] ( 52/22 ) وبمعناه التبديل [ إذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفترٍ ] ( 10/16 ) .

وفي تاريخ النسخ فريقان :

الفريق الأول نفاة النسخ والحق معهم على الظاهر، والأصل لهم في ثبوت الحكم وعدم النسخ إلا إذا قام تناقض وتـحـقـق تعارض وذلك محال [ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ] ( 82/4 ) .

الفريق الثاني دعاة النسخ –الناسخون- وهم بين حدين في الأعلى لا حد لدعاواهم، فالقرآن كله معرض ومعروض لطروء النسخ عليه ، يليهم الذين حددوا عدداً والمكثرون منهم تجاوزوا الـ 500  ومثل هذا لا يصدق وكذا الذي قبله.

والمشهور عند الناسخين 22 دعوى ناقشتها في رسالة "النسخ في القرآن الكريم" ورددتها جميعاً إلا ثلاثاً هي أيضاً رددتها والحمد لله .

[ إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ] ( 78/56 ) [ وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مـن خـلـفـه تنزيل من حكيم حميد ] ( 41/41 ) .

في المكتبة القرآنية كتاب معاصر في علوم القرآن عنون له صاحبه بعبارة "لا نسخ في القرآن ... لماذا ؟" و"لا" نافية ناهية .

وفـي الـمـكتبة تفسير وسيط للقرآن هو أيضاً معاصر وفي مقدمته عبارة " القرآن لا ناسخ ولا منسوخ فيه" .. والتفسير المذكور أعدّ من أجل عامة المسلمين ولدعوة غير المسلمين .

وكتب أخرى جاء فيها ما جاء من لدن "ابن بحر" وإلى "أبي زهرة".

الأول ضمن مذهبه في تفسيره المشهور وردّ دعاوى النسخ ووجه إحكام الآيات المنسوخة ..

الثاني قرر في كتابه "مصادر الفقه الإسلامي" أن لا ناسخ ولا منسوخ بل الأحكام جميعها متكاملة ثابتة .

  في رسالتي "النسخ في القرآن الكريم" ط 1409 قلت :

  (إن علم النسخ من أعجب العلوم وأغربها فهو بين طرفين إفراطاً وتفريطاً من غلو في النفي والإثبات ، ولا توجد بين أيدينا دراسات منهجية كافية من موسوعية تجمع الشتات ، أو موضوعية تبت وتحسم تأصيلاً وتفصيلاً لتصل بهذا العلم إلى قرار معلوم سليم .

  وكثيـر من المصادر المتخصصة والمراجع التي تناولت موضوع النسخ ـ وهي التفاسير وعلوم القرآن وأصول الفقه ـ اهتمت بالجمع والتكديس والتكريس ، وفي أحيان كثيرة غلب ضعف النقل ووهم العقل حتى كبر هذا العلم ورماً وعظم سقماً ، أو تكدر على طالبيه ، وخفي عن المحتاجين إليه ، واختلط فيه الزَّبد بالزُّبدة .

ومن الشواهد الدالة على مبلغ التساهل دعاوى هبة الله بن سلامة الضرير وقد أورد في كتابه أكثر من مائتين وثلاثين دعوى نسخ ، ونسخ بآية السيف نصفها !!

ومن الطرائف ما حكي عنه في قوله تعالى : [ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ]  .

قال هبة الله : منسوخ من هذه الجملة [ وأسيراً ] .

فقالت ابنته : أخطأت يا أبت في هذا الكتاب !

فقال لها : وكيف يا بنية؟

قالت : أجمع المسلمون على أن الأسير يطعم ولا يقتل جوعاً .

 

5

التعريف بالله

الأسماء والصفات

 

 

الاسم : ذات موصوفة كاسم العلم واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة.

الصفة  : صفة فعلية كالماضي والمضارع ، وصفة اسمية كالمصادر .

والمقصود من الاسم هو مضمونه من الصفة فهي تصف المسمى وتبين ماهيته ووظيفته .

وأول الأسماء أو المسمى الأول هو الله ثم الملائكة و الجن ثم الإنسان والحيوان والنبات وغيرها من المخلوقات في الأرض والسماوات [ ويخلق ما لا تعلمون ] ( 8/16 ) ولكل شيء اسمه أو أسماؤه الخاصة به .

ويعد علم الأسماء والصفات من أهم علوم القرآن لتعلقه بمعرفة الله في ربوبيته و ألوهيته ولتعلقه بالخلائق وبخاصة الإنسان في تكليفه وعبوديته لربه سبحانه وتعالى.

ولله أسماء  أنزلها في كتابه جمعتها في رسالة " أسماء الله في القرآن إحصاء وبيان " والإحصاء : جمع الأسماء الصريحة بلا اجتهاد وقد بلغت 168 اسماً .

والصفات المأخوذة منها بلغت 115 صفة .

وتناولت الأسماء مع صفاتها بذكر العدد في القرآن مع بيان المعنى اللغوي والدلالة في الدين وناقشت ابن القيم في الأسماء والصفات وسيأتي رأيه ورده .

وقد أعد الأستاذ مصطفى شاهر خلوف بحث "صفات الله في القرآن" و"صفات الإنسان في القرآن" في سلسلة "الصفات في القرآن" .

وبانتظار الحلقات الباقية من أجل التتميم والتكميل .

برفقه الأسماء بالترتيب الهجائي لتحديد مواقعها وتسهيل مراجعتها ، واللوحات المخطوطة هي بالترتيب الموضوعي .

أسماء الله في القرآن بالترتيب الهجائي ، وقد ميزت المروية منها بخط تحتها :

 

 

1- الآخذ

        2- الآخر

        3- الأحد

4- الأحسن

        5- الأحق

        6- الأحكم

7- الأرحم

        8- الأسرع

        9- الأشد

10- الأصـدق

        11- الأعلى

        12- الأعلم

13- الأقرب

        14- الأكبر

        15- الأكرم

16- الإله

        17- الله      

18- أهل التقوى

19- أهـل المغفرة

        20- الأولى

        21- الأول

22- البارئ

        23- الباطن

        24- البديع

25- البـر

        26- البـريء

        27- البصـير

28- التواب

        29- الجاعل

        30- الجامع

31- الجبار

        32- الحاسب

        33- الحافظ

34- الحاكم

        35- الحسيب

        36- الحفيظ

37- الحفي

        38- الحق

        39- الحكم

40- الحكيم

        41- الحلـيم

42- الحميد

43- الحـي

        44- خـــــــادع المنافقين

        45- الخـالق

46- الخبـير

        47- الخـلاق

        48- الخـير

49- خير الماكرين

        50- ذو الانتقام

        51- ذو الإكرام

52- ذو الجلال

        53- ذو الرحمة

        54- ذو الطول

55- ذو العقاب

        56- ذو العرش

57- ذو الفضل

58- ذو القوة

        59- ذو المعارج

        60- ذو المغفرة

61- الراحـم

        62- الرازق

        63- الرافع

64- الرؤوف

        65- الرب

        66– الرحمن

67- الرحيم

        68- الرزاق

        69- الرفيع

70- الرقيب

        71- الزارع

        72- السريع

73- السلام

        74- السميع

        75- الشاكر

76- الشاهد

        77- الشديد

        78- الشفيع

79- الشكور

        80- الشهيد

        81- الصادق

82- الصمد

        83- الظاهر

        84- العالم

85-عدو الكافرين

        86- العـزيز

        87- العظيم

88- العفو

        89- العلي

        90- العلام

91- العلـيم

        92- الغافر

        93- الغالب

94– الغفار

        95- الغفور

        96- الغني

97- الفاتح

        98- الفاصل

        99- الفاطر

100- الفاعل

        101- الفالق

        102- الفتاح

103- الفعال

        104- القائم

        105- القابل

106- القادر

        107- القاهر

        108- القدوس

109- القدير

        110- القريب

        111- القهار

112- القوي

        113- القيوم

        114- الكاتب

115- الكاشف

        116- الكافي

        117- الكبير

118- الكريم

        119- اللطيف

        120- المالك

121- الماهد

        122- المؤمن

        123- المبتلي

124- المبرم

        125- المبين

        126- المتعالي

127- المتكبر

        128- المتم

        129- المتوفي

130- المتين

        131- المجيب

        132- المجيد

133- المحيط

        134- المحيي

        135- المخرج

136- المخزي

        137- المرسل

        138- المستعان

139- المستمع

        140- المصور

        141- المطهر

142- المعذب

        143- المغـير

        144- المقتدر

145- المقيت

        146- الملك

        147- الملـيك

148- المنتقم

        149- المنذر

        150- المنزل

151- المنْشئ

        152- المهْلك

        153- المهيْمن

154- الموسع

        155- المولى

        156- الموهن

157- الناصر

        158- النصير

        159- الهادي

160- الواحـد

        161- الوارث

        162- الواسع

163- الوالي

        164- الوحـيد

        165- الودود

166- الوكيل

        167- الولي

        168- الوهاب


 

 

ويضاف الاسم ( المتـربص ) رقم ( 126 ) .

 

 

 

 

 

6

رأي ابن القيم في الأسماء والصفات

 

رأي ابن القيم: في كتابه "طريق الهجرتين وباب السعادتين" ‏ما نصه وننقل النص على طوله ثم نتبعه بما يفتح الله به.. قال ‏رحمه الله تعالى :‏ "( إطلاق ما أطلقه الله على نفسه ) : فعليك بمراعاة ما أطلقه ‏سبحانه على نفسه من الأسماء والصفات والوقوف معها ، وعدم ‏إطلاق ما لم يطلقه على نفسه ما لم يكن مطابقاً لمعنى أسمائه ‏وصفاته ، وحينئذ فيطلق المعنى لمطابقته له دون اللفظ ، ولاسيما ‏إذا كان مجملاً أو منقسماً إلى ما يمدح به، وغيره فإنه لا يجوز ‏إطلاقه إلا مقيداً ، وهذا كلفظ الفاعل والصانع فإنه لا يطلق عليه ‏في أسمائه الحسنى إلا إطلاقاً مقيداً أطلقه على نفسه، كقوله تعالى : [ ‏فعال لما يريد ] 16/85 ، [ ويفعل الله ما يشاء ] 27/14 ‏و قوله : [ صنع الله الذي أتقن كل شيء ] 88/27 .‏

فإن اسم الفاعل والصانع : منقسم المعنى إلى ما يمدح عليه ‏ويذم ، ولهذا المعنى - والله أعلم - لم يجئ في الأسماء الحسنى المريد ‏كما جاء فيها السميع البصير، ولا المتكلم ولا الآمر الناهي لانقسام ‏مسمى هذه الأسماء بل وصف نفسه بكمالاتها وأشرف أنواعها .‏

ومن هنا يعلم غلط بعض المتأخرين وزلقه الفاحش في اشتقاقه له ‏سبحانه من كل فعل أخبر به عن نفسه اسماً مطلقاً فأدخله في أسمائه ‏الحسنى ! فاشتق له اسم ‏الماكر ، والخادع ، والفاتن ، والمضل ، والكاتب ، ونحوها من قوله : [ ويمكر الله ] 30/8 ، ومن قوله : [ وهو خادعهم ] 142/4 ، ومن ‏قوله : [ لنفتنهم فيه ] 131/20 ، ومن قوله : [ يضل من يشاء ] 27/13 ‏وقوله تعالى: [ كتب الله لأغلبن ] 21/58 .‏

(خطأ إطلاق الصفات على الله من غير دليل) وهذا خطأ من ‏وجوه :‏

أحدها : أنه سبحانه لم يطلق على نفسه هذه الأسماء ، فإطلاقها ‏عليه لا يجوز .‏

الثاني : أنه سبحانه أخبر عن نفسه بأفعال مختصة مقيدة ؛ فلا ‏يجوز أن ينسب إليه مسمى الاسم عند الإطلاق .‏

الثالث : أن مسمى هذه الأسماء منقسم إلى ما يمدح عليه ‏المسمى به ، وإلى ما يذم . فيحسن في موضع ، ويقبح في موضع ، ‏فيمتنع إطلاقه عليه سبحانه في موضع ، ويقبح في موضع ، فيمتنع ‏إطلاقه عليه سبحانه من غير تفصيل .‏

الرابع : أن هذه ليست من الأسماء الحسنى التي يسمى بها الله ‏سبحانه ، كما قال تعالى : [ ولله الأسماء الحسنى ] 180/7 . ‏وهي التي يحب سبحانه أن يثنى عليه ويحمد بها ، دون غيرها .‏

الخامس : أن هذا القائل لو سمي بهذه الأسماء ، وقيل له : هذه ‏مدحتك وثناءٌ عليك ، فأنت الماكر ، الفاتن ، المخادع ، المضل ، ‏اللاعن ، الفاعل ، الصانع ، ونحوها لما كان يرضى بإطلاق هذه ‏الأسماء عليه ويعدها مدحة ، ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى عما ‏يقول الجاهلون به علواً كبيراً والحمد لله رب العالمين ."اهـ ‏.. ص 364-365 ط دار الوطن ص 329 -330‏

ولنا مآخذ على ما قاله ابن القيم –رحمه الله- من ذلك :

• قوله :" وعدم إطلاق ما لم يطلقه على نفسه.."‏

•• قلت: ما وجه المنع ولشيخه ابن تيمية موقف أحكم ‏منه وأسلم فبعد أن أشار -رحمه الله- إلى الأسماء في ‏كتاب الله وسنة رسول الله وأن لله في كل لغة أسماء وفي ‏اللغة العربية أسماء .. حتى قال : "أو وصفه به المؤمنون ‏الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم" حيث فتح ‏الأبواب للاجتهاد في التسمية أو في كشف الأسماء .‏

•• أقول أيضاً : إن الأصل العام في المسألة هو أن الله رب كل ‏شيء وأن كل شيء هو أثر لـه أي لأسمائه وصفاته وأفعاله ‏سبحانه وتعالى . ومعلوم بالضرورة تلازم الصفة والموصوف ‏وجوداً و عدماً , فلا صفة بغير موصوف ولا موصوف بغير ‏صفة .. وقل مثله في تلازم الفعل والفاعل ، فلا فعل بلا فاعل ولا ‏فاعل بلا فعل .

• قوله : "والخالق البارئ المصور أكمل من الصانع ‏الفاعل" ..‏

•• قلت : إن لفظ الفاعل من الأسماء الصريحة فدعواه: أكمل وَ "ولهذا ‏لم تجئ هذه في أسمائه الحسنى" هي دعوى غير صحيحة فقد ورد ‏اسم الفاعل مؤكداً بصيغة الجمع في ثلاث آيات من سورة الأنبياء ‏أولاها : [ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ] ‏الأنـبـيـاء :17 ، ثانيتها : [ وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير ‏وكنا فاعلين ] الأنبياء :79 ، ثالثتها : [ كما بدأنا أول خلق نعيده ‏وعداً علينا إنا كنا فاعلين ] الأنبياء : 104 .‏

• قوله : "وهذا كلفظ الفاعل والصانع فإنه لا يطلق عليه في ‏أسمائه الحسنى إلا إطلاقاً مقيداً أطلقه على نـفـسـه كقوله : [ فعال لما ‏يريد ] ، [ يفعل الله ما يشاء ] .‏

•• قلت : كرر التمثيل بلفظ الفاعل ولم يستشهد بالمواضع ‏الثلاثة المذكورة في سورة الأنبياء ، أما فعّال فهو اسم مستقل في ‏صيغة المبالغة فلا يصلح شاهداً لاسم آخر مثل فاعل فلكل مبناه ‏ومعناه ، وكذلك استشهاده بـ يفعل مع وجود الاسم الصريح .‏

•• أقول أيضاً : إن الأصل في الأسماء هو الإطلاق والعموم وإن ‏كانت هذه الأسماء مقيدة ، والقيد إنما يلزم لموجب عقلي أو نقلي ‏كما في:خير الماكرين وخادع المنافقين وعدو الكافرين وسيأتي ‏ذكره .‏

• قوله : فاشتق له اسم الماكر والخادع والفاتن والمضل ‏والكاتب .‏

•• قلت : فـي كـلامـه شيء بل أشياء حـيث مثل لاسم الماكر ‏بقوله : [ ويمكر الله ] وهـو فعل مع أن الماكر اسم مصرح به ورد مقيداً ‏بالخيرية [ خير الماكرين ] وكذلك الخادع في [ خادعهم ] أي خادع ‏المنافقين ، واستشهاده على الكاتب بقوله : [ كتب الله لأغلبن ] كذلك حيث ‏أن اسم الكاتب صريح في قوله تعالى : [ وإنا له كاتبون ].‏

• قــولـه : (خطأ إطلاق الصفات على الله من غير دليل] وهذا ‏خطأ من وجوه :

•• قلت : ذكر ابن القيم –رحمه الله- ستة وجوه لما ‏رآه خطأ , وقد كرر فيها ما سبق أن ذكره من أحكام ‏المنع والنفي من غير دليل ، وقياس الرب على العبد في ‏باب المدح والذم هو قياس عقلي مع الفارق الكبير بينهما ‏و لا ينبغي للعقل أن يحكم النقل .

والأمثلة التي ضربها وهي: الماكر والفاعل و المخادع -‏صوابه الخادع- هي من الأسماء الصريحة جمع بينها وبين أسماء ‏مأخوذة من الأفعال وهي : الفاتن المضل اللاعن الصانع .. وذلك لا ‏يستقيم لأنه خلط بين ما يجب أن يتفق عليه من الأسماء الصريحة ‏وبين ما يمكن أن يختلف فيه من الأسماء المأخوذة من غيرها ، ثم ‏إنه كرره مع الاسمين الصريحين : الصادق والمنزل جمع بينهما ‏وبين أسماء أخذت من الأفعال وهي : اللاعن والجائي والآتي ‏والذاهب والتارك والمقاتل والنازل والمدمدم والمدمر .. وذلك أيضاً ‏لا يستقيم للسبب ذاته .‏

•• أقول أيضاً : إن خلاف ابن القيم في الأسماء والصفات يعود ‏لجملة أمور نشير إلى اثنين منها :‏

الأمر الأول : تحديد الاسم والصفة .

‏فالاسم : ذات موصوفة كاسم الفاعل واسم المفعول .

والصفة : فعلية أو مصدرية .

مثاله : اسم الرحيم والتواب والمصور ، الصفة الفعلية فيها : ‏رحم وتاب وصور ، والصفة المصدرية فيها : رحمة وتوبة ‏وتصوير .‏

الأمر الثاني : التقييد والإطلاق أو العموم .

الأصل في الاسم أو الصفة ليس التقييد كما يتوهم كثيرون بل ‏الأصل هو العموم والإطلاق أي الاستقلال ، ولما كانت عامة ‏الأسماء والصفات مقيدة تصريحا أو تضمينا لذا فقد جرى تجريدها ‏من كل قيد ، وإنما لزم القيد لموجب نقلي أو عقلي كما ذكرنا في : ‏خير الماكرين وعدو الكافرين وخادع المنافقين .. حيث لا ينفك ‏الاسم عن قيده بحال .‏

وقد بينت ذلك في -منهج البحث في الأسماء والصفات– عند‏ فواتح كتابي : أسماء الله في القرآن-إحصاء وبيان- فتدبره على بصيرة ‏يا من رعاني الله وإياك بالتوفيق ‏ والرضوان‏ .

والحمد لله رب العالمين

 

 

7

القدرة فوق القدر

 

القدر أو القدر العلمي هو : علم الله المكتوب في اللوح المحفوظ [ إنا كل شيء خلقناه بقدر ] ( 49/54 ) .

القدرة هي : مشيئة الله في تنفيذ القدر العلمي أو ردِّه [ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ] ( 39/13 ) فيمحو منه ويثبت منه ما يشاء .

وبين القدر والقدرة مغالبة فإذا قال العبد يا رب استجاب له ربه بقدرته في رد قدره [ وقال ربكم ادعوني استجب لكم ] ( 60/40 ) .

ومثله مغالبة الرحمة والغضب في حديث ( غلبت رحمتي غضبـي ) .

وعليه فإن القدرة فوق القدر ..

وقد ذكرت ذلك في رسالة "القدر" والرسالة المذكورة مبنية على دعاء  الفاروق: " للهم إن كنت كتبتني في ديوان الشقاوة فامحه عني واكتبني في ديوان السعادة" فقد طلب الفاروق من قدرته تعالى محو قدره سبحانه .

وتدبر هذه الآيات [ ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها ] ( 7-10/91 ) .

فتسوية النفس هي العلم بالتقوى والفجور أو الخير و الشر ، وهذا العلم من عند الله والإلهام به للإنسان هو قدر الله .

والتزكية والتدسية هما من قدرة العبد فإذا جعل العبد قدرته في اللجوء إلى قدرة الله اجتمعت القدرتان بالتزكية والفلاح وإلا اختلفتا بالتدسية والخيبة من قبل العبد .

وفي تاريخ الأمة طرفان غاليان :

الأول : القدرية ومذهبهم أن القدر هو قدرة العبد .

وعرف منهم الشيعة والمعتزلة الذين غلّبوا مسئولية العبد ، وأقاموا في ظلها  حضارة سادت زماناً .

الطرف الثاني: الجبرية ومذهبهم أن القدر هو قدرة الله .

ومنهم جموع من السنة وبخاصة الصوفية وهم وهم من قرون وراء تخلف العالم الإسلامي علميا وحضاريا .

والملحوظ أن الطرفين مختلفان في تغليب حق الرب أو تغليب حق العبد وكل على حساب الآخر وهما متفقان في النظر إلى القدر بعين القدرة والشأن كبير وخطير.

 

 

8

الترجمة الحرفية وترجمة المعاني

 

 

الترجمة : نقل المعنى من لغة إلى لغة ، والترجمة الحرفية قيد لترجمة المعاني بالتزام الحرفية وهي مساواة المعنى للمعنى في اللغتين ، فيخرج عن هذا القيد الترجمة التفسيرية فهي تفسير ،كما يخرج ترجمة التصرف والإضافة والحذف .

لكن الذي قالوه غير هذا قالوا إن ترجمة المعاني هي الترجمة التفسيرية وهي ترجمة التصرف وذلك للوصول إلى أنها ليست ترجمة شرعية وليس لها قدسية النص العربي ، وهذا يذكر بالذين كانوا يمنعون غير العرب من التكلم بالعربية حرصاً على هذه اللغة من أن تلوكها ألسنة الذين هم دون العرب ولغاتهم دون العربية .. وزعموا أن الترجمة نفسها ليست قرآناً لفقدانها الإعجاز البياني ، وكأن اللغة بحروفها وحركاتها وبلاغتها ونحوها وصرفها هي المقصود من رسالة الرب للإنسان ، ورسالة الرب للإنسان هي في المعاني : [ الحمد لله رب العالمين ] ( 1/1 ) [ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ] ( 255/2 ) [ قل هو الله أحد ] ( 1/111 ) [ أن اشكر لي ولوالديك إلي الـمـصـيــر ] ( 14/31 ) [ ادفع بالـتــي هي أحسن ] ( 34/41 ) .. إلى آخر القرآن .

مع الإقرار بأن القرآن في كل شيء معجز للثقلين الإنس والجن وبقية المخلوقات لأنه القرآن كلام الله .

واللغات كلها آيات الله [ ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ] ( 22/30 ) .

وعلة التنزيل بلغة من اللغات محصورة في البيان [ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ] ( 4/14 ) [ ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته ءأعجمي وعربي ] ( 44/41 ) .

وكنت كتبت في المفاهيم "أفضلية لغة على لغة" ونقلت عن ابن حزم نكيره على الذين يفضلون اللغة العربية على غيرها أو الذين يرون أن غير اليونانية كنقيق الضفادع ونباح الكلاب !.

وكتبت في رسالة ترجمة القرآن الكريم تحت عنوان مشروعية الترجمة :

روي أن سلمان الفارسي رضي الله عنه كتب الفاتحة بالفارسية للفرس فكانوا يقرأون بها في الصلاة .

فإذا جازت ترجمة الفاتحة وقامت بها الصلاة دل ذلك على جواز بقية القرآن وصحة الصلاة من باب أولى .

والعرض التاريخي للترجمات لمختلف اللغات دليل على الوقوع خلال مختلف القرون والعصور .

ويبدو أن منع الترجمة جاء متأخراً في نهاية الدولة العثمانية حيث انتشر الجهل بين المسلمين واستغل ذلك المبشرون النصارى مما كانوا يستغلون جهل الناس في التنصير وفتح الأبواب وتمهيد الطريق أمام جيوش الغرب ، ومما يدل على ذلك ما روي أن أحد المبشرين قال لأحد علماء المسلمين : القرآن معجزة حقاً لا تتحمل بلاغته الترجمة ففرح العالم وقال الفضل ما شهد به الأعداء وخطب وكتب أن القرآن تصعب ترجمته ، أو تستحيل ترجمته ، ولا تجوز ترجمته ، وتبعه الناس على هذا !!

وفي القرآن ترجمة لكثير من اللغات كلغة آدم وحواء ونوح وأصحاب السفينة وإبراهيم الخليل وموسى الكليم والكلمة عيسى ولغة الجنة ولغة النار ولغات أخرى .

ومطلوب من القرآن أن يترجم إلى لغات الناس ما دامت دعوته موجهة إليهم جميعاً وماداموا غير قادرين على تعلم لغة التنزيل العربية ، وهاهم كذلك بعد مئات السنين غير قادرين .

وما يضير العربية وجود اللغات معها ، وما يضير غير العربية كذلك أن تقف جموعها على صعيد واحد مع أصحابها فكل اللغات آيات الله وكل الشعوب عيال الله.

ونحن والناس من أهل الأديان في سباق وبخاصة مع النصارى مستمر.

فلقد حرص النصارى على الدوام على ترجمة الكتب المقدسة لديهم لإثبات عالمية الدعاية النصرانية .

والحق أننا نحن المسلمين مع الإسلام في العالم أولى منهم وأحق .

 

 

9

إباحة الحيوان *

 

 

( الحلال بيّن والحرام بيّن ) ـ في الحديث ـ ( الحلال ما أحله الله في كتابه والحرام ما حرمه في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنكم ) .

وعليه فالتشريع تحليلاً وتحريماً بيد الله وحده لا مشرع سواه أنزل شرعه في خاتم كتبه على خاتم رسله ، ورسوله يتلقى الوحي من ربه ويبلغه [ وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحــي يــوحـى* ] ( 3-4/53 ) بلا زيادة [ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ] ( 44-46/69 ) ولا نـقـصان [ وما هو على الغيب بضنين ] ( 24 / 81 ) وقرئ [ بظنين ] .. وعلى خاتم الأنبياء البيان شأنه شأن الأنبياء قبله [ لتبيننه للناس ولا تكتمونه ] ( 187/3 ) فكان عليه السلام معلماً عاملاً داعياً .

حتى إنه ( كان قرآناً يسعى ) ـ في الحديث ـ ( كان خلقه القرآن ) ، والرسول الأمين في قوله وفي فعله هو مؤمن بالقرآن مسلم له ، ليس له أن ينسخه بحديثه ، ولا أن يغيره أو يبدله من تلقاء نفسه ، كما أخبر تعالى عنه وعن قومه : [ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا إئت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليّ إني أخاف إن عصيت ربــي عــذاب يــوم عظيم ] ( 15/10 ) .

ولقبول الحديث قيدان هما صحة السند وسلامة المتن ، وميدان صحة السند الرواة والجرح والتعديل ، وأما المتن فمقيد بموافقة المعلوم بالضرورة الشرعية النقلية والضرورة الفطرية العقلية ، ومعلوم أن الحديث قد خضع زماناً لعمل البشر ولم يسلم كثير منه من الدخيل العليل ، بخلاف كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، حتى نزلت درجته وضعفت قوته عن درجة القرآن وقوته ، فلا يجوز بحال ولا يحل مساواة السنة بالقرآن ، فضلاً عن تقديمها عليه ، والله المستعان عليه ، وبخاصة في مسألة إباحة الحيوان :

والأصل حل الحيوان وإباحته إلا ما نهت عنه النصوص وهو قليل مثل لحم الخنزير، وتحريمه للابتلاء والامتحان كابتلاء آدم بالنهي عن أكل الشجرة .

وكثير من العلماء استدلوا بحديث الناب والمخلب على تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ، وحرموا الكلب لما ورد من غسل لعابه سبعاً إحداهن بالتراب ، وحرموا ما تعافه الطباع وتكرهه النفوس من الحيوان المتقذر ، وظاهر القرآن قصر التحريم على لحم الخنزير كما بين تعالى [ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير ] ( 145/6 ) ، قال ابن عباس : ما خلا هذا فهو حلال ، وقال : ليس شيء من الدواب حرام إلا ما حرم الله في كتابه ، وعن عائشة أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع ومـخـلب مــن الطـيـر تلت الآية : [ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ] ( 145/6 ) ، وعن الشعبي أنه سئل عن لحم الفيل والأسد فتلا الآية .

وفي السنة أيضاً تحريم لحوم الحمر الأهلية كما في حديث جابر وإن كان نسب لابن عباس رده كما روى البخاري من رواية عمرو بن دينار قال : قلت لجابر بن زيد : إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية فقال : قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ولكن أبى ذلك ابن عباس وقرأ [ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ] ( 145/6 ) .

ونقل القرطبـي في تفسيره أن ابن عمر سئل عن لحوم السباع فقال : لا بأس بها ، فقيل له : حديث أبي ثعلبة الخشني ، فقال : لا ندع كتاب ربنا لحديث أعرابي ـ يبول على ساقيه ـ وحديث أبي ثعلبة فيه ( أكل كل ذي ناب من السباع حرام ) وبهذا المعنى روايات وفي بعضها زيادة ( وكل ذي مخلب من الطير ) وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد والحديث عند مالك دون الزيادة .

والمالكية قالوا : يحل أكل كل حيوان طاهر غير ضار، فيجوز أكل الطير الذي له مخلب كالباز والنسر .. والغراب بجميع أنواعه، والمشهور عندهم أن أكل حشرات الأرض جائز إن قبلتها طبيعة الآكل ولم تضر، وقالوا يكره أكل سباع البهائم المفترسة كالأسد والنمر واختلفوا في الكلب والبغال والحمر الأهلية، وقولنا المالكية أي جمهورهم فالمروي عن مالك نفسه تحريم السباع وروى ابن القاسم عنه أنها مكروهة وبه أخذ جمهور أصحابه .

وفي هذا إشكال أصولي لا يخفى والحاجة إلى البيان كانت ولا تزال قائمة بالبحث في عمق المشكلة وجذور المسألة ولذلك فلابد من بيان العلاقة والصلة بين مصادر التشريع المشهورة : كتاب الله عز وجل وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم .

وهذه المصادر مرتبة في درجتها حسب قوتها والمراد من القوة صحة السند في الرواية وسلامة المتن في النص .

فالقرآن هو في الدرجة الأولى لصحة روايته وسلامة نصه [ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ] ( 42/41 ) ، تليه السنة الموحى بها أما السنة الاجتهادية فهي تحت مراقبة الوحي قبولاً ورداً .

وأقوال الصحابة المنقولة عن النبي لها حكم السنة وأقوالهم الأخرى معرضة للخطأ والصواب ، والخطأ بأجر والصواب بأجرين ، والصحابة هم أفضل الناس وقرنهم هو خير القرون ولهم من الأجر ما شاء الله .

والسنة في حقيقتها بيان للقرآن في التفسير وفي التطبيق ما عدا السنة الموحى بها فإن السنة قد تتعلق بالظروف الزمانية والمكانية والشخصية فتعلل وتؤول ، والتعلق بالظروف الشخصية والمكانية والزمانية يثبت في أقوال الصحابة ومن بعدهم فتعلل وتؤول من باب أولى .

وعلى هذا فيمكن توضيح الصلة بين المصادر الثلاثة في حالة تعارضها الظاهري من خلال الأمثلة التالية بين القرآن والسنة وأقول الصحابة :

ـ التعارض بين القرآن والسنة مثل آية إباحة عموم الحيوان باستثناء الخنزير وحديث تحريم السباع ، وحجة من لم يأخذ بظاهر الحديث أو علة ذلك أن لفظ التحريم في السنة مؤول يحمل على المنع والمراد منه الكراهة وغيرها .

ـ التعارض بين السنة والسنة كما في النهي عن ادخار لحوم الأضاحي ثم الأمر بالإباحة ، والعلة من أجل الدافة ، وكذا النهي عن زيارة القبور ثم الأمر بالزيارة لأنها تذكر بالآخرة .

ـ التعارض بين القرآن وأقوال الصحابة كما في منع سهم المؤلفة قلوبهم مع ثبوته في القرآن والعلة عزة المسلمين وكثرتهم ، وكذا عدم القطع في السرقة مع ثبوته في القرآن لحاجة السارقين عام الرمادة .

ـ التعارض بين السنة وأقوال الصحابة كما في منع متعة الحج مع ثبوتها في السنة والعلة دوام الطواف بالبيت طوال العام ، وكذا بقاء بناء البيت مع تمني النبي البناء على قواعد إبراهيم وإسماعيل ... ونحو أو غير هذا وذاك من الأمثلة .

وفي المحرر لابن عطية بعد أن ساق آية إباحة الحيوان عدا الخنزير وساق حديث تحريم السباع قال :

ثم اختلفت الصحابة ومن بعدهم في تحريم ذلك فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أن يحمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهية ونحوها ، وما اقترنت به قرينة التأويل كتحريمه عليه السلام للحوم الحمر الإنسية فتأول بعض الصحابة الحاضرين ذلك لأنها لم تخمس ، وتأول بعضهم التحريم المحض ، وثبت في الأمة الاختلاف في تحريم لحمها ، فجاز لمن ينظر من العلماء أن يحمل لفظ التحريم بـحـسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها . أهـ .

 

10  

الردة والحرية الدينية *

 

[ ... ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فــي الــدنــيـا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ] ( 217/2 ) .

الردة نوع من أنواع الكفر بالخروج من الإسلام أو الإيمان .

وقد ورد في الآية أن المرتد إن لم يرجع ويتب حتى مات على كفره فإن عمله الصالح يبطل في الدنيا ، وفي الآخرة يخلد في النار ومفاده أن لا عقوبة عليه في الدنيا .

وفي الحديث أن عقوبة المرتد القتل ( من بدّل دينه فاقتلوه ) وكذا ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ) وذكر التارك لدينه المفارق للجماعة، والمرتد وإن كان كافراً فإنه يقتل حداً ـ إن كان يقتل ـ والكفر ليس سبباً للقتل فهو كالسارق تقطع يده ، وشارب الخمر والزاني حيث يجلدون ويعزرون ويُقتلون .

ومفهوم الحديث معارض ظاهرا بآيات تقرر الحرية الدينية ، وتمنع الإجبار والإكـراه والسيطرة [ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين  ] ( 99/10 ) [ وما أنت عليهم بجبار ] ( 45/50 ) ، [ لست عليهم بمسيطر ] ( 22/88 ) [ وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ] ( 29/18 ) .

وهذا الذي في القرآن مقرر في فطرة الإنسان حيث يترك العبد مخيراً بين الكفر والإيمان دخولاً وخروجاً كما يشاء .

وكذا مفاد الآية التالية [ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً ] 137/4 ، ويستقر الأمر بوفاته على الكفر أو الإيمان ، والحياة الدنيا دار تكليف بهما نقلا وعقلا .

والحديث إذا خالف القرآن ـ كما قلنا في إباحة الحيوان ـ فإن الحديث يؤول فيحمل الأمر على الإباحة وغيرها لا على الوجوب وحده ، وذلك حسب القرائن التالية من السنة وقول الصحابي والتابعي :

ـ لم يصح في السنة تطبيق لظاهر الحديث ، وما روي من قتل المرتد والمرتدة لم يصح سنده ، بل صح في البخاري وغيره أن الرسول عليه الصلاة والسلام ترك الأعرابي المرتد إلى الوثنية كما ترك الكاتب المرتد إلى النصرانية .

ـ روي أن عمر بن الخطاب رفض طلب أنس بقتل مرتدين واكتفى لهم بالسجن .

ـ روي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلي ميمون في مرتدين أن رد عليهم الجزية ودعهم .

وخلاصته أن لا عقوبة على المرتد أو أن عقوبة المرتد تعزيرية تصل إلى حد القتل وذلك حسب الحال .

 

11

أقسام الكفر بالدين *

 

 

الكفر هو : مخالفة الدين في الظاهر والباطن ، وظاهر الدين هو : الإسلام وباطنه هو : الإيمان ، والموصوف بهما هو : المسلم المؤمن ، والمخالف لهما هو : الكافر المنافق . وصفة الإيمان والإسلام بالنسبة للموصوف بهما تنتفيان أو ينتفي أحدهما مع ثبوت الآخر بالكلية أو الجزئية، وعليه فالكفر المخالف للدين خمسة أقسام :

الأول : كفر الظاهر بانتفاء الإسلام وثبوت الإيمان . كالمكره في قوله : [ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان] ( 106/16 ) .

الثاني : كفر الباطن بانتفاء الإيمان وثبوت الإسلام ، كالمنافق وهو في الآخرة كما قال : [ في الدرك الأسفل من النار ] ( 145/4 ) وفي الدنيا يعامل كالمسلمين [ لنا الظاهر والله يتولى السرائر ] كما في الخبر .

الثالث : كفر الظاهر والباطن بانتفاء الإيمان والإسلام لعدم الدخول فيهما ، وهــو يـتـرك على حـالـه بلا إكراه لقوله [ لا إكراه في الدين ] ( 256/2 ) وعذابه أخروي .

الرابع : كفر الظاهر والباطن بانتفاء الإيمان والإسلام بالخروج منهما ، وهذا عذابه أخروي ، وعليه الحد في الدنيا عند الجمهور وهو المقصود في حديث [ التارك لدينه المفارق للجماعة ] .

الخامس : كفر الظاهر والباطن في جزئية من الإسلام أو الإيمان ، وعليه حد الدنيا كفارة له ، أو عليه وعيد في الآخرة تحت المشيئة ، وهذا الكفر أو النفاق من باب كفر دون كفر أو نفاق دون نفاق ، وهما لا يخرجان من الملة لأنهما معصيتان داخل حدود أحكام الدين وليستا خارجة .

ويرى الخوارج من الظاهرية الكفر المخرج من الدين في الكبائر كلها ، وبعض الظاهرية يخصون بعض الكبائر ككفر تارك الصلاة ، وآخرون من المعتزلة يجعلون هذا الكفر منزلة بين المنزلتين ، فهم يخرجونه من الدين ولا يدخلونه في الكفر ، والعامة لا يكفرون أهل القبلة ، والباطنية يكفرون غيرهم ، والجبرية منهم لا يكفرون أحداً بسبب قولهم بالفناء والحلول أو الاتحاد ووحدة الوجود .

وفي التاريخ العلمي للإسلام من خلال الفرق والطرق والمذاهب عجائب الخلاف في مفهوم الكفر ومفهوم الدين وما يترتب عليه من اختلاف المسلمين قديماً وحديثاً .

والبصيرة تقول : إن توحيد الأمم قائم على توحيد المفاهيم وبخاصة المفاهيم الدينية .

 

 

 

 

12

تعريف القرآن *

 

 

القرآن مصدر كالقراءة لأنه يقرأ ، وقيل لأنه يقرن بعضه إلى بعض فهو كالمصحف حيث جمعت صحفه بين دفتين .

والمشتهر على الألسنة في تعريف القرآن ، أنه : (كتاب الله القديم ، نزل به الروح الأمين جبريل على خاتم المرسلين محمد ، المنقول بالتواتر ، المتعبد بتلاوته ، المتحدى بأقصر سوره ، المعجز للإنس والجن ، المكتوب في المصاحف ، المفتتح بالحمدلة ، المختتم بالناس .. ) وقد يزيدون قيودا أخرى لإطالة التعريف أكثر .

وعرفوا الآية القرآنية كما في الإتقان فقالوا الآية : ( طائفة من حروف القرآن علم بالتوقيف انقطاعها يعنى عن الكلام الذي بعدها في أول القرآن وعن الكلام الذي قبلها في آخر القرآن وعما قبلها وما بعدها في غيرهما ) واختصروا تعريف الآية فقالوا- كما في بصائر الفيروز آبادي أن الآية : (جملة من القرآن دالة على حكم) ، وفيه أن السورة : (قطعة مفردة من جملة القرآن أو جملة من الحكم والحكم)، وعرفوا القراءة القرآنية كما في المهذب في القراءات العشر فقالوا القراءات : (علم يعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية وطريقة أدائها اتفاقا واختلافا مع عزو كل وجه لناقله) ..

أقول : إن هذه التعريفات نماذج لتعريف كثير من الأعلام والمسائل العلمية ، وهي قائمة على صياغة ركيكة في اللفظ والمبنى غير جامعة للمعنى ولا مانعة من الحشو والقصور ، تدخلها نزاعات الفرق وخلافات المذاهب ، دون تركيز على أركان المعرف وماهيته ، ففي تعريف القرآن ساقوا الخلاف في كونه قديماً أو مخلوقاً ، وتركوا مثل أنه وحي منزل .. وحصروا تنزيل الوحي بالروح الأمـيـن وأهملوا الإلقاء في الروع مباشرة أو من وراء حجاب .

أما التعبد باللفظ والتحدي للإعجاز فهي خصائص جزئية وصفات ثانوية لا يقوم بها التعريف ..

وبالإمكان تعريف القرآن بأنه: (آخر كتب الله المنزل على آخر الرسل بلسان العرب بشيراً ونذيراً للناس) .

وبعبارة أخرى : (كتاب الله المنزل على محمد بلسان العرب لهداية الناس) حيث تضمن : تاريخ نزوله وبيان وظيفته ومضمونه ومن كلف به ومن أنزل عليه ، ويمكن حذف لسان العرب بعد التـرجمة إلى لغات الناس ، فلكل قوم لغته الخاصة والقرآن لهم جميعاً .

أما تعريف الآية فهو بين طويل ممل واختصار مخل بل فيهما زيادة في الإبهام والإيهام وقريب منهما تعريفهم للسورة وللقراءة القرآنية . ولست بصدد استعراض التعاريف ومناقشتها إنما تقدمت بهذه الكلمة لأبني عليها مطالبة المتخصصين لبحث أمر التعاريف لبيان قواعدها ووضع ضوابط لها ثم صياغتها بإحكام على ضوء تلك القواعد والضوابط .

