يليه تفسير الفاتحة وشرح التحيات

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، وبعد:
هذا تفسير موجز لجزء عم المكون من (37) سورة قرآنية كلها مكي نزل قبل الهجرة من مكة عدا سورة واحدة نزلت بعد الهجرة إلى المدينة هي سورة النصر، والتنزيل المكي يمثل مرحلة التأسيس بالنسبة لدين الإسلام من حيث إنه تعريف بالله رب العالمين ودعوة الناس إلى تقديم العبادة لله وحده، وهو تشخيص للجاهلية الأولى ومعالجة لمعتقداتها وعلاقاتها… والحق أن التشخيص والمعالجة هما لكل جاهلية بما في ذلك الجاهلية المعاصرة، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
وطريقة التفسير تقوم على تقسيم السورة إلى نصوص موضوعية شبه مستقلة تفسر جملة بعد جملة وذلك بإيجاز، ثم التعقيب بجملة من الأحكام مع مفهوم عام حول السورة أو خاص بآية.
ولا بد لكل تفسير من مدخل للتعريف بالقرآن الذي يدور التفسير حوله والتذكير بعلومه وذلك بإيجاز في المهم واكتفاء بالأهم، فأقول وبالله التوفيق:
القرآن : آخر كتاب أنزله الله على آخر الأنبياء المرسلين لدعوة الناس كافة إلى دين الإسلام، وموضوعه التعريف بالله ببيان أسمائه وصفاته وتكليفه لعباده.
والمروي أن القرآن أنزل على سبعة أحرف أي لغات أو لهجات عربية على ما قيل، والقراءات: اختيارات للقراء من بين هذه الأحرف، والتجويد إخراج الحروف الهجائية من مخارجها الطبيعية مع التغني بالصوت والوقوف على الفواصل إلا في التعليم فيكون الوقوف حسب المعاني والموضوعات، ويرى جمهور القراء وجوب أحكام التجويد.
وقد كتب القرآن على ما تعارف عليه الناس من خط الرسم وهو باق على حاله إلى زماننا وبينه وبين قواعد الإملاء مغايرة بسبب تطور قواعد الإملاء مع إضافة التنقيط والحركات التي حددت النطق مع الحفاظ على أصل الكتابة.
وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم جمع القرآن في بيت النبوة وكان مكتوباً على مواد غير متجانسة وفي عهد أبي بكر كتبوه في صحف متجانسة وفي عهد عثمان كتبوا عددا من النسخ أرسلوها للأمصار لإيقاف الخلاف بين القراء.
وفي القرآن (114) سورة مفصولة بالبسملة و(6236) آية مختومة بالفاصلة و(77934) كلمة و(323670) حرفاً على خلاف في العدد بسبب اختلاف منهج العد أو بسبب الضبط.
وغرضنا من إيراد العدد تحديد كتاب الله لمنع الزيادة عليه والنقص منه تحقيقاً لقوله تعالى: {انا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}. بالإضافة إلى جانب الأجر والثواب على قراءة كل حرف كما في الحديث.
أما التفسير فهو: بيان المباني اللغوية والمعاني الموضوعية لنصوص القرآن بطريق الرواية والدراية.
ويهدف التفسير إلى العلم بالقرآن للعمل به والدعوة إليه كما يهدف إلى إظهار إعجاز القرآن في إثبات صدقه وحقيته وذلك هو إعجاز المعاني، إلى جانب المشهور من الإعجاز البياني في اللغة والنظم وقد كثرت البحوث والمصطلحات البيانية البلاغية ومن ذلك : تخصيص العام وتقييد المطلق وتفصيل المجمل وتعيين المبهم وإحكام المتشابه وكذا الثبوت في الاسمية والحدوث في الفعلية والتعظيم في الجمع والتوحيد في الإفراد والتكريم في التقديم والاهتمام في التأخير .. وكذا التعريف والتنكير والإظهار والإضمار والذكر والحذف والخطاب والغياب والإنكار والتقرير والالتفات… إلى آخر ما يذكره أهل اللغة والبلاغة من المفسرين.
وقد اكتفيت بذكر جملتها في عجالة دون إطالة لأن المقدم ليس في الإعجاز بل هو في الأحكام والمفاهيم مع شرح يسير وقد يمر عرضاً بعض هذه المصطلحات اللغوية البلاغية فاقتضى التنويه والتنبيه.
أسأل الله في البداية والنهاية عونه وتوفيقه على الدوام، وأسأله الرضى والقبول إنه تعالى سميع مجيب ذو جلال وإكرام.
سورة النبأ