ونتيجة لذلك قد يعرف القرآن تبعا لمضمونه ومضمون القرآن هو : (التعريف بالله) ببيان صفاته الاسمية والفعلية ومعرفة ما يرضيه وما يغضبه من معصية ومن طاعة.

ويمكن تعريف الآية بأنها : جملة من حروف القرآن مختومة بفاصلة ، والسورة : جملة من آيات القرآن مبدوءة بالبسملة . والقراءة : طريقة قارئ في اختيار حرف وأدائه .

 

 

 

 

13

الإجماع والدليل الشرعي *

 

 

  الإجماع هو اتفاق جماعة على حكم اجتهادي غير منصوص عليه في الكتاب والسنة .

والذين عددوا مصادر الدين في ميدان الفقه والشريعة ، عدوا نحوا من عشرة مصادر ، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة وعمل أهل المدينة وشرع من قبلنا ...

وكلهم وضعوا الإجماع بين أول المصادر وربما قدموا الإجماع عليها جميعاً .

وقسموا الإجماع باعتبارات كثيرة إلى عام كلي مطلق ، وخاص جزئي مقيد وإلى صريح قـولي ، وحكمي سكوتي ، وإلى إجماع المتقدمين والمتأخرين ... ولما قسموا الدين إلى عقيدة وشريعة وأخلاق ، وجدت أقسام للإجماع تبعا لفرق العقيدة ، ومذاهب الفقه ، وطرق التصوف .

ويهمنا إلقاء نظرة على الإجماع وبخاصة الإجماع السكوتي لما له من أثر على فهم الدين في واقع المسلمين ، والإجماع السكوتي في حضرة الرسول يتصور فيما يسمى بالتقرير ، بمعنى أنه إذا حصل أمر في حضرة الرسول ولم ينكره ، فإنه يعتبر حكما لأن السكوت إقرار ، وعلى هذا شواهد منها حديث استئذان البكر ، وفيه يقول الرسول: (وإذنها صماتها) أي سكوتها ، وكذلك العموم المفهوم في قوله : (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن) ، وأن الأمة (لا تجتمع على باطل أو ضلالة) .

وأصل هذا أن المسلم لا يجوز له أن يسكت على باطل ، وكلمة الحق واجبة ، والبيان مفروض في القرآن [ وقل الحق ] ( 29/18 ) [ لتبيننه للناس ولا تكتمونه ] ( 187/3 ) وحديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ) والحديث يعتبر عمل القلب من وسائل التغيير وهو مستتر غير ظاهر وصاحبه صامت ساكت ، والجمع بين هذا والذي قبله أن السكوت يعتبر إقراراً  مع وجود قرينة تدل على الرضى بتوافر الدواعي وانتفاء الموانع وهذا القيد مطلوب في إجماع المتكلمين كما هو مطلوب في إجماع الساكتين … فالإجماع الذي ينعقد في ظل ظروف صعبة، يمارس فيها الاضطهاد والتهديد بقطع الألسنة والرقاب وانتهاك الأعراض وانتهاب الأموال والاغتصاب .. لا عبرة به ، وما بني عليه باطل ، وفي بيعة بعض الخلفاء التي أخذت بمثل هذه الطرق تجاوزات كطلاق الأزواج حتى أعلن بعض الأئمة أن طلاق المكره لا يقع ، ومن ثم لا تكون البيعة مشروعة ، وعلى هذا فالرضى أصل يجب وجوده بوجود القرائن ، فإذا  تقرر أنه لا عبرة بالقول فمن باب أولى أن لا يعتبر بالسكوت، فاشتراط قرينة دالة على الرضى أمر لابد منه سواء كان الإجماع مبنيا على القول الصريح أو على التقرير والسكوت ، ويلحق بهذا إجماع جماعة جاهلة ، سيان قولها وسكوتها .

والإجماع المنعقد المعروف هو إجماع مذهبـي في الفقه ، أو فِرَقي في العقيدة ، أو طرقي في التصوف ، وأهل كل مذهب وفرقة وطريقة جعلوا إجماعهم ملزما لغيرهم ، فأوجبوا الحق لأنفسهم ، وخطأوا غيرهم وضللوهم وربما كفروهم ، ومن دعاة هذا النوع من الإجماع من قال : كل آية أو حديث ليس عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ، وقال آخر : على المرء أن يذب عن مذهبه ويوهن حجة خصمه ، وهذان من أهل الفقه ، وقال صاحب العقيدة في مسألة خلق القرآن : يكفر من يقول بخلق القرآن ، ويكفر من لا يكفر القائلين بخلق القرآن ... وهم كمن قبلهم أوقفوا التفكير، وأغلقوا باب الاجتهاد ، وألزموا التقليد والإتباع للإمامة والإمامية والمشايخ والحكام ، فلا اعتراض ولا افتراض وكل جديد أو تجديد بدعة ، وأصبح الدين ممزق الأوصال كالبدن الذي أبعد رأسه عن جذعه وأطرافه، فالعقيدة في وادي الفلاسفة والشريعة في وادي المناطقة ، والأخلاق في وادي الطرق .. وكل في واديه بلا تلاقٍ ولا تراءٍ .

إن الإجماع  أيها الملأ ليس دليلاً شرعياً وإنما هو نتيجة النظر في الأدلة فقد ينتج عن النظر في الأدلة إجماع على حكم ما أو اختلاف فيه لأن الجماعة مجموعة أفراد ، ليس لهم منفردين ولا مجتمعين سلطان التشريع ، لأن المشرع هو الله رب العالمين وحده ، والرسول مبين له ، وكل ما في الأمر أن الإجماع دلالة اطمئنان ، أي أن النفس تطمئن بوجود جماعة تشاركها وتأنس بها ، فلا يكون حكمها غريباً شاذاً غير مألوف .

ولو صح أن يكون الإجماع دليل تشريع لصح اجتماع الزردشتية على عبادة النار، واليهودية على عبادة عزير ، والنصارى على عبادة المسيح .

ـ أما قوله عليه السلام : لا تجتمع أمتي على ضلالة ، فلا يعني إجماعهم على حق وصواب ، وإنما يعني أنهم مجتهدون ، إذا أخطأوا كان لهم أجر ، وإذا أصابوا كان لهم أجران، فالمجتهد مثاب مأجور غير موزور ولا آثم على أي حال .

ـ وقول الرسول : (عليكم بسنـتـي) ، فهو بيان للقرآن عن طريق الوحي ، وهو المسمى بالسنة التشريعية العامة ، وفي الحديث : (كان خلقه القرآن) و(كان قرآنا يسعى) ، وقال : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) ، أي أوحي به ، ويدخل هذا في قوله تعالى عن نبيه : [ وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى* ] (3-4/53) ، فيخرج من السنة الملزمة ما يتعلق بالفطرة والعادة والاجتهاد .

ـ و " سنة الخلفاء الراشدين " إلى قيام الساعة هي إتباع سنة الله في كتابه ، وإتباع سنة نبيه المبينة عن طريق الوحي ، والراشدون غير محصورين بعدد ومكان وزمان .

ـ وأما العتـرة في حديث (وعتـرتي) فالمراد حبهم ومودتهم كما قال تعالى : [ إلا المودة في القربى ] (23/42) والمودة لا تقتضي الإتباع في الباطل ، ودعوى عصمتهم من أعظم الباطل بسبـب تكلـيفهم كغيرهم ، ولا تجتمع عصمة وتكليف معاً .

وبعيداً عن النبـي وعتـرته ضربت مثلا للمتعصبة في امرئ أحب أباه لتـربيته وأخاه لمعروفه وزوجه لجمالها .. أيدفعه حبه إلى طاعة أبيه الزرادشتي وأخيه اليهودي وزوجته النصرانية ؟

 

 

14

التصوير والمصورون *

 

 

وردت أحاديث بالوعيد الشديد في التصوير والمصورين، منها العام ومنها الخاص، ومعلوم في علم الأصول حمل الأول على الثاني فيخصص العام .

ومن هذه الأحاديث (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) على العموم فيدخل كل مصور في حكم التحريم لكن هذا العموم ورد عليه التخصيص في قوله (يضاهئون بخلق الله) أي يعارضونه ويتحدونه بالإتيان بمثله أو الزيادة عليه، وهذا التخصيص شرط أو علة أي سبب موجب للتحريم .

والأصل جمع النصوص للتوفيق بينها ، وقد انتقض هذا الأصل من قبل الخوارج الظاهرية والغلاة الباطنية لوقوفهم عند بعض النصوص دون بعض ، ولا يمكن فهمها إلا بجمعها كلها لئلا يقع إفراط في حرمة التصوير أو تفريط في حله.

وحرمة التصوير مقيدة بعلة المضاهاة ، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً فإذا وجدت المضاهاة حرم التصوير ، وإذا عدمت أبيح .

فوجه التحريم في التصوير هو مضاهاة المصور حيث يجعل نفسه نداً للرب في شيء من صفاته كقوته وقدرته ، وهو مردود بمثل قوله [ هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ] (11/31) والمصِّورون لهم حكم المصَّورين إذا كانوا راضين لاشتـراكهما ، واجتماعهما في الحكم لاجتماعهما في الفعل .

ولحرمة التصوير علة أخرى هي التعظيم بالنصب أو التعليق، وفي الحديث نهي عائشة عن تعليق الصورة لامتناع الملائكة عن دخول البيت الذي فيه صورة، فأنزلتها وجعلتها وسادة ، وفي هذا منع للتعظيم لا للتصوير .

وفي القرآن حديث عن جن سليمان الذين كانوا يعملون له ما يشاء من تماثيل وحديث عن عيسى الذي كان يصنع من الطين كهيئة الطير ، فإذا جازت الهيئات والتماثيل جاز التصوير من باب أولى… ومعلوم أن باب التصوير من العقائد الـتـي لا تختلف فيها الشرائع فلا يحتج بأنه شرع من قبلنا .

وقد يحتج بالواقع أو الوقوع منذ عهد التابعين بوجود صورة الخليفة عبد الملك المجسمة ذات الظل على الدينار الإسلامي ، وكذا التصاوير في أيامنا على العملات المعدنية والورقية .

وبعضهم فرق في التصوير بين ذوات الأرواح وغيرها ، مع أن النص عام في كل ما خلق الله من إنسان أو حيوان أو نبات أو سماء أو أرض أو جماد .

وبعضهم يرى التفصيل بين ماله ظل وما لا ظل له ، أو يميز بين المرسوم باليد والمصَّور بالآلة الثابتة أو المتحركة …

ثم إن الصور وسيلة معينة على التعليم والتـربية ، ومعرفة الأشياء تكون بالإطلاع على ذواتـهـا أو صورها ، وربما أغنت صورة عن كلام كثير .

والتصوير في حد ذاته يكون هواية ، ويكون حاجة ، وكثير من المحرمين رخصوا في تصوير الحاجة ، وحاجات عصرنا الحاضر كثيرة منها التعريف بالأشخاص ، وتثبيت المعلومات ، وتحقيق البيانات ، ونشر العلوم ، وغير ذلك مما يتعذر حصره وإحصاؤه . وقد كثرت رخصهم حتى باتوا لا يفترقون كثيراً عن المبيحين للتصوير .

 

15

تعريف الإنسان

 

 

اختلف تعريف الإنسان عند أهل الاختصاص من حيث النظر إلى عناصر تكوينه أو وظائفه ومسؤولياته ، فقيل هو حيوان ناطق ، والحيوانات كلها ناطقة لـهـا لغاتها الخاصة بها في عالمها .. وبعضهم عرفه بأنه كائن عاقل ، ولكنه لا يـخـتـص بالعقل دون الكائنات الأخرى . ومن الوجهة الدينية ، يمكن تعريفه بأنه : المكلف المعلم المستخلف ...

وفيما يلي بيان موجز حول هوية الإنسان تكوينا ووظيفة ، فقد خلق الله آدم وخلق منه زوجا له ، ومن الزوجين كان التكاثر بأمشاج من ماء مهين يخرج من بين الصلب والترائب ، فكان أصله مهيناً ، وأتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، تبعه حديث الملأ من الملائكة إذ يختصمون في اختيار خليفة  للسيادة على الأرض قالوا لربهم : [ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ] (30/2) فبين لهم علم آدم بالأسماء دونهم ، والعلم يرفع صاحبه ، وقد ابتلاهم الله ليظهر المتكبر منهم والمتواضع ، حيث تكبر إبليس ، قال : [ أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ] (76/38) وظهر كبره وإصراره على العصيان في عهده وقسمه [ فبعزتك لأغوينهم أجمعين ] (82/38) [ ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق اللهْ ] (119/4) [ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ] (16/7) فكان مـن الكافرين ، ولم يغن عنه معدنه  ولا موطنه ، أما آدم فلم يضعه بُعده في الأرضين ، ولا ضعف بدنه ومهانة طينته من اللحاق بالعليين ، فقد تاب بعدما أذنب بكلمات مقبولة، فكان كالملائكة الذين استجابوا لربهم بالسجود لآدم وهم يقولون : [ سبحانك ، لاعلم لنا إلا ماعلمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ] (32/2) .

والإنسان يتكون من بدن ، وروح ، ونفس :

أما البدن فهو من تراب الأرض اختلط بمائها فكان طينا لازباً آسناً ، ثم جف واشتد حتى قوي كالفخار على صورة الهيكل الإنساني المكون من الأجهزة العظمية والعضلية والعصبية ... ومادة التكوين هي خلايا تتنوع في وظيفتها حسب موقعها .

وأما الروح فهي مادة خفية مجهولة، تنفخ في البدن فيصبح البدن حياً، وهي أشبه بالكهرباء التي تعطي الطاقة لإدارة الأجهزة الإرادية وغـيـر الإرادية ، والروح تدخل بعد أربعين يومًا في بدن الجنين ، وتخرج منه عند الموت .

وأما النفس فهي جوهر الإنسان وحقيقته ، وهي المكلفة المسئولة المسلطة على البدن المادي الحي الروحاني، فالبدن والروح مسخران وموضوعان تحت تصرف النفس ، ولقد أخبر الله عن النفس فذكر أنها لوامة ومطمئنة وأمارة بالسوء كما في قوله : [ ولا أقسم بالنفس اللوامة ] (2/75) وقوله : [ إن النفس لأمارة بالسوء ] 53/12 وقوله : [ يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية ] (27-28/89) كما ذكر تعالى تسوية النفس وتكليفها ومسؤوليتها ومـصـيـرهـا فـقـال : [ ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها * ] (7-10/91) .

فالنفس بهذا المفهوم الخاص تـخـتلف عن الروح لكون الروح من أمر الله ، ترجع إلى بارئها ، وتدخل جسم الإنسان وتخرج منه كسائر الأحياء مرة واحدة، وهذه الروح مع أجهزة الجسد وأعضائه شهود يوم القيامة على ما قدمته النفس في حياتها الدنيا [ يوم يقوم الروح والملائكة صفا ] (38/78) [ شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ] (20/41) .

ونشير إلى أن النفس بالمعنى اللغوي العام تطلق على جملة الجسد والروح والنفس، وقد استعمل في القرآن بهذا المعنى كما في قوله ، بعد عرض آيات القدرة [ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ] (21/51) والأنفس هنا كل ما يدرك بالبصر والبصيرة من آيات بدنية وروحية ونفسية ..

ويبدو أن مركز النفس هو تجويف الصدر ، حيث القلب، وقد كثر ذكر الصدر والقلب في الكتاب والسنة كمركز لصلاح الإنسان وفساده وخيره وشره، ومن ذلك إشارة النبـي عليه السلام إلى صدره ( التقوى هاهنا ) وصار يكررها .

ولقد وقع خلط بين النفس والروح قديماً ، ولازال هذا الخلط قائما حيث فسروا النفس بالروح ، وهذا التفسير عطل الدراسات النفسية بسبب الإمساك عن الروح ، كما ورد فـي الكـتــاب والسنة ، قال تــعـالــى : [ يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ] 85/17 ، وكان النبـي قد وعد بإجابة السائلين عن الروح .

وفي تاريخ الفكر الإسلامي من سمى كتابه بالروح أو سماه بحادي الأرواح ، حتى في أيامنا سمى بعضهم كتابه تربيتنا الروحية .

وفي القرآن تقريرات وإشارات لظواهر وحقائق نفسانية ، والسنة كذلك ، في تربية وتوجيه جيل الصحابة .

ومع أن المدرسة النفسية إسلامية ، ومن أعلامها ابن خلدون ، لكن هذه المدرسة لم تعمر ولم تستمر فخسر المسلمون معرفة النفوس، حيث تنظم العلاقات الإنسانية ويتم التخطيط ، وتعالج الوقائع ، ويقوم بناء الحضارة لخير أمة .

والتمييز بين النفس والروح صريح في القرآن ، وذلك في قوله تعالى : [ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ] (42/39) والآية أربعة أقسام : [ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تــمـت فـي منامها ] و [ فيمسك التي قضى عليها الموت ] و [ ويرسل الأخرى إلـى أجل مسمى ] (42/39) .

فالآية بيان حول :

1- خروج النفس من البدن مع خروج الروح بالموت .

2- إمساك النفس وإمساك الروح وعدم عودتهما إلى البدن بالموت .

3- خروج النفس من البدن مع بقاء الروح بالنوم .

4- عودة النفس إلى البدن عند اليقظة من النوم .

وتخرج النفس في كل نومة أو غفوة وما في حكمها من غفلة وسكرة أو إغماءة ثم تعود فتدخل البدن بعد أجل مسمى .

ونؤكد على أن الخطأ في عدم التميز بين النفس والروح كان وراء تعطيل الدراسات النفسية الفردية في علم النفس ، والجماعية في علم الاجتماع ، ففقدت الأمة ميزانا لتقويم التاريخ ومعالجة الواقع كما أشرنا ، وترك هذا الميزان والميدان للغرب الذي تمكن عن طريق استخدام علم النفس وعلم الاجتماع من السيطرة على الشرق واستعماره وتغريبه .

 

 

 

 

16

التكفير والتهجير

 

 

خرج الإسلاميون من سجون الناصريين عام 1965 م بعد تعذيب نفسي وجسدي كبير دام طويلاً .. وكان رد فعلهم على الحكومة والمجتمع شديداً ، وانقسموا على أنفسهم إلى خمس أو سبع وثلاثين فرقة كل فرقة ترى نفسها وحدها على الحق ! قال قائل منهم أنا أمة واحدة ! وكان مصدرهم فكر سيد قطب في تفسير الظلال الذي تلخص في " معالم في الطريق " ومؤلفات أستاذه أبو الأعلى المودودي الذي تلخص في المصطلحات الأربعة .. يروى عن سيد قطب قوله : لقد حمّلوا أفكاري على حصان أعرج .

وقد كفروا الحكومات بناءاً على آيات المائدة في الكفر والفسق والظلم والجاهلية [ ومن لم يحكم بـمـا أنزل الله فأولئك هم الكافرون ] (44/5) [ فأولئك هم الظالمون ] (45/5) [ فأولئك هم الفاسقون ] (47/5) [ أفحكم الجاهلية يبغون ] (50/5) .

وكفروا المجتمعات لأنها سكتت والسكوت علامة رضا بالكفر فيحكم بكفره أو يحكم بجهالة حاله ولا يحكم بإسلامه ما لم يعلن براءته ويهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام .

ولقد انتشروا في العالم الإسلامي يفعلون ما فعلوه من قبل عندما خرجوا على علي بن أبي طالب إمامهم وقتلوه فيمن قتلوهم إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز .. واليوم ننتظر من يقوم بدوره الإصلاحي في معالجة التكفير والتهجير والحرابة والإرهاب ..

وقد عرّفت بهم منذ البداية وضمنت ذلك في "مفاهيم" بعنوان "مذهب التبين بين الكفر والإسلام" قلت :

"إن مذهب التبين يعني : التوقف عن الحكم بإسلام الشخص ولو أدى أركان الإسلام لوجوده في مجتمع جاهلي لم يتبرأ منه ."

وناقشت أدلتهم الداعية إلى التبين وقلت لهم : إن التبين ليس للإسلام وإنما هو للكفر الذي تبنى عليه أحكام الردة ، واستشهدت بيوسف الصديق بوزارته أو نيابته لفرعون الكافر في مجتمعه الجاهلي وبقي يوسف على الرغم من وزارته ونيابته صدّيقاً.

          

 

 

 

17

المجمع العلمي

تحديد الدين وتجريده وتجديده *

1409 هـ 1989 م

 

 

لقد دعا الأولون إلى تحديد الإسلام لتوحيد المسلمين .. من ذلك قول عمر بن عبد العزيز للناس : ( إن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً . فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها ، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص ) وعلى مثل هذا قام المجمع العلمي الإسلامي .

المجمع العلمي الإسلامي : مشروع هيئة علمية عالمية دائمة مكونة من علماء المسلمين لتحديد الإسلام على الأصول الثابتة للكتاب والسنة . وهو يعني تجريده من الدخيل العليل . ويقتضي تجديده بالأحكام المناسبة للوقائع الجديدة . وفي ذلك المعالجة للواقع ، مع التخطيط للمستقبل .

المفاهيم الفكرية مقدمة للعلماء لتقويمها والوصول إلى الأحكام الدينية والفطرية والعرفية وفق خطط منهجية .

أعلن عن المجمع بطريق المكتب القديم في الشرق بباكستان .

وتمت مراسلة العلماء بطريق المكتب المؤقت في الغرب ببريطانيا .

كما تمت مراسلة حكام المسلمين بطريق المكتب السابق بأمريكا .

المجمع العلمي الإسلامي إلى اليوم لا يزال ينتظر أهله من العلماء والحكام والمديرين والممولين للقيام ببناء ورعاية هذا الصرح العظيم ، ولتعود أمة الإسلام كما كانت خير أمة أخرجت للناس .

 

 

 

18

دولة الشعوب الإسلامية *

1400 هـ 1980 م

 

الحرية حق عام لكل الشعوب التي خلقها الله ولم يستثن أحداً : ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ) بل وقـد خـلـقـهـم ربهم أحراراً ؟

القومية فطرة إنسانية مشروعة في دين الله فالفاطر والشارع رب حكيم واحد. واللغة القومية من آيات الله في أفواه الشعوب لا تفاضل بينها كأصحابها الذين يتكلمون بها .

الديمقراطية بمفهوم الشورى الملزمة هي : حرية الإنسان في اختيار الحاكم ونظام الحكم مع الحفاظ على الثوابت الفطرية العقلية في الإنسان والثوابت الدينية في الكتاب والسنة .

تعدد الأحزاب تعبير عن الفروق الاجتماعية للتعاون على العمل الجماعي المشتـرك ولتنظيم الخلاف .

العدالة الاجتماعية في التعامل مع الأقليات العرقية والدينية والطائفية ، وكذا في التعايش بين الفرق والمذاهب والطرق الإسلامية .

المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ، مع اختلاف الوظائف .

الجهاد ليس لإرهاب الآمنين ولا لنشر الإسلام بالسيف بل هو لدفع الظالمين والدفاع عن المظلومين .

الطبقية الرأسمالية في مواجهة الشيوعية .. تعالج بمشاركة العمال في ملكية رأس المال .

حكومة كردستان في دولة الشعوب الإسلامية : أمة مسلمة واحدة في منظمة أمم إنسانية متحدة .

 

19

محبة الله *

 

 

الحب عظيم ، وأعظم الحب هو المتوجه إلى الله ذاته وصفاته يتبعه ما أمر تعالى بمحبته من الطاعات والخيرات ، في مقابل كراهية الذوات والصفات وما أمر تعالى بكراهيته من الطواغيت والبواغيت والشرور والعصاة .

ويتنوع الحب إلى ديني مصدره الكتاب والسنة ، وشخصي مصدره العقل والهوى، وفي الحديث :( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ) فيتقدم الحب الديني على غيره بلا منازع ولا معارض .

ومفتاح الوصول إلى الحب هو التحبيب وطريقُه التزيين والتحسين، في مقابل التكريه عن طريق التخويف والتقبيح .

والتحبيب يعني زرع حب الشيء في أعماق الإنسان وإنظاره لحين استوائه ، كبذور الأشجار التي لا تلبث أن تظهر بالخضرة والنضرة والزهرة والثمرة.

والحب في الأعماق يشحن القلب بالطمأنينة والفكر بالراحة ويملأ النفس بلذة عامرة غامرة دونها اللذات الحسية من الأطعمة الشهية والألبسة الجميلة والمراكب المريحة والمساكن المشيدة ..

 والمحب ينشغل بحبيبه وينسى متاعبه ، وقد يتلذذ بالمشاق المبذولة في الطريق ، مصداقه قوله عليه السلام في الصلاة : ( أرحنا بها يا بلال ) وهو صريح في أن الصلاة راحة عند المحبين .

وبعد الصلاة الحبيبة نتساءل عن الراحة في الباقيات الصالحات ، عن الحج وكيف نحب سعيه وطوافه والوقوف بمشاعره ؟ والصوم وكيف نحب جوعه وقيامه ؟ وكيف نحب العطاء في الصدقة والزكاة ؟ وكيف نتحمل آلام الجراحات، ونحب القتال والجهاد ؟ بل كيف نفتح أبواب المحبة كلها ونقع في حب كل عبادة ، عبادة رب أعد جنة عرضها السموات والأرض ، عبادة تجعل الدين كله راحة في نفوس العابدين ؟

وكامل الحب وأحسنه لله الرب الإله وحده ثم لمحمد النبي الرسول بعده ثم للمؤمنين المسلمين المحسنين ، شاهده قول الحق [ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ] (55/5) والأحباب على هذا الترتيب ، وفي الحديث : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ) وفي الحديث عن المؤمنين أن المتحابين في الله يوم القيامة : ( في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ) .

وبدهي أن يدفع الحب المحب إلى طاعة محبوبه واتباعه [ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ] (31/3) وهي محبة متبادلة على سبيل المقابلة فإذا كان حب العبد لربه يدفعه إلى طاعته واتباعه فإن حب الرب لعبده هو مغفرة ذنوبه وستر عيوبه والتفضل عليه بالسعادة الأبدية ..

اللهم إنا نسألك بحبك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا                     إلى حبك .

 

20

خواطر منثورة *

 

 

ـ لو كان لي من الأمر ساعة لهدمت فيها مكة وسويتها من جديد لتجري من تحتها المواصلات والأقوات وبقية الخدمات، ومن فوقها يرفع البيت العتيق على قواعد إبراهيم وإسماعيل كأعلى بناء حوله من كل الجهات  عشرات ومئات الملايين الطائفين الحاجين المعتمرين ومن القائمين الراكعين الساجدين وهم سالمون آمنون لا يخافون .

ـ الاستثناء هو إخراج بعض أفراد النوع أو الجنس من المستثنى منه ، والاستثناء المنقطع انقطاع العلاقة بين المستثنى والمستثنى منه ، وعقلاء اللغة لا يقبلونه ، والذين قبلوه طوعوا اللغة لما أرادوا ، أرادوا إخراج إبليس من بين الملائكة فأوجدوا له عذراً بعدم السجود لآدم !.

ـ قواعد النحو والصرف وكذا البلاغة مبنية على خلافات البصرة والكوفة والحكَم هم أعراب البادية ، والأحق بل الحق أن تبنى القواعد كلها على القرآن لا غير ، وحينئذ لن تكون القواعد نحواً وصرفاً وبلاغةً علوماً ميسرةً فقط بل تكون مقدسةً أيضاً .

ـ [ لا إله إلا هو ] ضمير الغائب "هو" من أسماء الله الحسنى عندهم طبعوه في مصاحفهم باللون الأحمر وقالوا هو الاسم الأعظم . ولا ندري ما قولهم في ضمير المخاطب أنت [ لا إله إلا أنت ] والضميران أنا ونـحـن [ إني أنا الله ] و [ نحن الخالقون ] ؟ .

ـ قالوا السلف أعلم قلت السلف أفضل لا يبلغ أحدنا مدَّ أحدهم ولا نصيفه .. أما العلم فليس وقفاً على سلف ولا خلف ولا على مكان ولا زمان .

ـ التجديد لا يعني إعادة القديم بل يعني الإتيان بجديد لم يكن موجوداً من قبل ، والمجدد هو الذي يحكم على الواقع الجديد بحكم جديد وإن كان ذلك من خلال الشريعة والفطرة القديمتين .

ـ تعاريف العلوم الإسلامية تنتظر المنهجية والموضوعية بتدقيق الصياغة في التعبير وتحديد الهوية أو الماهية بعيداً عن هوى الخلفيات والنزاعات الفرقية والمذهبية والطرقية .

ـ التفكير الجماعي وراء الإبداع العلمي .

ـ لولا مذهب الجبرية في القدر لكانت حضارة العصر إسلامية .

ـ الجهل المركب مكون من الجهل بالتشخيص والجهل بالمعالجة .

ـ الحق الواحد يراه بعض الناس متعدداً تبريراً للباطل .

ـ بعضهم كالخفاش يتعلق برجليه ويدلي برأسه ليرى الأشياء مقلوبة .

ـ الزوجة التي تسعى لإحراج زوجها أمام أولادها هي أم غير مربية وهو أب غير قدوة .

ـ الفرق بين المتكبرين والمتواضعين محبة الناصحين .

ـ لإقامة الحجة على عدوه قال إبراهيم : هذا ربي وقال لوط : هؤلاء بناتي وقال خاتمهم : وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال .

ـ لأنهم كانوا سحرة فقد علموا أن نبـي الله موسى ليس بساحر ، وقال آخرون : يا أيها الساحر .

ـ قلت ولا أزال أقول : إن إسلام الغرب أيسر من إصلاح الشرق .

ـ لا يغني تاج الرأس عن حذاء الرجل .

ـ لولا صلابة البذرة لأكلت مع الثمرة ولما كانت الشجرة .

ـ لا تقضى الصلاة المكتوبة المتروكة عمداً لأن الزمان لا يرجع إلى الوراء .

ـ غير الله غير معصوم .

ـ الكلاب والذئاب فصيلة واحدة أحدهما يهاجم الإنسان والآخر يحميه .

ـ اللسان من أكثر أعضاء البدن جهداً وأقلها تعباً .

ـ لو بقي الماء في السحاب عالياً ما تحركت الأرض بالحياة .

ـ تتنوع المادة في جنسها ونوعها حسب انتظام ذرات عناصرها .

ـ المجاز يقبل متى علمت الحقيقة وعلم أن الحقيقة غير مرادة .

ـ تفسير النفس بالروح التي نهينا عن الخوض في الحديث عنها هو وراء الإهمال الكبير للدراسات النفسية والاجتماعية ، وعن طريق علم النفس وعلم الاجتماع سيطر اليهود علينا وعلى العالم .

ـ خواطر النفس البشرية محكومة بموازين الشريعة المنقولة والفطرة المعقولة والأعراف المقبولة ، فيؤخذ منها ويرد عليها ويتوقف فيها .

ـ المجتهدون يصيبون ويخطئون ، والذين لا يجتهدون لا يصيبون أبداً .

ـ يقولون من أحصاها دخل الجنة ، ولا يحصون الأسماء من الكتاب والسنة ، وقد أحصيت ـ والحمد لله والمنة ـ في القرآن مائة وتسعة وستين اسماً .

ـ مات النبـي ودرعه مرهونةٌ بدين القوت عند اليهود !.

ـ صفات الله أبدية أزلية والمخلوقات من آثارها ، وصفة الخلق ذاتها غير مخلوقه لكن آثارها مخلوقة ، وقل مثل ذلك في صفة الكلام وخلق الكلمات..

ـ تمنيت أن يسود الأرض أمن وسلام ، فلا أرى باكياً ولا أسمع شاكياً !

ـ البخيل في ماله مسرف في مال غيره .

ـ البراء من الشرق لا يعني الوقوع في ولاء الغرب .

ـ كل وجه يعطي لناظرة قدراً مناسبًا من الإرسال والاستقبال ، فيقع التفاوت والتفاضل .

ـ التاريخ إن لم يتغير بقي واقعاً .

ـ لا تغير النجوم مواقعها بسبب تلبد سـمـائنا بالغيوم تعكر نفوسنا بالغموم .

ـ في الشرق يلوثون الأرض وفي الغرب يلوثون السماء .

ـ إذا كان الإنسان مجبوراً على الفعل ـ كما يقول الجبرية ـ فكل الأفعال عبادات.

ـ كان آدم في جنة الدنيا فأكل من الشجرة المحرمة ولا حرام في جنة الآخرة .

ـ على الرغم من طول الإقامة على الأرض فإن كثيرين من الناس يرحلون عنها قبل معرفتها .

ـ جودي جبل مبارك وشعب عريق ومجلة حكيمة وفتاة كريمة .

ـ الذي يأكل الصبار والسمك يحذر الشوك والحسك .

ـ هذه الخزائن يملؤها الرب وتفرغونها .

ـ الخلق يتطور لا يتكرر .

ـ زاد الداعية علم ومتابعة .

ـ إسلاميون يقولون : لا للديمقراطية ، والمفهوم : نعم للدكتاتورية !

ـ أعظم حريتين في الإسلام الزواج والطلاق .

ـ ما حول الأرض سماوات ، وسماوات الأرض السبع غير سماوات الكون العظيم .

ـ السنة مبينة للقرآن غير مباينة .

ـ السيد الذي يرى نفسه خادماً ، غير الخادم الذي يرى نفسه سيداً .

ـ نصحني أبي أن لا أصاحب الأغنياء ونصحني أحد العارفين أن لا استخدم المشغولين .

ـ قال في مناقشة دكتوراه : الرأي دين ولا إكراه في الدين ، وقال للحكومة الاشتـراكية : لا اشتـراكية في الإسلام ، وقال للباطنيين : هدمتم الظاهر ، وقال للظاهريين : هدمتم الباطن .

ـ أقمت مع الأحباب لله في أرضه حزباً لمستضعفيه ومجمعاً لمستخلفيه .

ـ قد جمعوا مالاً وعيالاً وجمعت ـ بإذن الله ـ ما هو أغلى من المال والعيال جمعت أسماء الله من كتاب الله .

ـ سلام الشرق في إسلام الغرب .

ـ يرى الشيطان ـ لعنه الله ـ أن الإنسان غير جدير بخلافة الأرض ولا وراثة السماء.

ـ الصيام عن الغذاء وليس عن الدواء يا فقهاء .

ـ من نعم الله على عبده تلذذه بالطاعة وتأذيه بالمعصية .

ـ قالوا : الرفيق قبل الطريق قلت : متى عرفتم الطريق وجدتم الرفيق .

ـ إذا كان العالم مدرسة الجاهل فإن الجاهل مدرسة العالم .

ـ مثل الفاروق عمر لعجز ابنه عن ولاية الحكم من بعده بأنه لا يحسن يطلق امرأته!

ـ محمد رسول الله بلا خلاف أفضل البشر ، وفي الملائكة خلاف مشـتـهـر ، وفي الخلق غلو أكبر .

ـ شرب الرسول عسلاً في بيت زوجته فتحدثت الضرائر عن رائحة المغافير .

ـ إذا كان القدرية أخطأوا مرة في حق الآخرة فإن الجبرية أخطأوا مرتين في الدنيا وفي الآخرة .

ـ غلبت قدرتُه علمَه في القدر والقضاء، كما غلبت رحمتُه غضبَه في الحساب والجزاء .

ـ القرآن على عدل معك وعلى فضل فبمقدار ما تأتيه يأتيك ، وبمقدار ما تؤتيه يؤتيك ولديه المزيد .

ـ القرآن كتاب الكون المفتوح للإنسان والجان .

ـ الفرق بين الجبل والوادي اتجاه القمة.

ـ الحضارة التي تعتمد على القوة وحدها تدمر نفسها .

ـ بعضهم يرى القيامة في الاستنساخ أو الانقلاب القطبـي ، وآخرون يرونها في تحريك حصير بباب مسجد صغير بقرية فـي مـجـاهل أفريقيا السوداء .

ـ المتكبر لا سلام له ولا سلام عليه .

ـ قال: ألم تعلم من أبي ومن أمي ؟ قلت : أبوك طين مهين ، وأمك ضلع أعوج لا يستقيم .

ـ بعض الصغار لا يكبرون وقد يكونون من الصغر بحيث أنهم لا يرَون ولا يرُون .

ـ العرب أسقطوا من العربية أحرفاً مكتوبة كالفتحة والكسرة والضمة فليست أحرف العربية ثمانية وعشرين كما ادعوا ولا يزالون يدعون غير آبهين بكتابة جيرانهم الكرد .

ـ في الغرب بعضهم يقولون : نحن ننشأ منذ الصغر على الخوف من الشعب الكردي .

ـ بارك الخليل إبراهيم جميع الشعوب كما يقول أهل الكتاب ولم يستثن شعبه الكردي كما يقولون .

ـ لا زال الكمبيوتر تحت سيطرة الإنسان .

ـ اللغات من أسرار الشعوب .

ـ المؤتمر العالمي للعلماء عنوانه لنا وتحدث فيه غيرنا .

ـ ليست كل المراكز قوية، فقد تقوى العواصف في الأطراف وتضعف في المراكز .

ـ لا يلتزم الشعراء بقاعدة المعنى قبل المبنى .

ـ المفارِقة تأخذ عندهم نصف الثروة ، والأرملة تأخذ عندنا ربع أو ثمن التـركة .

ـ قالت : أكثر أهل النار من النساء ، قلت : عدد النساء أكبر من عدد الرجال .

ـ لولا غيرة النساء لحكمن الأرض .

ـ شباب النفس لا يخضع لشيخوخة البدن .

ـ الاكتشافات النفسية قد تكون أعظم من الاكتشافات الفلكية .

ـ لولا النوم لكانت كل الأعضاء إرادية .

ـ كيف تحمل هذه النفس المثقلة كل ذلك الجسد الثقيل ؟

ـ الاتجاه نحو الإعجاز البياني عطل البحث العلمي في القرآن .

 

 

 

 

21-22

التفسير وعلوم القرآن *

 

 

التفسير علم من علوم القرآن بل هو المقصود الأصلي من هذه العلوم ، وإن كان المصطلح المعروف : "علوم القرآن " لا يشمله ، وبالمقابل فإن علوم القرآن تعتبر تفسيراً روعي فيه جانب الموضوع ، بعد جمع جزئياته من القرآن والسنة ، وآراء الأئمة . والجامع بين التفسير وعلوم القرآن هو الاشتراك في الغاية ، إذ هما طريقان لفهم كتاب الله .

أ ـ التفسير :

إن أول مفسر هو الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه ، فسر لأصحابه ما احتاجوا إليه مما خفي عنهم وهو قليل ، بسبب علم الصحابة بلغة التنزيل ، ومعرفتهم بأسباب النزول .

وأصبح الصحابة وكبار التابعين أصحاب مدارس في التفسير بسبب اجتماع الناس حولهم ، وكانت الحاجة إلى التفسير ماسة بسبب تفشي العجمة والجهل باللغة والبعد عن بيئة النزول .

وهـذا الـنـوع من التفسير منقول إلينا بطريق الرواية وهو التفسير المأثور ، وفي مقابل هذا التفسير نوع آخر عماده الاجتهاد والرأي هو التفسير المعقول ، ومعظم التفاسير المعروفة مزيج من النوعين معاً بنسب متفاوتة .

واتجاهات التفسير القويمة والمنحرفة تمثل خلاف الفرق والمذاهب وصراع العصور على صعيد الاجتماع والسياسة . ولطالما كان التفسير مرآة للحياة العامة والخاصة حتى إن التفاسير الموجودة في مكتبة القرآن تمثل تاريخ المسلمين بصحيحه النافع ، وزبده الفاسد ، فقد لجأ كل حزب ومذهب وفرقة وطائفة إلى القرآن يستدلون به على وجهتهم ومنهجهم ، ويجعلونه شاهداً على ما يرون ويريدون ، والخلاف ظاهر لدى المقارنة بين التفاسير كما نرى بين تفاسير السنة والشيعة ، فقد يصل الحال إلى التضاد في الفهم والحكم .

ووجوه أخرى وراء اختلاف التفاسير ، هي تغير اهتمام العصر ، وتنوع بضاعة المفسر من نحو وبلاغة وفقه وعقيدة وتاريخ . ولذا امتلأت التفاسير بالمناقشات والافتراضات والردود والتأويلات الدائرة حول تلك البضاعة والإناء ينضح بما فيه .

والكم العددي للتفاسير كبير حتى قال فيها الزمخشري وهو ممن عاش في القرنين الخامس والسادس :

إن التفاسير في الدنيا بلا عدد .

وأقول إن العدد قد زاد ويزداد .

وهي كما قلت مثلت العصور باتجاهاتها المختلفة ، القويمة والمنحرفة ، كما كشفت عن اهتماماتها المستقبلية ، وخلفيتها التاريخية ، وعقليتها العلمية .

  في المتن والسند ، وكذا شأن القياس والاجتهاد .

والتفاسير وكذا علوم القرآن ـ باعتبار ما بينهما من تلازم ـ هي أحوج ما تكون إلى التحقيق العلمي ، والتوثيق التاريخي ، ضمن منهج علمي موزون ، وتقويم فكري وتربوي مضمون ، ولذلك ينبغي إصدار التـراث مرفقاً بالمقدمات والحواشي والملاحق والفهارس . للاستدراك على خللها ، وتصويب خطئها ، وتكميل ناقصها . ثم القيام بإعداد تفاسير عصرية من المأثور والمعقول ، بما يناسب المستويات الفكرية من حيث التيسير والتبسيط مع استبعاد ما لا برهان له ، ولا دليل عليه من الأقاويل ، وما لا يصح سنده أو متنه من النقول والإسرائيليات . فليس كل ما  يقال أو ينقل يقبل .

ويجدر التنبيه إلى أن غاية التفسير ليس تصوير العصر وحده ، بل الغاية كذلك توجيه العصر خطوة إلى الأمام ، بل خطوة إلى العلاء .

ب ـ علوم القرآن :

علوم القرآن كثيرة مجموعة بإجمال ، ومفصولة باستقلال ، ومنثورة في بطون الكتب ، وبخاصة في التفاسير . فـقـد يجمعها كتاب كالبرهان ، والإتقان ، وغيرهما ، أو تكون منثورة مستقلة كل علم منها في كتاب أو في كتب .

والسيوطي في مقدمة إتقانه يوصل علوم القرآن إلى ثمانين ، ويقول هي كذلك على سبيل الإجمال ، ويرى أنها بالتفصيل تزيد على ثلاثمائة ، هذا مع ما استحدث وعرف في عصرنا من علوم قرآنية جديدة .

وعلوم القرآن بحوث موضوعية تقوم على نص أو إشارة مباشرة أو غير مباشرة ، مما له علاقة موضوعية أو تاريخية بالقرآن . ومن هذه العلوم : الناسخ والمنسوخ ، والمكي والمدني، والمحكم والمتشابه، والأحرف والقراءات إلى آخر ما هنالك من علوم . ومن الجدير بالتنبيه أن القرآن لم يعرض بعد عرضاً موضوعياً ، بحيث يفي بحاجة العصر الذي نعيش فيه ، بسبب عجز علمائنا أو قصورهم ، مع التخلف الفكري العام في المجتمع الإسلامي .

فالمسلمون اليوم لا يعيشون عصرهم ، والعلماء بسبب ضغط العامة يفقدون القيادة ، ويعجزون عن الريادة والسيادة .

إن علماءنا اليوم لا يعالجون مجتمعاتهم لأنهم لا يعيشون عصرهم ، إما بسبب بعدهم عن الواقع، أو بسبب ذوبانهم فيه . والحديث في هذا يطول، وهو ذو شجون .

ولابد من القول : إن الكتابة في علوم القرآن وكذا في التفسير ليست منهجية علمية ، ولذا حشي كثير من التفاسير بمروي لا يسلم نقلاً ، وبأقاويل لا تصح عقلاً . وكان كثير من علوم القرآن قائماً على غير ما أساس سوى جمع الأقوال وسردها ، وذكر المفترق والمحتمل فيها ، وجعلها كتباً وأبواباً ومسائل . ولئن ضربت المثل على ذلك فإني أضربه في الناسخ والمنسوخ وهـو أقدم العلوم وأخطرها ، فبينما نجد قائلين بعدم النسخ بالكلية ، نـجـد في مقابل هؤلاء النفاة من يثبت المئات من الدعاوى في القرآن ، وبينهما من يقول بنسخ عشرين أو تزيد أو تقل لتكون سبعاً أو ثلاثاً ، ويبقى العلم معلقاً .

ويحضرني بهذه المناسبة قول من يقول : علوم التجريب تستقر على الخطأ والصواب بالموازين المنهجية الموضوعة، فما بال التفاسير وعلوم القرآن لا تصل إلى قرار ؟

 

23

القومية الكردية *

 

 

هي واجب ديني إسلامي ، وهي فطرة إنسانية مفروضة ، وهي واقع اجتماعي معروف يمتد آلاف السنين .

يرعى الإسلام الحنيف القومية الكردية فـي وطنها كردستان ولا يسمح ـ بحال من الأحوال ـ بالاعتداء عليها أو الإساءة إليها والاستخفاف بها أو الانتقاص منها في شيء من شئونها كالنسب العرقي واللغة الخاصة والعادات والتقاليد الحسنة ..

والأدلة المؤيدة المؤكدة من نقلية وعقلية ووقوعية كلها شاهدة ومشهودة ، ويكفينا ويكفي غيرنا قول ربنا في كتابه الكريم في خطاب للناس أجمعين : [ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ] وصدق الله العظيم فإن الأكراد من جنس الناس أبوهم آدم وأمهم حواء، وهم يسعون إلى التعارف ـ كما أمر الله ـ مع الشعوب والقبائل الأخرى وبخاصة مع المجاورين من العرب والترك والفرس ، ومن تعارفهم تعاونهم على إحقاق الحق وإبطال الباطل وإقامة العدل ومواجهة الظلم ومدافعة الظالمين .

وعلى هذا تأخذ القومية الكردية وغيرها من القوميات مواقعها المناسبة في التعاليم الإسلامية ، ويأخذ الأكراد موقعهم المناسب بين إخوانهم المسلمين في العالم ، وهم وهم سواسية كأسنان المشط يتعارفون بأمان في إيمان وسلام فـي إسـلام بلا ضرر ولا ضرار ولا استعمار ولا استغلال ولا استهتار .

وبداية الأكراد بالقومية الكردية لأنهم أكراد ولأن لديهم صلة قـربـى ( والأقربون أولى بالمعروف ) وإلا فكل القوميات بينها القومية التـركية والعربية والفارسية لها جميعها ذات الحقوق وعليها نفس الواجبات الكردية .

وإذا كانت القومية الكردية اليوم مدعوة لإقامة حكومة كردستان الإسلامية في وطنها كردستان باسم الحزب الإسلامي الكردستاني فإن كل القوميات مدعوة إلى مثل ذلك في أوطانها ، وهذا على المستوى القومي الوطني وهو المستوى المحلي .

أما المستوى الإقليمي وهو ديني إسلامي فإن الحكومات المحلية كلها مدعوة إلى إقامة "دولة الشعوب الإسلامية المتحدة" تحقيقاً لمفهوم الأمة الربانية القرآنية الواحدة [ إن هذه أمتكم أمة واحدة ] وهي أمة قفل الأبواب وسد الطرق في وجوه الطغاة البغاة .. والتاريخ يروي لنا عن وصول الكثيرين من الطواغيت البواغيت إلى الكراسي والعروش واستباحوا الدماء والأموال والأعراض .. والإسلام بريء والمسلمون برآء .. وعلى الأكراد أن يكونوا أذكياء لئلا يلدغوا من الجحر مرة أخرى ..

هذا بيان موجز لمن شاء ، ومن شاء التوسعة راجع المسألة في كتاب (تحرير الكرد وتوحيد كردستان) وسيجد فيه أن القومية مشروعة في دين الله كحلقة في سلسلة قرآنية بداية بحلقة النفس [ عليكم أنفسكم ] ثم حلقة الأهلين [ قوا أنفسكم وأهليكم ] ثم قرابة العشيرة [ وأنذر عشيرتك الأقربين ] ثم الحلقة القومية على لسان الأنبياء المرسلين من أولهم إلى آخرهم عليه وعليهم الصلاة والسلام ..

وقد بدأ خاتمهم بدعوة قومه العرب ثم دعا بقية الناس ..

وعلى هذا فقول بعض الجاهلين المخادعين عن القومية الكردية بالذات وأنها جاهلية هو قول باطل ..

وقول آخرين [ إنما المؤمنون إخوة ] هو حق يراد به باطل .

 

24

الشعب الكردي المسلم *

 

 

الشعب الكردي المسلم جزء من الأمة الإسلامية الواحدة ، وكردستان المسلمة جزء من دار الإسلام الكبرى ، وهي وطن الشعب الكردي تاريخياً وجغرافياً وتشمل تلك الأرض التي يكون الكرد غالبية سكانها .

للشعب الكردي ـ كما لكل شعب مسلم ـ حقوقه المشروعة في أصله وانتمائه ، وفي تاريخه ولغته ، وفي خصائصه ومميزاته ، وفي أرضه وخيراته ، وفي أن يحكم نفسه بنفسه ، وفي أن يرفض الذل والظلم والاستبداد والاستعباد ، وفي أن يحارب الفقر والجهل والمرض والتخلف .

المسلمون المقيمون في كردستان مطالبون بالعمل مع إخوانهم الكرد لجعل كردستان دار إسلام وهجرة ونصرة ، والكرد المسلمون المقيمون في غير كردستان مطالبون بالعمل مع إخوانهم لجعل أوطانهم دار إسلام وهجرة ونصرة .

المذاهب والفرق الإسلامية في كردستان تتعايش وتتعاون عن طريق الاجتماع على القدر المتفق عليه مع بذل الجهود لتوسيع قاعدة الاتفاق . أما القضايا التي يتعذر الوصول فيها إلى اتفاق فإنه يترك كل فرقة أو مذهب وما ينفرد به على أن لا يؤدي ذلك للإضرار بغيره . والفرقة أو المذهب يوصف بالإسلام متى التزم بالإسلام جملة ولم يخرج تفصيلاً على أمر معلوم من الدين بالضرورة .

يمكن التعاون مع الجهات التي تعمل لتأمين الحقوق المشروعة لكردستان إذا لم تكن هذه الجهات معارضة لدين الشعب ولا عميلة لجهة معادية .

حكومة كردستان تكون مع حكومات الشعوب الإسلامية ( دولة الشعوب الإسلامية المتحدة ) . فكل شعب يـخـتـار مجلس شورى للحكم محلياً ، ومجالس الشعوب تختار مجلس الشورى العام الذي يختار رئيساً لعلوم المسلمين .

اللغة الكردية في كردستان هي اللغة الرسمية وينبغي توحيدها وتأهيلها لمتطلبات العصر ، واللغة العربية إلزامية للتعبد بالنص وللاستنباط من الكتاب والسنة ، وأية لغة تدعوا الحاجة إليها إلزامية .

الأقليات الدينية غير الإسلامية تتمتع بالحرية الدينية وبالحقوق الوطنية وبالعدالة الاجتماعية .

الشعب بيده السلطات : الاجتهادية والتنفيذية والقضائية ، ومصدر التشريع كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينوب عن الشعب في حمل سلطاته مجلس الشورى المنتخب مـن قبل الشعب ، ومن صلاحيات هذا المجلس أن يوزع السلطات على الأكفاء من الفقهاء والقضاة والولاة .

الكليات التـي ترعاها السلطات للمجتمعات حفظاً وتكميلاً وتحسيناً هي : الدين والعقل والعرض والنفس والمال ، والخصوصيات التي ترعاها للأفراد هـي الـمـطـعـم والمشرب والمسكن والملبس والتعليم والتطبيب والتزويج ، والعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع تقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والإحسان في المعاملة والتعاون على الخير والمحافظة على المثل العليا ، والعادات الحسنة ومكافحة العادات الجاهلية ، ومعالجة المشكلات الخلقية .

الأسرة الصالحة هي اللبنة الأساسية في تكوين المجتمع السليم, وينبغي دعم الأسرة, وتقوية الروابط بين أفرادها, والتشجيع على النسل والزواج وتيسير أسبابه وتوفير مطالبه, والقضاء على البغاء والفاحشة.

المرأة مثل الرجل, تتساوى معه في الحقوق والواجبات وفي بناء المجتمع وتوجيهه, والتمييز القائم بينهما مفروض شرعا بسبب التكوين الخلقي والوظيفة الاجتماعية.

الطفولة مرحلة هامة للإعداد والتكوين, وهي تقتضي حنان الحضانة وحسن الرعاية والتربية, والقضاء على أسباب التشرد والانحراف.

الدعوة لنشر الإسلام لاتكون إلا بإقناع العقول وتأليف القلوب ولا إكراه في الدين. أما الجهاد فهو القتال في سبيل الله لدفع الظالمين المستكبرين والدفاع عن المظلومين المستضعفين مسلمين كانوا أم غير مسلمين.

الحرية حق عام وهي مصونة بالتفكير والتعبير والمعتقد والتأليف والنشر وتكوين النقابات العمالية والأحزاب السياسية والجماعات النسائية ما لم يتعارض شيء من ذلك مع الإسلام.

العدالة حق عام ولا حصانة لمنصب ولا تمييز بين أحد من المواطنين بسبب الدين أو اللون أو الطائفة أو الجنس أو المذهب.

العلم حق عام, والعلم بأصول الدين فرض عين على المسلمين وينبغي محو الأمية, والعناية بجميع مراحل التعليم, ورعاية البحث العلمي وتوجيه المواهب والاستفادة من الكفاءات وإيجاد الأجهزة المتكاملة في مختلف التخصصات.

العمل في كافة مجالات الانتفاع والاستثمار من الحقوق العامة وتتدخل السلطات في حدود الضرورة منها:

منع المعاملات المحرمة شرعا وتصفية البنوك الربوية بإقامة مصارف إسلامية حسب خطة مدروسة.

المحافظة على الثروات باستغلال حسن وتوزيع عادل إذا لم يستطع الأفراد القيام بذلك.

ضمان العامل بالأجر المناسب, والراحة الكافية والعلاج المطلوب والتعويض الوافي عند العجز والمرض.

رعاية العمل بتقديم القروض الحسنة وتحسين الإنتاج والتصريف.

إحلال التفاهم وإزالة التناقض بين العامل وصاحب العمل عن طريق:

 أ ـ توزيع جزء من الأرباح على عمال المصانع التي تساهم فيها الدولة بجزء من رأس المال لمصلحة العمال.

ب ـ إقامة مشاريع خاصة ونقل ملكيتها جزئيا أو كليا إلى العمال.

ج ـ إعانة الفلاحين على إحياء الأرض واستثمارها.

الضمان الاجتماعي يغطى عن طريق الميزانية الخاصة للزكاة والوقف والتبرعات, وعند الحاجة يستعان بالميزانية العامة للضرائب والاستثمارات.

 

 

25

الديمقراطية *

 

 

الديمقراطية الإنسانية وفي الإسلام الشورى الملزمة تعني حرية الإنسان في تصرفاته الفردية الخاصة وعلاقاته الاجتماعية العامة بما في ذلك اختيار نظام حكمه, وميدان الحرية والاختيار للفرد هو: الأسرة والعشيرة والقوم والحكومة المحلية والدولية.

والديمقراطية أنواع تبعا لخلفياتها الأيديولوجية وعوائدها كثوابت تؤثر على تنويع الديمقراطية وتظهرها بأشكال مختلفة مع بقاء المضمون وهو حرية التصرف والاختيار خارج حدود هذه الثوابت, حتى أنه يتعذر وجود ديمقراطية مطلقة غير مقيدة بالثوابت, وهي تنسب إلى ثوابتها فيقال ـ مثلا ـ ديمقراطية رأسمالية وديمقراطية اشتراكية وديمقراطية إسلامية.

ولقد دار الحديث مع أعداء الديمقراطية في مناسبات على مستويات ظهر فيها كثير من الإسلاميين بالعداء السافر والرفض الكامل بالجملة والتفصيل مع تقرير كفرها وانحلالها وإعلان الحرب عليها وعلى أهلها وما سكتوا بعد, وليسمعوا جوابي :

إن الديمقراطية بلغة العالم هي الشورى بلغة العرب والعالم لا يفهم العربية, والمأمور به مخاطبة الناس بما يفهمون, إذ أن المقصود هو المحتوى والمضمون وليس القوالب والألفاظ, بعد أن تبين ما بين الديمقراطية والشورى من موافقة ومطابقة.

فعلى الحرية والاختيار يقوم نظام الكون بأرضه وسمائه, خلقهما ربهما وما أجبرهما, بل خيرهما فـقـال لهما: ( إئتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) أحرارا مختارين غير كارهين ولا مكرهين .. والسبب أو العلة أن الكون كله مكلف في الدنيا ومسئول في الآخرة وشرط صحة التكليف والمسئولية هو وجود الحرية والاختيار عند المكلف.

وحسب مبدأ العدالة وميزان الحق والواجب فإنه يتعين الشرط المذكور وإلا ـ أي بانتفاء الحرية والاختيار ـ يقع الظلم المحال على الرب تبارك وتعالى, وفي القرآن حديث طويل عن الحق والواجب والعدالة وأن الرب لا يظلم شيئا ولا أحدا أبدا [ لا إكراه في الدين ] وليس لأحد حتى الرسول سلطان السيطرة والإجبار [ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى ] وهذا سبق بيانه في مفهوم الديمقراطية والشورى الملزمة ومفهوم الشورى والحكومة .. (راجع المفاهيم والبيانات) وأقول: إن الديمقراطية الدينية تلتقي مع الديمقراطية الفطرية التي نسميها الإنسانية, فحرية الإنسان في تصرفه واختياره والحفاظ على حقوقه مبدأ إنساني تقره العقول السليمة كما يقره الدين الإسلامي الحنيف, فتلتقي الدائرتان الدينية والإنسانية في العناصر المشتركة وينظم الخلاف ليتمكن أهل الأديان وبخاصة المسلمون من التعايش بأمان وسلام مع الناس, وهذا التعايش المكون من التقاء الدائرة الدينية بالدائرة الإنسانية اتفاقا مع تنظيم الخلاف, ويمكن تسميته بالديمقراطية العرفية, وينبغي توافر المرونة فيها لرسم إطار جامع يضم مختلف الطبقات الاجتماعية الفكرية والوظيفية, وهذا يجعل الأديان ومذاهبها وفرقها وطرقها كما يجعل العلمانيين واتجاهاتهم أسرة واحدة في بيت كبير هو الكرة الأرضية تعيش متآلفة متعاونة في الحياة الدنيوية, دار التعارف والتكليف , وفي الآخرة يكون الحساب والجزاء على الطاعة والمعصية.

إن موقف بعض الإسلاميين من الديمقراطية وضع الإسلام في خندق الدكتاتورية وجرده من حقه وعدالته وشوه صورته ولوث سمعته وترك الباب مفتوحا لنشوء دكتاتوريات فردية وجماعية في الأسرة والعشيرة والقوم وأنظمة الحكم وكذلك الشأن في المذهب والفرقة والطريقة , والأمثلة كثيرة بداية من عهد التابعين من أمثال عبدالملك بن مروان وعامله الحجاج بن يوسف وإلى يومنا تقوم الديكتاتوريات الإسلامية تحت اسم شيخ الطريقة وأمام المذهب أو الفرقة , والحاكم يرفع العلم وسطه (الله) أو (الله أكبر) أو (لا إله إلا الله محمد رسول الله) بحيث أصبح المسلم في حرج أمام العالم في أن يعلن عن اسمه ونسبه وديانته وبلده لأن المسلم لاجئ ذليل خارج وطنه ومستضعف في بلده من قبل علمائه وحكامه..

والله المستعان.

26

أصول الدين *

 

 

أصول الدين وما في معنى الدين كالتوحيد والعبادة والتكليف والإسلام والإيمان .. وهذه الأصول غير محدودة العدد بسبب التداخل في العموم والخصوص أو بسبب الخلاف في مسائل الفقه والعقيدة ..

وقد جمعت جملة منها في كتاب " أصول التوحيد في القرآن الكريم " في اثنين وعشرين بل في سبعة وعشرين أصلاً وهي :

1 ـ الإيمان بالله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته .

2 ـ الإيمان بالملائكة المكرمين إجمالاً فيما أجمل وتفصيلاً فيما فصل .

3 ـ الإيمان بالكتب المنزلة من عند الله والصحف والألواح والزبر .

4 ـ الإيمان بالأنبياء المرسلين أولهم آدم وآخرهم محمد عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه .

5 ـ الإيـمان باليوم الآخر للحساب خيره وشره وللجزاء نعيمه وجحيمه .

6 ـ الإيمان بالقدر العلمي المكتوب بالقلم على اللوح المحفوظ وهو تحت مشيئة القدرة .

7 ـ الإخلاص في العمل بلا رياء ولا سمعة ولا شرك ولا نفاق .

8،9 ـ الحب في الله والكره فيه.

10،11 ـ الخشية أو الخوف من الله والرجاء .

12 ـ البراءة من الجاهلية .

13 ـ الولاء للإسلام .

14 ـ الدعاء مخ العبادة .

15 ـ التوبة النصوح .

16،17 ـ ابتغاء الوسيلة وطلب الشفاعة .

18 ـ الحلف بالله والقسم والإيلاء .

19 ـ النذر لله . مأخوذ من (اصول التوحيد في القرآن الكريم) .

20 ـ الذبح لله والنحر .

21 ـ الجهاد في سبيل الله .

22 ـ الهجرة في سبيل الله .

23،24 ـ الحكم بما أنزل الله والتحاكم إلى ما أنزل الله .

25 ـ شعائر الإسلام وشعائر الكفر .

26،27 ـ الحمدلة والبسملة

 بسم الله والحمد لله أولاً وآخراً .

 

27

المحكم والمتشابه

 

 

[ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات .. ] (7/3) .

المحكم هو الكلام المفهوم يقابله غير المفهوم وهو المتشابه .

والناس في المحكم والمتشابه في القرآن على ثلاثة أحوال :

أن يكون كله متشابهاً .

أن يكون كله محكماً .

أن يكون بعضه محكماً وبعضه متشابهاً .

فالأعجمي الذي لا يعرف العربية يكون جميع القرآن في حقه متشابهاً لأنه لا يفهم شيئاً منه ، ويكون كله محكماً بالنسبة للنبي عليه الصلاة و السلام بسبب صلته بالوحي الذي يبين له كل شيء ، أما بقية الناس فإنه يكون بعضه محكماً وبعضه متشابهاً ، مع التفاوت النسبي في دائرة كل من الإحكام والتشابه حيث تتسع إحداهما على حساب الأخرى .

ويخرج عن هذا الحدِّ المتشابهُ الذي استأثر الله بعلمه لا نعلمه، لا يعلمه ملك ولا نبي ولا ولي ولا عالم راسخ في العلم .

في كتابي " المحكم والمتشابه في القرآن الكريم " وقفت في سورة البقرة على أربع وثلاثين دعوى تشابهٍ.

ومعلوم أن الاقتصار على سورة واحدة -ولو كانت بطول سورة البقرة- غير كافٍ وأنه لا بد من  العودة في مجال علوم القرآن إلى القرآن كله وإلا فعلِّة التقصير والتكرير قادحة في علوم القرآن حيث يكتفي المصنفون في مصنفاتهم عادة بضرب بعض الأمثلة وسوق بعض الشواهد بلا منهجية تذكر ولا موضوعية ، وقد انعكس هذا بالسلبية على البحوث القرآنية بخاصة  وعلى الدراسات الإسلامية بعامة .

أما دعاوى التشابه في سورة البقرة فلم يثبت منها عندي إلا اثنتان أو ثلاثة:

أولاهما في الآية الأولى [ ألم ] ومثلها أسماء الحروف في فواتح ثمان وعشرين سورة.

والشبهة أنه تحصل لي فيها قرابة أربعين قولاً بين نقلي وعقلي لم يصح نقلي نقلاً ولم يسلم عقلي عقلاً .

والثانية في الآية الثالثة والستين [ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ] ومثلها ما ورد في الآية التاسعة والستين من سورة المائدة .

والشبهة هي في نجاة الذين هادوا والنصارى والصابئين مع المؤمنين مع كونهم كافرين أو مشركين ! ولعل هذه الشبهة هي التي دفعت جمال الدين الأفغاني لأن يقول وهو يودع مصر : اكتبوا الآية على الهرم .

وهناك دعوى ثالثة في الآية السابعة والتسعين بعد المائة [ الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ] والشبهة في تعدد الحج في العام الواحد خلال الأشهر المعلومات الثلاثة كما قد يفهم من قوله [ فمن فرض فيهن ] فيكون لكل شعب وبلد أو مجموعة وحتى فرد أن يحدد أياماً خاصة به.

وينبغي التنبيه إلى الواجب حال استمرار التشابه وهو الإيمان والتسليم وعدم الخوض بغير علم [ .. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ] (7/3) .

 

28

القران القديم *

 

 

اختلف أهل السنة والمعتزلة في القرآن اختلافا عقدياً دام طويلاً ولا زالت المسألة معلقة بلا حلول، حتى مع أستاذ جامعي تضلع في السلفية بعد الخلفية، وله في المكتبة عدد من المؤلفات وكان في ندوة علمية يحضرها ملأ من أهل العلم والمعرفة، وألح مؤكدا الاطمئنان إلى ما عندي من  جواب لسؤالهم: ما القول في خلق القرآن وقدمه لدى المعتزلة وأهل السنة؟ فقلت في الجواب: لا يوجد في علمي خلاف علمي بين السنة والمعتزلة، لا في خلق القرآن ولا في قدم القرآن، وإنما الخلاف شخصي وسياسي بين العلماء والحكام!.

لقد رفع المعتزلة راية الإرهاب الفكري بحمل الناس على القول بخلق القرآن كوسيلة ضغط على الناس للخضوع والطاعة للنظام الحاكم. وكان موقف أهل السنة وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل مختلفا بالكلية وبصورة ردة فعل وقلب للمسألة، فإذا كان خلق القرآن عند المعتزلة أصلا دينيا يتميز به أهل الحق والعدل حسب أصول المعتزلة الفكرية، وكان القول بخلق القرآن شعارا سياسيا يظهر به الولاء للدولة، ويعين أو يفصل بسببه الولاة والقضاة والموظفون… فبالمقابل رد عليهم الإمام أحمد وخلفه أهل السنة بالقول: بكفر من قال بخلق القرآن، بل أكثر من ذلك بكفر من لم يكفر القائلين بخلق القرآن. وقد تعجب ملأ الندوة من هذه الإجابة، فقلت موضحا: إن أهل السنة يقصدون بالقرآن صفة الكلام، والكلام صفة قديمة، بينما المعتزلة يقصدون بالقرآن الكلمات المقروءة باللسان حسب المخارج، المسموعة بالآذان حسب الأصوات، المكتوبة بالأيدي وبالأقلام على القراطيس بالحروف الهجائية العربية، مكتوبة برموز معرضة للتعديل والتبديل والتحويل... فلا خلاف بين الفريقين في حقيقة الأمر، وظهور الخلاف سببه اختلاف زاوية النظر.

وينبغي التنبيه إلى ما اشتهر على ألسنة أهل السنة من وصف القرآن بالقدم، حيث يرد عليه أن القديم والحديث بمعنى واحد، فالقديم حادث متقدم، فقولنا القرآن قديم، كقولنا القرآن حادث، فما من قديم إلا وكان حادثا، إذ القديم بدايته ماضيه، والحادث بدايته آنية، وكل من الحادث والقديم مخلوق، ولذلك احترز بعضهم بقوله: قديم بلا بداية.

وأصل الخلاف سببه عدم التفريق بين الصفة وأثر الصفة، فالصفة أزلية دائمة لازمة موجودة بوجود الموصوف، أما أثر الصفة فحادث مخلوق أو مخلوق حادث. ونضرب مثلا للتوضيح من إحدى صفات الله مثل صفة الخلق، فالخالق اسم الله والخلق صفة اسمية والمخلوق أثر هذه الصفة، وظاهر أن صفة الخلق أزلية، أما المخلوق المقيد المحدد فهو الحادث،ولو قسنا هذا على الباب الذي نحن بصدده، لقلنا: إن صفة الكلام أزلية غير مخلوقة، بخلاف أثر هذه الصفة وهو الكلمات بالحروف الأبجدية واللغات واللهجات الإنسانية.

وفي شرح الطحاوية أن الكلام نوعه قديم أزلي لا أول له، وأفراده أو آحاده حادثة تحدث في وقت دون وقت، فهو يتكلم متى شاء، والصوت الذي يتكلم به سبحانه ليس بقديم. وعليه فإن الكلام لفظ يراد به إما التكليم وإما الكلمات، والكلمات العربية والعبرية والكردية هي مخلوقة عند من أنعم الله عليهم بنعمة العلم في العقل والنقل، ممن حلاهم الله بفضيلة التواضع وخلاهم عن رذيلة الجهل والغرور.. إن من يقول بقدم القرآن كلمات وحروفاً وأصواتاً ورسوماً مع القول بنزوله منجماً وطروء النسخ والإنساء والنسيان عليه، لاشك أنه يذهب إلى أن اللغات أبدية أزلية، وأن أصحابها الذين ابتكروها وتكلموا بها هم أبديون أزليون، كالعرب مع القرآن، وبنو إسرائيل مع التوراة والكرد مع آفستا، وهو شأن كل قوم وكل لغة. وعليه يتوجب القول بقدم المخلوقات، أو قدم العالم، كما يقول الفلاسفة الضالون تعالى الله عما يقولون ويتقولون من الكفر.. وأهل التكفير جعلوا التاريخ ميدانا لتكفير المخالفين وتفرقة المسلمين، وقد سلطوا سيف السلطان وسنان الأعوان على رقاب كثير من العلماء حتى ألجموهم وأحجموهم وأفقدوهم الجرأة على الرأي والقدرة على الكلام، وكان مثل هذا سببا في ضياع العلم وتعطيل الفكر، وإفساد منطق العقل، حتى أصبح العلم محصورا بالنقل، فكثر النقلة، وقل العقلة.. وما عدم السلاطين وعلماء الباطل من تهم يلصقونها بعلماء الحق لإبعاد أهل الذكر عن مراكز الفكر والتعليم والتـربية والدعوة.

 

29

جمع الحديث *

 

 

الحديث : كل ما روي عن النبـي صلى الله عليه وسلم من قـول أو فعل أو تقرير. وهو المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم. ويعتبر الرسول أول المؤمنين المسلمين العاملين وأول المفسرين وهو مشرع بأمر الله وإذنه له فهو يبين كتاب الله حتى كأنه قرآن يسعى وكان خلقه القرآن.

وجمع السنة تأخر عن جمع القرآن وتسلل إليه دخيل كثير، حيث جمع في وقت اختلط فيه الناس وابتعدوا عن مهبط الوحي وطال بهم العهد عن زمن النزول.

ولقد بذل الأئمة جهودا كبيرة لجمع سنة نبيهم وكان الأمر عسيرا بسبب تفرق نقلة السنة في الأمصار المتباعدة وعدم إخضاع الجمع للعمل الجماعي وكان العمل الفردي ولا يزال كما هو معلوم قاصرا لا ينتهي.

ولذا لم يتيسر في تاريخ السنة جمعها جمعا كاملا من أول أشهرهم (البخاري) إلى آخر أشهرهم (الألباني) بل كانت الجهود الفردية تتكرر. وهذا جلي في الكتب الستة ومن بعدها إلى زماننا هذا حيث لا يكمل العمل مع أن الحاجة ماسة إلى جمع السنة جمعا كاملا من مختلف بلدان العالم ووضعها في مكان واحد، هذه هي الخطوة الأولى.

والخطوة الثانية هي تصحيح السنة بفصل غير الصحيح عنها بغض النظر عن مراتب الصحة فإنه يكتفي بفصل صحيح المتن الذي يصلح للاستدلال به على الحكم الشرعي وبلا تمييز بين الحكم العقدي أو الفقهي أو الخلقي.

والخطوة الثالثة هي التمييز بين السنة المحمدية العرفية والسنة الشرعية الدينية ونعني بالسنة المحمدية ميوله الفطرية وعاداته الاجتماعية وتقاليده وهذه السنة خاصة به وليست تشريعا لغيره ويدخل في هذا القول والفعل والتقرير. والمقصود الأصلي من السنة هو السنة التشريعية التي يقوم عليها الدين ولا يقوم الدين بدونها سواء في العقيـدة أو الشريعة أو الأخلاق. والسنة بهذا المفهوم وإن كانت تلي القرآن في القوة والدرجة ولكنها لا تقل عن القرآن من حيث علاقة المكلف بالدين دخولا فيه أو خروجا منه فالإيمان بالسنة كالإيمان بالقرآن والكفر بها كالكفر به.

والخطوة الرابعة: ترتيب السنة تاريخيا ثم موضوعيا حسب الأحكام الشرعية ووضعها تحت ما يناسبها من الأحكام القرآنية بياناً له.

والخطوات المذكورة ليست يسيرة وهي ضرورية وينبغي بذل ما في الوسع وعلى مستوى العالم الإسلامي للمساهمة فيه والتعاون عليه. ولا أعني البدء من جديد بتدوين السنة وأؤكد على الاستفادة من جهود السابقين فيما أعدوه وأنجزوه مع تهذيب الزائد وإضافة الناقص. كما أؤكد على أن عمل السنة لا يقوم به فرد مهما أوتي من علم وعزم أو أفراد متفرقين وإنما يقوم به جماعة تتبع خطة  منهجية منظمة دقيقة.

وهذا العمل في السنة يضاف إلى المعمول به في القرآن لإقرار دائرة النقل الذي هو الأصل في الدين وهذه الدائرة معصومة لا يأتيها الباطل وينبغي الإيمان بها والتسليم لها وعدم الاجتهاد فيها أو الاعتراض عليها. والاجتهاد مقبول خارج هذه الدائرة.

 

30 ـ 31

آيات الأحكام وأحاديث الأحكام *

 

 

الأحكام جمع حكم بمعنى المنع وقطع الخلاف ومنه الحاكم الذي يمنع الرعية من المخالفة والخروج على الطاعة، ومنه الحكيم الذي يمنع السفه ومخالفة المعقول، وأصله من الحكَمة وهي حديدة في فم الدابة تمنعها من النفور متى شدها الراكب فيتحكم بها. ومصادر الأحكام ثلاثة: نقلية دليلها نصوص الكتاب والسنة، وفطرية دليلها مبادئ العقل السليم، وعرفية هي العادات المرعية والأنظمة الإدارية وهو الإجماع.

وأنواع الأحكام خمسة هي: الواجب والحرام والمسنون والمكروه والمباح وذلك حسب دلالة الأمر والنهي وما في معناهما، وظاهر الأمر الوجوب وظاهر النهي التحريم وهما ينصرفان بالقرينة إلى السنة أو الإباحة أو الكراهة.

أ ـ آيات الأحكام * :

قد كتب في أحكام القرآن كثيرون قديما وحديثا، وتأثرت كتبهم بعقائدهم ومذاهبهم، فكانت الآيات كثيرا ما تجرجر وراء نقولاتهم ومقولاتهم، وكل إناء بما فيه ينضح.

واختلفوا في عدد الآيات المتعلقة بالأحكام بسبب الاختلاف في تحديد مفهوم الأحكام، هل هي الفقه على وجه الخصوص، أم هي الفقه والعقيدة والأخلاق على العموم؟ ومن ثم تفاوت العدد، والمشهور أنه خمسمائة آية، وبعضهم اقتصر على نصف هذا العدد وأقل أو أكثر.. من مئة وخمسين عند ابن القيم إلى ثمانمائة وثلاثين عند ابن العربي.

ومما يدعو إلى الأسى والأسف أن تكون الآيات المتعلقة بالأحكام غير محددة، وأن تكون المناهج المعتمدة في الجمع غير موحدة.

وآيات الأحكام هي المتعلقة بتكليف العباد فعلا وتركا، حسب دلالة الأمـر والنهـي، ويدخل في ذلك الأحكام المعروفة بالحلال والحرام وما إليهما من الفرض والواجب والسنة والندب والإباحة وخلاف الأولى والكراهة والحرمة.

وإحصاء آيات الأحكام ينبغي أن يتم من خلال استقراء الموضوعات القرآنية وحصر الآيات المتعلقة بكل موضوع.

والمكتبة القرآنية حوت كتبا قليلة تخدم هذا المنهج مع الإشارة إلى أن علوم القرآن لصيقة بهذا الجانب.

وأول كتاب هو: تفصيل آيات القرآن الحكيم، للمستشرق الفرنسي (جول لابوم) وتلميذه (إدوارد مونتيه).

والثاني هو: الجامع لمواضيع آيات القرآن الكريم لمحمد فارس بركات.

والثالث: تصنيف آيات القرآن الكريم لمحمد محمود إسماعيل.

والرابع هو: المعجم المفهرس لمعاني القرآن العظيم لمحمد بسام رشدي الزين.

وهناك معاجم أخرى مثل تبويب آي القرآن من الناحية الموضوعية لأحمد إبراهيم مهنا، والترتيب والبيان عن تفصيل آي القرآن لمحمد زكي، وتفسير وبيان مفردات القرآن لحسن حمصي، ولكن المعجم المفهرس لمعاني القرآن العظيم أفضلها، وهو مرتب حسب الموضوعات، وفي عصرنا يقدم هذا المعجم مع المعجم المفهرس للألفاظ إلى المكتبة القرآنية.. وكان ينبغي أن يقدما منذ مئات السنين حيث إن القرآن جواهره منثورة ونظمها في عقود يقوم على هذين المعجمين حسب الألفاظ وحسب والموضوعات، والمعجمان المذكوران يقومان على تفصيل القرآن ثم جمعه تحت موضوعاته ولنا أن نسمي هذا العمل تنظيم القرآن، وهو يفتح الباب أمام تفسيره تفسيرا موضوعيا، وذلك هو التفسير الحقيقي الذي يُظهر حقائق القرآن وقواعده وضوابطه وحدوده بحيث يتحدد الدين من خلال القرآن.وهذا المنهج مطلوب لوضع "أحكام القرآن".

ب ـ أحاديث الأحكام *:

أحاديث جمع حديث وهو: قول النبـي صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره في التشريع العام، فيخرج اجتهاده البشري كقوله في عدم تأبير النخل، وتخرج خصوصياته كالتزوج بأكثر من أربع. والأحاديث بمعنى السنة النبوية هي الطريقة التي علمها النبي في حياته لأصحابه وأورثها التابعين من بعده، وهي المصدر الثاني للشريعة الإسلامية بعد كتاب الله عز و جل. والأحاديث كثيرة متفاوتة في الدرجة والقوة تبعا لصحة السند وسلامة المتن.

وحسب تعريفنا للحديث فإن عامة الأحاديث تتعلق بالأحكام غير أن مصطلح "أحاديث الأحكام" يعني أحاديث محدودة ومعدودة لها علاقة مباشرة بالأحكام.

ونصوص السنة لا تزال مثقلة بأسماء الرواة في سلاسل الأسانيد والمصادر والمراجع وأهل التخريج والتعديل والتجريح بخلاف نصوص الكتاب الكريم فهي مجردة ومجموعة في سورها بداية بالبسملة والحمدلة إلى نهاية الاستعاذة برب الناس من الجنة والناس.

والعدد في أحاديث الأحكام غير متفق عليه شأنها شأن النصوص في آيات الأحكام، ونضرب المثل في كتابين أحدهما "بلوغ المرام" لابن حجر العسقلاني بلغت أحاديثه ألفاً وأربع مائة وسبعة وسبعين حديثاً وهو عدد كبير وكثير، والكتاب الآخر "عمدة الأحكام" لعبد الغني المقدسي وهو على نحو ثلث الأول وهو خمس مائة حديث.

والمنهج الذي أسلكه هو محاولة تقليل العدد إلى أدنى حد وحذف الأشباه المكررة، وحذف الرواة وتجريد النصوص بالاقتصار على موضع الشاهد ما أمكن، وشرح النص شرحا موجزا واستنباط الحكم المتبادر من ظاهر العبارة مما له علاقة مباشرة بموضوع الباب، وقد التزمت بذلك في حكم الطهارة والله الموفق للصواب.

 

 

 

 

 

32

الجهـاد

 

 

الجهـاد هو : قتال الظالمين .. هذا تعريفه وفي تعريف آخر للجهاد هو أنه: قتال الكافرين.

وقد حاورت كبيراً منهم كان له في المكتبة أكثر من ثمانين عنوانا قال: نقاتل الكافرين قلت: انتصرتم عليهم قال: نجليهم خارج دار الإسلام ونقاتلهم من جديد قلت: وانتصرتم عليهم من جديد قال: نجليهم ونقـاتلهم قلت: لفيتم بهم الأرض بالقتال والجلاء على المحورين و القطبين وانتهيتم من كوكب الأرض هل تعيدون الكرة أو الكرات على كوكب آخر. فسكت الكبير طويلا .

يا سيدي إن القتال دفع للظالم ودفاع عن المظلوم بغض النـظر عن الدين.. فالدين في الـدنيا مبني على قاعـدة الدين المعـاملة. و في الآخرة مبني على الكفر والإيمان فالكافرون في النار والمـؤمنون في الجنـة.. و إلا فكيف تقوم الدعوة إلى الله؟ وما مصير الأب والأم والأخ والأخت والابن والبنت والزوجات اليهوديات أو النصرانيات.. أو .. أو ؟

يا سيدي إن آيات القران إذا رتبت بشكل موضوعي تاريخي ظهرت الحقيقة [ أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ] (39/22) .

[ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ] (9/49) ، وآيات أخرى كثيرة مؤداها ومنتهاها هو كما قرره ابن تيميه قال: " إن الله أمر بقتال الكفار ليس لأنهم كفار ولكنهم اعتدوا فالعدوان لا الكفر هو سبب القتال، والله أمرنا بعدم إكراه أحد على الإسلام ، [ لا إكراه في الدين ] (257/2) وأمرنا بالقتال لرد العدوان فقط [ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ] (19/2) ، ولو كان القتال غايته أن يُسلم الكافر لكان هذا أعظم الإكراه على الدين.

راجع" الجهـاد في سبيل الله " في أصول التوحيد  ، و " الردة والحرية الدينية" في البصائر.

 

 

33

طلاق الغضبان

 

 

طلاق الغضبان كطلاق المكره لا يقعان، والغضب والإكراه معنيان مقصودان من الإغلاق في حديث : (لا طلاق في إغلاق) ومثلهما الخطأ والنسيان..

وقد قسموا الإغلاق إلى درجات أو دركات: شديد وأشد وخفيف.. فأوقعوا به الطلاق أو منعوه أو اختلفوا فيه، والأكثرون على التشديد والتغليظ لا على التيسير والتخفيف!!

وهاكم القضية كما قلنا وكما قالوا:

الأحكام مشروعة لمصلحة العباد في المعاش والمعاد، وهي مرتبة باعتبارات حسب القوة والدرجة وحسب الأشخاص والأحوال، فهي تتفاوت في الفعل والترك والأداء والقضاء والعزيمة والرخصة و الإتمام والتخفيف.. ولكلٍ علة وحكمة علمنا الكثير وجهلنا الكثير.

وكافة الأحكام خاضعة للأدلة الشرعية، والسنة في ذلك كالقرآن، قال تعالى : [ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ] وقال عليه السلام : ( ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ) أي السنة، وقال : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ) .

وطلاق الغضبان يقوم على دليل من السنة نصه ( لا طلاق في إغلاق ) واختلفوا في تفسير الإغلاق الذي ينتفي معه الطلاق بين من يرى أنه الإكراه أو أنه الغضب على خلاف في درجة الغضب وقوته فإن بلغ نهايته حتى يصبح الغضبان كالمجنون فاقد العقل والوعي والإدراك فهذا اتفقوا على عدم وقوع طلاقه ـ مثله غير مكلف ـ وفي المقابل اتفقوا على وقوعه إن كان الغضب خفيفا، واختلفوا في الغضب الشديد الذي يخرج صاحبه عن المعتاد من طبعه ويؤثر على رضاه واختياره ونيته مع بقاء عقله ووعيه وإدراكه.