التساؤل

عمَّ يتساءلون؟ عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون
عم يتساءلون؟ عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون: ما هو الشيء الذي يسأل عنه كفار مكة مشركو قريش وهو سؤال أمثالهم في كل زمان؟ والمسؤول عنه خبر عظيم بأهواله ونتائجه، والسائلون ينفونه ويخالفون المؤمنين المثبتين له، وهو يوم الفصل في الآخرة كما سيأتي في قوله: {إن يوم الفصل كان ميقاتا} وهو يوم القيامة.
كلا! سيعلمون ثم كلا! سيعلمون: سيعلمون علم اليقين هذه الحقيقة في الدنيا ثم سيعلمون الحقيقة عين اليقين في الآخرة.
أدلة القدرة
ألم نجعل الأرض مهاداً؟ والجبال أوتاداً؟ وخلقناكم أزواجاً؟ وجعلنا نومكم سباتاً؟ وجعلنا الليل لباساً؟ وجعلنا النهار معاشا؟ وبنينا فوقكم سبعاً شدادا؟ وجعلنا سراجاً وهاجاً؟ وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً؟ لنخرج به حباً ونباتا، وجنات ألفافا؟ إن يوم الفصل كان ميقاتا، يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً، وفتحت السماء فكانت أبواباً، وسيرت الجبال فكانت سراباً.
ألم نجعل الأرض مهاداً: وهو تساؤل تقوم به الحجة وجوابه بلى قد جعلت الأرض تحت الإنسان ممهدة مهيأة للحياة في تأمين الضرورات والحاجات والتحسينات.
والجبال أوتادا: الجبال أكثرها مغروس في باطن الأرض وتتصل قواعدها كالهيكل العظمي في الأبدان وكالقضبان الحديدية في البنيان.
وخلقناكم أزواجاً: في البداية الزوجان آدم وحواء، ثم استمر التكاثر على النظام الزوجي بين كل ذكر وأنثى.
وجعلنا نومكم سباتاً: النوم سبت أي قطع الحركات الإرادية لإراحة البدن وشحنه من جديد لاستعادة الطاقة المفقودة.
وجعلنا الليل لباساً: الليل لباس ساتر بظلامه كالغطاء يحجب الأشياء عن الأنظار فيخلد الجسد إلى الراحة كما تخلد النفس إلى السكون.
جعلنا النهار معاشاً: في النهار تظهر الأشياء للحواس فيتعايش الإنسان معها بالانتفاع بها ودفع مضارها.
وبنينا فوقكم سبعاً شداداً: أرضكم التي تسكنون عليها قاعدة لبناء سقفها المكون من سبع طبقات شديدة الإحكام لحفظكم وحفظ أرضكم.
وجعلنا سراجاً وهاجاً: الشمس متوهجة بالنار تمد الأرض بالحرارة والنور.
وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً لنخرج به حباً ونباتاً، وجنات ألفافا: السحب الحاملة للماء تعصر كالثوب المبلول فينزل المطر ثجاجا أي غزيراً ويروي الأرض فتخرج الحبوب من الأقوات على مختلف الطعوم وتخرج النباتات والبساتين الكثيفة على مختلف الأنواع والحجوم.
إن يوم الفصل كان ميقاتا: الفصل هو التفريق بين الخلائق كالظالم والمظلوم والطائع والعاصي حسب أعمالهم.
يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً: نفخ إسرافيل في البوق العظيم النفخة الثانية التي تبعث الأرواح لإحياء الموتى وحضورهم جماعات بين يدي الله حسب وظائفهم وأعمالهم وذلك بعد نفخة إسرافيل الأولى التي يموت فيها كل حي.
وفتحت السماء فكانت أبواباً: انشقت السماوات وانفطرت وطويت لمجئ الروح والملائكة.
وسيرت الجبال فكانت سراباً: الجبال الثقيلة تفقد وزنها فتسير أي تنقل من مكانها وهي خفيفة كالسراب له صورة الماء لا حقيقته.
جزاء الطاغين
إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مآباً لابثين فيها أحقاباً، لا يذوقون فيها برداُ ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً جزاءاً وفاقاً، إنهم كانوا لا يرجون حساباً، وكذبوا بآياتنا كذابا. وكل شيء أحصيناه كتابا. فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا.
إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مآباً: جهنم وهي مكان عميق موقد بالنيران تقف بالمرصاد للمتجاوزين لحدود الدين، لتكون مرجعهم ومأواهم.
لابثين فيها أحقاباً: حقباً بعد حقب والحقب جمع حقبة وهو الزمان الطويل ويستمر الزمان بعد الزمان إلى ما شاء الله.
لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً: لا يجدون برداً يدفع الحر ولا شراباً يمنع العطش فشرابهم حميم حار وغساق كريه عكر.
جزاءاً وفاقاً: المجازاة بأنواع العقاب موافقة لأنواع المعاصي.
إنهم كانوا لا يرجون حساباً: أنكروا مسئولية الحساب.
وكذبوا بآياتنا كذاباً: أنكروا آيات الله التنزيلية وآياته التكونية.
وكل شيء أحصيناه كتاباً: أعمال الخلائق خيراً وشراً صغيرة وكبيرة مكتوبة في اللوح المحفوظ.
فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً: الذوق إحساس اللسان بالطعوم وزيادة العذاب لاستمرار الألم ودفع التعود عليه.
جزاء المتقين
إن للمتقين مفازاً: حدائق وأعناباً، وكواعب أتراباً، وكأساً دهاقاً، لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً جزاء من ربك عطاء حسابا، رب السموات والأرض وما بينهم الرحمن لا يملكون منه خطاباً، يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً، ذلك اليوم الحق، فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً، إنا أنذرناكم عذاباً قريباً، يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر: ياليتني كنت تراباً.
إن للمتقين مفازاً: أهل التقوى الذين يتقون العذاب بترك المعاصي لهم النجاة من العقاب فيجعلون بينهم وبين العذاب وقاية.
حدائق وأعناباً: جنات من البساتين فيها أشجار الفاكهة الطرية كالعنب.
وكواعب أتراباً: فتيات بلغن سن النضوج في أعمار متساوية لا يكبرون ولا يهرمون.
وكاساً دهاقاً: أقداحاً مملوءة بالشراب.
لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً: لا يسمعون من اهل الجنة كلاماً فارغاً ولا يكذب بعضهم بعضاً أو لا يقع كذب في تحقيق الموعود به لهم.
جزاء من ربك عطاء حساباً: مكافأة ربانية وعطية اخروية محسوبة في مقابل التقوى في الدنيا.
رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطاباً: ربوبية الله شاملة للسماوات العالية وللأرضين الدانية ولما بينهما من الخلائق الواقفة بين يديه لا يستطيعون مخاطبته خوفاً من المصير وسوء العاقبة أو خشية من الذات العلية.
يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً: الروح يقوم شاهداً على الجسد مع الملائكة القرناء للنفوس، فلا يتكلم أحد إلا بإذن الله ولا يقول إلا صوابا أي حقاً وصدقاً.
ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً: ذلك المذكور من الحساب والجزاء حق واقع يوجب على المكلفين أن يرجعوا إلى ربهم بالتوبة والطاعة.
إنا أنذرناكم عذاباً قريباً: إنا خوفناكم من عقاب أليم يصيبكم في زمان قريب لا يغيب ولا يتأخر.
يوم ينظر المرء ما قدمت يداه: وقت الحساب يرى المكلف كل عمله معروضاً أمام عدالة الرب، والمرأة كالمرء فالذكر كالأنثى سواء.
ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً: يندم الكافر ويقع اليأس ويتمنى أن يتحول إلى تراب غير مكلف ولا مسئول فراراً من العذاب الشديد.
أحكام
· السؤال المشروع باب العلم للجاهل والذكر للناسي وهو غير مشروع إذا كان للعناد والاستهزاء أو لمجرد الخلاف.
· أدلة القدرة التسعة من قوله ألم نجعل الأرض مهاداً؟ إلى قوله وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً… هي في صورة أسئلة.
· أدلة القدرة لتعريف الإنسان بربه لتعظيمه وعبادته، ولازمه اكتشاف الأسرار ومعرفة الظواهر الإنسانية والكونية للتمكن من التعامل معها بإحسان.
· نظام السببية والنسبية المكانية والزمانية واضح وبخاصة في الأدلة التسعة وهي: مهد الأرض، ووتد الجبال، وزوجية الخلق، وسبات النوم، ولباس الليل، ومعاش النهار، وبناء السبع الشداد، ووهج السراج، وماء المعصرات مع ميقات يوم الفصل، وكل ذلك بمقدار وميزان وزمان.
· في الآخرة يتغير نظام السببية والنسبية المكانية والزمانية، حيث تفتح أبواب السموات المغلقة وتسير الجبال المثبتة وهما من أعظم المخلوقات العلوية والسفلية وما دونهما أولى بالتغير.
· العدل في الحساب اليسير والعسير وكذلك العدل في الجزاء والثواب والعقاب على وفق العلم في الطاعة والمعصية، والجزاء من جنس العمل.
· عذاب الطاغين ونعيم المتقين محسوسان حقيقيان فهو طعام يؤكل وشراب ونكاح…
· الروح من مخلوقات الله المجهولة الكيف المعلومة الأثر فهي تدخل الأبدان في حياتها وتخرج عند موتها، والملائكة ومنهم جبريل يقومون بأداء الشهادة والتشرف بالشفاعة.
· مشيئة العبد منحة من الرب يبنى عليها مشروعية التكليف وصحة الحساب وعدالة الجزاء.
· الإنسان حر في الاختيار وصاحب مشيئة غير مقيدة.