وإلحاق هذا النوع بالأول متوجه كحد أدنى من حيث أن الحديث لو كان لفاقد العقل والوعي والإدراك لما كان للنص معنى جديد، ولكان تحصيل حاصل لتعليق التكليف أصلا بالعقل والوعي والإدراك فلا يكون للنص ميزة ولا خاصية وفي الحديث أن الرسول أوتي جوامع الكلم، قال تعالى عنه [ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ] .

وإعمال النص على الوجه الذي أشرنا إليه فيه تيسير على الناس وما خُيّر الرسول بين أمرين إلا اختار أيسرهما كما في الحديث، ومعلوم لأن يخطئ أحدكم في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة، وفي هذا ميل إلى الحذر من الأخذ بالأشد والشديد بدل الخفيف والأخف مع ما يترتب عليه من ندم الزوج، وفسخ الزواج، وانقطاع المودة والرحمة، ووقوع القطيعة والخصومة بين الزوجين وبين أقربائهما ومعارفهما، مع ما يلحق الأولاد من تشريد وضياع .. ومثل هذا لا تفتح له الأبواب بل تغلق وتسد المنافذ إلا إذا تعين أبغض الحلال وكان أهون الشرين.

وفي العلاقة الزوجية مقابلة بين الزواج والطلاق أحدهما دخول وهو الزواج والآخر خروج وهو الطلاق، والأصل أن يتساويا في الركنية كتحقق الرضا وفي الشرطية كالإشهاد، والطلاق أولى لما فيه من حماية المصلحة ودفع المفسدة، إلى جانب وجه آخر يتميز به الطلاق عن الزواج من حيث أن الزوجية قائمة والطلاق طارئ ولا يزول القائم بالطارئ إلا بيقين.

ومن الأعجب الأغرب أن يقع العكس فيتشددوا في عقد الزواج بالشروط القاسية ويتساهلوا في الفراق والطلاق، حتى ذهبوا إلى وقوع طلاق المكره وطلاق الثلاث وطلاق الحالف وطلاق البدعة وطلاق السكران والغضبان.. دون ما اعتبار يذكر بالحياة الزوجية وطبائع الزوجين وبخاصة مع كثرة الأولاد وزيادة المسئوليات وثقل المطالب.. مما يوقع الأزواج في حالات انفعال وردود أفعال فيلقون كلاما يندمون عليه كثيرا، والزوجان يواجهان المشاكل في بيت صغير وبيئة مغلقة ولا يستطيع أحدهما أن يغادر موقعه أو يغير حالته إذ لابد من المواجهة ولا سبيل إلى اجتناب الغضب والانفعال… والشرع يراعي مثل هذه الحالة المرضية، فالغضبان مريض النفس وهو كمريض البدن الذي يندم بعد زوال غضبه أو انتهاء وجعه، والمصلحة الشرعية والعقلية تقتضيان مراعاة الشخص والحال.

ومن الفقه المذهبـي ما نقله الجزيري قال: وأما الغضبان فاعلم أن بعض العلماء قسم الغضب إلى ثلاثة أنواع:

 الأول: أن يكون في أول أمره فلا يغير عقل الغضبان وبهذا المعنى يقع الطلاق وتنفذ عباراته باتفاق.

والثاني: أن يكون في نهايته بحيث يغير عقل صاحبه ويجعله كالمجنون الذي لا يقصد ما يقول ولا يعلمه ولا ريب أن الغضبان بهذا المعنى لا يقع طلاقه لأنه هو والمجنون سواء.

الثالث: أن يكون الغضب وسطا بين الحالتين فيشتد ويخرج من عادته ولكنه لا يكون كالمجنون الذي لا يقصد ما يقول ولا يعلمه، والجمهور على أن القسم الثالث يقع به الطلاق.

الحنفية قالوا: الذي قسم هذا التقسيم هو ابن القيم الحنبلي، وقد اختار أن طلاق الغضبان بالمعنى الثالث لا يقع، والتحقيق عند الحنفية أن الغضبان الذي يخرجه غضبه عن طبيعته وعاداته بحيث يغلب الهذيان على أقواله وأفعاله فإن طلاقه لا يقع، وإن كان يصح ما يقول لا ما يكون في حالة في إرادته فلا يكون قصده مبنيا على إدراك صحيح دائم، فيكون كالمجنون لأن المجنون لا يلزم أن يكون دائما في حالة لا يعلم فيها ما يقول فقد يتكلم في كثير من الأحيان بكلام معقول ثم ما يلبث أن يهذي.

ولا يخفى أن هذا تأكيد لقول ابن القيم، غاية ما هناك أن ابن القيم صرح بأنه لا يكون كالمجنون.أهـ.

ومع احتـرامنا لهؤلاء وأولئك الذين قسموا الغضب وغيره إلى درجات أو دركات.. فإن الغضب كله كثيره مانع من وقوع الطلاق وقليله كذلك مانع، وكذا كل الإكراه وكل الخطأ وكل النسيان قليله وكثيره سواء بسواء واذكّر بيسر الدين بداية. وأكرر أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة نهاية. وفي الختام أسأل الله ـ وهو الرحمن الرحيم ـ أن لا يقع من الغضبان وأمثاله أي طلاق.

 

34

ظاهر الدين وباطنه *

 

 

الدين مرتبتان:

مرتبة ظاهرة هي الإسلام ومرتبة باطنة هي الإيمان، ودعوى وجود مرتبة ثالثة هي الإحسان دعوى غير صحيحة لأن الإحسان ليس مرتبة بل شرط صحة وقبول للإيمان والإسلام جميعاً والله قد كتب الإحسان في كل شيء كما في الحديث.

والقرآن صريح على أن الإيمان في القلب باطن وأن الإسلام قول اللسان ظاهر وذلك على سبيل التحديد والحصر بلا تجاوز ولا تداخل.

قال تعالى : [ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ] .

والخطأ الذي وقعوا فيه سببه خطؤهم في فهم حديث جبريل المشهور، وقد عرّف الإسلام وعرّف الإيمان ثم عرّف الإحسان بعدهما فأدخلوه في المراتب معهما مع تكلف لا يخفى..

ومثله تكلفهم في تعريف الإيمان بأنه تصديق الجنان وإقرار اللسان وعمل الجوارح.. فجعلوا الإيمان جامعاً للدين كله وهو خلط صريح بين المضمون أو المعنى وبين اللازم أو المقتضى.. ومضمون الإيمان هو تصديق القلب لكنه يقتضي ـ على سبيل اللزوم ـ إقرار اللسان تقابلاً وتكاملاً.. والعكس كذلك صحيح إذا ا أقر بلسانه فلازمه تصديق الجنان وإلا كان منافقاً مرائياً.

وفي تاريخ المسلمين وقع الخلل الكبير بسبب الميلان إلى جانب على حساب الجانب الآخر، وكان من جراء ذلك قيام الظاهرية وفيهم غلاة السلفية و الخوارج.. وقيام الباطنية وفيهم غلاة الصوفية والشيعة.. ولهؤلاء وأولئك صفحات سود لم يغسلها التاريخ بعد.

وقد ذكرنا الأولين في "مذهب التبين بين الكفر والإسلام" من المفاهيم.

وذكرنا الآخرين في مفهوم "الصوفية بعد الشيعة".

 

35

الإرهاب الإسلامي

 

 

( السلام عليكم والسلام علينا ) تحية وشعيرة دينية لجميع المسلمين على امتداد العالم.

ودين المسلمين ظاهره الإسلام بمعنى السلام، وباطنه الإيمان بمعنى الأمان.

والدين في حقيقته يعني المعاملة الحسنة مع الجميع، وفي الحديث : ( إن الدين المعاملة ) ، و ( إن الله قد كتب الإحسان في كل شيء ) ، و ( إن الخلق ـ والناس بينهم ـ كلهم عيال الله أقربهم إلى الله أنفعهم لعياله ) .

فكيف تحول أو يتحول هذا الدين إلى إرهاب ؟ وكيف تحول أو يتحول أتباعه إلى إرهابيين ؟

الحق أنه يوجد إرهاب إسلامي ويوجد إرهابيون مسلمون ، قال الله تعالى : [ وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ] .

وقال الـرســول عليه الصلاة والسلام : ( نـصـرت بالرعب مسيرة شهر ) .

ولكن هذا الإرهاب أو الإرعاب في الكتاب والسنة ليس موجهاً لكل أحد بل هو موجه إلى الظالمين المعتدين كرد للفعل ومعاملة بالمثل [ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ] ، [ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ] ..

وسبق لهم أنهم أخطأوا في مفهوم الجهاد قالوا الجهاد قتال الكافرين المشركين وليس قتال الظالمين المعتدين، ثم قاموا بإلغاء الحرية الدينية وقتلوا المرتد الذي يبدل دينه بالسنة القولية غير سائلين عن السنة العملية لرسول الله وللصحابة وللتابعين ..

ولم يقتصر الأمر على الكافرين المعروفين والمشركين بل تعدوهم إلى الفرق العقدية والطرق الصوفية والمذاهب الفقهية الإسلامية فأفتوا بتكفيرهم وقاموا بتقتيلهم جاهلين متجاهلين كما أشرنا أن السنة العملية مقدمة على السنة القولية ... وقبل ذلك أن الكتاب مقدم على السنة فضلاً عن غيرها من النقول والأقاويل .

  

 

36

عصمة الأنبياء والأولياء *

 

 

الأنبياء حملة النبوات المكلفون بتبليغ الرسالات وهم أول المؤمنين برسالاتهم السماوية والأمثل في تطبيق شرائعهم الدينية.

ودعوى عصمة الأنبياء المرسلين بمعنى عدم وقوعهم في الخطأ والإثم هو غلو في الأنبياء المرسلين مردود بالشواهد الصريحة في القرآن، ومن ذلك ما صرح به من وقوع بعضهم في الإثم كما في أكل آدم من الشجرة، وهروب يونس من دعوة قومه، وما ذكره تعالى من وقوع بعضهم في الخطأ كما في استغفار إبراهيم لأبيه، ومطالبة نوح بنجاة ابنه، وقتل موسى للقبطي، وتولي الرسول عن الأعمى، وفدائه الأسرى يوم بدر، ويلحق بهذا ما ذكره من توبة آخرين وإنابتهم، كما في الحديث عن داود وسليمان.

وإذ لم تثبت العصمة على عمومها في شئون الدين فمن باب أولى عدم إثباتها في الشئون الدنيوية الاجتهادية، وفي سيرة خاتم المرسلين أمثلة كما في حادثة تأبير النخل والنزول في موقع يوم بدر.

والعصمة الثابتة مقيدة بالأمانة على الوحي والصدق في تبليغ الرسالة كما أخبر تعالى: [ وما هو على الغيب بضنين ] وقوله : [ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ] . ولم يأخذه تعالى باليمين ولا قطع منه الوتين لأنه عصم عن الخيانة والضن وعن الكذب والتقول. وهناك عصمة خاصة كما في قوله تعالى: [ والله يعصمك من الناس ] ولذلك صرف الرسول بعدها حرسه.

فإذا قصد بالعصمة سلامة الوحي وصحة الرسالة واستقامة السيرة بالصحيح الذي وافقوه أو بالتصحيح الذي اتبعوه بعدما عاتبهم تعالى وحذرهم وقبل توبتهم واستغفارهم فمقبول، وما عدا ذلك غلو وتجاوز.

ومن العجيب أن يتجاوز بعض الفرق حدود الدين والعقل فيثبتوا العصمة العامة لغير الأنبياء المرسلين من الأئمة والصالحين دونما دليل أو برهان إلا الذوق والهوى!

والأولياء جمعوا من الصفات الحسنة واجتناب السيئات وتقربوا إلى الله بالطاعات فكانوا أولياء الله وكان الله وليهم، ولكن الأنبياء يتميزون بالوحي الصادق والمعجزات الخارقة وهذا مقطوع به بخلاف الأولياء حيث يتعذر إثبات إلهامهم وكراماتهم وقد يكون الإلهام من غير الله كما تكون الخوارق من السحر لا من الكرامة.

وعليه فإن الولي دون النبي لكن الغلاة لم يجعلوهما سواء فحسب بل جعلوا الأولياء فوق الأنبياء ولذلك تجد أولياء العبادة من الزهاد وأولياء العلم من الفقهاء وأولياء التربية من المشايخ وأولياء الأمور من الحكام تجدهم أئمة متبوعين معصومين أو شبه معصومين لا يعترض عليهم أو يفترض في حقهم وسواء كانوا سابقين أو قائمين أو مستقبلين منتظرين.

 

 

 

37

تعدد الزوجات *

 

 

الزوجة واحدة في الشريعة والفطرة : واحدة لآدم وواحدة لمن خافوا أن لا يعدلوا أو يعولوا وهم الأكثر.

وبعض المسلمين يعددون الزوجات كأية سلعة من السلع التي يمتلكونها من مراكب ومساكن وملابس ومطاعم ويعتقدون أن التعدد هو الأصل وأن التوحيد ليس أصلا وقد نشأ عن هذا الفهم في العلاقات الاجتماعية سلبيات كثيرة لم تدرس على المستوى الاجتماعي.

والأصل في هذا قوله تعالى في النكاح [ مثنى وثلاث ورباع ] ثم قيده بالواحدة إذا لم تتوافر الإعالة أو العدالة في العدد [ فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة ] ، [ ذلك أدنى أن لا تعولوا ] .

والحِل على سبيل الرخصة والحاجة شيء وعلى أن يكون هو الأصل في الديانة والفطرة شيء آخر، والفرق بينهما واضح وكبير فالعقل والفطرة وكذلك الشريعة دالة وشاهدة على أن الأصل التوحيد وليس التعديد، وإنما التعديد على الاحتياج، والحاجات متعددة شخصية نسبية وقد تكون اجتماعية عامة كزيادة النسل في الجماعة أو حاجة شهوية أو الرغبة في الولد أو بسبب المرض... الخ.

لكن يبقى الأصل في أن الواحدة للواحد بحيث يكونان زوجين، ونظام التكاثر بالكون نظام زوجي منذ البداية، وقد خلق آدم وخلق له زوجة واحدة، هذا جانب، والجانب الآخر هو تعليق التعدد بالعدالة والإعالة وهو شرط يكاد يكون مستحيلاً بالنسبة لأكثر الناس ولا يقدر عليه إلا قلة، فأهله في كل جيل وقبيل قليلون.

وفي حال التوحيد لا يجوز تدخل الدولة إلا في إنفاذ الزواج والإعانة عليه لأن له الوجوب فطرة وشريعة، وأما التعدد إذا كان رخصة فلإدارة الدولة التدخل لتنظيمه وتقييده ومراقبته بما يحمى المجتمع ويحفظ حقوق الزوجات وتربية الأولاد والحفاظ على روابط الأسرة والمجتمع.

 

 

38

كشف النفس *

 

 

النفوس معادن مختلفة الذوات والصفات والوظائف ويدل على ذلك قوله تعالى : [ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ] .

هذه الفطرة بميولها وغرائزها النوعية أو الجنسية مع تميز الإنسان بالعلم الذي يرقى بالفطرة ارتفاعا أو ينزل بها هبوطا وهذا معنى قوله : [ قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ] وهو ما يفهم من الحديث : ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) .

والعلم المكتسب الجديد والعلم السابق أي الخبرة هي ميزة للإنسان حيث يتمكن من التحكم في حياته فيزداد علماً، وبسب العلم أعطي الإنسان الأمانة وخلافة الأرض وتسخير الملائكة والحساب والجزاء بالثواب والعقاب.

هذا، وإن تعلم العلم طريق لكشف النفس، فالعلم مفتاح بيد العالم يفتح به باب نفسه ليكشف ما بداخلها من أسرار ويفك رموزها ويطلع على خفاياها وخباياها ويسبر أغوارها، ومتى عرف الإنسان نفسه وفهمها تمكن من التفاهم معها وتوجيهها لدفعها ومنعها ومعالجة عللها وأمراضها، ومن استطاع أن يفتح نفسه ويكشف عما بداخلها وعرف طريق الوصول إلى المفتاح والقيام بعملية الفتح والبحث عن بواطن النفس وظواهرها كانت الخطوة الثانية أن يتعرف على الآخرين فيحاول معرفة مفاتيحهم والكشف عن أنفسهم لمعرفتهم تمهيدا للتعامل معهم، وقد يقع هذا جماعيا بالنسبة لفئة من الناس يراد معرفتها وتوجيهها ..

والدراسات النفسية في العقود الأخيرة موجهة هذه الوجهة وإن كانت في معظمها مستغلة لمصالح سياسة خاصة أو ديانة معينة فاليهود والنصارى أو الرأسمالية والاشتراكية في الشرق والغرب هؤلاء يبحثون ويقدمون دراسات نفسية لمعرفة الشعوب وتأثراتها وعوامل التأثير فيها لتوجيهها حسب الطلب والمصلحة.

ومعلوم أن الدراسات النفسية تؤدي إلى معرفة النفس وهذه المعرفة سلاح ذو حدين حيث يمكن استغلالها في الخير أو الشر.

والله سبحانه وتعالى عرض النفس لمعرفتها ووضع الضوابط لرقيها والسمو بها في درجات الخير وفي المقابل بين الشر الكامن في النفس مع ما يقوم به الشيطان من الانحدار بالنفس في دركات الشر.

هذا، وإن أعظم هدية من سلف لخلف ومن والد لولد وأعظم وصية هي هذه الوسيلة التي يعرف بها الإنسان نفسه ثم يعرف غيره...

وفي تاريخنا عالم نفسي كبير من البربر هو ابن خلدون وضع الأسس لعلم النفس ولكنه بقي أستاذا بلا تلاميذ فلم يقم بناء لعلم النفس الإسلامي بعده، وتركت الساحة مفتوحة للآخرين الذين استخدموا الدراسات النفسية في تحقيق أطماعهم.. وما نراه في عالمنا من دمار واستعمار ما هو إلا نتيجة لتخطيط علماء النفس الذين تمكنوا من تقييد الشعوب وتسييس الحكومات وإشعال الحروب حسب الطلب، فلقد جعل علماء النفس العالم محصورا في لوحة أزرار تعبث بها أصابع السادة الذين يفجرون أي منطقة في العالم يريدونها بعد أن تمكنوا من معرفة الأسرار ونقاط التفجير والحساسيات والفروق والخلافات على مستوى الأديان والمذاهب والأعراف والعادات والتقاليد والميول والغرائز.

والعجب كبير في عدم نشوء علم النفس عند المسلمين مع أن القرآن كتاب حول علم النفس،والسنة تطبيق عملي حول النفس الإنسانية،والسبب هو الخلط بين النفس والروح فقد جعلوهما شيئا واحدا حيث قالوا النفس هي الروح، والروح هي النفس فإذا كانت الروح من أمر الله [ قل الروح من أمر ربي ] وكان الواجب عدم الخوض في أمرها لزم منه سريان هذا الحكم على النفس أيضاً.

علم النفس الذي نراه في مؤلفات ومقررات المعاهد والكليات لا يمثل علم النفس الإسلامي المأخوذ من الكتاب والسنة وإنما هو في الغالب علم غربي يمثل فهم الغرب ويحقق مصالحهم ألبسوه ثوب الإسلام ودعوه باسم الإسلام بعد حذف أسماء المؤلفين.

 

39

موسى والخضر *

 

 

يُروى أن موسى رأى نفسه أعلم أهل زمانه فأرسله الله إلى من هو أعلم منه وهو الخضر ، فتعلم ثلاث مسائل :

الأولى قتل الغلام قبل البلوغ .

والثانية خرق السفينة في البحر .

والثالثة بناء جدار يريد أن ينقض.

والخضر بين لموسى ما خفي عليه من قتل الغلام رحمة بأبويه ، وبناء الجدار تكريما للأبوين الصالحين ، وأن تعييب السفينة كان لدفع الغصب عن المساكين ، ولم يصبر موسى ليتعلم المزيد ولم يتحمل الخضر فكان الفراق بين المعلم والمتعلم.

وقد اختلف الناس قديما ولا يزالون مختلفين في هوية الخضر، والأكثرون على أنه إنسان من البشر على الخلاف في ولايته ونبوته، ويراه الباطنية وليا والولي عندهم مقدم على النبي كما تقدم خضر على موسى في زعمهم لأن النبـي يتلقى عن الله بواسطة الملك ويتلقى الولي مباشرة بلا واسطة والولي له العصمة بخلاف النبـي غير المعصوم عن الذنوب والأخطاء.

هذه الولاية قد جرت على الإسلام فتنة كبرى عمياء خلال تاريخها الطويل وكان خطرها عظيما ودخانها يعمي الأبصار ويأتي على الأخضر واليابس تجهيلا وتخريبا وتدميرا.

والذي كنت ولازلت أراه أن العبد الصالح الذي ورد في القرآن لم يكن ولا ينبغي له أن يكون من البشر، لأن البشر ومنهم الأولياء بل الأنبياء ملزمون بالشرائع ويحكمون بالظاهر فلا يخرقون السفن لإغراقها في البحر، ولا يبنون الجدران في الخرائب والبراري، ولا يقتلون الغلام قبل الاحتلام دون حق.. فمثل هذا العمل إذا فعله الإنسان العادي كان سفيهاً مفسداً مجرماً، فكيف إذا كان ولياً أو كان نبياً؟ وقياس الخضر على إبراهيم في الولد هو قياس مع فارق لثبوت بشرية ونبوة إبراهيم بالنصوص والنقول القطعية بلا معارض ولا نكير بخلاف بشرية ونبوة الخضر القائمتين على الاجتهاد، وهو اجتهاد في مواجهة ظاهر الشريعة والفطرة.

والأقرب كونه من الملائكة أو الجن أو ما شاء الله من جنود السماوات والأرض الذين وظفهم الله لقبض أرواح الناس صغارا وكبارا وإغراق السفن الصالحة وغير الصالحة وبناء الجدران في الخرائب والعمران.. ولذلك صرح القرآن على لسان العبد الصالح ـ الخضر ـ [ وما فعلته عن أمري ] فهي وظيفته التي أداها أستاذاً معلماً لموسى وتلقاها موسى تلميذاً متعلماً، مثلهما في ذلك مثل النبي في أصحابه أتاهم الملك جبريل بصورة الإنسان معلما وأستاذا فـقـال الـرسـول لأصحابه: ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) .

ولعل هذه الكلمة تذكر أولئك الذين يحتجون بالخضر على تقديم الولاية على النبوة ويكتفون بالخلوات للوصول إلى العلم الإلهي ـ اللدنّي ـ والصلة المباشرة بالإله، ولعلهم ينتهون عن قولهم: إن الإمام أو الولي فوق النبـي، والحقيقة أو الطريقة فوق الشريعة.

 

 

40

العورة والحجاب *

 

 

في القرآن تحديد لعورة الأبوين في الجنة، وهما السوءتان، ومواراتهما هو ستـرهما وحجبهما، وذريتهما مثلهما، لأنهما في ذات الصورة، والحكم للذكر والأنثى سواء، شأن الأب آدم والأم حواء.

وستـر العورة وإن كان أول الحجاب أو أولاه لكنه غير الحجاب المعروف، الذي هو ستر مواضع الفتنة والزينة من البدن. ولما كانت المرأة أكثر فتنة وزينة، كان حجابها أشد وأغلظ، ساتراً غير كاشف وواسعاً غير ضيق وكاتماً غير شاف.

وتغطية المفاتن الفطرية، وإخفاء حلي الزينة، هو الحجاب من حيث النظر والصورة، وهناك حجاب من حيث الصوت والسمع والشم.. فيدخل في هذا روائح العطور، ووسواس الحلي. [ ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ] ، [ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ] ، [ وليدنين عليهن من جلابيبهن ] ، [ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ].

وزينة الوجه في العين بالكحل، وفي الأنف والأذنين بالحلق والأقراط، وفي اليدين والقدمين بالأسورة والخلاخيل.. فما ظهر من هذا عادة أو حاجة خرج عن إيجاب الحجاب، والوجه يظهر للحاجة، ففيه وسائل الاتصال والاستقبال، في رؤية العينين، وشم الأنف، وسمع الأذنين، والأكل والشرب والكلام في الفم، واليدان للعمل والقدمان للمشي..

والمجتمعات الإسلامية متفاوتة في موضوع الحجاب، بين الإفراط والتفريط والاعتدال، بعضهم يحدد القدمين إلى منتصف الساقين، واليدين إلى منتصف الساعدين. وآخرون يجعلون المرأة كلها عورة حتى الوجه واليدين يرون أنهما زينة، فلا يفرقون بين الزينة وموضع الزينة وإلا فكيف يحجبان وهما يكشفان في الصلاة في مساجد الرجال بل في الحج في مواجهة مختلف الناس؟

ومن غرائب الطوارق في الوجه أن يكون الرجل ساتراً وتكون المرأة سافرة!

 

 

 

 

41

عذاب ونعيم القبر *

 

 

[ ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ] (11/40) .

الحياة الأولى في الدنيا التي نعيشها الآن، والحياة الثانية في المستقبل في الآخرة.. وإحدى الموتتين بينهما وهي موتتنا المعروفة، والموتة الأخرى قد تكون في العدم قبل الحياتين أو في الفناء بعدهما.

والحياة الدنيوية دار التكليف والابتلاء بالخير والشر، والدار الآخرة للحساب والجزاء بالثواب والعقاب..

والموت برزخ حاجز لانتظار الأولين ولحاق الآخرين لتكون القيامة في يوم واحد لهم ولهم أجمعين.

والسؤال هو هل يقع عمل أو جزاء في فترة الموت قبل اليوم الآخر ؟ الظاهر أن لا، ذهب إلى هذا بعضهم قديماً وحديثاً فنفوا عذاب القبر كما نفوا نعيمه، ولا يسلم لهم ذلك فإن في القرآن دلالة في الإخبار عن آل فرعون [ وحاق بآل فرعون سوء العذاب* النار يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ] (45-46/40) .

فذكر عذابين هما سوء العذاب وأشد العذاب وقد حمل الأول على عذاب القبر والثاني هو عذاب الآخرة مع وقوع عذاب ثالث في الدنيا وهو عذاب الغرق في البحر، فيكون الجمع بين عقوبتين وأكثر وبالمقابل قد يكون الجمع بين مثوبتين وأكثر وذلك في الدنيا والآخرة والقبر بينهما.

وفي السنة أحاديث كثيرة دالة على القبر خيراً وشراً من ذلك أن ملكين هما منكر ونكير يبدآن بالمساءلة والمجازاة على بعض الأعمال.

وفي الحديث استمرار العمل بالولد الصالح والعلم النافع والصدقة الجارية والسنة الحسنة وكذا بالمقابل السنة السيئة والعمل السيء الذي قد يصل إلى الحياة الدنيا مروراً بالقبر، وفي القرآن إشارة : [ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ] (30/42) أي مصيبة دنيوية وأخروية وقبرية، وفي الحديث : أن اثنين يعذبان في قبريهما أحدهما يمشي بالنميمة والآخر لا يستنزه عن البول، وفي الحديث أيضاً : أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.

وعلى هذا فإن أصل العمل هو في الدنيا وأصل الجزاء هو في الآخرة وذلك لا يمنع من وجود عمل جزئي وجزاء جزئي في القبر بينهما كعقوبة أومثوبة عاجلة وكفارة ورفعة منزلة.

نعوذ بالله من عذاب الدنيا وعذاب القبر وعذاب الآخرة.

ونسأله تعالى نعيم الدنيا ونعيم القبر ونعيم الآخرة.

 

 

 

 

 

 

 

ملحق آثار المؤلف

المطبوعة والمخطوطة *

 

 

المؤلفات عشرون موضوعة في خمسة أوعية هي:

الخواطر النفسية في جزئين ـ والخاطرة فكرة في عبارة أو جملة عبارات ـ فإذا وسعت الخواطر فهي المفاهيم الفكرية في جزئين ، وإذا وسعت المفاهيم فهي الرسائل العشر في علوم القرآن ، ثم الكتب الستة ذات المباحث والفصول في تفسير القرآن ، وأخيراً المجموعات شبه الموسوعية .

وقد يغلب وعاء الكتاب عليها جميعاً فيقال كتاب الخواطر وكتاب المفاهيم وكتب علوم القرآن وكتب التفسير وكتاب : تحديد الإسلام وتوحيد المسلمين أو كتاب : تحرير الكرد وتوحيد كردستان.

وفيما يلي ترتيب الأوعية الخمسة مع التعريف الموجز لكل مؤلف :

أولاً : المجموعات 

ثانيـاً : التفســير

ثالثـاً : علوم القرآن

رابعـاً : المفاهيم

خامساً : الخواطر

أولاً - المجموعات :

المجموعة العلمية  عنوانها تحديد الإسلام وتوحيد المسلمين حول المفاهيم وما يتبعها من الأحكام الدينية، مع عرض مشروع المجمع العلمي الإسلامي، وهذه المجموعة  طبعت في السليمانية  بمطبعة قةشةنط  في 284 صفحة عام 1421 هـ - 2001 م .

والطبعة الثانية بلغت 340 صفحة.

والمجمع العلمي هو دعوة لإقامة هيئة علمية عالمية دائمة مكونة من علماء المسلمين من أجل تحديد الإسلام على الأصول الثابتة: النقلية المبنية على الكتاب والسنة، والفطرية المبنية على العقل، والعرفية الإدارية المبنية على الإجماع.

وتحديد الإسلام يعني تجريده من الدخيل العليل، ويقتضي تجديده بوضع الأحكام المناسبة للحياة المتطورة المتجددة.

المجموعة السياسية عنوانها تحرير الكرد وتوحيد كردستان حول البيانات الرسمية والمقابلات الصحفية، مع شرح المبادئ الأساسية للحزب الإسلامي الكردستاني ، وهذه المجموعة طبعت في السليمانية بمطبعة قةشةنط في 329 صفحة عام 1421هـ - 2001م .

والطبعة الثانية بلغت 420 صفحة.

والحزب الإسلامي هو دعوة لإقامة حكومة كردستان الإسلامية على المستوى المحلي القومي ضمن دولة الشعوب الإسلامية المتحدة على المستوى الإقليمي الإسلامي.

والبداية بكردستان لكون المؤلف كردياً وكون الكرد في الأرض هم المستضعفون.. أما دعوة العلماء فلأنهم في الأرض هم المستخلفون.. والحمد لله الذي أعان على تأسيس حزب المستضعفين ومجمع المستخلفين.

ثانياً - التفســير:

تفسير سورة الرعد.

كتاب مؤلف من 372 صفحة، حول: المباحث التحليلية والموضوعية.

نشر دار النفائس بالرياض وطبع المكتب الإسلامي ببيروت 1408هـ-1989م.

ـ تفسير سورة فصلت.

كتاب مؤلف من393 صفحة حول المباحث التحليلية والموضوعية.

 نشر دار النفائس بالرياض وطبع المكتب الإسلامي ببيروت 1409هـ-1989م.

ـ تفسير سورة الفتح.

كتاب مؤلف من 382 صفحة، حول المباحث التحليلية  والموضوعية.

ـ تفسير سورة النور.

كتاب مؤلف من 200 صفحة، حول المباحث التحليلية والموضوعية.

ـ تفسير خواتيم سورة البقرة من آية الكرسي إلى آخر السورة.

كتاب مؤلف من 300 صفحة، حول: المباحث التحليلية والموضوعية.

ـ تفسير جزء عمّ.

كتـاب مؤلف من 192 صفحة، وهو شرح موجز مع أحكام ومفاهيم، طبع بمطابع القصيم بالرياض 1420هـ-1999م، ومعه تفسير الفاتحة وشرح التحيات.

ثالثاً ـ علوم القرآن :

ـ آيات الأحكام في القرآن الكريم.

رسالة مؤلفة من 96 صفحة، وهي:مفاهيم موجزة حول: آيات الأحكام في القرآن، طبع بمطابع القصيم بالرياض1420هـ-1999م.

ـ أصول التوحيد في القرآن الكريم.

رسالة مؤلفة من 86 صفحة ،وهي: معالم ميسرة في مباحث موجزة لمعرفة الإسلام في ضوء القرآن.

نشر دار القلم بدمشق 1409هـ-1989م.

الترجمة التركية، نشر: أولجو بإسطنبول – 1996م.

ـ أسماء الله في القرآن ـ إحصاء وبيان.

رسالة مؤلفة من 234 صفحة، مع لوحة الأسماء الجامعة لـ169 من الأسماء الحسنى؛ وهي طبعة كردستان ـ مطبعة هاوار بدهوك 1427 هـ 2006 م

وقد طبعها ولدي إبراهيم رحمه الله للمرة الأولى في باكستان عام 1421هـ ـ 2001 م في مطبعة بيشاور  في  145 صفحة.

ـ النسخ في القرآن الكريم.

رسالة مؤلفة من 72 صفحة، حول: مفهوم النسخ وتاريخه ودعاواه، نشر دار القلم بدمشق 1409هـ-1989م.

ـ قصص من القرآن والتوراة.

رسالة مؤلفة من 62 صفحة، حول: قصة آدم وحواء، وولدي آدم قابيل وهابيل، ونوح والطوفان.

ـ القصة في القرآن الكريم.

رسالة مؤلفة من 41 صفحة، حول: مفهوم القصة وأنواعها وتاريخها.

ـ المحكم و المتشابه في القرآن الكريم.

رسالة مؤلفة من 61 صفحة، حول: مفهوم المتشابه وتاريخه ودعاواه.

ـ سبب نزول القرآن الكريم.

رسالة مؤلفة من 49 صفحة، حول: تعريف سبب النزول وتاريخه ودعاواه.

ـ ترجمة القرآن الكريم.

رسالة مؤلفة من 19 صفحة، حول: مفهوم الترجمة وحكمها وتاريخها.

ـ القدر.

رسالة مؤلفة من 36 صفحة، حول: القدرة والقدر بين القدرية والجبرية، طبع بمطابع الشريف بالرياض 1415هـ-1995م.

التـرجمة التـركية مع أصول التوحيد في القرآن، نشر أولجو بإسطنبول ـ 1996 م .

رابعاً – المفاهيم :

ـ مفاهيم (1) .

سبعة من المفاهيم الدينية في 103صفحات، طبع المكتب الإسلامي ببيروت 1408هـ-1988م.

ـ مفاهيم (2) .

أربعون من المفاهيم الدينية في 136 صفحة.

خامساً - الخواطر :

ـ خواطر (1) .

386 من الخواطر النفسية، في 128 صفحة، نشر مكتبة أسامة ببيروت 1411هـ-1991م.

ـ خواطر (2) .

224 من الخواطر النفسية.

وعدد العشرين يتغير بالزيادة كما يرى في مفاهيم2 وخواطر2، أو يكون بالنقص في العدد كما في ضم كتب التفسير في مجموعة السور أو مجموعة الأجزاء، وينطبق ذلك على علوم القرآن.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملحق

شهادات جرح وتعديل *

 

 

 

 

أصحاب الشهادات وهم الشهود عليهم أن يكونوا مؤهلين علمياً منهجياً وموضوعياً وأن يكونوا محقين في شهاداتهم منصفين في أحكامهم بلا خسران في الميزان ولا طغيان جرحاً وتعديلاً:

أما الجرح ـ وللأسف ـ فهو مجمل غير مفصل، وأكثر الجارحين لا يرتضون تأكيد الإعلان عن أحكامهم، ولا يقبلون التصريح بأسمائهم.

وأما التعديل فهذي طائفة من الشهود وشهاداتهم:

ـ 1 ـ

الأستاذ كمال الهلباوي من مصر كاتب وسياسي مقيم في بريطانيا:

أنت اختـرت المجمع لآخرتك فنحن معك.

ـ 2 ـ

الأستاذ كرداغي ـ جان كرد ـ من سوريا كاتب وسياسي مقيم بألمانيا:

كابوري : فكره سيحرر شعبه

لا أزال أقول إن الأستاذ كابوري لا يقل إصلاحاً في الفكر الإسلامي الحديث عن لوثر الألماني في المسيحية. ولكن من في العالم الإسلامي يسمع ويرى الحقائق ويأخذها بصورة جادة؟.

ـ 3 ـ

الشيخ صالح بن غصون من السعودية عضو هيئة كبار العلماء:

أنت أعلم بهذا منا ، نحن انشغلنا ، علمنا محصور في ابن تيمية وابن القيم.

ـ 4 ـ

الشيخ مناع القطان من مصر مقيم بالسعودية عن المجمع:

إنه شيءٌ سامٍ.

ـ 5 ـ

مجلة دراسات كردستانية من السويد:

كابوري أحد أعمدة الفكر الكردي وقائد سياسي.

ـ 6 ـ

الأستاذ محمد الكيالي من سوريا مقيم بألمانيا:

وقد اكتشفت بعد حوار طويل وصريح أنني أمام علم من أعلام الفكر الإسلامي الحر المعاصر بل وموسوعة من موسوعاته المتنقلة التي جال فيها قضاء الله في دنيا الاغتراب.. وتأكد لي على النحو المباشر أصالة ورسوخ منهجه الإسلامي البديل الذي ينشده لإصلاح الأمة ، وإني لواثق أنه من بين أعلام أمتنا المعاصرين القلائل ، الذين استطاعوا أن يصلوا لإصلاح وإلى تشخيص وتحديد صحيح لأصول الأدواء التي تعاني منها أمتنا الإسلامية...

وإني أدعو المسلمين عامّة والعاملين منهم خاصّة للسعي للالتقاء به وهو العالم المتبحر الذي لم يزد على عمق وسعة علمه إلا حلماً وتواضعاً وتفعيلاً لحبه في الله لكل أحد من المسلمين ، الأمر الذي يجعلك تحبه وتنقاد إليه كما ينقاد الابن البار لأبيه الرحيم.

ـ 7 ـ

الشيخ عبد المجيد الزنداني من اليمن عن المجمع :

كلامك صحيح ، وحديث الأجنة شاهد حيث تنفخ الروح في الأربعين الأولى وليس الثالثة.

ـ 8 ـ

الأستاذ أحمد العسال من مصر نائب رئيس الجامعة الإسلامية العالمية بباكستان عن كتاب النسخ:

انه في لب الموضوع.

ـ 9 ـ

الصاحب الأستاذ مصطفى شاهر خلوف من سوريا:

هو غني عن التعريف ولئن تنكر له بعض الناس في الشرق جهلاً منهم بقدره فقد عرف كثير من الناس فضله في الشرق والغرب.

فهو مثال العالم المتواضع المتصف بالتعامل الحسن والخلق الكريم.

لقد وجدته أكثر شفقة على إخوانه من الوالد على ولده ، ولقد أوتي أدباً في النقاش والحوار قلَّ أن يوجد في غيره ، فهو يسمع لآراء المخالفين في الرأي ويحترم وجهاتهم ثم يورد الأدلة المخالفة لها بصورة متدرجة وبكل أدب وإذا بصاحب الرأي المخالف من أنصاره في الرأي..

إنه جوهرة مكنونة في البيت قد لا يعرفون قدرها إلا بعد فوات الأوان.

 

 ـ 10 ـ

الشيخ عصام البشير من السودان، وزير الأوقاف:

كنا نظن أن التجديد هو إعادة القديم كما يقولون.. لكن القديم يبقى قديماً بينما الجديد هو الواقع الجديد الذي لم يكن موجوداً من قبل كما تقولون.

ـ 11 ـ

الأستاذ أحمد رائف من مصر عن كتاب الأسماء:

هذا الكتاب هو الجديد القديم الذي يدهشك من المعاني المستورة التي يستنبطها المؤلف فتظهر جلية للعيان ويعجب الإنسان حين يقرؤها كيف لم تخطر له ببال.

وقد أخرج لنا المؤلف من غرائب القرآن وعجائبه التي لا تنقضي إلى يوم القيامة ما يشرح الخاطر ويسر النفس ويطمئن به القلب..

طوبى للمؤلف وشكراً له على ما أظهر من أسماء الله في القرآن في إحصاء وبيان.

ـ 12 ـ

ملا صالح الكردي من تركيا مقيم بألمانيا عن كتاب الأسماء:

هذا إبداع علمي.

ـ 13 ـ

الأستاذ علي نار من تركيا ترجم أصول التوحيد مع القدر:

انه كتاب نادر من مؤلفات الأقدمين.

 

ـ 14 ـ

اللواء أنور عشقي من السعودية مدير ندوة العشقي:

كتاب الخواطر قلب أفكاري .

ـ 15 ـ

الدكتور عبدالله عزام من فلسطين عن المجمع:

هذا الذي يريد توحيد المسلمين.

ـ 16 ـ

الأستاذ آراس البرزنجي من كردستان نقد كتابي التحديد والتحرير:

المقابلات التي أجريت مع البروفيسور كابوري من قبل الصحافة العالمية، مستطلعين آراءه حول مختلف القضايا المطروحة على الساحة الكردية خاصة والعالمية بشكل عام. وقد تحدث البروفيسور كابوري في مقابلاته كسياسي إسلامي وشخصية ذات تطلعات قومية بشكل واف وموسوعي مبيناً الأسس والمبادئ التي تقوم عليها أفكاره وتطلعاته لبناء مستقبل زاهر لشعبه الكردي وأمانيه في أن يحتل هذا الشعب موقعه الذي يليق به في الخارطة السياسية لشعوب العالم كشعب يستحق الحياة والبقاء وضمان حق تقرير مصيره. وأخيراً لابد لنا من التنويه بأن هذا الكتاب تحرير الكرد وتوحيد كردستان جديد في بابه وموضوعاته التي يتم طرحها وتناولها لأول مرة من منظور إسلامي قومي وهو لهذا السبب جدير بالاقتناء والقراءة والحفظ في المكتبات العامة والخاصة. وأخيراً فإن هذا الكتاب تحديد الإسلام وتوحيد المسلمين كسابقه كتاب خطه قلم باحث جاد موسوعي جدير بالقراءة والتأمل لجدة موضوعاته وعلمية طروحاته وإخلاص منهجيته.

 


 

 

42

قواعد الدين في التعامل بين الناس*

 

 

الدين المعاملة كما في الحديث.

وقواعد التعامل بين الناس في الدين تقتضي عرض جوانب متعددة تتعلق بالمصطلحات الواردة في العنوان، وبيان جهات التعامل، ومصادر التعامل، ثم قواعد التعامل العامة، وقواعد التعامل الخاصة.

أولاً: بيان مصطلحات العنوان وهي:

أ- القواعد: وهي ضوابط إذا كانت عامة فهي أصول، وإذا كانت خاصة فهي أحكام، وإذا كانت أدلة فهي مصادر.