مفاهيم
قوله تعالى (عمَّ يتساءلون؟)(1)…
إنهم يتساءلون ويختلفون في نبأ عظيم في ذاته وعظيم بالنسبة لهم، والذين اختلفوا فيه هو اليوم الآخر وما فيه من أهوال وحساب دقيق لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ويبنى عليه جزاء أبدي خالد في نعيم أو جحيم لا ينتهي.
هؤلاء المخالفون ينفون اليوم الآخر ويقولون ما الحياة إلا في الدنيا ولذلك لم يحسنوا العلم بل أطلقوا العنان للشهوات والغرائز ففسدت عقيدتهم وقست قلوبهم وساءت معاملتهم وكانوا أشبه بالحمر المستنفرة وكانوا كالأنعام بل كانوا أضل سبيلا.
ولا زال هذا التساؤل قائماً بين النافين الكافرين والمؤمنين المثبتين الذين يضبطهم الحساب وتقيدهم المسئولية ويدفعهم الثواب للإحسان ويمنعهم العقاب من الإساءة، ولذلك جعل الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان في تصديق جازم بلا إنكار ولا شك ولا ارتياب.









سورة النازعات

الراجفة والرادفة
والنازعات غرقاً، والناشطات نشطاً، والسابحات سبحاً، فالسابقات سبقا، فالمدبرات أمراً، يوم ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة، قلوب يومئذ واجفة، أبصارها خاشعة، يقولون: أئنا لمردودون في الحافرة؟ أئذا كنا عظاماً نخرة؟ قالوا تلك إذا كرة خاسرة فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة.
والنازعات غرقاً: النازعات صفة لمقسم به محذوف هم جماعات الملائكة أو غيرهم من جنود الله وظيفتهم نزع الأشياء عن أمكنتها بعنف وشدة.
والناشطات نشطاً: هم الذين يؤدون مهامهم بجد ونشاط وهم جماعات من خلق الله أو ملائكته يؤدون ما يأمرهم به ربهم بلا كلل ولا ملل.
والسابحات سبحاً: الذين يسبحون في الفضاء أو الماء للوصول مسرعين إلى الغاية المقصودة.
فالمدبرات أمرا: وظيفتهم النظر في دبر الأمور من تخطيط وتدبير.
يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة: في اليوم الآخر ترجف الأرض بسبب الراجفة وهي الصيحة الأولى التي تزلزل الأرض وتميت الأحياء. والرادفة هي الصيحة الثانية التي تعيد الحياة لجميع الأموات.
قلوب يومئذ واجفة: القلوب الواجفة المضطربة بسبب خوف أصحابها.
أبصارها خاشعة: عيون أصحاب القلوب الواجفة ذليلة منكسرة.
يقولون أئنا لمردودون في الحافرة: يتساءلون عن العودة إلى الحياة بعد الموت في حفرة القبر وتحولهم إلى عظام بالية مع أنها اصلب وأبقى ما في الإنسان.
قالوا تلك إذا كرة خاسرة: الكرة الرجعة إلى الحياة وهي خاسرة لأنها لم تعمل لنجاتها بتقديم أعمال صالحة.
فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة: الزجرة النداء الذي يجمع الناس بأرض المحشر، وهي ساهرة لأن أهلها غير نيام ولا موتى.
حديث موسى
هل أتاك حديث موسى، إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى إذهب إلى فرعون إنه طغى، فقل: هل لك إلى ان تزكى؟ وأهديك إلى ربك فتخشى؟ فأراه الآية الكبرى، فكذب وعصى، ثم أدبر يسعى، فحشر فنادى، فقال: أنا ربكم الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى. إن في ذلك لعبرة لمن يخشى.
هل أتاك حديث موسى؟: الجواب نعم قد أتى الخبر عن قصة موسى في القرآن أو نقلاً عن الركبان.
إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى: ناداه بكلامه فهو كليم الله والمكان هو الوادي المسمى بطوى في سيناء وتقديسه تطهيره من قبل أو بسبب النداء فيه.
اذهب إلى فرعون إنه طغى: تكليف لموسى بالرسالة، ومن أرسل إليه هو فرعون مصر وكان طاغياً تجاوز حدود الدين والعقل.
فقل هل لك إلى ان تزكى؟ وأهديك إلى ربك فتخشى: دعوة إلى فرعون لتزكية نفسه وتطهيرها من الطغيان، وهدايته هي البيان لمعرفة طريق ربه ولحصول الخشية الدافعة إلى الطاعة المانعة من المعصية.
فأراه الآية الكبرى: أظهر الدليل على صدق وصحة دعوته، والآية الكبرى هي العصا وهي أكبر من غيرها إذ كانت تنقلب إلى حية عظيمة حال إلقائها.
فكذب وعصى: أي لم يصدق فرعون برسالة موسى وعصى أمر ربه في ترك بني إسرائيل يرحلون مع نبيهم.
ثم أدبر يسعى فحشر فنادى: أعرض تكبراً بإعطاء ظهره، وسعى في الأرض يجمع السحرة والجماهير لإعلان غلبته وربوبيته.
فقال أنا ربكم الأعلى: ادعى الربوبية العليا كما ادعى الإلهية الخاصة به المنفية عن غيره.
فأخذه الله نكال الآخرة والأولى: جمع له بين عقوبة الآخرة في جهنم وعقوبة الدنيا بالغرق، أو عاقبه على ادعاء الربوبية والإلهية.
إن في ذلك لعبرة لمن يخشى: في حديث موسى وفرعون عبرة وعظة لأهل الخشية الذين يخافون ربهم كالسحرة، ولم يعتبر فرعون لعدم خشيته.
أدلة القدرة
أأنتم أشد خلقاً أم السماء؟ بناها، رفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها. والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها متاعاً لكم ولأنعامكم.
أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها: الجواب أن خلق السماء في طبقات محكمة البناء أعظم من خلق الإنسان من تراب الأرض.
رفع سمكها فسواها: جعلها عالية فوق الأرض وسميكة متينة مكونة من سبع طبقات منيعة للحفاظ على الأرض وأهلها.
وأغطش ليلها وأخرج ضحاها: جعل ليل السماء مظلماً حالكاً، وجعل ضحاها نهاراً مضاءً بالشمس.
والأرض بعد ذلك دحاها: بعد الرفع والتسوية والإغطاش وإخراج الضحى ثم دحيت الأرض بأن بسطت قشرتها أو كورت كالدحية أي البيضة.
أخرج منها ماءها ومرعاها: أخرج من الأرض المياه الجوفية للشرب والري وأخرج النباتات قوتاً لكم ولري أنعامكم.
والجبال أرساها: أثبتها تعالى في الأرض بواسطة الرواسي التي ألقاها على الأرض من فوقها وهي الجاذبية أو ما شاء الله.
متاعاً لكم ولأنعامكم: المتاع ما يتمتع به من الأقوات والفواكه والملابس والمساكن لكم يا معشر الإنس، ولأنعامكم المسخرة لكم.
الطامة الكبرى
فإذا جاءت الطامة الكبرى، يوم يتذكر الإنسان ما سعى، وبرزت الجحيم لمن يرى. فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى، واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى يسألونك عن الساعة: أيان مرساها؟ فيم أنت من ذكراها؟ إلى ربك منتهاها. إنما أنت منذر من يخشاها. كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها
فإذا جاءت الطامة الكبرى: الداهية التي تطم أي تغطي الناس بأهوالها فلا يظهر غيرها معها، والكبرى لكونها أكبر من غيرها.
يوم يتذكر الإنسان ما سعى: لا ينسى الإنسان عمله الذي سعى إليه في دنياه من الحسنات والسيئات.
وبرزت الجحيم لمن يرى: أظهرت الجحيم فرآها أهل الموقف تخويفا وتهديدا وتمهيدا للعقاب.
فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى: طغى بتجاوز الحدود الشرعية والفطرية واغتر بالدنيا فلم يعمل للآخرة فمصيره الجحيم.
وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى: الخائف على نفسه من غضب ربه فلم يتبع هواه المردي بل اتبع طريق ربه المنجي فإن مصيره إلى الجنة.
يسألونك عن الساعة أيان مرساها: يسألك الناس عن موعد قيام الساعة إما جهلا أو تجاهلا واستخفافا.
فيم أنت من ذكراها: أنت من المكلفين فلا يجوز إعلامك ببدء قيامها.
إلى ربك منتهاها: علم قيامها خاص بالله وحده.
إنما أنت منذر من يخشاها: وظيفتك التبليغ والإنذار تهديدا.
كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها: يتصورون أن ما عاشوه في الدنيا من السنين كأنه نصف النهار الأول وهو الضحى أو الأخير وهو العشية.
أحكام
· القسم بالمخلوقات لتعظيمها والتأكيد بها وفي الحديث تحريم القسم لغير الله بغير الله.
· الدعوة بأسلوب الحوار وتسجيل قول الخصم والرد عليه {قالوا تلك إذا كرة خاسرة} و{يسألونك عن الساعة…}.
· عرض التاريخ للاعتبار بسير الطغاة كفرعون، وسير الدعاة كموسى، والعبرة لمن يخشى على نفسه من ربه.
· اللين في الدعوة {فقل هل لك إلى أن تزكى} وهذا هو الأصل والغلظة خاصة بالمنافقين.
· خلق السماء العالية أعظم من خلق الإنسان فعلى العبد أن يتواضع لعظمة الرب.
· الترتيب في خلق الأرض أولاً ثم خلق السماء كالسقف لها ثم دحو الأرض بخروج مائها ومرعاها.
· الجبال أرساها بأن جعلها مثبتة بالرواسي كالجاذبية، والله أعلم.
· ينسى الإنسان في دنياه ويتذكر قليلا وفي الآخرة يتذكر الأشياء كلها لا ينسى شيئا منها.
· سبب دخول الجحيم الطغيان وإيثار الدنيا، وسبب دخول الجنة الخوف من الله ونهي النفس عن الهوى.
· العلم ببداية الساعة من الغيب الذي استأثر الله سبحانه وتعالى به لنفسه فحجبه عمن شاء.

مفاهيم
قوله تعالى: {هل أتاك حديث موسى} …(15)…
الحديث عن موسى وفرعون من دروس التاريخ التي يعتبر الإنسان بأحداثها، والعبرة إنما تؤخذ من ماضي الإنسان نفسه في الزمان كما تؤخذ من المكان وهو الأرض، وحديث القرآن عن الأرض- وهي تحدث أخبارها حديثاً طويلا عن الجبال والبحار والهواء والحيوان والنبات، ومثل ذلك الحديث عن النفس والسرائر وما يجري في الضمائر، وغير ذلك من الحديث عن الحياة الدنيا وما لها وما عليها، وحديث عن الآخرة وما يجري من تبديل وتغيير في الأرض والسماوات وحساب وثواب وعقاب… وكل هذا الحديث ليعرف الإنسان نفسه ماهية ووظيفة ومسئولية، وليعرف ربه ربوبية وإلهية، ويبنى على ذلك الالتزام بدين الله والإسلام له والإحسان فيه واجتناب المعاصي والاستعداد لليوم الآخر وهي ساعة آتية، ويوم تأتي يظن الناس أن الدنيا التي امتدت آلاف السنين لم تكن إلا كساعة من نهار أو كشطر منه: عشية أو ضحاها! وهي كذلك بالنسبة للآخرة، وللآخرة بداية ولكنها ليست كالدنيا فليس لها نهاية، والقرار في نعيم دائم والحمد لله أو جحيم دائم والعياذ بالله.


