ب- التعامل أو المعاملة: وهو الفضل أولا والعدل آخرا وما عداهما هو الظلم.

ج- الدين: وهو الإسلام الظاهر والإيمان الباطن حال موافقتهما، أما حال المخالفة فهو الكفر والمعصية.

د-بين الناس: وهو تخصيص لعموم الموضوع وتقييد لإطلاقه، حيث إن دائرة التعامل على عمومها وإطلاقها واسعة كبيرة تعني التعامل مع الحياة كلها في الأرض وفي السماء وما بينهما من الجمادات والسوائل والغازات..

كالتعامل مع الحيوانات وفي الحديث أن امرأة دخلت الجنة في كلب أحسنت معاملته فسقته، وأن امرأة دخلت النار في هرة أساءت معاملتها فحبستها.

والتعامل مع النبات: إذا قامت القيامة على أحدكم وفي يده فسيلة فليغرسها، ومع كسرة خبز: يا عائشة حسني جوار نعم الله عليك.. فقد كتب الله الإحسان -أي إحسان التعامل- في كل شيء وجعله تعالى صدقة حتى في إماطة الأذى عن طريق الآخرين.

ثانياً: جهات التعامل وهم الناس خاصة، وينقسم الناس تقسيماً ثنائياً متقابلاً:

أ- مسلمون مؤمنون وهم قسمان: طائعون وعاصون.

ب-كافرون مشركون وهم قسمان: مسالمون ومحاربون.

ولا يوجد الفريق الثالث إلا على رأي المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين أي غير كافر وغير مؤمن، وهو افتراض بعيد.

ثالثاً: مصادر التعامل وهي الأدلة الثلاثة:

أ- المصدر الديني وهو الكتاب والسنة.

ب- المصدر الفطري وهو العقل العام الذي أجمع الناس على حسنه.

ج- المصدر العرفي وهو العادات الموروثة والأحكام الإدارية المبنية على إجماع جماعة خاصة.

وهذه المصادر مرتبة أعلاها الدين لأنه حق لا يحتمل الباطل تليها الفطرة السليمة لأن سننها ثابتة لا تتبدل ولا تتحول وتليهما الأعراف المقبولة.

وهذا الذي ذكرناه من استقلال الأدلة يشهد له حديث معاذ عندما أرسله النبي إلى اليمن قاضيا وسأله:

بم تحكم؟ فأجاب: بكتاب الله ثم بسنة رسول الله ثم الاجتهاد بالرأي.

ولكن كثيرين يرون تعميم المصدر الديني وشموله للفطرة والعرف بدليل قوله تعالى في التعامل مع عامة الناس [ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ] وقوله في الفطرة [فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ] حيث جعل الفطرة من الدين، وكذلك العرف الذي يعتبر اجتماع جماعة من الناس في مكان وزمان، ومعلوم في الفقه أن الأعراف محكمة.

رابعاً: قواعد التعامل العامة وهي الأصول:

أ- الفضل بالإحسان كما في قوله [ولا تنسوا الفضل بينكم] وقوله [ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة] وفي الحديث (كتب الله الإحسان في كل شيء).

ب- العدل بالمكافأة كما في قوله [فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم] وكقوله [ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى].

ج- الظلم بالعدوان وهو التجاوز أو التقصير وفي الحديث القدسي (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا).

خامسا: قواعد التعامل الخاصة وهي الأحكام -ولكل حكم دليله- والميدان واسع لشواهد القرآن والسنة والفطرة القويمة والأعراف المقبولة.. وفيما يلي بعض من هذه القواعـد أو الأحكـام مـع ما يخـالفها مقـرونة ببعض الشـواهد:

1- التواضع خلاف الكبر شاهده أو دليله قوله تعالى [واخفض جناحك لمن اتبعك].

2- الرحمة خلاف الغلظة والشدة [رحماء بينهم].

3- الولاء يقابله البراء [إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا].

4- المواصلة خلاف المقاطعة والمفاصلة [والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل].

5- الحب خلاف الكره وهذا ضمير مستتر لكن آثاره تظهر وفي الحديث أن المتحابين في الله يوم القيامة في ظل عرش الله.

6- القبول والموافقة خلاف الإعراض والمفارقة والرسول ما كان يحب الخلاف على الأصل، فالأصل في القول الصدق وفي العرض العفة وفي النفس الأمانة وبراءة الذمة.

7-الإصلاح خلاف الإفساد [فأصلحوا بين أخويكم] [والصلح خير] [وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما].

8-الصبر الجميل خلاف العجلة المذمومة [فاصبر صبرا جميلا].

9-العفو خلاف الانتقام [وأن تعفوا أقرب للتقوى].

10-التقدير والإكرام خلاف السخرية والاستهزاء [ولقد كرمنا بني آدم]، [لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون].

11-القول اللين خلاف القول الخشن الغليظ حتى في مواجهة مثل الطاغية فرعون [فقولا له قولا لينا].

12-الجدال الحسن خلاف الجدال الباطل [وجادلهم بالتي هي أحسن].

13-البشاشة والابتسام خلاف العبوس والتجهم وفي الحديث (وابتسامتك في وجه أخيك صدقة).

14-التحية والسلام خلاف العزلة والوحشية [وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها].

والنصوص كثيرة في الدين.. والقرآن -كتاب الله -صريح في إحسان التعامل على العموم والإطلاق، وأنه هو الأصل والأساس، وأن المخالفة هي أحوال خاصة واستثناءات.. فالحياة قائمة على الفضل ثم العدل في الحد الأدنى من التعامل المقبول المشروع.. وكفانا آيتان أولاهما [ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا] وفيه تأكيد على أهمية الصبر في المعاملة، والآية الثانية [لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين].

والبر يكون بالإحسان والفضل، والإقساط يكون بالانتصار والعدل..

ولقد وصل الإحسان في التعامل في بر الوالدين إلى أن قال تعالى [وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا]. وقال تعالى [وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا].

والفضل والعدل في التعامل مع الزوجات النصرانيات واليهوديات من أهل الكتاب [والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم] وهو تعامل دائم مع خلطة ومعاشرة.

وفي سير الأنبياء شواهد ماثلة في الفضل والعدل كما في سيرة يوسف الصديق الذي كان وزيرا لفرعون أو نائبا له فأحسن في الحكم وأصلح بين الناس بمقدار ما استطاع.

والرسول شارك في حلف الفضول في الجاهلية وتمنى في الإسلام أن يساهم في مثله لدفع الظالم والدفاع عن المظلوم..

وما أكثر الشواهد في حياة المسلمين، والأمثلة المذكورة لو عددناها لطال بذكرها الخطاب والكتاب.

 


 

   43

حكم عيد النوروز*

 

 

في الإسلام عيدان عينهما الرسول صلى الله عليه وسلم هما: عيد الفطر وعيد الأضحى.

والعيدان المذكوران لهما صفة دينية، بحيث يحرم إلغاؤهما أو إلغاء أحدهما باسم الدين، كما يحرم إضافة عيد ديني آخر عليهما.

ولا يعني هذا حرمة الأعياد غير الدينية كالقومية والوطنية أو الشخصية ما دامت هذه الأعياد لا تخالف تعاليم الديانة الشرعية، وكذلك لا تخالف مبادئ الفطرة العقلية.

وعليه فإن الأعياد غير الدينية باقية على أصلها، والأصل في الأشياء الإباحة.

ويستأنس بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم عند قدومه المدينة المنورة، حيث وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء احتفالا باليوم الذي نجى الله فيه موسى عليه السلام، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم معللا: (نحن أولى بموسى منكم) فصام عاشوراء وأمر أصحابه بصيامه.

ويـستأنس بمشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول في الجاهلية، وقوله: (لو أني دعيت إليه في الإسلام لأجبت) والعلة هي تحقيق هدف الحلف في دفع الظالم والدفاع عن المظلوم.

ويوم النيروز له دلالتان، أولاهما: دلالة تاريخية تحكي قصة تحرير الشعب الكردي من حكم الطاغية بعد الثورة عليه.

والدلالة الثانية طبيعية، حيث تبدأ السنة الجديدة مع بداية الربيع.

وهاتان الدلالتان -التاريخية والطبيعية- لا تخالفان الديانة ولا الفطرة، بل إن الديانة والفطرة لتأمران بالتحـرير من العبودية، والثورة على الطغاة الظالمين وتأمران بالسير في أرض الله، والنظر إلى جمال الطبيعة والاعتبار بآياتها.

وينبغي التأكيد على الالتزام بتعاليم الدين وبمبادئ العقل، وعدم الخروج عن حد الاعتدال أثناء الاحتفال بعيد النيروز، وأن لا يؤدي الاحتفال إلى تعطيل الأهم أو المهم، وإلا عد لهوا، وحرم ديانة، أو منع إدارة سدا للذريعة ودرءا للمفسدة.

حقق الله الأهداف المجيدة في تحرير الكرد وتوحيد كردستان..

 

ردُّ حكم عيد النيروز

 

رد الدكتور محمد فؤاد برازي على حكم عيد النيروز.

وقد تركز الرد على موضوع التشبه، ومعلوم أن مشابهة الكافر محظورة في العمل الذي يعد كفرا بسبب المشاركة في الكفر، وكذا الشأن في مشابهة العاصي في المعصية، وهذا يتحقق في الشعائر الدينية، مع العلم بأن الأصل في الشريعة والفطرة هو أن الصفة الحسنة أو السنة الحسنة تبقى حسنة سواء صدرت من مؤمن أو كافر ومن صالح أو فاجر، ومن متقدم أو متأخر، وفي الحديث أن (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها)..

والنيروز ليس من الشعائر الدينية للكفار بل هو من أيام التحرير وانتصار المستضعفين المظلومين على المستكبرين الظالمين.. وهو من أيام الجمال السنوي لقدوم فصل الربيع.. ومثل هذا وذاك لا يجري عليه حكم الكفر والمعصية.

والمصادر التي اعتمد عليها الدكتور البرازي هي الكتاب والسنة والإجماع...

أما الكتاب فقد استدل بالآية: [ والذين لا يشهدون الزور ] وقد ساق أقوالا على ألسنة بعض السلف في ظروف معينة اجتهدوا فيها وذهبوا إلى أن المراد من الزور هو أيام الأعياد.. ومثل هذا تساهل منهم على سبيل التوسع في الاستدلال للدعوة وتربية الناس ووعظهم وزجرهم حيث أوردوا نصا من القرآن لأدنى مناسبة شاهدا على ما يقولون.. وليس هو بالتفسير العلمي للنصوص ولا الاستدلال الفقهي على الأحكام، فالمعلوم لغة وديانة أن الزور شهادة هو الكذب أو ما في معناه كالافتراء، فالشهادة بالزور هي قول الكذب باللسان، وشهود الزور هو حضور مجلس الكذب وهو قول للكذب بلسان الحال، وهما سواء أو أحدهما أبلغ من الآخر، وعلى هذا فإن تأويل الضحاك وغيره في موضوع حرمة الأعياد مقيد بوجود الزور، فإذا انتفى الزور انتفت الحرمة وعاد الأصل إلى الحل والإباحة، ومثله قول ابن مسعود في لهو الحديث في قوله تعالى [ ومن الناس من يشتري لهو الحديث...]  فقد أقسم على أنه الغناء وذلك لوجود اللهو في مجالس الغناء لا أن الغناء محرم، وفي الحديث الأمر بالتغني بالقرآن (ليس منا من لم يتغن بالقرآن).

والخلاصة فإنه لا يصح القول بوجود نص من الكتاب الكريم دال على التحريم فضلا عن الكفر والتكفير.

أما السنة وحديث (إن الله قد أبدلكم خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر) فظاهر في الإبدال بالخيرية هو المفاضلة بمعنى أن العيدين المذكورين أفضل من غيرهما من الأعياد، ومثله من الكتاب قوله تعالى       [ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ] وقد طلب بنو إسرائيل البقل والفوم والقثاء والعدس والبصل مقابل المن والسلوى، وليس في الطرفين حكم تحريم بل أفضلية أحدهما ومفضولية الآخر، ومثله من السنة قول عائشة رضي الله عنها: قد أبدلك الله خيرا منها، تعني أم المؤمنين خديجة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (ما أبدلني الله خيرا منها) يعني عائشة أم المؤمنين، وليس نفي الأفضلية لأحدهما نفيا للفضل عنهما وهما من أمهات المؤمنين.

أما الإجماع والآثار والاعتبار.. فإن قبول ما أورده الدكتور -أصلحه الله- يترتب عليه ما يترتب من حكم التحريم والتكفير لغير الأعياد كالبناء والسكن في الدنمارك والنرويج والسويد وغيرها من بلاد العالم، وكاللغات التي يتكلم بها الناس لدخولها مع الأعياد في الحكم المبني على قول عمر رضي الله عنه  إياكم ورطانة الأعاجم، لا تكلموا رطانة الأعاجم هذا إذا كانت الرطانة غير العربية من اللغات كالكردية مثلا.

هذا بعض ما عرّفت به وأعرضت عن بعض تركته لفهم القراء، فهو لا يخفى عليهم إن شاء الله تعالى، ومن ذلك: الاستئناس بصوم عاشوراء، وما قلت إنه كان يوما مجهولا لا يعرفه غير اليهود وإنما كان المراد بيان سبب الصوم وهو نجاة المظلومين وهلاك الظالمين. ومن ذلك حلف الفضول، وما قلت إنه عيد وإنما كان المراد بيان سبب مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم من قبل وتأييده من بعد وهو الدفاع عن المظلومين، فهذا هو المراد من الإيراد.. ودعوى القياس مع الفارق هو نظر الناقد إلى الفارق فقط -وهو وجه الخلاف بين المسألتين- مع ترك وجوه الاتفاق التي تسوغ عملية القياس على ما هو معروف في قبول القياس في علم الأصول.


 

44

حفظ القران وتحفيظه

 

 

 

شاع وذاع واشتهر حتى عُد من المسلمات أن المراد من (حفظ القران) هو: تحفيظه أي استظهاره وقراءته عن ظهر قلب قراءةً آلية دون قيد أو شرط النية والتدبر ..  لكل حرف عشر حسنات لمجرد القراءة، والقارئ العربي – في الحقيقة –كالقارئ الأعجمي، لأن اللغة العامية – في الحقيقة – كالأعجمية في البعد عن الفصحى لغة القران وعلى هذا فالقارئان سواء قد لا يميزان بين النفي والإثبات ولا بين الأسماء والصفات ولا بين صفات الله وصفات الطواغيت والبواغيت والعفاريت.

أيها الملأ إن مجرد القراءة باللسان بمعزل عن التدبر والنية مثله الكتابة بالقلم على القراطيس، الأول صوت والآخر صورة .. وكلاهما خالٍ مما ذكرنا وكررنا [أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ].

الحفظ يا سادة عمل: فعل مع نية " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى "،  " وليس للمرء من صلاته – هي من أعظم الأعمال- إلا ما عقل منها".

فلا خير ولا شر للفعل المجرد وقد يكون شرا ينقلب عليه لتضييعه فرصة الخير فيحسب عليه لتقصيره.

إن الانصراف إلى الحفظ على حساب المعنى صَرَف القراءَ إلى الغيرة والاستغراق في المنافسة الصوتية والصورية شأن كثير من المحدثين في حفظ الحديث على حساب المعنى أو الفقه.

هذا ما يتعلق بحفظ العبد

 أما حفظ الرب للقرآن فتبينه نصوص وإشارات أشهرها:

  - [ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ] المراد من الحفظ كما فسر في مواضع أخرى هو الحفظ في اللوح المحفوظ والكتاب المكنون        [ بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ] [انه لقران كريم في كتاب مكنون] هذا الحفظ من حيث المصدر.

وهناك حفظ من حيث الوسيلة كالرسل و الملائكة:

 - [ لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه ] حفظه مجموعاً في صدرك مقروءاً بلسانك

- [ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ] الحفظ برصد من الحراس ولله جنود السموات والأرض.  

- [ والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ] الحفظ بالإيحاء المؤكد المباشر من قبل صاحب القوة جبريل.

- [وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته] الحفظ بإثبات آيات الله وإزالة ما يلقيه الشيطان من الدخيل.

وهذا حفظ للعرب بلغتهم العربية، وهذا حقهم، مثله حق كل قوم [وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم...] 4/14، لكن لما كان القرآن عربيا والإسلام عربيا وكان في الوقت نفسه متوجها لغير العرب من جميع الناس فتوجب على العرب أن يترجموا القرآن والإسلام إلى اللغات للدعوة على سبيل فرضية الكفاية، فإن لم يقم العرب، قامت الأقوام بالترجمة إلى لغاتها ويدخل هذا في قوله تعالى [فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم].

والغاية هي العلم والتدبر للعرب ولغيرهم [قرآنا عربيا لقوم يعلمون] اللغة العربية، ولكل قوم لغته التي يعلمها ويتدبر بها    [أفلا يتدبرون القرآن، أم على قلوب أقفالها]!؟

 


 

 


 

45

جمع القرآن*

 

 

المعتمد في القرآن جمع عثمان وقد أمر بحرق المصاحف التي جمعها الصحابة، وجمع عثمان هو على حرف قريش، وبعضهم يرى أن الخط العثماني يجمع الأحرف الأخرى، ومن عنده علم يدرك وجود أحرف كثيرة لا يحتملها الرسم وهي لا تزال في صدور القراء وعلى ألسنتهم وفي كتب التفاسير ومدونات عـلوم القرآن وبخاصة كتب القراءات، والمشهور في تاريخ القرآن أنه جمع ثلاث مرات. والجمع الأول كان كتابة القرآن على العرضة الأخيرة بين جبريل والنبي عليهما السلام وبها كتب كاملا وحفظ في بيت النبوة. والجمع الثاني في عهد أبي بكر بمشورة عمر (رضي الله عنهما) وهو كتابة القرآن على مواد متجانسة بحيث وضع بين دفتين أو جلدين يحويان الصحف وسمي المصحف. والجمع الثالث وينسب لعثمان بناء على طلب حذيفة (رضي الله عنهما) ومضمونه كتابة عدد من النسخ وإرسالها إلى الأمصار لمنع الخلاف في كتاب الله.

ونحن ننتظر اليوم الذي يتحقق فيه الجمع الرابع للقرآن ومضمونه جمع الأحرف الصحيحة التي قرأ بها الأئمة في كتاب ملحق بالقرآن أو وضعه إلى جانب نص عثمان، وهو يسد الطريق أمام الادعاءات والاتهامات بوجود النقص والزيادات في كتاب الله، وهذا مهم مع المساعدة على التفسير، فالقرآن يفسر بعضه بعضا كما يقول ابن تيمية وغيره، والقرآن إنما يفسر متى جمعت الآيات جمعا موضوعيا كاملا.

 

 

 


 

46

تنجيم القرآن

 

 

القرآن نزل منجما أي نجوما: شيئا فشيئا من عند الله -من بيت العزة من السماء الدنيا على ما روي- في ثلاث وعشرين سنة وقيل في ثماني عشرة وقيل في خمس وعشرين.

والظاهر أن كتب الله أنزلت كلها منجمة مفرقة على الأحوال والمناسبات دون أن يختص آخرها بالتنجيم والتفصيل والتفريق، إذ الغرض الذي ذكره تعالى عن القرآن في قوله [وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا] يتوجب في كل الكتب المنزلة. والدليل الذي بني عليه القول بأن الكتب السابقة أنزلت جملة هو قول الكافرين: [لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة]. حيث فهم من إنكارهم نزول القرآن منجما أن الكتب الأخرى نزلت جملة، وهو نموذج لسذاجة الاستنباط، والخطأ في الاستدلال واضح لأن الكافرين من مشركي مكة ما كانوا عالمين ولا مؤمنين حتى يعتد بقولهم، بل كانوا أميين جاهلين بكيفية نزول الكتب السابقة، وكانوا متعنتين جاهليين، ولو نزل عليهم القرآن جملة لقالوا: لِمَ لم ينزل منجما؟ وهو مثل قولهم في القرآن العربي لِمَ لم ينزل أعجميا؟ ولو كان كذلك لقالوا مثل ما أخبر تعالى: [ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ؟]. وقريب من هذا مطالبتهم بأن يكون رسول الله من الملائكة، ومعلوم أنه لم يكن المرسلون قبله من الملائكة بل كانوا صلوات الله وسلامه عليهم بشرا مثله كما قال تعالى:

[وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة].

[وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا] [وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق].

ولمزيد من البيان نضرب لذلك مثلا في سيرة أحد الأنبياء، وهو موسى عليه الصلاة والسلام فقد نزل عليه الوحي بالوادي المقدس طوى بعد خروجه من مدين، وخلال إقامته بمصر، وعند العبور الكبير، وفي الطور كان نزول الألواح، واستمر النزول بعدها في سني التيه بسيناء.. وهكذا تتابع النزول تبعا لحال الدعوة وموقف الأمة، وكان حصيلة ذلك كله التوراة، بما في ذلك الألواح التي نزلت في الطور، وتخصيصها بالذكر لبيان شرفها وأهمية ما فيها من الوصايا، وهو كتخصيص بعض سور القرآن بمرافقة الملائكة، أو الإنزال في ليلة الإسراء والمعراج.  


 

47

إعجاز القرآن*

 

 

الإعجاز من العجز وهو الضعف، وإعجاز القرآن هو: إيقاع الإنس والجن في العجز عن الإتيان بمثل القرآن.

ووجوه الإعجاز كثيرة محصورة في المعاني والبيان.

والإعجاز البياني أشهر أوجه الإعجاز القرآني، وتكلف له كثيرون واقتصروا عليه أو قدموه على غيره!

وليس يسلم ذلك لهم، بل الذي يسلم هو الإعجاز الموضوعي الذي يدور حول المعاني فهو الأصل المعتمد في التحقيق وهو المقدم على غيره من الوجوه الكثيرة لإعجاز كتاب الله الكريم. بل هو المقصود من الأدلة التي تثبت مشروعية الإعجاز وهي آيات التحدي في القرآن: كما في قوله تعالى: [قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا] وقوله تعالى: [أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون، فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين] وقوله تعالى:        [أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات. وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين] وقوله تعالى: [أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين] وقوله تعالى: [وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين].

ففي هذه الآيات دلالات تقرر وجه الإعجاز المقصود وفي ذلك قوله تعالى: [فأتوا بعشر سور مثله مفتريات] والبيان في فصاحته ونظمه ووزنه لا يوصف بالافتراء وعدمه، لأن البيان قالب وهيئة وليس قلبا وماهية.

ثم إن البيان ينصرف بخاصة إلى العرب وهم أقل القليل ويخرج عامة العرب عن التحدي فضلا عن عامة الإنس الذين لا يعرفون العربية مع أن التحدي لهم وللجن معهم جميعا.

والمقصود من القرآن حقيقة أحكامه وصحة شواهده وأخباره. وذلك في الموضوع المعنوي وليس في البيان اللغوي، فما اللغة إلا وعاء، فالمراد الحقيقي من الإعجاز القرآني هو إثبات حقيته ودفع الباطل عنه وإظهار صدقه وتنزيهه عن الكذب، وأنه كمال لا نقص فيه ولا زيادة عليه، كما في قوله تعالى: [وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد] وقوله: [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ].

وهذا الجانب لا يختلف حوله عاقل، ولا يماري فيه منصف ومن رام إثباته والدفاع عنه وجد ميدانه وسلاحه بخلاف البيان الذي يفتح أبواب القيل والقال، ويصعب فيه العودة لمرجع معين أو الاحتكام لميزان موحد.

ويؤدي مثل ذلك إلى التشويش على الناس، وصرفهم عن الموضوع الذي كلفوا به وتعلق بهم صلاحهم وفلاحهم في دنياهم وأخراهم.

ولقد أدت المبالغة في الاهتمام بالوجه البياني إلى مسيرة التفسير وعلوم القرآن في مسار بعيد عن تحقيق الهدف من البشارة والنذارة والهداية.

وهذا الاهتمام هو وراء الكم الضخم من التفاسير البلاغية والبيانية على حساب المضمونات الموضوعية من علوم تجريبية وظواهر كونية وتاريخية واجتماعية ونفسية وغير ذلك مما يتعلق به المعاش والمعاد.

ولو أن الأمر سار في مجراه لوجدت المكتبة القرآنية تزخر بالمصنفات العلمية العملية بدلا من مصنفات السجع والطباق والمقابلة والتكرار والتقديم والتأخير والاسمية والفعلية... ولم يخل هذا الكم الضخم من تحامل أو تكلف والشواهد في مكتبة القرآن كثيرة.


 

48

أقسام التوحيد*

 

 

قسموا التوحيد ثلاثة أقسام:

- توحيد ربوبية.

- توحيد ألوهية.

- توحيد أسماء وصفات.

وأحسبهم قصدوا من التقسيم التعليم والتفهيم بمراعاة حق الله وواجب العبد، والرد على من أهمل بعض الصفات من أهل التأويل والتعطيل.

وقد آثرت الاقتصار على الربوبية لأن الإلهية تندرج فيها، فهي صفة كبقية الصفات، أما الأسماء فهي موصوفات أطلق عليها أسماء من باب التغليب وكثرة الاستعمال.

و الربوبية هي أعظم صفة وهي أصل الصفات الأخرى، وما سواها من الصفات يدخل فيها لغة أو اقتضاء.

وسبب عدولي عن التقسيم هو ما ذكرت هناك وما يرد على التقسيم الثلاثي، فالأصل الذي اعتمد عليه من أن العرب وغيرهم من الأمم أقروا بالأول وأنكروا الثاني لا يسلم، ففي القرآن قول يهود: [عزير ابن الله] وهو تجزئة للذات حيث أن الابن جزء أبيه ومثل هذا شرك في الربوبية.

وتثليث النصارى في تجزئة الذات إلى أب وابن وروح قدس هو كذلك في الربوبية، أما العرب الذين جعلوا الملائكة بنات الله فقد جزأوا الذات وعددوها بقدر عدد الملائكة، وهو عدد من الأرباب كبير.

ولئن أقر بعض الكفرة المشركين بوصف ما للرب سبحانه وتعالى كوصف الخلق أو وصف الرزق فما ذلك إلا كمثل إقرارهم بعبادة ما لله سبحانه وتعالى كعمارة البيت وسقاية الحاج، والطواف حول الكعبة والدعاء عند الحاجة والمصيبة مما أقر به كفار مكة مشركوا قريش وغيرهم، فكما لم يعتد بإقرارهم بجانب من الإلهية لا يعتد بإقرارهم بجانب من الربوبية، وفي القرآن بيان لمن تدبر بيانه.

[وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون].


 

49

صلة الإنسان بالله*

 

 

اختار الله الإنسان -بعد أن علمه- لخلافة الأرض، وسجد له الملائكة- بعد أن اقتنعوا- كلهم أجمعون إلا كبيرا منهم تكبر بدعوى أنه من نار وهو من تراب، فناصب العداء وتوعد بالشر.

والإنسان كثيرا ما ينسى ويحتاج للصلة بالله والتذكير بحقيقة الصراع مع الشر، ولكن الله [لا تدركه الأبصار] لأنه [ليس كمثله شيء] فعقدت الصلة به بطريقة النبوة والمراسلة، أما الصلة الأخرى فعقدت بطريقة الكشف والمباشرة.

ومن أجل سلامة الصلة بالله حصّن الله السماء حتى [ملئت حرسا شديدا وشهبا] وتخير الأمثل الأفضل، ملكاً ورسولاً [فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا]، [علمه شديد القوى، ذو مرة فاستوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى].

والصلة الأخرى في ظاهرها أنها مع الله وفي حقيقتها مع سواه، ولذلك فهي بلا حرس السماء ولا رصد الأرض ولا المعلِم الشديد ولا المعلَم الأمثل...

وتبدأ هذه الصلة بالتخوف الموصل إلى الترجي، بطريق مكتسب وبرياضة الزهد في الخلوات وترقب الوحي والإلهام، وما يتراءى لواحدهم في اليقظة والمنام يراه هو الباب المفتوح إلى الرجاء فيلجه ويتخلص من الخوف وآثاره، ويتفرغ لارتقاء الدرجات الأربع للرجاء، وهي:

1- الفناء في الصفات وينتهي إلى الفناء في الذات.

2- الحلول بدخول الأعلى بذاته في ذات الأدنى.

3- الاتحاد بالتداخل في المشاركة على سبيل المماثلة والمعادلة.

4- الوحدة في الوجود، ووحدة الوجود تعني: أن كل موجود هو كل الوجود، أو كامل الوجود ذاتا وصفة، ومن بلغ منهم هذه الدرجة لم ير أحدا فوقه بل لم ير أحدا غيره.

وهؤلاء الوجوديون -النورانيون أو النيرانيون- من أقدم عصور التاريخ هم أدواء البشرية وأوبئتها، وهم وراء هدم الأديان كلها.

وبالنسبة للأديان المعروفة كالزرادشتية واليهودية والنصرانية والإسلام، فقد ظهرت أعراض الأمراض عليها تبعا لأنواع الأدواء والأوبئة التي حقنت بها.

وهذا ما أدى إلى تمزق الأديان، فترى الزرادشتيين واليهود والنصارى والمسلمين -إلا من رحم ربك- متفرقين، كل في واديه بلا تلاق ولا تراء، وفي كل يتسارع الانشطار ويستمر الافتراق إلى سبعين فرقة وزيادة كما في الحديث... كلها في النار إلا واحدة.

 


 

50

الإسلام والفطرة*

 

 

الإسلام دين الله للعباد، ومضمونه توحيد العبادة لله وحده، وذلك بالإيمان به باطنا، وبالإسلام له ظاهراً، وقد يغلب الإيمان أو الإسلام فيدخل أحدهما في الآخر لما بينهما من تلازم، فهما وجهان لحقيقة واحدة لا يفترقان إلا في حالتين، هما نفاق الكافر وإكراه المسلم، ودليل الإسلام كدين هو الكتاب الكريم والسنة المطهرة...

أما الفطرة والفطر فمن الفعل فطر ومعناه أوجد الشيء ابتداء، على تفسير ابن عباس في قوله [فاطر السموات والأرض] وشهادة أعرابي احتكم إليه في بئر فطرها أي ابتدأ حفرها، وهو صريح القرآن في قولـــه: [فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله] حيث وضع خلق موضع فطر..

ومع ذلك اسمع الكثيرين يقولون: الإسلام هو الفطرة، ودليلهم حديث (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ولم يقل أو يسلمانه لأن الإسلام هو الفطرة على زعمهم، وهو استدلال غريب بتعليل عجيب، ذلك أن اليهودية والنصرانية والمجوسية تقوم على التلقين والتقليد للأبوين بخلاف الإسلام الذي يقوم على التفكر والتدبر والبرهان والدليل، ولو أن الولد تبع والديه أو غيرهما بلا فهم أو دليل أو برهان ما صح إسلامه، فالحديث لم يذكر الإسلام لاختلاف طريق الدخول في الإسلام عن طرق الدخول في الأديان الأخرى.

والاستدلال بالحديث على ما ذكروه يبنى عليه أن المولود لأبوين غير مسلمين هو مسلم، مما يوجب نزع الولاية وعدم التوارث والتناكح، وعدم الدفن في مقابر المشركين، وهو ظاهر الفساد. وقد ذكرنا أن عدم ذكر الإسلام، ليس لأن الإسلام هو الفطرة، بل لأن الدخول في الإسلام لا يصح عن طريق التلقين من الأبوين، والتقليد للآخرين، بل يجب فيه الاقتناع وتوافر الرضى والاختيار بخلاف التهود والتنصر والتمجس.. حيث لا اعتبار بالرضى والقناعة والاختيار.

هذا في الأصل، وإن كان الإسلام اليوم قد أصبح كغيره من حيث الدخول فيه، فيمكن أن يقال: فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه أو يسلمانه. على واقع كثير من المسلمين.

ثم إن الإسلام مصطلح شرعي خاص، يعني الالتزام بجملة من الأوامر والنواهي نزلت في زمن من الأزمان على نبي من الأنبياء ونقيضه الكفر، فقد يصبح المرء مسلما ويمسي كافرا كما في الحديث،  بينما الفطرة أو الخلقة صفحة خالية نقية، ليس فيها كسب من خير أو شر والإسلام والكفر من كسب العبد. ودعوى أن المراد بالإسلام ما عهد في عالم الذر مردودة، والمراد بعالم الذر ما ورد في قوله تعالى [وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا] لأنه عهد حاصل في ذرية آدم بعد الفراغ من فطرهم وخلقهم كما يفهم من قوله تعالى: [ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها] وهذا بالفطرة أي بخلق الله [قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها] وهذا بالإسلام وهو بكسب العبد.

وينبغي القول لدى المقارنة بين الإسلام والفطرة أن الإسلام فوق الفطرة، ذلك أن الفطرة هي المخلوقات في هذا الكون ودليلها هو العقل، أما الدين أي الإسلام والإيمان فدليله هو النقل من الكتـاب والسنة. ومعلوم أن النقل فوق العقل، وهذا مسلم به من حيث القوة والدرجة، ومن حيث المسؤولية أمام الله، فالأحكام المنقولة هي عهد وميثاق، ودونها في المسؤولية الأحكام الفطرية العقلية.

وبعضهم يقصد بعبارة: الإسلام دين الفطرة، أنه يساير الفطرة ولا يقف في طريقها، وإنما يتفق معها حتى سمى بعضهم كتابه: "درء تعارض العقل والنقل"، لكنَّ توافق حكم النقل والعقل مبني على الغالب لأن الشارع والفاطر رب واحد لكنْ قد يقع التعارض بينهما، أي بين المعقول الفطري والمنقول من الكتاب والسنة، وهناك أمثلة ومنها في القرآن أن إبراهيم أمر بذبح ولده في النقل، وحكمه مخالف لفطرة الأب في المحافظة على الولد، لكن إبراهيم قدم النقل على العقل أو الإسلام على الفطرة وحمل السكين وتل الابن للجبين. والخلاصة فإن الإسلام  ليس الفطرة بل الإسلام فوق الفطرة.

 

 

 


 

(51-52)

الظاهرية والباطنية*

 

 

أ- الظاهرية:

 

يتصف الدين بالوسطية والاعتدال بلا إفراط في الظاهر كما هو الحال عند كثير من طوائف الظاهرية وبلا تفريط في الباطن كما هو الحال عند كثير من طوائف الباطنية، والمقصود غلاة الظاهرية والباطنية لأن الظاهر والباطن حال الاعتدال فيهما أصل معتمد في فهم النصوص الشرعية لابد منه. والنصوص الشرعية لها ظاهر معروف في اللغة ودلالات محدودة في الاستعمال لدى أهلها كما قال تعالى [كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون] أي يعلمون العربية فمعنى القرآن وكذا السنة وهما أصلا الدين موقوفان على الدلالة المفهومة من اللغة.

والظاهرية يقفون عند ظاهر بعض النصوص دون بعضها فلا يجمعون النص مع النصوص التي تكمله وتبينه،  بالإضافة إلى أن عامة الظاهرية يتعجلون ويحكمون بعلم قاصر في الأصول وفهم محدود في الفقه.

والخوارج من الظاهرية كفر بعضهم بعضا فضلا عن تكفير غيرهم واستباحوا دماءهم وأموالهم وكان تناقضهم في النصوص الشرعية النقلية وفي فهم الأوليات العقلية الفطرية واضحا وصريحاً.

وبعض ظاهرية اليوم يمتون بالصلة إلى ظاهرية الخوارج فيما يتعلق بعدم جمع النصوص وفهمها والحكم بموجبها،  كفهم سلفهم في قلة العلم والفهم والاغترار الذي قد يصل إلى درجة الكبر والاستهانة بالغير وكره أهل العلم لمجرد مخالفتهم وتحجيم العقل وتوقيف التفكير وهذا الذي فعلوه في أنفسهم تجاوزوه إلى غيرهم لإكراههم وإرهابهم، وقد عدوا من الكبائر قولي لهم: "هنيئا لكم بجهلكم بلغتكم"، وقلما تجد منهم الإحسان في المعاملة أو المخاطبة وهم بذلك يهدمون الأساس الأول للدعوة وهو الأساس الخلقي ومن قبل هدموا الأساس العلمي، ولديهم نماذج من الشخصيات التي تعطي صورة نحيفة وسخيفة للإسلام والمسلمين في ذواتهم وفي العلوم التي يتداولونها والجراءة في وصف الله بما لا ينبغي في العقيدة والتحليل والتحريم في الفقه، وهي في حد ذاتها لا تقوم على أساس ثابت يقين.. ودعوى العودة إلى ما كان عليه السابقون بمجرد تقدمهم دعوى باطلة فلكل صاحب ملة ونحلة أن يدعي بمثل هذه الدعوى ويتمسك بما كان عليه الآباء والأجداد، ودعوى الصلاح دعوى عليلة إذ أن الصلاح مرهون بالتقوى، والتقوى في القلوب مجهولة، وإن كان المراد بالصلاح أداء العبادات فهو ليس وقفا على زمان أو مكان، ثم إن صلاح السلف لا يعني صحة علومهم فالأولياء الصالحون لا يعني أن يكونوا علماء مجتهدين وقد شاع بين كثير من العباد والزهاد كثير من الجهالات والجاهليات.

   


 

ب- الباطنية:

 

الباطنية الغالية مردودة لأنها على حساب الظاهر المشروع وكثيرون يتصدرون الباطنية المنحرفة على تفاوت في خرافاتهم التي تصل إلى الكفر البواح والشرك والنفاق حيث يرون الحقيقة من خلال الباطن دون أخذ أو اعتبار للظاهر. وهم يقابلون الحقيقة بالشريعة ويفصلون بينهما، فالشريعة –دين الله- ظاهر غير مقصود عندهم أما المقصود فهو الطريقة الباطنية وحدها، ويمثلون بالشجرة لبها وقشرتها ومثل الغزالي بالجسد والروح،  والحقيقة عندهم مأخوذة من الله بصلة مباشرة على حد زعمهم، ومبنى عقيدتهم وشريعتهم وسلوكهم الخلقي هو هذه الصلة، ويتظاهرون بالديانة دون اعتقاد فيها أو اهتمام بها ويفعلون ما يفعلون مراءاة للناس طمعا فيهم وخوفا منهم وذلك لأن الباطن يسقط الظاهر فلا يحتاجون إلى التكاليف، وأداؤها عندهم لإسكات العامة الجهلة وهو شبيه بمفهوم اليهود من العامة الغوييم، ويبقى الإسلام والإيمان والكتاب والسنة عند هؤلاء بلا دلالة ولا مضمون إلا خواطر النفس التي حملوها على الكتاب والسنة وحملوا الكتاب والسنة عليها، ولجأوا إلى الإشارات والتأويلات والرموز الغريبة وجبهوا من أنكر عليهم أو نصحهم وذلك بإظهار فضل علمهم عليه،  وبهذه المداخل تمكنوا من تحريف النصوص عن ظاهرها وصرفها عن مقاصدها وحكموا فيها نوازع النفس السيئة والهوى الأسود.

وهذه تفاسيرهم في القرآن الموضوعة على طريقهم المملوءة بالغرائب والأباطيل والأضاليل حتى أصبح الدين حبرا على ورق وكلمات مجردة بلا دلالات أو تأويلات لخلاف المراد، وهذا ما وقع فيه السابقون من اليهود والنصارى والمجوس وإن كانوا دون هؤلاء في التغيير والتحريف فخطرهم أكبر من إتباع الأديان الأخرى لأنهم لم يكتفوا بإبعاد الناس عن تعاليم الدين بل جاؤوا بتعاليم مغايرة.

ومما يحز في النفس ويزيد في الحسرة أنهم يحسبون أنهم يحسنون ويرون أنفسهم الصفوة الصالحة الخالصة المتميزة عن الناس وأن على الناس أن يتبعوهم في باطنهم.


 

53

الطاغوت*

 

 

كل من تجاوز حد الشريعة فقد طغى وهو طاغوت، وكل من تجاوز حد الفطرة المعقولة فهو طاغوت أيضاً، والأول يحكم عليه بهذا الوصف ديانة، والثاني إنسانية، وقد يجمع بعض الطواغيت بينهما وما أكثرهم في التاريخ على ما سمعنا وما أكثرهم في واقعنا المعاصر على ما نسمع ونرى.

وسبب الطغيان هو على الغالب المال لأن الاستغناء والظهور على الغير يتحقق به على الغالب مع حب الإنسان له [وإنه لحب الخير لشديد]، [ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر] [إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى] وقد يكون النسب سببا فيتكبر صاحب النسب، وبدأ هذا ملك كريم فأصبح شيطانا رجيما بسبب كبره بنسبه النيراني أو النوراني على نسب آدم الترابي أو الطيني، ويتكبر العالم بعلمه على الجاهلين والأميين فيحرمون من علمه ويحرم من تعليمهم ويكون علمه وبالا عليه وعليهم، والقوة من أسباب الطغيان كما أخبر سبحانه تعالى عن عاد قالوا [من أشد منا قوة] فعتوا وأفسدوا ومن قبل ومن بعد وحيثما توجهت وجدت كثيرا من الأقوياء طواغيت وقد يصبحون حكاما فيلبسون طغيانهم ثوب الشرعية الدينية والدنيوية، فكثير من الناس يصبحون طغاة بعد وصولهم إلى الحكم.. إن القتل والإرهاب ومصادرة الأموال والاعتداء على الأعراض وإشغال الناس وصرفهم عن حاجتهم ومنعهم من أداء حقوقهم أو القيام بواجباتهم، كل هذا يفتح أبواب الطغيان على حساب جوانب أخرى حيث ينقلب الميزان فيكون الطغيان ويكون الشر على حساب الخير وكذا شأن الحق والباطل والعدل والظلم والصواب والخطأ والاستقامة والانحراف...

والرموز المتربعون على كراسي الحكم في كثير من أنحاء العالم وتنفذ رغباتهم بإشاراتهم أو الجالسون على عروش المال كثير منهم طواغيت يشترون الهمم والذمم.

فالأسماء الكبيرة والألقاب الشهيرة لا تعني الخير بالضرورة وقد تعني الشر الكبير المستطير.