سورة عَبَسَ

توجيه الداعية
عبس وتولى أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى؟ أما من استغنى فأنت له تصدى! وما عليك ألا يزكى؟ وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى! كلا إنها تذكرة، فمن شاء ذكره في صحف مكرمة، مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة
عبس وتولى أن جاءه الأعمى: تغير وجهه وابتعد ببدنه بسبب مجيء الأعمى إلى مجلس النبي صلى الله عليه سلم طالباً منه العلم بالدين وكان عليه السلام مشغولاً بدعوة كبار القوم.
وما يدريك لعله يزكى: استفهام للعتاب ولفت النظر إلى تقصيره في تعليم الأعمى الذي يسعى لتطهير نفسه من المعاصي.
أو يذكر فتنفعه الذكرى: يتذكر ما كان ناسياً فيعمل بما علم والذكرى تنفع المؤمنين.
أما من استغنى فأنت له تصدى: استغنى عن الإيمان بالمال والسلطان وانشغل بالشهوات فأنت تتعرض له بالدعوة التي لا تنفع أمثاله.
وما عليك ألا يزكى: ليس من وظيفتك طهارة مثل هؤلاء في هذه المرحلة لأنهم لا يريدونها ولا يسعون إليها ولديهم حاجز المال والسلطان.
وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى: أنت تنشغل عن الأهم بالمهم وهو لهو وعبث.
كلا إنها تذكرة: زجر للنبي وتوجيه وتذكير لكل من يعمل بالدعوة.
فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة: مشيئة الرب في رفع ذكر العبد، وكتابته في صحف كريمة عالية المقام منزهة عن النجس والدنس، والكتابة بأيدي جماعة نورانيين من الملائكة المكرمين الأبرار.
خلق الإنسان وطعامه
قتل الإنسان ما أكفره! من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره، ثم إذا شاء أنشره كلا! لما يقض ما أمره. فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً، فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأبا، متاعاً لكم ولأنعامكم.
قتل الإنسان ما أكفره: دعاء عليه بالقتل بسبب كفره بالدين أو كفرانه بنعمة ربه عليه وهذا خاص بالإنسان الباغي الطاغي.
من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره: خلق الإنسان من ذرية آدم عليه السام حيث يتكون من مني الأب المقدر في رحم الأم على مراحل وأطوار.
ثم السبيل يسره: بالخروج من الرحم والولادة أو الحياة الدنيا وقد يسر سبيل العمل فيها خيراً وشراً.
ثم أماته فأقبره: أماته بعد نهاية حياته وأكرمه بستره في القبر ولحماية الأحياء من اضرار تحلل الجثمان.
ثم إذا شاء أنشره: مشيئته تعالى واقعة والنشر هو البعث في اليوم الآخر.
كلا لما يقض ما أمره: زجر الإنسان عن تقصيره في اداء أمر ربه وهو فعل الطاعة واجتناب المعصية.
فلينظر الإنسان إلى طعامه: ليتدبر الإنسان الطعام الذي يأكله مع الماء الذي يشربه كيف ينشأ ويتكون؟
أنا صببنا الماء صباً: ينزول ماء المطر من السحاب فوقكم.
ثم شققنا الأرض شقاً: بخروج النبات من الأرض تحتكم.
فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضبا وزيتوناً ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وابا: الحبوب الناتجة عن الإنبات كالحنطة والشعير والذرة والعدس وغيرها، والعنب فاكهة الكرمة أو كل فاكهة لينة طرية، والقضب الأعشاب اللينة الطرية كالبرسيم، والنخل والزيتون من أمثلة الثمرات التي تتخذ طعاماً وتدخر قوتاً، والحدائق الغلب البساتين الكثيفة المتداخلة الأشجار، والفاكهة تعميم لأنواعها الكثيرة، والأب الأعشاب الجافة الصالحة لغذاء الحيوان كالتبن.
متاعاً لكم ولأنعامكم: متاعكم بالقوت والتفكه يا معشر الإنس، ولأنعامكم التي تستخدمونها في الركوب وتأكلون من لحومها ومنتجاتها وتتمتعون بالنظر إلى جمالها.
الصاخة
فإذا جاءت الصاخة، يوم يفر المرء من اخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه. لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه وجوه يؤمئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة، ترهقها قترة، أولئك هم الكفرة الفجرة.
فإذا جاءت الصاخة: فإذا جاء وقت نداء القيامة صخت الأذان أي صمت لشدة الصوت.
يوم يفر المرء من أخيه: الأخ من يشترك في الأبوين أو أحدهما وهو من أقرب الأنصار للإنسان.
وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه: الوالدان أقرب الناس أصولاً، والصاحبة هي الزوجة ألصق الناس به، والبنين أقرب الناس فروعاً.
لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه: كل شخص منهم ينشغل بنفسه بسبب عظم المصيبة فينسى غيره.
وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة: تظهر على الوجوه علامات النجاة فتصبح مسفرة أي مضيئة بالنور وضاحكة بالسعادة ومستبشرة بدخول الجنة.
ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قتره: الغبرة الغبار في الأرض والقترة الغبار في الجو، وهو كناية عن ظلمة الوجوه وذلها.
أولئك هم الكفرة الفجرة: جمعوا بين الكفر في الدين والفجور في السلوك والمعاملة فجمع لهم بين الغبرة والقترة.
أحكام
· المبادرة إلى تربية الداعية على طريق الترهيب والتأنيب وليس فقط على طريق الترغيب والتقريب لأن تنمية جوانب الخير ملازمة لحسم جوانب الشر وذلك بدوام المراقبة لسلوك الداعية واستمرار التوجيه والتربية أولا بأول.
· أصحاب الأعذار جزء من المجتمع لهم الحق في المساواة مع غيرهم كما أن لهم الحق في الرعاية اللازمة الخاصة بهم.
· الانشغال عن الأهم أو المهم بغيرهما يعتبر لهواً أي عبثا محظورا ويضيع الوقت وينافي الحكمة.
· قوله تعالى {فمن شاء ذكره}تصريح لحرية الإنسان في الاختيار ومنع الإكراه والإجبار.
· في مجال التعليم والتربية يجوز الاكتفاء بالأمثلة والأجزاء ولا يلزم الاستيفاء والحصر كما في أطوار الخلق وأنواع الطعام.
· ترتيب الأعوان في النصرة يكون حسب الحال بالتقديم أو التأخير فقد قدم الأخ وأخر الابن مع أنه أقرب الناس إليه نسباً وهذا يقرر أن القرب في العون لا يتعلق دوماً بالنسب.
· الانتفاع بميزة الإنسان عن الحيوان بنعمة الذكرة وقابلية التطور والترقي في العلوم والمعارف التي توفر له رصيداً من التجربة والخبرة ولا شك أن الاستفادة بتخزين المعلومات وتذكرها وقت الحاجة من أسباب تقدم الإنسان حضارياً.
· إطلاق العام وإرادة الخاص كما في قوله {قتل الإنسان ما أكفره} على العموم والمراد به خصوص جماعة الكافرين دون المؤمنين.
· وجوب النظر إلى مراحل خلق الإنسان ومراحل إعداد الطعام لمعرفة ربه وإحسان معاملته.
· متابعة الأدلة الكونية والإنسانية في القرآن وتأكيدها بالحقائق العلمية عن طريق التجربة والبرهان وذلك لاطمئنان المؤمنين ولدعوة الآخرين.

مفاهيم
قوله تعالى: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} …(14)…
فلينظر كل إنسان على وجه الأرض من أهل البحر أو الجبل أو السهل أو الغابة أو الصحراء… إلى طعامهم كيف يأتيهم من تحتهم ومن حولهم وفوقهم؟ وكيف يتم إعداد هذا الطعام النباتي من حيث تنشق الأرض عنه ويخرج النبات ليرتفع ويتفرع ويورق ويزهر ويثمر.. فيستقر الغذاء في الجذور أو السوق أو الأرواق أو الأزهار أو الثمار بالألوان الرائعة والطعوم الرائقة والأحجام المناسبة بالنكهات العطرة والمذاقات الشهية.. وفي الأرض من أنواع النبات، أو بعبارة أخرى من أنواع الطعام الكثير مما هو جاهز أو سهل التجهيز والإعداد وهو دلالة على إنعام الله الكبير على الإنسان وبرهان على رحمته تعالى به، ومع الإنعام غرض آخر فأنواع الطعام كلها ماهية وكيفية ومظهراً هي دلائل عجيبة على قدرة الله وعظمته، فسبحان من جعل الطعام قوتاً وفاكهة وآية على ربوبيته تعالى تدفع لطاعته وعبادته.















سورة التكوير

أهوال القيامة
إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال سيرت، وإذا العشار عطلت، وإذا الوحوش حشرت، وإذا البحار سجرت، وإذا النفوس زوجت، وإذا الموءودة سئلت: بأي ذنب قتلت؟ وإذا الصحف نشرت، وإذا السماء كشطت، وإذا الجحيم سعرت، وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت.
إذا الشمس كورت: الشمس نجم يعطي النور والحرارة، وتكويرها يوم القيامة إزالة لهيبها وجعلها كرة بلا نار ولا نور.
وإذا النجوم انكدرت: نجوم المجرات البعيدة وهي مشتعلة بنيران صافية جميلة تتكدر يوم القيامة وتتحول ألوانها إلى داكنة عكرة.
وإذا الجبال سيرت: الجبال كتل مغروسة في الأرض بمقدار الثلثين لتثبيتها ويوم القيامة تقلع وتفقد وزنها وتتطاير.
وإذا العشار عطلت: العشراء الناقة الحامل في الشهر العاشر وهي أثمن مال العربي أو المراد كل ذات حمل، وتعطيلها تركها بلا رعاية لها ولا استفادة من حملها ونتاجها أو تعطيل عملية الحمل والانجاب نفسها لحضور الساعة وحلول الحساب.
وإذا الوحوش حشرت: الوحوش الحيوانات البرية النافرة تجتمع في مكان واحد متناسية وحشيتها لهول اليوم أو لانشغالها بيوم الحساب.
وإذا البحار سجرت: أكثر الأرض بحار، وتسجيرها تفجيرها وتفجير ما فيها من عناصر لتتحول إلى نيران هائلة.
وإذا النفوس زوجت: النفوس هي الجانب المكلف المسئول من الإنسان، وتزويجها إعادة إقترانها ببدنها وذلك العبث بعد الموت.
وإذا الموءوة سئلت بأي ذنب قتلت: الموءودة المقتولة وكل نفس تقتل بغير حق يسألها خالقها لم قُتلت؟ والموءودة عند العرب هي الفتاة الصغيرة تدفن حية خوف الفقر والعار.
وإذا الصحف نشرت: صحف الأعمال التي دونتها الملائكة وبقيت مطوية سرية، ونشرت أعلنت على الناس.
وإذا السماء كشطت: السماء سقف الأرض الذي يحميها، وكشطها إزالتها وطيها.
وإذا الجحيم سعرت: الجحيم جهنم باعتبار حرارتها، وسعرت أي أشعلت نيرانها فارتفع لهيبها وهي حالة هيجان كالمسعور من الحيوان.
وإذ الجنة أزلفت: الجنة البستان المستور بأسواره وعمرانه وأشجاره ونباته، وأزلفت أي قربت من أهلها ليدخلوها دون عناء.
علمت نفس ما أحضرت: النفس الجزء المكلف المسئول من الإنسان المسلط على البدن الذي يحيا بالروح، والذي أحضرته هو ما عملته في الدنيا من خير وشر تحاسب وتجازى عليه.
صحة الرسالة
فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس، إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين، وما صاحبكم بمجنون، ولقد رآه بالأفق المبين، وما هو على الغيب بضنين، وما هو بقول شيطان رجيم، فأين تذهبون؟ إن هو إلا ذكر للعالمين، لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين
فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس: نفي القسم كالقسم مثل قولهم " مالك علي يمين" لوضوح الأمر وعدم الحاجة إلى تأكيدة بالقسم، والخنس الجواري الكنس صفات لمحذوف من الملائكة أو النجوم أو غير ذلك مما يتصف بالخنوس ويجري ويتصف بالقدرة على إزالة واخفاء ما يعترضه بكنسه واخفائه ويتحقق مثل هذا في الثقوب السوداء حيث تخنس النجوم بكنسها واخفائها بداخلها عند جريانها.
والليل إذا عسعس: الليل يقابل النهار، وعسعس أظلم ببطء شيئاً فشيئا.
والصبح إذا تنفس: الصبح أو له النهار، وتنفس أي بدأ كما يبدأ الحي عند الولادة.
إنه لقول رسول كريم: جواب ماله حكم القسم، والمراد من القول هو القرآن الموحى به، والرسول الكريم من الملائكة له منزلة رفيعة وهو جبريل عليه السلام.
ذي قوة عند العرش مكين: صاحب قوة بدنية، والعرش محيط بأرضنا وسماواتنا فهو سقف عالمنا، وذي العرش صاحبه وهو الله تعالى الذي استوى عليه، ومكين له مكان في القدرة أو مكانة في القدر.
مطاع ثم أمين: هو سيد تطيعه الملائكة في الملأ الأعلى وهو أمين يحفظ كلمة الله وينقلها إلى الأرض من السماء.
وما صاحبكم بمجنون: هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم صاحب قريش أو العرب لانه منهم، والمجنون من به مرض الجنون أي أصابه الجن بمس الجنون.
ولقد رآه بالأفق المبين: رأى محمد جبريل عليهما السلام بالأفق الممتد أمامه بوضوح لا شك فيه.
وما هو على الغيب بضنين: ليس بخيلاً في تبليغ الوحي فلم يخف منه شيئاً.
وما هو بقول شيطان رجيم: ليس القرآن الموحى به من قبل الشيطان وقوله، والشيطان كل متمرد من الجن، ورجمه هو طرده وإبعاده من موقع الكرامة إلى الذل والإهانة.
فأين تذهبون: إنكار على مذهبهم الذي يدفعهم إلى اتهام الرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبه والتعجب من عدم تصديقهم إياه.
إن هو إلا ذكر للعالمين: القرآن ذكر للجاهل بالعلم وللناسي بالتذكر فهو لجميع الناس ولغيرهم كالجن فهو للعالمين على العموم.
لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين: القرآن ذكر يستفيد منه من يشاء أي يريد أن يتبع طريق الاستقامة، ورب العالمين هنا الربوبية المتعلقة بإيجاد الخلائق والقيام على ترتيبها إلى مبلغ غايتها، والعالمين جميع الخلائق في أممها وكل أمة متميزة بعلامة خاصة بها.
أحكام
· تغير نظام الكون في اليوم الآخر ووجود ظواهر جديدة مغايرة لنظام السببية والنسبية في المخلوقات.
· علم الآخرة يقين غير ظني كما هو الحال في الدنيا حيث يعتريه الجهل والظن والنسيان وتؤثر عليه الأهواء النوازع والمصالح.
· عمومية الرسالة وشمولها للعالمين من إنس وجن.
· صحة الرسالة بناء على قوة الملك وكرامته وتمكنه وأمانته وطاعة أعوانه له وسلامة الإيحاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
· تحلي الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكمة والعقل ونفي الجنون عنه وإثبات الصلة بينه وبين رسول الملائكة وقطع الصلة بينه وبين الشياطين مع إثبات أمانته على حفظ الوحي وتبليغه.
· نفي القسم كإثباته في تأكيد المقسم عليه ويشهد له قوله تعالى فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم، وكقول الناس "مالك علي يمين" وهو يقصد إيقاع القسم ولكنه نفاه لوضوحه وظهور المقسم عليه وكأنه لا يحتاج إلى قسم.
· إثبات المشيئة للعبد وهي منحة من الرب وهذا رد على الجبرية والقدرية.