وعلى المرء والمرأة مراقبة النفس الأمارة بالسوء لئلا تستولي عليها الأنانية فتقع في حب الكبر ويقع عليها عقاب الدنيا وعقاب الآخرة أشد وأبقى.

 


 

54

صورة الرحمن*

 

 

"خلق آدم على صورة الرحمن"هو عنوان لكتاب حديث، والعنوان المذكور تفسير لروايات حديث "خلق الله آدم على صورته" وفهمهم يتفق مع المنصوص عليه في التوراة المتداولة، ويخالف ما ذهب إليه أولون وآخرون فهموا الحديث على أن الله خلق آدم على الصورة الآدمية ولم يخلقه على صورة أخرى، كما تدعي الداروينية في التطور عن الدود والقرود، أو ادعاء النسبة غير الآدمية إلى الشمس والقمر والظواهر الطبيعية.

وقد رأيت صورة الرحمن في كتاب خوري بركات، وهو يصور آدم على مثاله شابا وهو تعالى قد شاب، وهما يشتركان في الأجهزة والأعضاء والرأس والجذع والأطراف واليدين والعينين والرجلين.. على نحو ما يريد أن يقوله صاحب كتاب (آدم على صورة الرحمن) بلسان الحال.

وقد أنكروا علي عندما وقفت عند ظاهر القرآن، ومع كونهم ظاهرية، لكنهم كانوا أشد عليّ من الباطنية المؤولة، ومن الأمثلة أني قلت: إن الله له اليد واليدان والأيدي.. حيث ورد في القرآن إثبات الإفراد والتثنية والجمع، ومعلوم أن المثنى جمع خاص باثنين، وتتعين التثنية إذا ذكر مع الجمع، حيث يكون للمغايرة، فيكون الجمع لأكثر من اثنين، وقلت لهم إن الله أعلم بذاته وصفاته وبعدد ماله وما عنده إفرادا وتثنية وجمعا، وقلت لهم: إنهم بهذا خرقوا أصلا عظيما من أصول الديانة، يتعلق بذات الله وصفاته، وقد حكموا على الله بالتجسيد والتحديد، والتشبيه والتمثيل، غير ملتفتين إلى بيان القرآن الذي أخبر عن الجبل الذي اندك لذات الله أو لصوته [وخر موسى صعقا] وهم أقل شأنا من موسى.

والأمثلة كثيرة على جهل وتجاهل كثيرين منهم، حاولت كثيراً وطويلاً الوصول إلى مستقر لتفهيمهم.

وفي القرآن كل البيان، فالحق تعالى لا يدرك بحواس الإنسان، ومن بينها البصر كما قال تعالى "لا تدركه الأبصار"، والعلة مذكورة في مواطن أخرى كقوله "ليس كمثله شيء" وإذا كان ليس كمثله شيْ فكيف يكون الشيء على صورة الرحمن، أو يكون الرحمن على صورة شيء من الإنسان حتى تعد القائمة بأعضاء وأجزاء الرحمن في مقابل الإنسان..؟

ونذكر أصحاب الصورة بما قاله الرحمن في القرآن: [يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله]، [فلا تضربوا لله الأمثال].


 

55

الاستواء على العرش*

 

 

ورد في الاستواء عدة معاني منها: علا وارتفع وصعد واستقر واستولى، وأنكر ابن الأعرابي وآخرون المعنى الأخير للزوم المقابلة إذ يلزم في عملية الاستيلاء أن يتقدم المستولى عليه، وتتقارب المعاني في ارتفع وصعد مع علا وجميعها في العلو، ومعنى استقر هو لتمكن الذات والقرار، أما استولى فهو التمكن من الشيء والتسلط عليه والهيمنة، ولما كان الاستواء من صفات الله وجب التدقيق في معنى اللفظة المفردة وأداة التعدية وهي هنا "على".

وفي اللغة الاستواء مصدر استوى، تقول استوى طرفا الميزان أي تساويا وتعادلا وتماثلا ومنه المساواة أي المعادلة والمماثلة.

وأداة التعدية تعطي اللفظ معنى جديدا فالأداة "على" المفيدة للعلو تعطي الاستواء معنى الاستعلاء أو العلو ويدخل فيه الارتفاع والصعود.

والتعدية باللام أي استوى له بمعنى استولى، والتعدية بفي بمعنى استقر...

وعلى هذا فمعنى الاستواء هنا مقيد بأداة التعدية "على" فيلزم التفسير بدلالتها وهو الاستعلاء والعلو ويقوي هذا المعنى وجود اسم "العلي والأعلى والمتعالي" من أسماء الله الحسنى.

أما المستوى عليه فهو العرش وهو مخلوق عظيم محيط بالأرض والسموات وهو سقف الجنة المحيط بعالمنا الدنيوي والأخروي على ما روي، ولا يعني أنه عرش الكون وأنه محيط بكل أرض وكل سماء فالكون بسفليّه وعلويّه أعظم من أراضينا وسماواتنا وقد استوى الله على كل شيء، واستواؤه مطلق غير مقيد بمكان أو جهة، وحديث الجارية (إن الله في السماء) أي في العلو المطلق لأن معنى السماء في اللغة هو العلو، وعلو الله عز وجل صفة ثابتة والكيفية مجهولة ومن قيد بجهة أو مكان فقد كيف.

والمجسمة -المكانية الجهتية- يرونه علواً مكانياً في جهة معينة ويبدأ المكان من جميع الجهات من فوق رؤوسهم وتحت أقدامهم لأن العلو نسبي في الأرض المكورة -والسماوات مكورة بالإجماع الذي نقله ابن الجوزي- فتتحدد بداية الله ويلزم منه تحديد النهاية فلكل بداية نهاية ويكون المكان يقله أو يظله تعالى الله عن قيلهم.

 


 

56

محمد سيد ولد آدم*

 

 

شاع أن النبي محمدا خير الخلق وسيد الأولين والآخرين وسيد الكون أو الكونين والثقلين وأنه سبب الخلق والتكوين على العموم والإطلاق، ونقلوا: لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك، وقالوا: أوتي علم ما كان وما يكون وما هو كائن وكتمه، بل قالوا: ظهور الحق بالصورة المحمدية..

والمروي أن النبي سيد ولد آدم فهو بالنص سيد الآدميين غير آدم نفسه، هذا عند المسلمين، وعند غير المسلمين رتبوا العظماء وحصروهم في مئة كان أولهم محمدا، فينبغي أن لا يقوم خلاف بين الناس مؤمنهم وكافرهم حول سيادة محمد على الناس فيمكن القول بأنه أفضلهم وأمثلهم وأقربهم من الله ورسالته أعظم رسالة خرجت عن الدائرة القومية إلى الدائرة العالمية وكان كتابه خاتمة الكتب هيمن على الكتب قبله وكان خاتم المرسلين فليس بعده من نبي رسول وله الشفاعة العظمى والمقام المحمود والحوض الكوثر وأمته شاهدة على الأمم يوم القيامة.

وهذا التفضيل والتقديم نقلاً بالنسبة لذرية آدم مع دخول آدم نفسه عقلا.. لكن التفضيل والتقديم خارج الجنس الآدمي فيه تجاوز نقلي وإفراط عقلي.

والمقارنة إنما تجري بين الأشباه والأمثال كالأفراد في النوع الواحد والأنواع في الجنس الواحد، فلا يسلم نقلا ولا يصح عقلا إجراء المقارنة بين الأجناس كدعوى المفاضلة بين الإنس والجن أو الملائكة والقول بأفضلية هذا ومفضولية ذاك.

فلا يقال هذا الإنسان أفضل من الملائكة ولا العكس ولذا ما قبلت دعوى إبليس بأنه أفضل من آدم وردت حجته بأفضلية النار على التراب.. فدعوى أفضلية الإنسان على الملائكة لا تقوم على أصل ثابت أو دليل معقول أو مقبول وقولهم في نبي أنه أفضل من الملائكة فضلا عن إنسان عادي غلو كبير ودعوى عريضة وأكبر من ذلك دعاوى الأفضلية على الخلق والكون.. ولا يعلم أحد امتداد الكون ولا عدد الخلق [ويخلق مالا تعلمون]، [وإنا لموسعون]، [ما أوتيتم من العلم إلا قليلاً].

إن الغلو في النبي ووصفه بغير صفاته هو داء الأمم السابقة وقد نهينا عنه (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح) وأمرنا بمخالفة اليهود والنصارى في تعظيمهم لقبور الأنبياء (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).

هذا مع الاحتراز في التمييز بين السيادة والأفضلية، فقد ورد النهي عن القول بأفضلية محمد بن عبد الله ومفضولية يونس بن متى عليهما السلام.

إن الغلاة يزعمون أنهم يحبون محمداً ويعظمونه ويتقربون إلى الله به وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وصدق الرسول الكريم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم).

 

57

النبي والرسول*

 

 

النبوة والرسالة وصفان يجتمعان في موصوف واحد ومضمون الرسالة هو مضمون النبوة، إلا أن النبوة باطنة لتعلقها بالإيحاء وهو الإعلام الخفي للنبي بحيث يخفى عن غيره، أما الرسالة فظاهرة لأنها إظهار النبوة وتبليغ الناس، فالفارق بين النبوة والرسالة يشبه الإيمان والإسلام في الدين من حيث أن الإيمان باطن والنبوة كذلك ومن حيث أن الرسالة ظاهرة كظهور الإسلام، وكما أن المؤمن يصبح مسلما فكذلك النبي يصبح رسولاً.

فدعوى (كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا) فيها نظر لأنهم فرقوا بين النبوة والرسالة في الموصوف أي النبي والرسول وبنوا قولهم أو حكمهم على حديث لم يثبت سنده ولم يستقم متنه لمعارضته صريح الآية في قوله [ورسلا قد قصصناهم عليك ورسلا لم نقصصهم عليك] والحديث المذكور يذكر الأعداد وهم آلاف الأنبياء ومئات المرسلين.. وعللوا في التفريق وعولوا على أقوال:

منها أن الرسول من أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من أوحى إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه يعني أمر بكتمانه وهو مخالف لأصول الديانة في نشر العلم وعدم كتمانه كما في قوله [ولتبيننه للناس ولا تكتمونه] وفي الحديث أن (من كتم علماً ألجم بلجام من نار يوم القيامة).

ومنها أن الرسول من بعث بشرع جديد والنبي من بعث بشرع من قبله وهذا غير صحيح فكثير من الأنبياء المذكورين كانوا على شريعة من قبلهم كأنبياء بني إسرائيل من بعد موسى إلى عيسى عليهم السلام كانوا مرسلين وهم على شريعة موسى وأولهم أخوه هارون فقد كان رسولا على شريعة أخيه [أن أرسل معي أخي هارون] والقرآن صرح برسالة الأنبياء جميعا في قوله [وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي] أي أرسلنا النبي بداية وأرسلنا الرسول ثانية، فكلاهما رسول.

وكل رسول نبي أوحي إليه من قبل، وكل نبي رسول أي سيرسل مستقبلاً ولا يتصور بقاؤه بلا رسالة، إلا أن يكون وحيداً بلا أهل ولا عشيرة ولا قوم وهو محض افتراض، والبداية تكون بالنبوة بالوحي وتستمر حتى ينقطع الوحي، والرسالة تبدأ بالتبليغ وتستمر حتى الموت، واجتماع النبوة والرسالة من بداية التبليغ إلى نهاية الوحي، فقولنا: كل نبي رسول وكل رسول نبي ينطبق على حال الاجتماع وقولنا: كل نبي ليس رسولاً ينطبق على البداية وقولنا: كل رسول ليس نبياً ينطبق على النهاية.

ولو نظرنا إلى صحة هذا في سيرة النبي خلال ثلاث وعشرين سنة من حياته لرأينا أن النبوة بدأت بنزول [يا أيها المزمل قم الليل] وبدأت الرسالة بنزول [يا أيها المدثر قم فأنذر] وبعدها ترافقت النبوة والرسالة واستمر عليه السلام نبيا ورسولا سنين إلى أن انقطع الوحي بعد آخر ما نزل وهو قوله [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا] أو قوله [إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا] وبعد انتهاء الوحي وختم النبوة استمرت الرسالة أشهرا وأياما حيث توفاه الله وكان يبلغ الرسالة وهو يحتضر فيوصي بالمحافظة على الصلاة والاهتمام بالنساء.


 

58

آدم وحواء والإنسان*

 

 

آدم كما صرحت به كتب الله عز وجل هو الأب الوحيد لذريته من زوجته الوحيدة حواء، وحواء جزء من آدم فصلت عنه لتحمل وتلد وترضع بدلاً منه لئلا ينقطع هو عن الاستمرار في القيام بواجبه في الخلافة والسيادة على الأرض، فعلاقة آدم بحواء علاقة زوجية لتكوين الأسرة الأولى التي أصبحت أصلا لهذا العالم الذي تكاثر وتناثر على رقعة الأرض بقاراتها أو أراضيها السبع.

وعلاقة آدم بالإنسان فيها خلاف كثير وكبير من حيث البنوة أو الأبوة، والمشهور عن أهل الرواية أن آدم أبو الإنسان، وهو معارض بظاهر آيات من القرآن، والقرآن معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه حيث نجد الملائكة يتساءلون عن سبب خلق آدم بشرا يفسد في الأرض ويسفك الدماء وهم طائعون، ولم يقولوا ما قالوه إلا عن علم رأوه وسمعوه، وهو دليل على أن آدم متأخر وقبله أناس خلقوا مثله وكانوا خلائف لكنهم بادوا عن آخرهم بسبب سفك الدماء والفساد.. وكان آدم الأخير أصلاً لمجموعة جديدة تميزت بالذكر والتكريم بخلاف من كان قبله كما قال تعالى [هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكـــن شيئا مذكورا]، [ولقد كرمنا بني آدم] ومن تكريمه له قوله [لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم] وكذا تعليمه الأسماء وسجود الملائكة له مع الرعاية والمرافقة والمقارنة في الدنيا والشهادة في الآخرة.

وهذا الذي فهمناه من القرآن.. يؤكده بحوث العلماء في عصرنا الذين يعودون بأصل الإنسان إلى مئات وألوف الألوف من السنين، ولا يرون فارقا في أصل الخلق بين الإنسان القديم والمعاصر من حيث الهيكل والأجهزة العضوية.

وعن عمر الإنسان الآدمي يقدره بعضهم بأقل من اثني عشر ألف سنة أو أكثر حسب الوارد عند أهل الكتابين وهو الوارد على ما يبدو في روايات الإسلاميين.


 

59

آدم والخلافة*

 

 

يعتقد العامة وكثير من الخاصة أن الإنسان بداية بآدم هو خليفة الله في الأرض -تعالى الله- والخلافة تعني أن يقوم الخليفة مقام الله كما يقوم الوارث بعد وفاة المورث، والوكيل بعد غياب الأصيل والخلف بعد زوال السلف وكما يخلف الوالد الجد والولد الأب والحفيد الولد وكل متأخر ومتقدم فيكون له سلطان بعد زوال سلطان من قبله.

والخلافة مأخوذة من قوله تعالى للملائكة [إني جاعل في الأرض خليفة] أي خليفة الله والفهم المذكور خطأ، والخطأ في الفهم والاستدلال جلي واضح لأن الله موجود على الدوام وحي أزلي بلا زوال، لا يعتريه عجز ولا قصور وهو سبحانه كامل ومثله لا يحتاج إلى خليفة لأنه هو الخليفة فهو الحي الباقي الوارث، قال تعالى [ونحن الوارثون] وفي الحديث: (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل).

إن القول بخلافة الإنسان لا يعني خلافته لله وإنما يعني خلافة الإنسان للإنسان كما في قوله تعالى [جعلكم خلائف في الأرض] والخلافة في الأرض مكانية وزمانية يتناوب الخلفاء عليها قرنا بعد قرن جيلاً وقبيلاً.

وأصل الخلافة قائم على وحدة الأجناس والأنواع ولذلك حكمنا على أن الذين سبقوا آدم أنهم كانوا مثله في الإنسانية وجوهر التكوين وإن كانوا مختلفين في العلم والتكريم ونوع الوظيفة.

ولقد جُبّهتُ عندما واجهت من زعم أن الإنسان خليفة الله الرحمن الرحيم فقلت: الناس خلفاء حسب ذواتهم في فطرهم وخلفاء حسب وظائفهم أو أخلاقهم وفي ذلك قول المصطفى: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة لا ينقص من أجورهم شيء ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى قيام الساعة لا ينقص من أوزارهم شيء).

وخلافة الخير مقابلة لخلافة الشر.

فكيف يكون الإنسان خليفة لغير الإنسان؟

 


 

60

جنة آدم*

 

 

جنة آدم في السماء على ما قيل، سكنها الأبوان عليهما السلام فعصيا بالأكل من الشجرة وأخرجهما الرب من الجنة [قلنا اهبطوا منها جميعا] والهبوط هو النزول من العلو إلى السفل، وإذا كان القرار على الأرض المعروفة كان العلو فوقها والعلو هو السماء بل سبع سماوات، والمروي أن الجنة في السماء السابعة وأن الصالحين يدخلونها يوم القيامة، والمشهور أن الأبوين عليهما السلام كانا في تلك الجنة فعوقبا بالنزول إلى هذه الأرض، وهو مشكل لسببين الأول أن الجنة السماوية مستقبلية والسبب الثاني أن آدم خلق من تراب الأرض وخلقت زوجته منه وتناسلت الذريات خلائف في الأرض، ولم يعلم أحد أن الجنة السماوية دار تكليف، ودعوى خلق آدم في السماء معارضة بصريح القرآن في الخلق من الأرض [منها خلقناكم]، [والله أنبتكم من الأرض نباتا] والصعود من الأرض قبله ليس عليه دليل.. وتبقى المشكلة حول الهبوط بمعنى النزول من العلو ومتى ما حلت المشكلة وأزيلت الشبهة استقام الإحكام وذلك يدور حول معنى الهبوط، والهبوط في اللغة لا يلزم أن يكون من علو إلى سفل بل قد يكون دخولا مقابل الخروج فاهبطوا منها أي اخرجوا منها واهبطوا إليها أي ادخلوا فيها، وهذا كقولك نزلت مدينة آمد وهو نزيل آمد بمعنى أنني دخلتها وهو ساكنها ومستقر فيها.

وفي القرآن استعمال لكلمة هبط بمعنى دخل في قوله لبني إسرائيل [اهبطوا مصرا] أي ادخلوها ولم ينزل عليها بنو إسرائيل من السماء العالية.

وفي التوراة تصريح بأن جنة آدم أرضية وتحديد لموقعها حيث يلتقي نهر دجلة بنهر فرات جنوبي كردستان وليس في القرآن ما يمنع ذلك إلا قوله تعالى لآدم وزوجه [اهبطا منها] وقد بينا المراد من الهبوط، إذ هو كهبوط بني إسرائيل من مصر إلى فلسطين.

وعليه، فإن جميع الجنات الدنيوية أرضية وليست سماوية ولا أخروية: من جنة آدم الكبرى إلى جنة طابوري الصغرى.

 


 

61

سماوات الأرض*

 

 

في بضع مواضع من القرآن ذكر الله عدد السموات السبع وأنها سقف وطرائق وحفظ وأنها خلقت بعد الأرض والاستواء وأنها خلقت في يومين بعد خلق الأرض في أربعة أيام حيث تم خلقها في نصف زمن الأرض.

وقد تعارف الناس على أن هذه السموات هي سموات الكون، وأن الشمس في السماء السابعة والقمر في الرابعة كما نقل في روايات، ورأيت كراسة رسم صاحبها فيها رسما لأهل الهيئة وما عليه الفلكيون والعلماء المعاصرون وعنون له بـ(الصورة الباطلة للكون) ومعه صورة أخرى سماها (الصورة الصحيحة للكون) جعل النجوم والمجرات كلها في السماء الدنيا وبعدها القمر والشمس.. والمذكور وأشباهه دفعهم لهذا القول تفكير قاصر في تفسير بعض الآيات كقوله [وزينا السماء الدنيا بمصابيح] فظنوا أن زينة السماء كزينة البيوت تتعلق بسقوفها السرج فتكون دونها والسقوف بعدها، وجهلوا أن السموات مادة شافة يكون ما بعدها زينة لها دون أن يتوجب أن تكون السموات بعد الزينة.

وما يجب أن يعلم أن أرضنا ليست مركز الكون وأن الخلق غير محصور فيما نعلم فقد قال تعالى [ويخلق مالا تعلمون] وقال [وإنا لموسعون] وأخبر عن السموات والأرض أنهما [كانتا رتقاً ففتقناهما] وأن السموات داخلة في حدود الرؤية ينزل منها الماء والضياء.

نعم، إن المراد بالسماوات سموات الأرض وليس سماوات الكون، فالحديث للإنسان عن أرضه التي يقطن عليها وهي كالبيت سقفه السموات، والفرق بين الأرض وسمواتها وبين مادة أخرى أن المادة  المعتادة لها سماء واحدة تغلفها وتحفظها، وقد خص الله الأرض بسبعة أغلفة زيادة لحفظها وليطمئن عمارها وتكريما للمستخلفين فيها.

والذي يرجح عندي أن السموات هي سموات الأرض وليست سموات الكون هو أن الحديث عن السموات في القرآن هو حديث عن شيء قريب بينما الحديث عن النجوم هو حديث عن شيء بعيد بعيد كما قال تعالى [والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق] وقوله [فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم] هذا أولاً، وثانياً يمكن الجزم بهذا القول أخذا بما صرح به القرآن في قوله [وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا] أي فيهن أي السموات السبع وهذا يعني أن القمر ينير السموات كلها وكذا الشمس ويكون لدينا حد أدنى لامتداد السموات، وحد أقصى هو مدى انتشار نور القمر أو مدى انتشار ضوء الشمس وأقصى ما يبلغه أحدهما يكون حدودا للسماء السابعة وذلك فلك صغير غير كبير.

فإن أرضنا وما حولها من ماء وهواء وما بعدها من سموات إن هو إلا مخلوق من ما خلق الله ولا يمثل إلا حلقة ملقاة في فلاة أو فلوات.

 


 

62

       مخطوطات*

 

 

1- للمخطوطات فوائد جليلة فعلى القديم يبنى الجديد، وينبغي التوكيد على أن العمل الأكاديمي لا يقصد إخراج التراث نفسه وإنما يقصد إلى تكوين الطاقات العلمية وتوجيه المواهب الفطرية ووضع المناهج المناسبة لإخراج التراث. 

إن مهمة إخراج التراث إلى النور ملقاة على عاتق جهات علمية متمرسة ومتخصصة في العلوم التي تقوم عليها المخطوطات أو تحوم حولها مع العلم بالخلفية التاريخية لعصور التأليف ومعرفة الرجال تأثراً وتأثيراً من شيوخ وتلاميذ ومراجع ومصادر كي يكون التوثيق دقيقاً والتحقيق سليماً... مع الخبرة بالواقع الاجتماعي لمعالجة المعلومات المخطوطة بما يناسب مع حاجة الناس فكريا واجتماعيا كي تكون هذه المخطوطات مفيدة للناس ومثمرة، وعلى هذا فمن الضرورة جعل العمل في المخطوطات ودراسة خطوطها القديمة ودراسة مناهج التأليف مع لمحات تاريخية وجغرافية ويجعل هذا مادة دراسية في المعاهد والكليات أو يخصص دورات لمن يختار العمل في التحقيق.

ومن فوائد المخطوطات الأجنبية أن دراستها وتحقيق نماذج منها هو تعريف بها وترغيب فيها وتمهيد لترجمتها.

2- الاهتمام بجانب الدراسة المنهجية والموضوعية العامة والخاصة وهذا يشمل المخطوطات والمطبوعات، فيقوم الكتاب كله أو تختار موضوعات معينة للدراسة جمعاً وعرضاً وتحليلاً ونقداً وتقويماً وموازنة ومقارنة.

3-يقدم مع الخطة بيان تفصيلي للموضوعات التي يراد العمل فيها سواءاً أكان المراد التصحيح أم الاستدراك.

4- وضع صيغة موحدة للتحقيق والدراسة المنهجية يؤكد فيها على الأخذ بطريقة النص المختار للوصول إلى نص المؤلف.

5- تحديد حجم الرسالة.

6- الإجمال فيما يرد عرضا كالتراجم، والتفصيل فيما هو مقصود كدراسة القضايا العلمية ومناقشتها.

7- تحديد المراجع والمصادر.

وقد رأيت تقديم كلمة حول المصادر والمراجع المتعلقة بالتفسير وعلوم القرآن ومما يعد أصلا في إعداد الرسائل العلمية من: تحقيق للمخطوطات القديمة وتأليف للموضوعات الحديثة.

ومعلوم أن المصادر والمراجع المطبوعة والمخطوطة والدوريات والفهارس والنشرات هي كثيرة ومتفاوتة ومتنوعة، ويخفى على الواحد مالا يخفى على الجماعة فأفق الجماعة فائض بالخبرة ممدود بالمذاكرة والمشاركة.

والجوانب المطروحة للدراسة تتمثل فيما يلي:

1- التمييز بين المصادر الأساسية والمراجع التابعة.

2- وجود المصادر والمراجع كثرة وقلة.

3-أماكن وجود المصادر والمراجع في المكتبات والبلدان.

4- مناسبة المصادر والمراجع للبحث موضوعيا وتاريخيا.

5-اختيار العدد الكافي من المصادر والمراجع.

6-بيان القيمة العلمية لهذه المصادر والمراجع.

7-قابلية الباحث على الاستيعاب والإفادة والاستفادة.

وبعد الدراسة توضع لوائح للمصادر والمراجع مرتبة ترتيباً موضوعياً بحيث تكون كافية لمجموعات من المخطوطات والمطبوعات أو تكون كافية لموضوع معين أو مخطوط معين، ولابد من تشكيل لجنة للمتابعة وللتهذيب والإضافة. 

والفائدة المرجوة هي تحديد النقول التي يقوم بها وعليها البحث العلمي بحيث تسلم الرسائل العلمية من القصور والتضخم مع ما في ذلك من تيسير على الباحث وتخفيف عن المشرف. 

ومن المأمول أن يرفق كل باحث مع خطته قائمة بمصادرها ومراجعها مع دراسة إجمالية لها أو تعريف كافٍ بها.

 

 

 


 

63

التفسير المنتظر*

 

 

لا نزال بانتظار تفسير للقرآن الكريم مناسب لعصرنا، والتفسير المنتظر يجمع بين المنقول والمعقول فيقوم على القديم السليم ويضيف الجديد المفيد،  وفي القرآن معالجة للأمراض وحل للمشكلات وتوجيه إلى ما فيه الخير الدنيوي والفلاح الأخروي، وفي الصفحة التالية خطة عاجلة هي ورقة عمل مبدئية لإعداد التفسير المنتظر للقرآن الكريم.

1-تعريف التفسير: بيان المباني اللفظية والمعاني الموضوعية لنصوص القرآن بطريق الرواية والدراية.

2-هدف التفسير: الوصول إلى الدلالات المرادة من نصوص القرآن.

3-شروط التفسير: فيما يلي ست نقاط أراها أساساً للتفسير القرآني الذي ينتظره المسلمون:

1-تهذيب ما كتب في علوم القرآن ووضع كتاب جامع للعلوم التي لها مساس بفهم كتاب الله.

2-حصر التفاسير المتداولة بين الأمة وتناولها بمناقيش النقد والغربلة كما فعل في اعتزاليات الكشاف.. وذلك بوضع هوامش وملاحق لكل تفسير والتنبيه على العليل من الآثار والكشف عن الخطأ في الدليل والاستدلال والتأويل.

3-وضع كتابين الأول موضوعي وهو في تفصيل الآيات القرآنية على أبواب العقيدة وأبواب الفقه وأبواب الفضائل والأخلاق، والثاني لفظي في ترتيب الألفاظ القرآنية ترتيباً هجائياً وتفسيرها بما في اللغة من معان محتملة وبما في الشرع من مصطلحات محددة.               

وينبغي استمرار الاتصال بهذين الكتابين وبخاصة الثاني منهما، لتعهدهما بالتصحيح والتوضيح كلما اقتضى الأمر، وإلا آل حالهما إلى ما آل إليه حال البصائر والمفردات وغيرهما في كثير من الأحيان وهو انقطاع الصلة بين ما قيل وبين ما يدل عليه القرآن من معاني.

وفائدة هذا العمل أنه يكون منجداً لمن يريد فهم القرآن من موارده، وعمدة لمن يسلك سبيل المفسرين في التفسير.

4-إعداد التفسير:

نحن بحاجة إلى إعداد ثلاثة أنواع من التفاسير، تناسب النمو العقلي والمستوى الفكري واختلاف الأحوال:

1-التفسير الوجيز، ويكون لعامة الناس، ويركز على أصول الدين، ويترجم إلى اللغات الأجنبية لدعوة الأمم الأخرى إلى الإسلام.

2-التفسير الوسيط، ويكون لعامة المسلمين يأخذون منه العقيدة والفقه والأخلاق.

3-التفسير الجامع (الشامل)، ويكون للمتخصصين وأصحاب الدراسات وأرباب البحوث، ويتضمن ما صح من النقل وحسن من العقل قديماً وحديثاً، بحيث يغني عن غيره من التفاسير.

5-طريقة التفسير:

علماء المسلمين بحاجة إلى طريقة تجمع المفيد من القديم وتفتح مجالاً واسعاً لدخول الجديد وتتلخص الطريقة في:

1- تقسيم الآيات إلى فصول، لكل فصل منها نوع استقلال وتميز.

2- النظر كرتين إلى الآيات: أولاهما في المباحث التحليلية أي التفسير اللفظي للكلمات وبيان المراد بها لغة وسياقاً وملاحظة المتداخل الذي يظن فيه الترادف والأحرف السبعة من القراءات والمأثور والأقوال...

والنظرة الثانية في المباحث الموضوعية وهي مسائل عامة من مناسبة الفصل في السياق، والمعنى العام للفصل ومناسبات النزول ومناقشات يقصد من ورائها إزالة ما عسى أن يعترض به من وجود اختلاف بين آيات القرآن أو بينه وبين أحاديث الرسول، أو وجود تعارض بين ما دل عليه القرآن وبين حقائق العلوم، وكذلك بلورة ما تهدف إليه الآيات من المبادئ الإسلامية، واستنباط ما عسى أن يستنبط من الفوائد والحكم والأحكام في مجال الإرشاد والتوجيه والتحلي بمكارم الأخلاق.

5-ضوابط التفسير:

1- تفسير القرآن بالقرآن، أو بالسنة، أو بالاجتهاد.

2- يجب استبعاد الإسرائيليات جملة وتفصيلاً مما روي عن التوراة أو حكي من التلمود، لأن إباحة التحدث بها –كما في الحديث- لا يعني حمل كتاب الله عليها وإلزام المسلمين بها.

3- تجنب الروايات الضعيفة من المأثور ولا أقل من اشتراط الصحة، ولا يستثنى من ذلك ما تساهلوا فيه من الفضائل والترغيب والترهيب وأسباب النزول ودعاوى النسخ ووجوه القراءات...

4- الاقتصار في وجوه الإعراب على ما يقوم به المعنى دون إغراق وإغراب  وخوض في الاحتمالات التي يسوقها النحويون.

5- الأصل هو الوقوف عند الظاهر ولا عدول عنه إلى التأويل أو التخصيص أو التقييد أو النسخ دون ضرورة مسوغة فينبغي الحذر مما يذكره أهل البيان في ضروب المجاز ومتاهات التأويل.

6- أن يكون الفهم الذي يراه المفسر متفقاً مع الحقائق الدينية والحقائق العلمية ولا يتعارض مع واحد منها.

7-تدريس التفسير:

من المهم أن نذكر بالعلاقة بين الأستاذ والطالب ودور كل منهما، فطالب العلم ينبغي أن لا يجعل الأستاذ إماماً، ولا الكتاب لزاما بل يأخذ المتعلم دور الباحث المتبصر المتذكر، كما يأخذ الأستاذ دور المشرف الموجه الذي يثير الاهتمام بالتشويق إلى المعروض للإقبال على الموضوع بهمة ونشاط وتأثر وتأثير.. مع الترغيب في العودة إلى المراجع القديمة حتى المخطوط منها والدعوة لمتابعة البحوث الحديثة المطبوعة والمسموعة.

ولما كانت المعلومات المجموعة من هذه المراجع في الكثير من الأحيان مضطربة وأحيانا متناقضة كان الواجب يقضي بعقد المقارنات للوصول إلى الترجيح والتصحيح، وجمع التساؤلات التي تحمل الشبه والأباطيل... وكل هذا لفتح الطريق لمعايشة المشكلات العلمية ومواجهتها وعدم الخوف أو الفرار منها بل المشاركة في حلها، وهذه خطوة كبيرة في الإعداد الفكري وفي بناء الشخصية العلمية.


 

64

كفر تارك الصلاة*

 

 

الدين كما تقدم هو: الإيمان الباطن في القلب، وهو: الإسلام الظاهر على اللسان والجوارح. فهو أي: الدين كله شيء واحد، إذا بطن واستتر سمي إيماناً وإذا انكشف وظهر سمي إسلاماً.

والكفر هو: الخروج من الدين في باطن الإيمان بالنفاق، أو الخروج منه في ظاهر الإسلام بالردة، أو فيهما بعدم الدخول فيه ابتداءً، أو فيهما بالخروج منه انتهاءً، أو فيهما في عمل غير مخرج من الملة، وهو الكفر الأصغر، والأنواع الأربعة الأخرى كفر أكبر مخرج من الملة..

والكفر المخرج من الملة يكون بنقض الدين وهدمه في كلية أو في جزئية مادامت معلومة من الدين بالضرورة، والمعلوم بالضرورة كل ما عليه نص ثابت من الكتاب والسنة لم يتطرق إليه احتمال النسخ أو التأويل. بداية بأركان الإيمان والإسلام وانتهاءاً إلى مشروعية السواك وإزالة الأذى عن طريق.

وقد ورد في السنة نصوص تحكم بكفر تارك الصلاة كقوله عليه السلام (من تركها فقد كفر)، ويرى بعضهم انه كفر مخرج من الملة، ويرى آخرون انه كفر أصغر لا يخرج من الملة، وله أمثال، منها:

1- ارتكاب الزنى وفي الحديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ظاهره فمن زنى فقد كفر.

وفي القرآن شاهد [الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين] وظاهره شرك الزاني.

2-منع الزكاة، وقد قاتلهم الصديق أبو بكر وسماهم الناس بالمرتدين، وعرفت حروبهم بحروب الردة.

وفي القرآن شاهد في قوله [وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون]حيث وسط منع الزكاة بين الشرك والكفر مما يدل على أنه من جنسهما وله حكمهما.

3-ترك الحج وقد روى عن الفاروق أنه أمر بفرض الجزية على القادرين وقال (ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين).

وفي القرآن شاهد في قوله [ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين] مما يدل على أن المستطيع إذا ترك فقد كفر.

وهناك أمثلة أخرى على الشرك أو الكفر ومن ذلك ما ورد في الظالمين والكاذبين والقاذفين والقاتلين والسارقين والناهبين والحالفين بغير الله، وفي الحلف مثل ما في الصلاة (من حلف بغير الله فقد أشرك) وأشد من ذلك وأبلغ ما ورد في الجار الشبعان بجانب الجوعان (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن).

وقد اختلف الناس في التكفير بسبب الخلاف في مفهوم الكفر، وتشدد بعض الظاهرية:

1-فالخوارج من غلاة الظاهرية كفروا حتى أخرجوا من الدين مرتكب الكبيرة، والكبيرة: كل فعل عليه حد أو وعيد، واحتجوا بمثل قوله       [إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم] يعني الصغائر دون الكبائر، والخوارج بهذا وقفوا عند بعض الأدلة فحكموا ببعض الكتاب وتركوا الحكم ببعض كما في قوله تعالى [إن الله يغفر الذنوب جميعاً] ولم يستثن غير الشرك في قوله [إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء].

2- والمعتزلة قالوا: إن مرتكب الكبيرة يخرج من الدين ولا يدخل في الكفر، فجعلوه في منزلة بين المنزلتين أي منزلة الكفر ومنزلة الإيمان أو الإسلام، وأبقوه معلقاً غير محكوم بإسلامه وإيمانه أو كفرانه.

3- وفي زماننا قام ظاهريان:

- أولهما قال بكفر المحكومين والرعية التي تحتكم إلى من يحكم بغير ما أنزل الله، راجع مذهب التبين بين الكفر والإسلام.

- والثاني ذهب إلى كفر تارك الصلاة بمعنى خروجه من الدين والملة، وليس هذا جديداً خالصاً، فمن قبل نسب لأحمد مثله فناقشه الشافعي قال له: يا أحمد أأنت تقول بكفر تارك الصلاة؟ قال نعم، قال الشافعي: إن خرج بترك الصلاة أيدخله بفعل الصلاة؟ فسكت أحمد.. فقام في زماننا من جديد من يتكلم بعد أحمد ويحكم بكفر تارك الصلاة، ومروقه من الدين، وخروجه من الملة، ونزول غضب الرب عليه، وزوال رحمته عنه، وحرمانه من نعيم الجنة، وخلوده في نار جهنم في الآخرة.. بعد إجراء أحكام المرتدين عليه في الدنيا، والحكم بالقتل كفراً، وطلاق الزوجة، وعدم التوارث، وعدم الدفن في مقابر المسلمين وعدم الصلاة عليه، مع عدم الدعاء أو الاستغفار أو الترحم..

وقد خالف المكفر المذكور مدارس الفقه علمياً، كما خالف الحكومات الإسلامية تاريخياً، وتناقض من وجهين بينما تناقض الخوارج والمعتزلة من وجه واحد، حيث إن الخوارج لم يميزوا بين الكبائر، ولهم دليلهم ظاهراً وإن كان استدلالهم به قاصراً.

والمقطوع به أن الصلاة كبيرة ولكن لا وجه لتخصيصها، وغيرها أولى منها بحكم التكفير لكونه أغلط في الدليل.

وقد يعتمد الذين يكفرون على باب سد الذرائع، ومعلوم أن تساهل الناس لا يعني تغيير الأحكام، لأن الأحكام ثابتة لا تتأثر ولا تتغير، ومعلوم أيضاً أن الضرورات مقيدة بأزمانها وأشخاصها.

 


 

65

رؤية الهلال*

 

 

رؤية الهلال لبداية الصيام ودخول شهر رمضان وكذا لبداية شوال وحلول عيد الفطر المبارك، وفي الحديث (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وقد ذهب جمهور من العلماء إلى إيجاب الرؤية بالعين المجردة كشرط لدخول الشهر في رمضان وفي شوال، ومتى رأى شاهد أو شاهدان وقع الحكم بالصيام والفطر، وقد يتعدد الشهود ويختلفون في الرؤية فيختلف المسلمون في الفطر والصيام، وهم يعلقون الخلاف على اختلاف المطالع والمغارب، حتى أصبح اختلاف المسلمين واقعاً مفروضاً بسبب تعدد المطالع والمغارب المبنية على العيون والأهلة..

ومعلوم أن القمر من توابع الأرض الدائرة في فلكها ويقع عليه ظلها ويقع على الباقي ضوء الشمس، وتزداد الظلال حتى يختفي القمر في نهاية الشهر ثم يظهر الهلال في بداية الشهر ويزداد الضياء حتى تكتمل الدائرة ويكون البدر في وسط الشهر، ثم في كل شهر يتكرر هذا من سنة إلى سنة ومن قرن إلى قرن.

وهي سنة كونية ماضية والحكمة باقية في الخليقة [ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا] [ولتعلموا عدد السنين والحساب] والحساب دقيق ليس كما يدعي أهل المطالع والمغارب، ليس فقط بالأيام بل حتى الساعات والدقائق والثواني، وكل في فلك يسبحون لم يتغير في الآلاف من السنين وكذا لن يتغير إلى ما شاء الله.

إن أهل الذكر من علماء الهيئة يقولون إن ميلاد شهر يكون بظهور القمر على خط طول هو واحد مهما تباعدت البلدان طولا، ويستمر هذا الميلاد خلال دورة الأرض مع تابعها القمر أربعاً وعشرين ساعةً وعليه فطلوع الفجر في خط طول على الأرض هو دخول للشهر في الأرض كلها مع فارق الليل والنهار تبعاً لكروية الأرض ودورتها، فدخول الشهر موحد لبداية الصيام وبداية الفطر على حساب الأهلة الدقيق الذي لا ينقص ولا يزيد.

واعتماد الرؤية وحدها يوجب تسلق الجبال والتلال أو الارتفاع بطائرة خاصة - مستأجرةً في لندن مثلاً- للصعود فوق الغبار والسحاب والضباب لرؤية الهلال حتى يدخل الصوم ويحل الفطر وإلا فلا رمضان ولا شوال ولا صيام ولا عيد ولا حساب.

مع أن الصيام كالصلاة الموقوتة حدد الرسول مواقيتها برؤية الشمس والظلال وطلوع الفجر وغياب الشفق..

والمصلون لا يقيسون الظل ولا يرون الشمس ولا ينتظرون الفجر والشفق لوجود بديل أصيل في الساعة التي لا يمنعها السحاب والغبار والضباب وظلام الليل، والساعة المذكورة معتمدة بلا نكير ولا شبهات وبلا رمي بتهمة البدعة والضلالة.

والصيام أيضاً كالحج المشروط بالزاد والراحة، والزاد من قوت البلد في ذلك الزمان، والراحلة هي الإبل و الخيل والحمير قبل معرفة السيارات والبواخر والقطارات والطائرات وغيرها من المراكب الآلية المستحدثة المبتدعة وهي مستعملة مركوبة بلا نكير أو تضليل.

 


 

66

صدقة الفطر*

 

 

صدقة الفطر في نهاية رمضان يعقدون من أجلها الندوات ويلقون حولها المحاضرات ويخطبون عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، يقولون: صدقة الفطر يجب أن تكون على المنصوص عليه بالتعيين من التمر والإقط والشعير، ويقيسون عليها قوت البلد كالبر والأرز ويؤكدون أن قيمة التمر والإقط والشعير والبر والأرز.. لا تجزئ ولا تصح ولا تجوز. ويستدلون بظاهر الحديث والوقوف على الأمثلة الواردة، والمذكورون من أهل الندوة والمحاضرة والكتابة والخطابة يمهدون ويختمون بدعوى اتباع السلف خير القرون والوقوف عند ما هم عليه وهجر الخلف المخالفين، واعتبار الغير بدعة مهجورة وضلالة مسعورة.

وفي سوق الأقوات في أم القرى تعرض أكداس الأكياس الفطرية، وعبوات كل منها بسعة صاع وزنة 2،5 كغ، وأسرة أفرادها عشرة أنفار فطرتها عشرة أصواع وهو حجم كبير، ووزنه 25 كغ وهو حمل ثقيل يتعب الحامل من الأغنياء والمحمولة إليه من الفقراء وقد لا يطول بحث الأغنياء لوجود فريق محترف من الفقراء يستلم صوريا من المشتري ويسلم إلى البائع بنصف القيمة وأقل، ثم يأتي المشتري الثاني لتجري عملية الشراء والبيع من جديد على الصيعان المعروضة المكدسة المكيسة وتجري عليها عمليات بيع وشراء مزدوجة لمرات ومرات في ذات اليوم وبعده في السنة الجارية والسنوات القادمة.. وللعلم فإن ما في هذه الأكياس لم يعد ذلك القوت المأكول صالحاً بعد انتهاء صلاحيته ولكن العمليات الصورية لا تحتاج للصلاحية.

هذا، وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بيان واجب الأغنياء وحق الفقراء فأمرهم (أغنوهم في هذا اليوم) أي يوم العيد اغنوا الفقراء عن السؤال والانشغال ليتفرغوا لمشاركة الأغنياء في بهجة العيد والراحة وصلة الرحم… وإنما يكون التفريغ بقضاء الحاجة وليست الحاجات كلها طعاماً فالحاجة حسب الحال فقد تكون إلى الكساء والدواء وأجرة السفر أمس من الطعام والغذاء، وأكثر الفقراء لا يستطيعون الجلوس على الأرصفة إلى جانب الأكياس بانتظار عملية البيع والشراء التي يخسر فيها أكثر من النصف.

مع حمل الأوزان الثقيلة والأحجام الكبيرة التي لا تخفى عن الأعين وبخاصة بالنسبة للمستورين الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف..

أيها الملأ إن القيمة النقدية تريح الغني وتغني الفقير لأنها وسيلة لقضاء كل الحاجات، وهي في خفة وزنها وصغر حجمها بحيث تخفى عن اليمين والشمال والرياء وتحفظ ماء الوجه، ومع ذلك بل قبل ذلك تمنع التحايل على دين الله وتمنع تجار الأقوات من استغلال المساكين المحتاجين.


 

67

مذهب التبيّن بين الكفر والإسلام*

 

 

هذه الورقات كتبتها قبل سنوات في عاصفة هبت على شباب حائر، وذكرت بالعاصفة التي هبت رياحها من قبل، فتمزقت بها الأفكار، وسالت لها الدماء..

واليوم أعود للورقات… - وقد اصفرت صفحاتها، وتمزقت أطرافها- لأنسخها من جديد، لأحس بذلك الشعور الذي دفعني لكتابتها أول مرة، ولأجد الثقة التي تدفعني لإقرارها بمضمونها، مع تهذيب يسير.

وفي الورقات -جعلها الله منجية من مردية، وعاصمة من قاصمة- مقدمة عن الإسلام والمسلم، ومناقشة لمذهب التبيّن من خلال أدلته وشبهه.

الإسلام والمسلم:

الإسلام توحيد الله – لا إله إلا الله- كلف به عباده، كما أخبر سبحانه: [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون]، وأرسل له أنبياءه، كما قال:   [وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون] وقال: [فاعلم أنه لا إله إلا الله].

[لا إله إلا الله] كلمة تسع الإسلام كله، دخولاً في دين الله، وخروجاً مما ينافيه، بها البراءة من الكفر جميعه في النفي: لا إله، وفيها الخضوع للدين أصوله وفروعه في الإثبات: إلا الله.

وكلمة التوحيد هي الركن الوحيد الذي يعبر عن كمال الالتزام بكامل الإسلام، وذلك أن الأركان الأخرى أركان عملية مقيدة بأمكنتها وأزمنتها، فالصلاة حتى يحضر وقتها، والحج له مناسكه ومواقيته، والصوم له شهره والقدرة عليه، والزكاة لها أجلها وأهلها… فلم يبق غير هذه الكلمة.

وإذا كان مفهومها مساوياً للإسلام اتفاقاً، كان قائلها مسلماً ضرورة. والحد الأدنى من الإسلام هو المسلم ظاهراً.

وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله:

وقد علم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم واتفقت عليه الأمة: أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلماً والعدو ولياً والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال، ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل في الإيمان.

وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان.أهـ.

وخلاصة القول أنه مادام مفهومنا لكلمة التوحيد أنها تتضمن الإسلام وجب علينا الحكم بالإسلام لمن تلفظ بها، كما وجب الحكم بالكفر على من تلفظ بكلمة الكفر، صدقناه أولاً فحكمنا له، وصدقناه ثانياً فحكمنا عليه سواء بسواء، ولا منزلة بين المنزلتين.

أما أن لا نصدقه ولا نكذبه بل نتوقف فيه فلا نحكم بإسلامه ولا بكفره فذلك ميدان لمذهب التبين مداراً ومساراً.

مذهب التبين:

إن مذهب التبين يعني: التوقف عن الحكم بإسلام الشخص ولو أدى أركان الإسلام لوجوده في مجتمع جاهلي لم يتبرأ منه. يقولون: هو متلبس بجاهلية تمنعه الإسلام، ولا تلزمه الكفر. وهم بذلك يغلقون باب الإسلام كما يغلقون باب الكفر، وإن كانوا إلى التكفير أدنى وأقرب. وقد بنوا مذهبهم على قضية التلبس دون أن يميزوا فيه بين ما يصح البناء وما لا يصح، ولو أنهم فعلوا ذلك لما ركبوا مركبهم الصعب، ولما جنوا على أنفسهم وعلى غيرهم.

فمن التلبس ما لا خلاف فيه وهو المادي المحسوس الذي يخرج صاحبه من الإسلام، أو يمنع من دخوله فيه، كمن قال كلمة التوحيد وهو راكع لطاغوت أو ساجد لصنم، فعلى هذين أن يتبرءا من الطاغوت والصنم أولاً ثم يعلنا إسلامهما.

والنوع الثاني من التلبس هو الحكمي المستور، كوجود شخص في مجتمع جاهلي، وهذا التلبس ليس إلا شبهة قائمة على ظن لا تثبت حكماً ولا تنفي وصفاً، لأن وصف المسلم أو الحكم بالإسلام لا يتعلق بكون الفرد أو وجوده في مجتمع بل هو يكون مسلماً ولو اعتزل الناس وعاش فريداً وحيداً لا يعاشر أحداً.

وحقيقة ذلك أن مدار الحكم على الشخص ذاته، وما يظهر من فعله، ويفهم من قوله، وعرف الشارع في مصطلحاته هو الحاكم، ونحن نتمسك بالمصطلحات الشرعية حماية لما فيها من المعاني، ولما وراءها من الدلالات. ومن الخطأ الفادح والعبث الفاضح تعطيلها وإلغاؤها بمجرد الظن،والظن ما هو إلا كذب غير بين.

وإن تقسيمنا للتلبس كشف عن خطأ القوم في تعميم الحكم، وهذا يهيئ لنا النظر في التبين ذاته لتقسيمه إلى ما هو مشروع مقبول، وإلى ما هو مرفوض غير مشروع. فالمرفوض هو تبين الإسلام في مدعيه، وتبين الصدق في صاحب المقال، وتبين العلم في مجهول الحال، ففي البحث عن السوءات، والكشف عن العورات، خِطءٌ وخطأ كبير، وفساد في الأرض وشر مستطير. أما المقبول فهو تبين الكفر في المشتبه به، وكذلك تبين الكذب والجهل، وهذا المقبول ليس مشروعاً بإطلاق بل له شروط وعليه قيود، من حاجة ملجئة وضرورة مسوغة، ثم هو ينحصر في ولي الأمر وليس مشاعاً لكل أحد. ولو أنا احتطبنا بليل وسلمنا لأهل التبين بلا تمييز ولا تقييد ولا اشتراط لوقعنا فيما وقعوا فيه من محاذير يأخذ بعضها برقاب بعض.

نعوذ بالله من مزالق الأقدام وفساد الإفهام، ومن هذه المحاذير:

1- مخالفة الأصل المقرر -بالفطرة- للأشياء والأشخاص إذ أن الأصل في القول الصدق والحق حتى يظهر الكذب والباطل، والأصل في الشخص البراءة والأمانة حتى تثبت الجريمة والخيانة. فالذي يدعي الإسلام، الأصل قبول دعواه حتى يثبت خلافها، أو يظهر بطلانها.

2- ومنها أن رسل الله جميعاً -والمرجع في ذلك القرآن- اكتفوا بكلمة تقال هي -لا إله إلا الله- ولم يجعل أحد منهم التبين ركناً للإسلام ولا فرضاً ولا شرطاً.

3- ومنها أن الله تبارك وتعالى أمر خاتم المرسلين بأن يقبل من الأعراب إسلامهم وهم جاهلون أو كاذبون.

4- ومنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل من منافقي المدينة كلمة التوحيد وسماهم أصحابه.

فمن ذا الذي يمد يده أو لسانه لقلب الفطرة، بل من ذا الذي يتحدى ما أمر الله، ويتعدى ما شرع رسول الله:

[يا أيها الذين آمنـوا لا تقدموا بين يـدي الله ورســوله، واتقوا الله…].

تعالوا سواء نحتكم إلى كتاب الله، وهاتوا برهانكم إن كنتم على شيء؟ أما أدلتكم التي حملتموها فهي ليست حجة لكم بل هي حجة عليكم، فاسمعوني إن أريد لكم إلا الخير، وما توفيقي إلا بالله.

أدلة التبين وخطأ القوم في الاستدلال:

*الدليل الأول من سورة الحجرات، قوله تعالى:

[يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين]. حملوا الآية على التوقف في الفاسق، فلم يصدقوه ولم يكذبوه ما لم يتبينوا، وقاسوا عليه من فيه شبهة كفر، فلم يحكموا بإسلامه ولا كفره ما لم يتبينوا. وأستعين بالله في الرد عليهم فأقول:

إن مفرق الطريق بينهم وبين الحق أنهم صرفوا التبين لإظهار الإسـلام، وهو استدلال في غير موضعه، لأن التبين موجه إلى إظهار الكفر - الكذب في مثالنا- فعلى الكذب تترتب الإصابة بجهالة، والندم على الفعل - ونص الآية واضح صريح - وليس التبين موجهاً لإظهار الإسلام -الصدق في مثالنا- لأنه لا يترتب على صدقه شيء من الجهالة والندم، ولمزيد البيان أقول:

إن الفاسق متلوث بالمعصية، وفي نبأه شبهة كذب دعا القرآن إلى تبينها خوف الجهالة في إصابة قوم، ومن ثم الندم على فعل ذلك. فسبب التبين هو وقع الإصابة والندم، وليس فيه تكذيب للفاسق، ولا توقف عن تصديقه، بل هو في فترة التبين صادق غير كاذب.

وقياس الشخص المتوقف فيه على الفاسق قياس مع فارق، لأن الفاسق حكم عليه بالفسق لجريمة ارتكبها بنفسه، أما المتوقف فيه فلم يرتكب جرماً، فكيف يحمل وزراً [ولا تزر وازرة وزر أخرى].

القياس فاسد من وجه آخر أظهر من جهة كونه بين الممكن والمتعذر حيث أن تبين الكذب والصدق في خبر الفاسق ممكن، أما تبين صحة الإسلام فينسحب على أصول الدين وفروعه، وذلك متعذر لا ينتهي ولا يدرك في الحياة ولا يعرف إلا بعد الممات.

*الدليل الثاني من سورة النساء، قوله تعالى:

[يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا، ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً، تبتغون عرض الحياة الدنيا..].

والتبين هنا مأمور به لما يترتب على تركه من قتل معصوم النفس خطأ، وأخذ المال المحترم ظلماً. وظاهر الآية: أنتم تقولون لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً، يعني أنت كافر مباح الدم حلال المال، فتبينوا كفره حتى يباح دمه ويحل ماله. وليس المراد فتبينوا إسلامه لأن المسلم لا يباح دمه، ولا يؤخذ ماله بحال.

*الدليل الثالث من سورة الممتحنة، قوله تعالى:

[يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن…].

والآية ظاهرة في أن التبين أو الامتحان ليس للكشف عن الإيمان فهو ثابت صريح العبارة -المؤمنات- وإنما هو للكشف عن الدافع للهجرة، هل هو الإيمان فلا يرجعن إلى مكة، أو هو سبب دنيوي -نشوزاً من زوج أو رغبة في زوج- فيرجعن التزاماً بشروط صلح الحديبية.

*الدليل الرابع مطالبة من أسلم من النصارى بالتبرؤ من ألوهية عيسى عليه السلام. والجواب أن نفي الإلهية عن عيسى عليه السلام داخل في مفهوم لا إله إلا الله، وليس خارجاً عنه، والمطالبة به للتنبيه عليه أو للتأكد منه، ومعلوم أن التأكد من الشيء يتأخر عنه ولا يلازمه فكيف يسبقه.

*الدليل الخامس: العمل في الجاهلية:

جعلوا من هذه الشبهة دليلاً أوجبوا له التبين ونفوا به الإسلام، بل إن بعضهم أوجب بها الكفر والخروج من ملة الإسلام، ونقول لهم: إن العبرة ليست بموقع العمل ولا بصاحب العمل بل العبرة بنوع العمل، فإن كان حراماً حرم دائماً، وإلا فلا أبداً، والكفر كذلك. وبعيد عن الشرع والعقل قولهم: إن أي عمل هو مساهمة ومشاركة في الجاهلية، وبيننا وبينهم كتاب الله نرجع إليه في هذا الأمر -وهو أمر عقدي تستوي فيه الرسالات جميعاً- وهذا القرآن يحدثنا في أعظم قصصه وأطولها عن يوسف عليه السلام من أنه كان وزيراً لفرعون، أو عزيزاً لمصر، أو كما يقول ابن تيميه نائباً لفرعون مصر وهو وقومه مشركون، وفعل من العدل والخير ما قدر عليه، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان. أهـ.

والحكم في مصر لم يكن فيه شبهة جاهلية، وإنما كان كافراً كفراً بواحاً صراحاً لم يستطع يوسف فيه أن يأخذ أخاه إلا بالطريقة المرسومة في دين الملك. فبم يحكمون على يوسف الصديق الرضي المرضي؟

*بقي في مذهب التبين أدلة أو شبهات هي دون ما سقناه، وهي بين دليل باطل، أو استدلال فاسد. ومن ذلك قولهم عن عمر رضي الله عنه أنه كان يتبين في الصلاة على المنافقين ويتوقف حتى يرى ماذا يصنع حذيفة، لعلم حذيفة رضي الله عنه بأسماء المنافقين.

ونقول لهم: إن التبين لو كان من الدين لما خص حذيفة به، ولما جاز لحذيفة أن يخفيه عن عمر، وعمن هو أقل شأناً من عمر، وليس في فعل عمر –على أية حال- دلالة على ما يقولون لأن من هو خير من عمر لم يكن يصلي على المدين، والدين لا يوقف الحكم بالإسلام ولا ينزع وصف المسلم بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمنع المسلمين من الصلاة على المدين بل أمرهم بالصلاة عليه وسماه صاحباً في قوله: صلوا على صاحبكم.

 


 

68

أصول الأحكام

 

 

أصول الأحكام التي تصلح بها حياة الناس في دنياهم وأخراهم ثلاثة، هي:

- حكم الشريعة المنقولة.

- حكم الفطرة المعقولة.

- حكم الأعراف المقبولة.

وترتيبها في الأهمية كما ذكرناها أولاها الشريعة أولها، وآخرها العرف أو الأعراف، وبينهما الفطرة.

وكل حكم منها له مبنى يعتمد عليه في ايجابه والالتزام به.

فمبنى الإلزام بالفطرة هو الخضوع المركوز في الطبيعة البشرية، والخضوع البشري داخل في النظام العام للكون.

ومبنى الإلزام بالشريعة هو الإيمان، وهو وعد وعهد وميثاق يلتزم به العبد لربه، فإذا قال المؤمن: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" أفاد التزامه بالعبادة كما أنزلها الله في القرآن، وكما بينها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في السنة.

فيكون أداؤه للأحكام من عبادات وحدود، وتركه لكل ما نهي عنه. وكذا يكون سؤاله أمام القضاء الدنيوي والحساب الأخروي مبنياً على التزامه هو.

ومبنى الإلزام بالعرف هو الاتفاق، وهو كذلك وعد وعهد وميثاق لكنه بين الفرد وجماعة من الناس.

ودليل الشريعة القرآن، ودليل الفطرة العقل، ودليل العرف الإجماع.

وحكم الشريعة ملزم للمؤمنين بها، المسلمين لها، من أهل دينها.

وحكم الفطرة ملزم لجميع الناس.

أما العرف فملزم لجماعة من الناس معينة محصورة بزمان في مكان.

وعلى هذا نرسم ثلاث دوائر، في كل دائرة منها مجتمعها، فالدائرة الإنسانية العامة تجمع البشرية كلها، والدائرة الدينية تجمع المؤمنين المسلمين، والدائرة الأخيرة لجماعة قومية أو مذهبية.

وهذه الدوائر تتواصل وتتكامل، ولا تتعارض ولا تتناقض. ذلك بأن منزل الشريعة الدينية هو خالق الفطرة الطبيعية، وسمى تعالى الفطرة أو الخلق ديناً في قولـه: [فطرة الله التي فطـر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم].

والعقل الذي هو دليل الفطرة هو الذي يدل على الدين ويوصل إليه ويقرر بأنه حق وصدق، ويشهد له.

والدين كذلك يقرر الفطرة ويكشف عنها، ويشهد لها، بل يكملها ويسمو بها. وعلى هذا فالدين متفق مع الفطرة، وحكم عليها ومهيمن…

فما قصر فيه العقل أدركه الدين، وفي ذلك قول الرسول الكريم:

بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، ومكارم الأخلاق فطرية، لكن العقل وحده يقصر عن إدراكها كلها بكاملها أو يقصر.

ولا يجوز التقليل من دور العرف أو إلغاؤه واعتباره محشوراً مع ما لا يناسبه. فالعرف معروف شرعاً وفطرة، ومأمور به فيهما، فهو لا يخرج في أصله عن قيود الفطرة وحدود الشريعة، بل كل من الشريعة والفطرة يقرر الفروق الفردية والاجتماعية بين الشعوب والقبائل، والأقوام والأحزاب.

وليس من مراد الشريعة ولا الفطرة إذابتها وصهرها، أو تغييرها وتبديلها، وإنما المراد جمعها في إطار الأمة الواحدة المتعارفة على مستوى إنساني أو ديني مراعاة لحرية الاختيار، وعدم الإكراه والإجبار.

[يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم].

وعليه فإن كل مجتمع عرفي -مع الاحتفاظ بالإنسانية والشريعة- له الحرية في اختيار أنظمته الإدارية، ومراعاة عاداته وتقاليده، لأن ذلك يعبر عن ذاته ويحقق فكره، ويوجه طاقته، ويستثمر جهده.

واختلاف المجتمعات قائم على اختلاف الجماعات في جنسها ونوعها ووظيفتهـا، فالتميز والاختصـاص سمتان ظاهـرتان أو مبدآن شرعيان وفطريان معاً.

والناظر في الجماعات البشرية يراها ملونة، تتصف كل منها بما يخصها من المواهب والطاقات، ودرجة التفكير وطريقة المعاملة، وكل ذلك يشدها لأن تعيش حياتها الخاصة.

وإذا كانت الشريعة لا تتغير ولا تتحول ولا تتبدل وكذلك الفطرة كما تشهد النصوص… فإن العرف يتغير بتغير الزمان، ويتحول بتحول المكان، ويتبدل بتبدل الأشخاص، وبالتالي لا تثبت أحكامه على حال.

وما ذلك إلا لأن الحكم العرفي يبنى على مصلحة في نظر جماعة، والجماعات ليست واحدة في مقدار فهمها، ولا في درجة اهتمامها، ولا في طريقة معالجتها للأمور..

وقد يقول قائل أو يسأل سائل، لم الفصل بين الفطرة والشريعة والعرف؟ ولم الخروج على أصول الفقه؟ وأمامك الإمام.. فلا تذهب غير مذهب!.

ولرد القول وإجابة السؤال لا بد من دارسة موضوعية وتاريخية للفقه في نشأة أصوله وتطور مذاهبه ولا يتسع المقام لذلك، وما لدي هو ملاحظات أسوقها على سبيل الذكر والتذكير، ومن ذلك:

الإجماع، فقد جعل ملزماً للمتأخرين مع أنه حكم متعلق بالعرف – أي أنه عرف مجتمع قديم اختص بجماعة لها فهمها المحدود، ومصلحتها الموقوتة.

وواضح أن الإجماع ظاهرة من ظواهر التقليد، جعل فيها اتفاق جماعة في زمن ومكان ملزماً لغيرهم في كل الأزمان، وكافة الأماكن.

وإذا كانت هذه القضية تهون لقلة قضايا الإجماع، فإن الخرق يتسع بجعل الأقوال المذهبية للأئمة والشراح والمرجحين والمفتين أحكاماً متوارثة، بل أصولاً للأحكام، أو أدلة أصلية في القياس والتفريع.

وقد يكون ذلك على حساب الأدلة الشرعية والفطرية بعد ليّ أعناقها، وتذليلها بمختلف طرق الإشارة والتأويل والنسخ حتى قال قائل منهم: كل آية أو حديث على خلاف مذهبنا فهو مؤول أو منسوخ. وقال آخر: وعلى المرء نصرة مذهبه والذب عنه بإيراد الأدلة له وأن يوهن حجة خصمه!!

ولقد كان اعتماد القياس في التشريع لإصدار الحكم الشرعي على المقيس عليه، مع افتراض العلل، والتعسف في حكمة التشريع، وفي تخريج الفروع، وفي تقعيد الأصول.. كل ذلك أخرج كثيراً من الأحكام المذهبية عن أصول الشريعة ونصوصها، وأبعد عن قوانين الفطرة ومبادئها.

والأمثلة كثيرة منها: حكم جواز تزوج الأب لابنته من الزنى، والدليل أو العلة أن ماء الزنى لا حرمة له! على ما يراه بعض المذاهب..

إن القياس –الذي سموه اجتهاداً- جعل أقوال الرجال أحكاماً قاطعة بمجرد موافقة أصولهم أو نسبتها لأئمتهم، حتى إن إماماً كان إذا قال يعجبني كان تحليلاً، وإذا قال لا يعجبني صار تحريماً.

وهذا توسيع لدائرة الشريعة لأن أقوالهم جعلت ملزمة باسم الشريعة، مع أن التكاليف الشرعية محدودة معدودة.

ولم يكن التوسع على حساب الشريعة وحدها وإنما كان على حساب الفطرة أيضاً، بحيث ضيق على الناس في أصل الفطرة وهو الإباحة، وفي يسر الشريعة وسماحتها وهو كونها قليلة خفيفة.

فإذا حكمت الشريعة بتحريم شيء زادت بعض المذاهب فحرمت أشياء وأشياء، وكذلك شأن التحليل والإيجاب.

وهذا ما أدى إلى اختلاط الدوائر، مع التجاوز في دائرة والتقصير في أخرى… وللأسف فإن الأولوية عندهم كانت للأحكام العرفية.

وأذكر أنني كنت في حج التزمت فيه بالنصوص، ولكن صاحبي أوجب علي من الدماء بعدد المخالفات المذهبية، ولم يلتفت إلى أن الرسول الكريم قال في مثل هذا اليوم: افعل ولا حرج.

نحن لا ننكر على السابقين اجتهادهم فهو حقهم، وما يراه المجتهد من رأي هو دين له، عليه أن يلتزمه ويأخذ به، بل إن ما ينذره من المباح يصبح ديناً له، لكنه لا يصبح ديناً لغيره، ولا يكون متوارثاً من بعده.

وسنة التقليد ليست من سنن الفطرة، وليست مشروعة في دين من الأديان، وهو مما اخترعه أرباب الأديان وأولياء الأمور، والحديث الصحيح فيها صريح: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. ولم يقل أو يسلمانه لأن الإسلام [إن الدين عند الله الإسلام] لا يقبل فيه التقليد بل العلم واتباع الدليل. والطين يزداد بلة إذا كان التقليد لمذهبٍ الغلبة فيه للعرف، والعرف قائم على الظن ومعرض للخطأ، وهما طريقان للباطل والإثم.

ولولا التقليد لوصلت الأحكام إلى قرار صحيح كما حصل في العلوم التجريبية، حيث وضعت الاحتمالات والفرضيات على محك العصور، وتعاقب الأجيال، فجبر الكسر، وكمل النقص، وظهر الخفي بما أضافه واستدركه المتأخرون على المتقدمين.

بينما التقليد يكرس الخطأ ويبرره، ويخفي الحقيقة أو يردها. ومآل ذلك تعطيل الشريعة وإفساد الفطرة.

 

 

 

     


 

69

       مساجد بلا مظاهر

 

 

التطاول في البناء دونما حاجة من أشراط النهاية، وهو داء الأمم الذي أصاب أمة الإسلام فظهر بأشكاله حتى في بيوت الله.

وهاهي مساجد المسلمين مقامة على الخلوات والمقابر، تعلوها القباب وتحوطها المنائر، وقد فرشوها بالوثير الأثير، وزخرفوها بالفسيفساء، وطلوها بالذهب، وطعموها بالفضة والعاج…

نحن اليوم بحاجة لنرجع البصر كرتين لنكشف عن الوقوف عند البناء، وتوقف المسجد عن العطاء.

ولعل مقالنا هذا يدفع مهندساً معمارياً للتفكير في طريقة مثلى للبناء المتناسب مع دور المسجد في التعليم والإعداد والتربية.

ولعلنا نصل إلى المجتمع المنشود الذي يترك المظاهر ويدرك الجواهر، والمساجد بيوت معمورة أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه:

[يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار].

وعمارة المساجد عمل كلف به المؤمنون الذين لا يشركون:

[ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون].

[إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين].

وأول مسجد موضوع لعبادة الناس هو البيت العتيق بمكة، رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وقد جعله الله قبلة في الصلاة ومنسكاً في الحج.

[إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين]، [وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم]، [وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق…]، [وليطوفوا بالبيت العتيق]، [فول وجهك شطر المسجد الحرام].

والمسجد الثاني أسسه الرسول الكريم على التقوى في دار الهجرة بالمدينة المنورة.

وفي مقابله اتخذ المنافقون مسجد الضرار على غير التقوى:

[والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون، لا تقم فيه أبداً لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين].

والمسجد الأقصى ثالث الحرمين وكان أولى القبلتين، شرف الله ذكره وبارك حوله:

[سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير].

هذه المساجد الثلاثة هي فضلى مساجد الأرض، وفي الحديث أن الرحال لا تشد إلى غيرها.

والمساجد عامة مواضع علم وعبادة حذر الله من تعطيلها:

[وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً].

[ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم].

والأرض وإن جعلت جميعها مسجداً وطهوراً كما في الحديث، لكن البناء المعين يعين على أداء العبادة، كما يعين على تلقي العلم. وللعبادة والعلم خلق الإنسان كما قال تعالى: [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون] بمعنى ليعرفون.

وللمسجد الإسلامي دور كبير في إعداد الفرد الصالح، وتكوين المجتمع الرشيد، ولقد أدى دوره الفردي والجماعي من خلال كونه معبداً للذكر وإقامة الصلوات، وكونه جامعة علمية عامة ومنبراً سياسياً مفتوحاً للحوار العلني بين القيادة المختارة وجماهير العامة.. ولكون المسجد كذلك مركزاً اجتماعياً لاجتماعاته المتكررة، ولقاءاته المنتظمة في اليوم خمس مرات لصلاة الجماعة، وفي الأسبوع مرة لصلاة الجمعة مع خطبة جامعة، ولقاءان كبيران في العيدين مع خطبة عامة. ثم اللقاء الأكبر في الحج بالمسجد الحرام.

ولذلك كان الرعيل الأول في صدر هذه الأمة من الجنسين، ومن مختلف الأعمار والمستويات يهرعون إلى المساجد عند سماع الأذان: حي على الصلاة… وكانوا يؤمنون بأن في المسجد فلاحهم عندما يسمعون حي على الفلاح…

وقد أخذ المسجد أهميته من أهمية الصلاة التي تؤدى فيه ولذلك هدد الرسول الكريم المتخلفين عنها.

والصلاة ليست عبادة مبتورة بل هي موصولة بعبادات أخرى، وبمصالح دنيوية جماعية وشخصية، وبخاصة معالجة النفس وإعدادها.

[فإذا فرغت فانصب]، أي إذا فرغت من أشغالك الدنيوية فانصب بإقامة الصلاة والذكر والعبادة..

وصرح الرسول الكريم بأثرها النفسي في قولـه: يا بلال أرحنا بالصلاة، وفي خبره عليه السلام: واجعل قرة عيني في الصلاة.

والراحة النفسية والاستقرار في كثرة النوافل، والقيام بالليل والنهار، والتعلق بالمساجد أكثر من التعلق بالبيوت والنوادي.

ولقد ظهرت أثار المسجد من خلال الصلاة في جوانب كثيرة:

كالقيادة الملتزمة، وتنظيم الجماعة، وهما ثمرة الشورى في اختيار الإمام ومتابعة المأمومين.

وقد تهدد الرسول الكريم من أم قوماً وهم له كارهون.

ويظهر مبدأ الشورى في الخطب التي يلقيها الإمام الحاكم، وما يدور حولها من مناقشات وطروح لوجهات النظر..

ويظهر مبدأ المساواة في الصفوف المتراصة المستوية، والمصلون يقفون بين يدي رب واحد، ويتجهون إلى قبلة واحدة يركعون ويسجدون معاً، ويذكرون الله إقراراً بربوبيته وإظهاراً لعبوديتهم.

في رحاب المساجد غذاء العقول من العلوم، وتزكيه النفوس بالعبادات، وإعداد الأجيال من الأسلاف والاخلاف المعلمين الفاتحين المؤسسين لأعظم حضارة في دنيا الناس.

ولذلك فإن للمساجد دوراً كبيراً منظوراً ومنتظراً إلا إذا كانت المساجد أسماء وهياكل دون مسميات ومحتويات، حينئذ قد لا تكون المساجد أكثر من متاحف أثرية، أو تحف فنية تحف بها المنائر، أو تكون عمائر فوق المقابر.

كثير من المساجد مرفوعة الجدران ذات قباب شامخة دونما فائدة، والمآذن تناطح السحاب، وتخلب الألباب، والنقوش والألوان والمرمر والفسيفساء والعاج والأبنوس والعقود والأعمدة والقناديل والبوابات التي استنفدت فن المهارة والعمارة، وأفرغت الخزائن، واستهلكت الخبرات والجهود والطاقات.

وفي العالم الإسلامي مشاهد وشواهد كثيرة وبخاصة في تلك البلاد التي كانت مراكز لحكومة الخلافة.

كاستانبول والقاهرة وبغداد ودمشق وغيرها، بل إن المساجد الفضلى الثلاثة أصبحت تعد مع هذه الشواهد.

إن المسجد في حقيقته عرين المجاهدين، ومدرسة الدعاة المرشدين، والسد المنيع في وجه الهوى المردي، والشيطان المغوي، وهو المزيل للفوارق الطبقية المحقق للأخوة الإيمانية بين الشعوب والقبائل الإسلامية.

والمسجد كذلك هو مأوى النفوس الحائرة في ظلمات الحياة، وهو الحصن والملاذ للمعذبين الذين يفقدون ثقة الناس…

في المسجد يقطع المصلي "روتين" الحياة الممل.. ويتوقف ليسترد الأنفاس، ويعيد الحساب، ويجلو ما تقدم ليتبين ما تأخر، ويتذكر فطرته الإنسانية، وعهده الرباني.

فلا ينغمس في غروره، ولا يتسلط عليه شيطانه وشهواته، ولئلا يلهيه التكاثر أو يتحول في ظل الحضارة المعاصرة إلى مسمار مضروب في آلة صماء، أو سير يدور حتى يتقطع ويبلى بلا ذكر ولا أثر أو كرقم في كومبيوتر قد يزيد ثم ينقص ويتناهى إلى الصفر.

هذه الحياة في عرف الشرق والغرب مادية ترهقها المصالح دون توقف، وتتراكم فيها الأخطاء دون حساب.

نحن ندعو المسلمين إلى أن يبنوا مساجدهم على مقدار احتياجهم بلا إسراف في المال، ولا إتلاف لعصب الحياة، ولا تطاول في البناء، ولا استكبار على عباد الله. وندعوهم إلى أن لا يجعلوا مساجدهم مقابرهم، أو مآثر لكبرائهم. ومن قبل لعن اليهود والنصارى على لسان خاتم الأنبياء المرسلين لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فكيف بمن يبنيها للطواغيت أو على الطواغيت.

إن التطاول في البنيان، والانصراف إلى الزخرف يلهيان عن العلم وعن العبادة، ويدلان على الإصابة بعقد النقص التي تكمل بمثل هذه المظاهر.

والمسلمون لا يحتاجون إلى التظاهر لأنهم ظاهرون بما يقدمون لإخوانهم من فضل، وما يقدمونه للبشرية عامة من عدل.

ونخص قومنا بالذكر لأنهم لم يحفلوا خلال تاريخهم بالمظاهر الجوفاء، وقدموا علماء أفذاذاً في ضروب المعرفة، كما قدموا قادة عظماء في حروب التاريخ الفاصلة.. فليتقدموا للمسلمين بمساجد تضاف إلى مآثرهم، وتمحو عنهم ما جره إليهم سفهاؤهم…

والمسجد الذي نقترحه نطلب له الأكفاء من المهندسين إلى جانب علماء الدين، ومعهم ممثلون عن طبقات المجتمع.

وهؤلاء مجتمعون يستطيعون أن يقوموا بتخطيط بناء المسجد بما يتفق مع دور المسجد، كي يكون مركزاً حضارياً يبرز عظمة الإسلام من خلال سلوك المسلمين.

إن الرجال والنساء والأطفال كأفراد وكهيئات لكل طاقته وحاجته ودوره، وينبغي لكل منهم أن يجد ميدانه في المسجد.

ونرى أن يضم المسجد في بنائه ثلاثة أقسام سواء كانت رأسية أو أفقية حسب المساحة المتاحة من الأرض.

والقسم الأول يقام تحت الأرض كملجأ حصين تخوفاً من الحروب الحيوية والنووية، ويتخذ في الأحوال العادية محضناً وملعباً للأطفال خلال انشغال ذويهم بالعلم والعبادة..

والقسم الثاني يخصص للرجال، والقسم الثالث يخصص للنساء. ويتبع هذا وذاك ملاحق تضم مكتبة علمية صوتية ومرئية، كما تضم نوادي وملاعب للتربية البدنية.

وبهذا يرتبط المسجد بحياة المسلمين، ويجمع المسجد جميع المسلمين في سياج واحد بل في نسيج واحد.

 

 


 

70

تفضيل لغة على لغة

 

في تاريخنا صفحات سود وفي عقولنا تسمم وتلوث ومن ذلك أن اللغة العربية أفضل اللغات ومن ثم فإن العرب أفضل الشعوب واستمر التكاثر بالمفاخر ليشق الصفوف ويمزق القلوب.

ولا زلنا نعيش تحت الركام مختلفين حتى في مثل هذه القضية الفطرية.

واللغات آيات للخالق العظيم سبحانه، أنطق بها ألسنة المتكلمين. وأنزل بها كتب المرسلين، وجعلها أوعية الحكم والمعارف، ووسائل للتفاهم والتعارف.

ونرى أن التمييز بين اللغات كالتمييز بين المتكلمين بها، كما نرى أن تفضيل لغة على لغة كتفضيل قوم على قوم، كل لا يحل شرعاً ولا يصح عقلاً.. فهو لا يحل شرعاً لأن التفضيل حكم شرعي يجب أن يعتمد على دليل شرعي قطعي في كتاب الله عز وجل، أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولسنا نعلم -في حدود ما نعلم- دليلاً شرعياً واحداً من كتاب أو سنة يقرر التمييز ويدعو إلى التفاضل.

ونقول لا نعلم دليلاً خاصاً في هذا كما لا نعلم دليلاً عاماً، وذلك لأن الشارع يقرر الأفضلية من حيث العموم بسبب الوصف وليس بسبب الذات، فالأشياء تتفاضل بصفاتها لا بذواتها، ولذا عد إبليس فاسقاً عندما فضل ذاتاً على ذات، فرأى النار خيراً من الطين وبنى على ذلك تفضيله على آدم.

وتبعاً لما تقدم فإنه لا يقال: اللغة العربية أفضل من اللغة العجمية، كما لا يقال العربي أفضل من الأعجمي.

وكون القرآن عربياً لا يستدعي كون اللغة العربية هي الأفضل بل يكون الأفضل هو القرآن لا غير، ومثله أن الرسول الكريم هو الأفضل، وكونه عربياً لا يستدعي أفضلية العرب على العموم بل يكون الأفضل هو النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على الخصوص.

ثم إن نزول القرآن بالعربية كنزول كتب الله باللغات الأخرى، ولم يكن كل ما نزل قبل القرآن عربياً، ولا كل من أرسل قبل خاتم المرسلين عرباً.

وأما قولنا: إنه لا يصح عقلاً فلأن اللغة وعاء يمكن ملؤه بأي معنى، والممدوح أو المذموم هو المعنى وليس الوعاء.

فلا تذم اللغة العربية نطقاً أو كتابة بسبب الشعر الجاهلي، والفكر الوجودي والضلال والإلحاد والانحلال، وذلك كله باللغة العربية مقروء، وبالحروف العربية مكتوب ومطبوع، فكذلك لا تمدح اللغة العربية نطقاً وكتابة بسبب تلاوة القرآن بلفظها أو كتابة المصحف بحروفها، والله أعلم.

ولعلي ابن حزم تفصيل للمسألة ننقله بطوله، قال رحمه الله:

((… وقد توهم قوم في لغتهم أنها أفضل اللغات وهذا لا معنى له لأن وجوه الفضل معروفة، وإنما هي بعمل واختصاص ولا عمل للغة، ولا جاء نص في تفضيل لغة، قال تعالى: [وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم] وقال تعالى: [فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون] فأخبر تعالى: إنه لم ينزل القرآن بلغة العرب إلا ليفهم ذلك قومه عليه السلام لا لغير ذلك. وقد غلط في ذلك "جالينوس" فقال: إن لغة اليونانيين أفضل اللغات لأن سائر اللغات إنما هي تشبه إما نباح الكلاب أو نقيق الضفادع. قال "علي": وهذا جهل شديد، لأن كل سامع لغة ليست لغته ولا يفهمها فهي عنده في النصاب الذي ذكر "جالينوس" ولا فرق.

وقد قال قوم: العربية أفضل اللغات لأنه نزل بها القرآن كلام الله تعالى، قال "علي": وهذا لا معنى له، لأن الله عز وجل قد أخبرنا: إنه لم يرسل رسولاً إلا بلسان قومه، وقال تعالى: [وإن من أمة إلا خلا فيها نذير] وقال تعالى: [وإنه لفي زبر الأولين] فبكل لغة نزل كلام الله تعالى ووحيه، وقد أنزل التوراة والإنجيل والزبور وكلم موسى عليه السلام بالعبرانية، وأنزل الصحف على إبراهيم عليه السلام بالسريانية فتساوت اللغات في هذا تساوياً واحداً.

وأما لغة أهل الجنة وأهل النار فلا علم لنا إلا ما جاء في النص والإجماع ولا نص ولا إجماع في ذلك. إلا إنه لا بد لهم من لغة يتكلمون بها ضرورة ولا يخلو ذلك من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها:

إما أن تكون لهم لغة واحدة من اللغات القائمة بيننا الآن، وإما أن تكون لهم لغة غير جميع هذه اللغات، وإما أن تكون لهم لغات شتى. ولكن هذه المحاورة التي وصفها الله تعالى توجب القطع بأنهم يتفاهمون بلغة إما بالعربية المختلفة عنهم في القرآن أو بغيرها مما الله تعالى أعلم بها.

وقد ادعى بعضهم: إن اللغة العربية هي لغتهم واحتج بقول الله عز وجل: [وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين] فقلت له: فقل: إنها لغة أهل النار لقوله تعالى عنهم أنهم قالوا: [سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص] ولأنهم قالوا: [لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير] فقال لي: نعم، فقلت له: فافرض أن موسى وجميع الأنبياء عليهم السلام كانت لغتهم العربية لأن كلامهم محكي في القرآن عنهم بالعربية! فإن قلت هذا كذبت ربك وكذبك ربك في قوله: [وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم]. فصح أن الله تعالى إنما يحكي لنا معاني كلام كل قائل في لغته باللغة التي بها نتفاهم ليبين لنا عز وجل فقط.

وحروف الهجاء واحدة لا تفاضل بينها ولا قبح ولا حسن في بعضها وهي تلك بأعيانها في لغة فبطلت هذه الدعاوى الزائفة الهجينة وبالله التوفيق.

وقد أدى هذا الوسواس العامي اليهود إلى أن استجازوا الكذب والحلف على الباطل بغير العبرانية، وادعوا أن الملائكة الذين يرفعون الأعمال لا يفهمون إلا بالعبرانية فلا يكتبون عليهم غيرها وفي هذا من السخف ما ترى.

وعالم الخفيات وما في الضمائر عالم بكل لسان ومعانية عز وجل لا إله إلا هو وهو حسبنا ونعم الوكيل)) أهـ.

ورحم الله ابن حزم وجزاه خيراً على مقالته.


 

71

التدخين بين المنع والتحريم

 

 

اختلف المسلمون في فهم أو في حكم الشريعة النقلية بحجة الاحتمالات اللغوية ودلالات القرائن وكذلك اختلافهم في الفطرة العقلية. ولقد وقع خلط بين حكم الشريعة وحكم الفطرة…

وفي المفهوم التالي إشارات لذلك من خلال موضوع التدخين بين المنع والتحريم.

من سنين عديدة وحملة العالم على التدخين تزداد وتشتد، للتضييق على المدخنين، وملاحقة شركات الإنتاج والتوزيع والدعاية…

وفي الوقت نفسه فإن حملة من نوع آخر تشتد وتزداد بين المسلمين، هذه الحملة هي الاختلاف في مشروعية التدخين، والاختلاف يدور حول عدة أحكام وهي أحكام دينية تعلن على الناس باسم الشريعة:

- التدخين حرام.

- التدخين مكروه.

- التدخين حلال أو مباح… أو واجب!!.

ومع أن التدخين في حد ذاته لا يتناسب مع اسم المسلم ودوره الرائد في خلافة الأرض وقيادة البشرية.. فإن كثيرين–من خواص المسلمين وعوامهم. صغاراً وكباراً من كلا الجنسين- يدخنون.

ولا نستثني "الأكراد" من بينهم بل نخصهم بالذكر لأن كثيرين منهم يدخنون حتى في حلق العلم داخل المساجد.

والذين يدخنون لا يدركون أبعاد ما يصنعون في أنفسهم فضلاً عن أبدانهم من: هزيمة الذات، وهدم الإرادة، والهروب من الواقع، واللجوء إلى البديل الرديء، فكثيراً ما يكون التدخين بديلاً لذكر الله. وقراءة القرآن، والصبر الجميل، والانصراف إلى الأهم.. والوضوء والصلاة وغير ذلك مما يتسلح به المسلم لمواجهة مصاعب الحياة ومضايقاتها، أو في سبيل إطفاء نار الغضب في القلب، والسمو بالغرائز والميول في النفس…

والمدخنون -أكثر من غيرهم- عبء على ذواتهم ومجتمعاتهم لإصاباتهم بأمراض الصدر والمعدة والقلب والفم.. الخ. إلى جانب روائحهم الكريهة وتلويثهم للبيئة. وهم مستعبدون لآلية التدخين، مدمنون على النيكوتين ينبغي أن تصرف لهم علب السكاير كما تصرف الوصفات الطبية من الصيدليات الخاصة.

وأن يجري عليهم الكشف الطبي دورياً وباستمرار في المستشفيات والمصحات كالمرضى الآخرين المصابين جسمياً ونفسياً.

أما قضية إطلاق الأحكام الشرعية فهي محزنة حقاً. لأنها استخدمت شعار الشريعة لإدخال التدخين في دائرة الأهواء الاجتهادية، والسفسطة التي تتخذ من المنطق والفلسفة وسيلة لقلب الحقائق الدينية والعقلية والحسية.

صحيح إننا لا نجد نصاً صريحاً نجعله دليلاً معيناً على حرمة التدخين كما لا نجد النص الصريح على الإباحة والكراهة والوجوب.

ولكن عدم وجود هذا النص لا يقلب الحقائق، وهي حقائق فطرية أحكامها قطعية.

والتدخين يتعلق حكمه بالفطرة الإنسانية –يعني فطرة الخلق والتكوين للإنسان على هذه الأرض- فلا يصح أن يختلف فيه اثنان من أهل العقل. سواء وجد دليل أم لم يوجد.

ولذلك فإن الذين يوجبونه ويبيحونه أو يكتفون بكراهيته هم أناس يجهلون أن التدخين محظور ممنوع بسبب كونه خبيثاً، وخبثه ذاتي شأنه في ذلك كشأن غيره من السموم.

ولا ندري كيف نسمع صوتنا للذين يتجاهلون وجود الإدمان في التدخين، ويعددون حسناته، ويدافعون عنه باستدلالات عقلية كما دافعوا باستدلالات دينية، ويحسبون أنهم بذلك يحسنون إلى أنفسهم وإلى غيرهم عندما يقعون هم وهم جميعاً في عبودية السيكارة.

وكلمة عبودية أخذناها من إحصائية نيويورك لعام 1984م وقد وردت ضمن العبارة التالية:

(إن أربعة أخماس المدخنين يريدون الإقلاع عن التدخين ولا يستطيعون التخلص من عبودية السيكارة) ونضيف إلى هذا رأي –ريشارد بولين- مدير المعهد الوطني الأمريكي حيث يقول: (إن التدخين أصبح اليوم أخطر أنواع الإدمان في العالم… إنه أخطر من الإدمان على الهيرويين).

-والهيرويين الذي اكتشفه العالم الألماني: هيرتش دريسر عام 1875م هو أحد مشتقات الأفيون المستخرج من أزهار الخشخاش. من آثاره: اضطراب الشخصية والسلوك العدواني مع ظهور أعراض التسمم والجلطة الوريدية والغيبوبة والوفاة-.

وأخيراً فنحن المسلمين يؤسفنا أن نجد كثيرين من أتباع ديننا لا يساهمون في الحملة العالمية ضد التدخين، وما يقوم به القليلون لا يستحق الذكر.. ويؤسفنا أكثر أن عدد المدخنين في بلادنا في ازدياد.

وأن كميات التبغ المستهلكة عندنا في ارتفاع يصل إلى مستوى الشراهة وإلى حد تعاطي أردأ الأنواع.

ومع هذا وذاك فنحن نحسن الظن بالمدخنين من المسلمين، وظننا فيهم أن يستيقظوا مبكرين قبل فوات الأوان، لمواجهة عدو الإنسان اللدود "التدخين" للحجر عليه والإقلاع عنه، والحماية منه… وهم بإذن الله منتصرون.. وكيف لا ينتصرون وبأيديهم أمضى سلاح ألا وهو سلاح الإيمان بالله، والاعتماد عليه نعم المولى، ونعم النصير..

عندها يكون المسلمون قدوة متبوعة وأسوة مسموعة، أو يكونون على الأقل مثل بقية الناس في مدافعة الضرر والضرار…

عافانا الله وإياكم والآخرين، من الابتلاء بالتدخين.

ومن العبودية لغير الله رب العالمين.

 


 

72

المرأة والمساواة*

 

 

 ( المرأة مثل الرجل، تتساوى معه في الحقوق والواجبات وفي بناء المجتمع وتوجيهه، والتمييز القائم بينهما مفروض شرعا بسبب التكوين الخَلْقي والوظيفة الاجتماعية ).

خلق الله الجنس الإنساني الآدمي وجعله نوعين أي [الزوجين الذكر والأنثى] وهما يتماثلان في كثير من الوجوه فيتساويان في كثير من الحقوق والواجبات، وفي الحديث (النساء شقائق الرجال) كل منهما شق أي نصف بالنسبة للآخر، وبالمقابل هناك فروق جسمانية ونفسانية بينهما [ وليس الذكر كالأنثى ] كما قال تعالى، وفي الحالتين أي في المماثلة وفي المفارقة فإنهما لا يستقلان بل يتكاملان فيكمل أحدهما الآخر، والمرأة بالنسبة للرجل (نصف الدين) كما روي ومن باب أولى أن تكون نصف الدنيا.  

والقرآن يخاطب النساء كما يخاطب الرجال في التكليف العملي وفي المسئولية الجزائية حتى إنه ضرب مثل المؤمنين في امرأتين هما امرأة فرعون ومريم ابنة عمران، وضرب مثل الكافرين أيضا في امرأتين هما امرأة نوح وامرأة لوط.. كما ضرب مثل الحكمة في ملكة سبأ التي أنقذت شعبها وأسلمت [ مع سـليمان لله رب العالمـين ] في مقابل خرقاء مكة الـتي       [ نقضت غزلها أنكاثا].

هذا، وإن المجتمع يتقدم ويرتقي بعاملين اثنين هما البناء العلمي والتوجيه التربوي، وتوزيع أدوار البناء والتوجيه على الرجل والمرأة خاضع للقدرات البدنية والحالات النفـسية.. وللمرأة ظروف دائمة وطارئة كالعادات الشهرية وكمضاعفات الحمل والولادة ومشاغل الرضاعة والحضانة.. ومثل هذا يحد من دور المرأة دائما في ممارسة بعض أوجه النشاط كالرئاسة العامة أو يكون التحديد مؤقتا لوجود موانع طارئة تزول بزوالها لتعود المرأة إلى صف الرجل وتقف على قدم المساواة معه في الحقوق والواجبات الدينية والدنيوية.

إن المجتمع لايمكن أن يكتب له رقي حضاري بمعزل عن النساء، ولا يمكن تصور قيام حضارة رجالية، فلا بد إذا من مشاركة  المرأة للرجل وهي مشاركة على سبيل التكامل كما يتكامل الجناحان في الطيران والكفتان في الميزان واليدان في الإنسان.. إن المرأة في مجتمعنا كانت ومازالت مظلومة تتعرض للاستبداد والتسلط والاعتداء، وهذا ما أوقعها ويبقيها في الجهل والتخلف.. ونحن ندعوها إلى الحرية والمساواة.. ندعوها لتتعرف على هويتها وتعترف بشخصيتها، وتقوم بدورها الهام.. ولسنا نعني بالحرية الفوضى الغربية ولا الضياع الشرقي.. وندعوها إلى المساواة لتأخذ حقوقها وتؤدي ما عليها من واجبات وتقف إلى جانب الرجل في البناء والتوجيه حسب قدرتها وطاقتها ولسنا نعني بالمساواة الاختلاط والتكليف بالأعمال الشاقة المرهقة لبدنها، المؤثرة على طبيعتها وأنوثتها، والمطلوب في الحديث (رفقا بالقوارير) والخطاب بالطبع للرجال.

 

73

أسماء الله في القرآن- إحصاء و بيان*

 

أسماء الله في القرآن بلغت ( 169 ) اسماً صحيحا صريحاً، وقد تم إحصاؤها وبيانها في الكتاب وأضيف اسم نور السموات والأرض في اللوحات.

والاسم: ذاتٌ موصوفة بصفة دائمة غير مقيدة بزمن كاسم العلم:الله، واسم الفاعل:الخالق، واسم المفعول:المستعان، والصفة المشبهة:الصمد، وما في حكمها كالإضافة في: ذي العرش وأهل المغفرة.

والمقصود المراد من الأسماء هو ما فيها من صفات اسمية، سيضاف إليها صفات فعلية تؤخذ من كتاب آخر منتظر، تحت عنوان أفعال الله في القران ويجتمع الكتابان تحت عنوان:

                       صفات الله في القرآن

أولا: الصفات الاسمية هي المأخوذة من الأسماء كالمصادر، مثل: الإلهية من الإله أو من الله، والربوبية من الرب، والجلال من ذي الجلال .. وهكذا.. وقد بلغت في القرآن قرابة (116) صفة اسمية.

 

ثانيا:الصفات الفعلية هي الأفعال– أفعال الله- وعددها في القرآن قرابة (284) صفة فعلية.

والفعل: صفة حادثة، مقيدة بزمن ماض ٍ أو حاضر أو مستقبل مثل: أنعم، يستهزئ، اطمس.. الخ

والقرآن كله يقوم على بيان الصفات الاسمية والفعلية لله ، ذلك أ ن الغرض الوحيد للقرآن هو: التعريف بالله، من هو ؟ ما يريد ؟ وذلك كذلك لأن معرفة الله أصل لعبادته أوهي عبادته [ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ] أو ليعرفون [ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ] أي فاعبدوه..

( والله المستعان )

ولقد تأخر تأليف الكتاب قرونا، على الرغم من الحاجة الماسة إليه.

 وتأخر طبعه ونشره بين الناس عقوداً، لأسباب كثيرة..             

 ومن عجائب الأسباب قديما وحديثا التسلط ُ على العلم والعلماء من قبل عوام ٍ وَورّاقين وحافظي متون لا يتفكرون في صغيرة ولا كبيرة ولا يتدبرون..!

وبعيداً بعيدا عن القيل والقال ومع الإشارة إلى أسبقية التقدم للعلوم المساندة المساعدة كالمعجم المفهرس لألفاظ ومواضيع القرآن الكريم..

وعليه، فإنني أرى أن هذا الكتاب-على ما فيه- هو الأول في علم التفسير.

وأراه أنه هو الأوْلى في علوم القرآن..  مثله كمثل الرأس من الجسد.                

                           و(لله الأمر من قبل ومن بعد)


 

74

قضاء الصلاة

 

 

قال تعالى: [إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا] فكيف تقضى الصلاة المفروضة المتروكة عمداً ووقتها انقضى؟

والأكثرون من أهل القياس أجازوا بل أوجبوا قضاء الصلوات والآخرون منعوا القضاء بل منعوا القياس.. والصفحة  التالية كلمات مع المجيزين والمانعين..

إن مخالفة إمام من الأئمة في مسألة ما ليس تهجما على ذلك الإمام ولا هدما لمذهبه وإنما هو خلاف محصور في مسألة معينة، ومسألتنا محدودة ومحصورة في (الصلاة المتروكة عمدا)، وهذه المسألة خلافية ليست مما اجتمع عليه الأمة ولا اتفق فيه مذاهب الأئمة، وقد سئل ابن تيمية عنها أكثر من مرة ومما أجاب به قوله: (فيه قولان للعلماء، في مذهب أحمد ومالك وغيرهما قيل يجب القضاء، وهو المشهور عند أصحاب الشافعي وكثير من أصحاب أحمد، وقيل لا يجب القضاء وهو الظاهر).

ومرادنا أنه لا يسوغ مذهبياً الإنكار على من أنكر القضاء لأن من قال به أعلام من هذه المذاهب ومثله لا يكون شاذا ولا منكرا، ثم أن الإنكار عليهم يؤدي إلى الإنكار على كل من قال بقولهم ممن يكفر تارك الصلاة من الصحابة وغيرهم مثل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وسعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي وابن مسعود ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز وغيرهم...

وقد يحسب بعضهم أن الخلاف بين المجيزين للقضاء وبين المانعين منه هو خلاف بين مثبتي القياس ونفاة القياس من أهل الظاهر، فيبنى على ذلك المناقشة ويستنبط الحكم، ولا أرى ذلك لأن الخلاف بين الفريقين ليس فيه وإنما هو في شيء آخر، فأصل الخلاف هو (هل يكفر تارك الصلاة أم لا يكفر؟)، فلو بحثت المسألة من هذا الوجه لقل العناء كثيراً ولظهر أن من يقول بكفره يلزم منه القول بعدم القضاء.

وأما من يقولون بعدم كفره ويتأولون ظاهر الأدلة فبينهم يقع الخلاف في وجوب القضاء أو منع القضاء فمنهم من يأخذ بالقياس ومنهم من لا يأخذ به مع أنهم من أهل القياس وأتباع المذاهب وليسوا من نفاة القياس أهل الظاهر كابن حزم وغيره وهؤلاء لم يأخذوا بالقياس لأنه لم يستقم لديهم،  والمراد بالقياس الذي نردده هنا هو قياس الصلاة على الحج والصوم وقد ورد فيهما القضاء عن النفس وعن الغير، والقياس دليل متأخر لا يتقدم على الكتاب والسنة، وللقياس فيما يصح الاجتهاد فيه شروط من انعدام المعارض وانتفاء الفارق ووجود العلة حتى يستوي الحكم، فهل يسلم هذا لمسألتنا بين الصلاة من جهة والصوم والحج من الجهة الأخرى أم بينهما فوارق وموانع؟  فقد شرع للصوم [فعدة من أيام أخر] وجعل الحج على التراخي، فهل شرع تأخير الصلاة لأيام أخر، أو قال أحد بأنها على التراخي؟

وقيد الشارع الصوم والحج بالقدرة والاستطاعة ووجود الزاد والراحلة فهل قيد الصلاة بشيء غير التكليف بالإسلام؟ وهل أسقطها لعذر أو قبل تأخيرها بحال؟  فكيف يكون التعمد بالترك عذرا ؟

وفي قضية الحائض فارق بل مانع من القياس، فقد أمرها بقضاء الصوم دون الصلاة ولو كانت الصلاة من الديون التي يجري فيها القضاء لوجب عليها قضاء الصلاة قبل قضاء الصوم لأن ترتيب الصلاة في الأركان قبل الصوم.

وإقامة حد القتل على تارك الصلاة كفراً وشأنه واضح في منع القضاء، أو حداً مثل القطع في السرقة والرجم في الزنى، فلو شرع القضاء فمتى يقام عليه الحد؟ والحد على قول المجيزين لا يثبت إلا بالموت دون صلاة ما دام في العمر متسع للقضاء؟ ثم على أي شيء تقع الاستتابة التي يقولون بها؟ وقد يحتجون بتأخير الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه رضوان الله تعالى عليهم الصلاة أو الصلوات في غزوة الخندق، وكذا فعل بعض من سار إلى بني قريظة.

والواقعتان متتاليتان الثانية على أثر الأولى فهما في حكم الواقعة الواحدة ونزل على إثرهما صلاة الخوف كما هو الظاهر فيما روي، ولا وجه لرواية مفادها أن صلاة الخوف نزلت قبل الخندق لأنه يؤدي إلى القول بأن الرسول وأصحابه لم يعلموا بها، وأنها -أي صلاة الخوف- نسخت أو أنهم جميعا نسوها أو أنسوها!

 


 

75

مصحف صدام

 

 

في قفص المحكمة الجنائية العليا العراقية ببغداد يحمل المتهم صدام حسين المجيد مصحفاً يظهره للحاضرين في كل اتجاه، والحامل المذكور لا يحسن القراءة والتلاوة ولا يفهم المعنى والتفسير، والقرآن يضرب المثل لمثله " كمثل الحمار يحمل أسفارا " ومن ذلك أن أخذ المذكور من القران اسم سورة معروفة هي سورة الأنفال أطلقها على ثماني عمليات عسكرية ضد الأكراد قتل منهم فيها 182 ألفا و آلاف المصاحف وآلاف الآلاف ..

في قفص المحكمة تسمعه- وقد تولى كبره - يقول (أنا رئيس جمهورية العراق ) جاهلاً بالقران الذي يقول في بشارته للشعب الكردي [ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ] وقد مكن الله للأكراد المستضعفين وجعلهم الوارثين فكان قاضيهم رزكار أول من حاكمه وكان قاضيهم رؤوف أول من حكم عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت وكان الشيخ عثمان بن عبد العزيز يصف رئيس جمهورية العراق المعروف بمام جلال كان يقول له أنت الإمام جلال.

صدق الله العظيم وصدق الرسول الكريم.

صدام له مصحف شاهد عليه وله جامع وجامعة وأسماء تسعة وتسعون بعدد أسماء الله الحسنى وله علم كتب عليه الله اكبر وله وله عليه وعليه.

في مؤتمر عقد في لندن حول القضية الكردية ألقيت كلمتي ورفعت يدي أقسمت أن أقتله بيدي وما توعدت أحداً غيره بمثل هذا.

 ومرت الأيام والأعوام ورأيت من هو أولى مني بحق القصاص ونوال شرفه من أقارب الضحايا والمساجين والمعذبين وأرباب القرى المدمرة والأراضي المحروقة والأجواء الملوثة بالغازات السامة والقنابل الكيمياوية والجرثومية ...

وجاء غضب الرب من أدنى الأرض وأقصاها الغربي و الكردي والعربي معهم أحرار العالم ...

وأذل الله صداماً وجنده وحلفاءه البعثيين والإسلاميين المزيفين الذين ظاهروا الظالمين متجاهلين أمر القران الذي نبهتهم عليه وذكرتهم به [ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ].

اذكر أني كنت مدعواً إلى مؤتمر الشباب المسلم العربي بالولايات المتحدة لمقابلة بعض الإسلاميين وتخلفوا لأنهم آثروا حضور مؤتمر صدام ببغداد.

منذ سنوات دعوت إلى محكمة دولية للطاغوت صدام وقد تحققت هذه الدعوة في محكمة العصر بالعراق حول كردستان مروراً بالدجيل.

صدام ابن وأب لأكبر جريمة على الأرض واكبر فضيحة تلحقه وتلحق حزبه البعثي وشعبه العربي ومعهم الإسلاميون المزيفون هنا وهناك.

وعلى أحرار العالم من كل قومية وبخاصة العرب، ومن كل دين وبخاصة المسلمون أن يقفوا في وجوه المفسدين في الأرض المعتدين المجرمين ويعزلوهم بسد كسد ذي القرنين وجدار كجدار الصين..

ونطلب من المحكمة سحب المصحف من صدام لأن صداماً هو المتهم بجرائم القتل والاغتصاب والتعذيب والإرهاب...

وليس القران متهماً بمثل هذا، القران براء وسورة الأنفال براءة ؟

-هذا ما كتب قبل إعدام صدام بأيام-

وتم الإعدام على جريمة الدجيل التي ذهب ضحيتها 148 شيعياً، وهو تعجيل في تنفيذ العقوبة، وكان الواجب التأجيل لحين استكمال ملف الجرائم بخاصة بحق الشعب الكردي بتهمة إبادة قومية و مقابر جماعية وأسلحة محظورة كيميائية وجرثومية: الأنفال وما أدراك ما الأنفال؟ حلبجة وما أدراك ما حلبجة؟ فاجعة البارزانيين وما أدراك ما هيه؟

إن صداما المعدوم مطلوب للعدالة حيا وميتا .. والعجيب الغريب هو أن الكثيرين من القوميين وكثيرين من الإسلاميين لازالوا غارقين في تمجيد طاغوت العصر حيا وميتا يعتذرون عنه ويبررون له ويمررون:

ممكن تاب.

كان يحمل مصحفاً.

 

 


 

76

مصير المعبودات

 

 

اشتهر على ألسنة الناس أن المعبودات غير الله تدخل النار مع عابديها واستدلوا بمثل قوله عن النار [وقودها الناس والحجارة]. وقوله لأصحاب جهنم [إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ].

ولا يؤخذ قولهم على إطلاقه فجمع العابد مع المعبود لا يتحقق دون قيود بل هو مقيد برضى المعبود، إذ يصبح شريكاً لعابده في المعصية كالشيطان ومن تبعه، وفرعون ومن أطاعه وكل طاغوت مع من يخضع له ويعبده.

ويخرج من هذا من لم يقع منه الرضى أو لا يتصور فيه الرضى، كالملائكة المكرمين والأنبياء المرسلين والأولياء الصالحين، وما لا يتصور فيه الرضى كالحجارة والأشجار وظواهر الطبيعة.

والاستدلال بالآية الثانية قاصر فقد حملوا "ما" في قوله وما تعبدون على أنها موصولة بمعنى أنكم والذي تعبدونه أي معبوداتكم لكن جعلها مصدرية أولى بمعنى أنكم وعبادتكم، والعبادة عمل والجزاء من جنس العمل أو هو بالعمل، والذي يفهم من الكتاب والسنة أن العاصي يعذب بالعمل ذاته.

أما الاستدلال بالآية الأولى ففيه تجاوز، لأن المعبودات لم تكن حجارة تعبد بقدر ما كانت أشجارا وبيوتا معظمة وشمسا وقمرا وغير ذلك من الجمادات، والحجارة المذكورة في الآية هي حجارة أعدت في جهنم لتعذيب العصاة في الدنيا، ولا يشترط أن تكون حجارة الدنيا المعدة لمصالح الناس [ولا تزر وازرة وزر أخرى] وقد جادلني بعضهم في هذا طويلا وما سكت إلا عندما ضربت له مثلا في الحجر الأسود فقلت هب أن الحجر الأسود عبد من دون الله أتقول بدخوله في نار جهنم؟.


 

77

أسباب هلاك الأمم في القرآن الكريم

 

أقام الله نظام الكون على منع الظلم وإقرار العدل، وذلك مرتب على أحكام العقل الفطرية وأحكام النقل الدينية، وفي الحديث القدسي أن الله حرم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرما، والنصوص الشرعية كثيرة في تحريم الظلم ووجوب مدافعة الظالم وأن الظلم عقابه عاجل في الدنيا مع عقاب الآخرة، ولذلك لا يقر الظلم من مسلم ولا كافر، لا في دار الإسلام ولا في دار الكفر.

ومتى وقع الظلم وجب العقاب عاجلا، فإن لم يقم الناس بالعقاب أنزل الله العقاب العاجل من السماء، وهذا من أحكام الأسباب والمسببات في نظام السببية الذي يقوم عليه الكون، والقرآن مثل بشواهد كثيرة على الهالكين من الظالمين من أمم الأنبياء المرسلين والدعاة المصلحين وغيرهم من الآخرين: كقوم نوح، وعاد وقوم هود، وثمود، وقوم صالح، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، وقوم تبع، وفرعون، كلهم لم يكفروا فحسب فالكفر له ميزانه وحسابه وعقابه في الآخرة لكن عوقبوا في الدنيا بسبب ظلمهم وكان النازل بهم طوفانا مغرقا أو ريحا صرصرا، أو زلزالا مدمرا أو بحورا مطبقة أو نيرانا محرقة أو خسفا ورجما...

وهذه الأسباب سنن ماضية ولن تجد لسنن الله تبديلا، أو تحويلا، فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، فهذا قدره وقضاؤه في الإنسان خلال تاريخه الطويل على الأرض كما ترويه الديانات وآثار التاريخ والشواهد والأطلال لا تزال دالة قائمة.

ولكن الأسباب تتداخل وتتدافع، من أمثلة ذلك أن العذاب رفع عن أمة محمد لأنه ما زال بينهم ولأنهم كانوا يستغفرون، ورفع عن قوم يونس لأنهم رجعوا تائبين، ولا يبعد أن يكون بين بعض الأقوام المستحقين للعقاب من يدعو فيرتفع العقاب ويستجاب للدعاء، وقد يكون في أصلابهم من يخرج فيصلح فينجو الآباء بسببهم.

أما العموم والخصوص في العقاب فالأصل خصوص العقاب، ولكن يجب على غير العصاة الهجرة والخروج من أرض الظالمين ليخص العقاب أهله المستحقين له فإن لم يخرجوا كانوا في عداد الظالمين إلا المستضعفين منهم الذين لا يستطيعون حيلة ولا يجدون سبيلا.

وهذا ما يفسره هجرة نوح في السفينة، وخروج هود وصالح وإبراهيم ولوط وموسى وبنى إسرائيل... إلى محمد عليهم صلوات الله وسلامه.

وبعض دعاوى العموم فيها نظر ففي طوفان نوح قد لا يكون عاما للأرض وعلى الناس جميعا بل يكون في أرض القوم خاصا بهم مع القول بأن الناس ما كانوا قد انتشروا من أرض نوح.

والعموم إن نفذ وحل الهلاك وحل العقاب بالمؤمن وكان معذورا فإنه يبعث على نيته يوم القيامة ويشهد له حديث الخسف في الجيش وأنهم يبعثون على نياتهم.

وعالمنا المعاصر الذي اقتسمته الاشتراكية الشرقية والرأسمالية الغربية وبينهما العالم الثالث... ولقد وقعت مظالم كثيرة في هذه العوالم وتسلط بعض الظالمين تحت مختلف الأسماء والشعارات والوسائل.. ويظهر في بعضها السبب والعقاب واضحا وكأنه من السماء، يظهر لمن ينظر ويتدبر.

وسقوط أحد المعسكرين أو الطرفين يفسره الظلم الذي كان يمارسه هذا الطرف في البلاد والعباد الذين رضخوا لطغيان الحكم الشيوعي عقودا طويلة.

في ظل النظام العالمي الجديد هناك مستنقعات كثيرة يعشعش فيها الظلم، وجهات كثيرة تحترق، فالظلم لا يزال قائما ومنتشرا بأسمائه القديمة أو بأسماء مستحدثة، والظالم في هذا النظام طرف واحد لا يمنعه مانع ولا يدفعه، ولا يبعد أن ينزل العقاب من السماء وما ذلك ببعيد.


 

78

اختيار الجنس

 

 

آيات القرآن وأحاديث السنة تقرر الاختلاف الجوهري بين الأجناس والأنواع والأفراد، فلكل واحد وواحدة الشخصية الخاصة المستقلة أي أن نوع الذكر يختلف عن نوع الأنثى كما في قوله تعالى [وليس الذكر كالأنثى]، والعلماء يقررون اختلاف خلية الذكر عن خلية الأنثى فضلا عن الاختلاف في الأجهزة العضوية والوظائف والطبائع النفسية وفي القرآن أن الله [الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى]، [ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة]، وفي الحديث (كل ميسر لما خلق له).

ومحافظة الفطرة أو البقاء على الأصل ومنع التغيير في الجوهر صريح في كتاب الله [فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم]، [فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا].

وفي القرآن كذلك نكير على من يقوم بالتغيير وأن التغيير من عمل الشيطان لعنه الله [ولآمرنهم فليغيرن خلق الله] ولعن رسول الله كما في الحديث المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.

ونصوص أخرى تقرر بقاء المخلوقات على هيئاتها ومعالمها وطبائعها ووظائفها ومن ذلك جنس الإنسان بنوعيه: الذكر والأنثى بل بكل فرد من الأفراد...

والحالات المرضية كفقدان عضو أو جهاز أو قصور في أداء وظيفة... يقع في دائرة الإصلاح بالمعالجة الدوائية أو بالبتر والزرع بالعملية الجراحية وهذا بديل لإعادة التشغيل والتوازن في البدن... وهناك جانب التحسين كما في عمليات التجميل والمطلوب فيها الاعتدال وعدم الخروج عن الحد المعتاد.

إن الذكورة والأنوثة نوعان منفصلان لا يدخل أحدهما في الآخر بسبب اختلاف الجوهر والوظيفة، والانتقال لا يمكن تحقيقه في الجسم إلا إذا كان ذكراً بصورة أنثى وبالعكس فالعمليات الجراحية تظهر تلك الحقيقة.

إن الاستجابة لرغبات الشاذين والشاذات بدعوى مرضهم النفساني هو مثل الاستجابة لرغبتهم في الانتحار أو القتل أو الاعتداء على الأموال والأعراض... فهؤلاء وأمثالهم مرضى في عرف بعض علماء النفس ويجاب طلبهم بإيداعهم في المصحات والسجون ومنعهم وإيقافهم عند حدودهم وحمايتهم وحماية المجتمع منهم.


 

79

تفسير سورة الرعد*

 

نقد ورد

قال المؤلف:

قد استعرضت نقدا على تفسير سورة الرعد، كما استعرضت رداً.

وينبغي أن يكون عماد النقد والرد البحث عن الحقيقة، وليس الدفاع أو الهجوم الذي يعكر الصفو، ويضيع الوقت الثمين.

والنقد تجاوز الخمسين صفحة وتعلق بأكثر من خمسين موضعاً، موزعة على المنهج، واللغة والموضوعات، وعدد المواضع على التوالي 3، 33، 17.

وقد رُدَّ النقد المنهجي كله، وكذا الموضوعات دون استثناء، وقبل ثلث المواضع اللغوية أو تزيد قليلاً، وهي ثلاثة عشر موضعا فقط، علما أن هذه القضايا اللغوية تشمل الخطأ الصرفي والنحوي والسهو، فإذا كان مجموع ذلك محدودا في ثلاثة عشر موضعا في كتاب يقارب أربع مائة صفحة عدَّ قليلاً جداً، فلا يكاد يخلو كتاب من مثله.

والمقبول هذا إن تعينت صحته دخل صلب الكتاب، وصحح به، والمقبول وكذا المردود لا بأس من إبقائه كله ملحقا بآخر الطبعة الجديدة للكتاب، متى قبل الناقد إلحاقه، شاهدا على اهتمام أمثاله، وليكون داعيا إلى إثراء البحث بسطا وعمقا بسبب تعدد الباحثين وتنوع أنظارهم.

ومثل هذا المنهج الجماعي وان كان طريقه طويلا، لكنه الأمثل الأفضل للوصول إلى الحقيقة بالكشف عنها وتمييزها عن غيرها.. وإذا كان الناقد يجد الوقت الكافي للنقد العلمي فإنني أضع بين يديه مالي من كتب مطبوعة ومخطوطة ليقوم بنقدها.. فالنقد في الحقيقة خدمة للكتاب ولمؤلف الكتاب... على أن يوثق بالمراجع.

* كتاب تفسير سورة الرعد

تأليف: د.محمد صالح علي مصطفى

نشر: دار النفائس بالرياض

طبع: المكتب الإسلامي ببيروت/1408هـ - 1989م

 

80- - رسالة المجمع العلمي الي العلماء و الرؤساء

 

 

 

 

 

 

 81- الدعاء وقراءة القرآن

 

( أفلا يتدبرون القران)

روي أن النبي كان إذا مرّ بآية رحمة سأل الله من فضله، وأنه كان  إذا مرّ بآية عذاب، استعاذ واستغفر من ذنبه . لمراجعة الرواية واثبات النص.

قراءة القرآن: تلاوته وترتيله وتجويده ، والقراءات مروية عن القراء، مكتوبة في المصاحف .

 للإطلاع على القراءة والكتابة وحفظ القرآن وتحفيظه  ( بصائر  2_3 و 44) .

الدعاء: سؤال الشيء وطلبه، أصله نداء باستمالة خشيةً – خوفا - ورجاءاً، قالوا الدعاء مخ العبادة، ونقلوا أن الدعاء هو العبادة، يشهد له قوله (ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي)  دعائي (60/40) وضع العبادة بدل الدعاء، من باب التوسع والاهتمام بالشيء.

ومعلوم أن الدعاء عبادة قولية خاصة بجارحة اللسان، وأن العبادة عامة لجميع الجوارح بأمرها ونهرها، بحركاتها وسكناتها اوسكتاتها.

والعلاقة مابين الدعاء والعبادة هي علاقة القول بالعمل وفاقاً ووَثاقاً، وهو يقتضي وضع منهاج مناسب للتطبيق على القرآن كله، لا تكفيه القراءة المجردة عن الفهم والتدبروالتذكر (أفلا يتدبرون القرآن، أم على قلوب أقفالها) 24/47  (كتاب انزلناه اليك مبارك  ليدبروا اياته وليتذكر اولو الألباب) 29/38.

 

وللتطبيق أبواب كثيرة منها الخمسة التالية :

المماثلة في النص، والموافقة في المقول، والسؤال والجواب، والمداخلة في التفسير، والتأليف الموضوعي .

والأبواب  جديدة عدا باب السؤال والجواب فهو مفتوح من قبل ، فيه مرويات في الكتب اواشتهار على السنة الناس.

 

الباب الأول في المماثلة

المماثلة في النص بين الدعاء والقراءة . ويجب التزام النص فيهما سواءً بسواءٍ.

من الأمثلة البسملة والفاتحة في أول القرآن.

1_ البسملة 1/1 (30/27).

القراءة:

  بسم الله الرحمن الرحيم

الدعاء:

بسم الله الرحمن الرحيم

في البسملة ثلاثة اسماء هي الله الرحمن الرحيم .

وللداعي ان يزيد في الاسماء ما يشاء وفي القران 170 اسما حسب كتاب اسماء الله في القران     ( ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها ) 67/9 .

2_الفاتحة 2-7/1 .

القراءة :

الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، إياك نعبد وإياك نستعين ، أهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين

 

الدعاء :

الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، اياك نعبد واياك نستعين ، اهدنا الصراط المستقيم ،صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

 

الباب الثاني في الموافقة

الموافقة بين الدعاء والقراءة في مقول القول فيشتركان في النص ويجب التزامه فيهما .

 ومن الأمثلة المعوذتان في اخر القرآن

1_ الفلق (1-5/113)

القراءة:

قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد.

الدعاء:

أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد.

2_ الناس(1-6/114)

القراءة:

قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس ، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس.

الدعاء:

أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس.

 

الباب الثالث في السؤال والجواب

الأسئلة والأجوبة في الخطابات العامة والخاصة وكذا الجامعة، ومفهوم المخالفة ..

1_ الرحمن (83/55)

القراءة:

 فبأي آلاء ربكما تكذبان؟

الدعاء:

ولابنعمة من نعمك ربنا نكذِّب، فلك الحمد.

2_ التين (8/95)

القراءة:

أليس الله بأحكم الحاكمين؟

الدعاء:

بلى هو أحكم الحاكمين واناعلى ذلك من الشاهدين .

3_ الواقعة (68_69/56)

 القراءة:

أفرأيتم الماء الذي تشربون؟ أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون؟

الدعاء:

أنت المنزل .

4_ الملك (30/67)

القراءة:

 أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين؟

الدعاء:

الله رب العالمين.

 

الباب الرابع  في المداخلة

مداخلة الدعاء للقراءة كتفسير لها وبيان.

1_  العصر (1-3/103)

القراءة:

والعصر، إن الانسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.

الدعاء:

اجعلنا اللهم فائزين غير خاسرين، واجعلنا يارب مؤمنين ، صالحين مجتمعين  على الحق الجليل والصبر الجميل.

2_ النصر (3/110)

القراءة:

 فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توابا.

الدعاء:

سبحان ربي وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه.

3_ الفجر (27-30/89)

القراءة:

يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.

الدعاء:

اللهم اجعل نفسي مطمئنة، وأرجعها إليك راضية عنك مرضية منك، وأدخلها في صالحي عبادك ونعيم جنتك.

 

الباب الخامس في التأليف

تأليف الدعاء الموضوعي والاجتهاد في جمعه من قراءات متعددة وميدانه القران كله ، وينبغي الإلمام باللغة والفقه والعقيدة.. وعلوم القرآن.

1_ الرعد (39/13)

القراءة:

يمحو الله ما يشاء ويثبت و عنده أم الكتاب.

2_ البقرة (106/2)

ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها.

3_ الأعراف (51/7)

فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا.

4_ التوبة (67/9)

نسوا الله فنسيهم.

5_ الأعراف (180/7)

ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها.

6_ الفتح (2/48)

ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر.

7_ الانسان (1/76)

هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا.

وايات اخرى  كثيرة في جميع القران.

الدعاء:

1_ دعاء القدر والقدرة:                            ( راجع رسالة القدر)

يا من قدرته فوق قدره، ورحمته فوق غضبه، أدعوك بقدرتك وأسألك برحمتك أن تمحو عني ما تقدم  وما تأخر مني من ذنوبي وعيوبي، أَنِسها يا ربي وإِنسها كشيء غير مذكور في عدم غيرمأثورولا منظور.

 

 

2_ دعاء الأسماء والصفات:                   (مأخوذ من اهداء كتاب اسماء الله في القران )

باسمك اللهم وحدك أنت العظيم ربي ، وأنا المسكين عبدك بين يديْك تدوم حاجتي إليك تقبل كتابي ـ بطاقتي وكنزي ـ هديتي منك وعنك إليك.. سبحانك أنت الصمدي الأبدي وغفرانك أنا الأمدي يا سيدي وسندي :   

قدْ كتبْت أسماءك منْ كتابك بيدي .. ونظمْت منْ أسمائك مع صفاتـك عقد حبـك في قلب عبدك ـ محمد صالح – مصطفى - القائم بك وأنت تهديه وتشفيه وتنجيه وتدْفع عنه الخوف والحزن وتكْفيه ما يؤذيه ومنْ يعاديه وترضى عنْه ومنْ معه وُترضيه ومنْ يواليه .. آمين

 

 

شهادة تعديل

بصائر (42-80)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الأستاذ الدكتور / محمد صالح كابوري _أمد الله في عمره وحفظه من كل مكروه.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فقد قضيت ساعات ممتعة مع هذه البصائر، أتصفح مواضيع هذه السفرة الطيبة، والتي هي بمثابة خطوط عريضة لمواضيع مهمة جدا في فهم ديننا الحنيف.

ويمكن أن يجعل من كل بصيرة من هذه البصائر بحثا مستقلا متكاملا، تعالج قضية مهمة، بل وبعضها يمكن أن يؤلف منه كتاب شامل لجميع جوانبها، بل ومجلدات أحيانا لبعضها.

 

وهي مواضيع شيقة، وجريئة، وجديدة، وجديرة بالاهتمام، لأنها نظرات وبصائر في قالب جديد من خلال نصوص ثابتة.

الردود في هذه البصائر مفحمة ومقنعة بأدلة واضحة ساطحة، وجرأة بينة كاشفة، كما في البصيرة رقم(43) حول حكم عيد (نوروز) .

 

وأسلوب العرض والمعالجة والاستشهاد جيد جدا، كما في البصيرة رقم(50)، حيث أوضحتم بأن الإسلام ليس الفطرة، بل هو فوق الفطرة.

وكما في البصيرة رقم(57) في الفرق بين الرسول والنبي، فأوضحتم بأن كل رسول نبي أوحي إليه من قبل، وكل نبي رسول، أي سيرسل مستقبلا، ولا يتصور بقاؤه بلا رسالة إلا أن يكون وحيدا بلا أهل ولا عشيرة ولا قوم، وهو محض افتراض، وكما في البصيرة رقم (59) حيث أثبتم أن خلافة الإنسان لا يعني خلافته لله، وإنما يعني خلافة الإنسان للإنسان.

وكما في البصيرة رقم (60) حيث أثبتم بأن جميع الجنات الدنيوية أرضية، من جنة آدم الكبرى، إلى جنة طابوري الصغرى.

وهكذا باقي البصائر تعالج نقاطا مهمة.

بارك الله لكم في جهودكم ذخرا للإسلام والمسلمين، وأمدكم بالصحة والسعادة، إنه سميع مجيب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الأحد: 29/ذي القعدة/1428هـ

9/12/2007م

                                  دكتور محمد شكري زاويتي

                                    أستاذ مساعد في التفسير وعلوم القرآن

                                    كلية القانون والسياسة-جامعة دهوك

 

 

غاية نفسي

 

 

قال المؤلف في مقدمة بصائر 1-41 :

((والمأمول أن اللائحة القائمة والمنتظرة طويلة عريضة نأخذ منها ما يمكن أخذه منها ونترك فيها ما يمكن تركه فيها دونما تسلسل زمني أو ترتيب موضوعي لغاية في نفسي)) اهـ.

والغاية النفسية هي اتباع القرآن، والقرآن عَرَضَ سُوَرَهُ قصيرة و طويلةً أضعافا كثيرة، وموضوعاته معروضة دونما ترتيب موضوعي أو تسلسل زمني.

والناس مع القرآن ألفوا ولا يزالون يؤلفون من علومه وتفسيره ما يشاؤون.