مفاهيم
قوله تعالى: {إن هو إلا ذكر للعالمين} …(27)…
القرآن كتاب أنزله الله على الإنسان ليذكره بعهد الربوية والإلهية وليذكره بعداوة الشيطان اللدود، وهو كتاب عن النفس كيف ترتقي وتتزكى أو تنحدر وتتردى، والحياة هي درجات الإرتقاء للعليين في الجنان والرضوان أو هي دركات السقوط في الجحيم والعذاب الأليم… إنه كتاب مفتوح على الكون لبيان معالم الطريق ولإحسان التعامل مع الزمان والمكان في الأرض والسماء وكل شيء على العموم والإطلاق، ولذلك فهو ذكر للعالمين، وفي القرآن أخبار مطولة عن تاريخ الإنسان وصراعه مع الشر من أجل الخير والحق والباطل والكفر والإيمان.. وحبل النجاة ممدود لمن يشاء، وللإنسان مشيئة واختيار وعليه أن يستقيم ويشكر الله الذي منحه بفضله مشيئة وحرية قائمة على عدله تعالى.

سورة الإنفطار

أهوال القيامة
إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت، علمت نفس ما قدمت وأخرت
إذا السماء انفطرت: السماء بمعنى السماوات السبع، وانفطارها كما تقدم انشقاقها وانفتاحها وطيها وإزالتها وكشطها.
إذا الكواكب انتثرت: الكواكب النجوم عامة أو الخامدة، وانتثارها تفرقها بغير انتظام.
وإذا البحار فجرت: البحار المسطحات المائية الواسعة العميقة، وفجرت كسجرت أي اشتعلت بالنيران حيث يتكون ماؤها من عنصرين مشتعلين هما الاكسجين والهيدروجين.
وإذا القبور بعثرت: القبور حفر الموتى المطمورة، وبعثرتها قلب ترابها لإخراج الأموات وإحيائهم.
علمت نفس ما قدمت وأخرت: نفس هي كل نفس مكلفة ومسئولة عما قدمت من خير وأخرت من شر هذا من حيث الفعل، أو ما قدمته للدنيا وما أخرته للآخرة من حيث الزمان.
غرور الإنسان
يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك؟
يا أيها الإنسان: تخصيص الإنسان بمثل هذا النداء لخطورة أمر الغرور، والإنسان ظاهر البدن في مقابل الجن المستتر وآنس يعني ظهر.
ما غرك بربك الكريم: السؤال عن السبب الذي دفعه الى الاغترار مع أنه عبد لرب كريم وذلك يقتضي طاعته وعدم معصيته، والكريم من أسماء الله الحسنى والكرم البذل والعطاء والإحسان.
الذي خلقك فسواك فعدلك: الخلق التقدير ولازمه الإيجاد، والتسوية تماثل الأعضاء في الإيجاد، فعدلك جعلك معتدل القامة متناسب الشكل والهيئة.
في أي صورة ما شاء ركبك: في صورة أي هيئة خاصة ظاهرة وباطنة أي نفسية وجسدية لا يماثلك فيها غيرك ويفهم من السؤال أنه أكرمك ولم يركبك في صورة رديئة وأن مشيئته اقتضت تركيبك في هذه الصورة لتسهيل أمر طاعته عليك وما كلفك به فلا تستخدم هذه الصورة في عصيانه كالسجود والركوع لغير الله.
مسئولية الإنسان
كلا بل تكذبون بالدين، وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون. إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم، يصلونها يوم الدين، وما هم عنها بغائبين، وما أدراك ما يوم الدين؟ ثم ما أدراك ما يوم الدين؟ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله
كلا بل تكذبون بالدين: كلا ردع لموقف الإنسان في التكذيب بسبب الغرور، والدين هنا الديانة وبخاصة اليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء وتكذيبهم أنهم كانوا دهريين لا يؤمنون إلا بالحياة الدنيا.
وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين: الحافظون جنود الله من الملائكة وغيرهم وهم أكفاء لوظائفهم، وقدرتهم على ذلك كما هو مفاد "عليكم"، والحفظ بالكتابة ودفع ما لم يقدر عليه من الضرر، وهم كرام عند ربهم في وظيفة رفيعة ومقام علي.
يعلمون ما تفعلون: مكنهم الله من الإطلاع على أعمال الإنسان الظاهرة على الجوارح والمستترة في النيات والصدور.
إن الأبرار لفي نعيم: الأبرار في الدنيا الذين يفعلون البر أي الخير ولهم حسناتهم يكافئهم الله عليها بنعيم الجنة، والتنعم هو التلذذ بكل ما تشتهيه النفس.
وإن الفجار لفي جحيم الفجار أصحب الفجور وهو تجاوز حدود الشريعة أو الفطرة يعاقبهم الله بإدخالهم في نار الجحيم.
يصلونها يوم الدين: يدخلونها ويتعذبون بحرها الشديد في يوم الدين وهو اليوم الذي يدانون فيه وتقوم عليهم الحجة ولا تنفع المعذرة.
وما هم عنها بغائبين: بل هم حاضرون فيها لا يخرجون منها أبداً.
وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين: تعظيم لأمر يوم الدين والتكرار للتهويل فإن مثل هذا الأمر لا يدركه إلا الله حتى حجبه عمن سواه إلا من شاء الله.
يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله: لا يستطيع أحد أن يجلب منفعة أو يدفع مضرة عن نفسه أو غيره لأن الأمر من نفع وضر في ذلك اليوم هو لله وحده.
أحكام
· تغييرالسنن الكونية والإنسانية في اليوم الآخر كالانفطار والانتثار والتفجير والبعثرة، والعلم يقين بلا جهل ولا نسيان بخلاف الحال في الدنيا.
· الإنسان جاهل مغرور مستدرج إلا من شاء الله وقليل ما هم.
· مقابلة الإحسان بالإحسان وذلك بطاعة العبد للرب على الخلق والتسوية والعدل والتركيب في الصورة الخاصة الحسنة.
· إحسان العمل حياءاً من الكرام الكاتبين العالمين بالأحوال الظاهرة والباطنة.
· عدم غياب الفجار عن الجحيم يعني غياب المتقين عنها بعكس الجنة كما في سورة التغابن حيث يغيب الفجار تاركين مقامهم الحسن للمؤمنين الوارثين.
· إخلاص التوحيد لله وحده لأنه النافع والضار هو سبحانه بيده النفع والضرر فينبغي قطع العلائق والوسائط والأسباب التي تورث الشرك.

مفاهيم
قوله تعالى: {وإن عليكم لحافظين} …(10)…
قد سخر الله الملائكة للقيام على شئون الإنسان وحفظه من بين يديه ومن خلفه بداية بالسجود لآدم وهي المهمة التي تكبر عليها إبليس، وقد دفعه كبره وحسده إلى العمل على غواية الأبوين وغواية ذريتهما من بعدهما، إلى قيام الساعة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
والملائكة أصناف حسب وظائفهم وأعمالهم منهم من ينزل بالوحي كجبريل وميكائيل أو يقبض الروح كملك الموت عزرائيل أو ينفخ في الصور كإسرافيل او يقوم على الجنة كرضوان أو يحرس النار كمالك… وآخرون كثيرون وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ومنهم القرناء الرقباء الحاضرون يرافقون الإنسان من بدء تكوينه إلى نهاية حياته ويحضرون معه يشهدون له او عليه إنهم يحفظون عمله، فهم شهود رفقاء رقباء له وعليه في الدنيا وفي الآخرة.

سورة المطففين

التطفيف
ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين؟
ويل للمطففين: الويل هو الهلاك أو الدعاء بالهلاك وهو واقع لعدم وجود مانع أمام قدرة الرب، والمطففون هم اهل التطفيف أي الزيادة كالطوفان في زيادة الماء ويقابله النقص والخسران.
الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون: بيان للتطفيف من جانب واحد وهو الاستيفاء أي أخذ الحق وافياً أي كاملاً وإعطاؤه للغير ناقصاً في حالتي الكيل والوزن وتكون زيادة التطفيف باعتبار الفرق بين الاستيفاء في حقه والنقص من حق غيره ومعناها الحصول على الزيادة التي أنقصها من غيره.
ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم: الظن في باب الاعتقاد بمعنى اليقين، ومبعوثون بعد الموت في الحياة الآخرة، وعظمة اليوم للأهوال العظيمة كتقرير المصير بالنسبة للإنسان من سعادة عظيمة أو شقاوة عظيمة.
يوم يقوم الناس لرب العالمين: يقفون جميعا بين يدي ربهم خائفين من عقابه، والعالمين مجموعات الخلائق كل منها يتميز بعلامة خاصة به في جوهره وصفته ووظيفته كالإنسان والجن والحيوان والنبات.

كتاب الفجار
كلا إن كتاب الفجار لفي سجين، وما ادراك ما سجين؟ كتاب مرقوم، ويل يومئذ للمكذبين، الذين يكذبون بيوم الدين، وما يكذب به إلا كل معتد أثيم، إذا تتلى عليه آياتنا قال اساطير الأولين. كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، ثم إنهم لصالوا الجحيم، ثم يقال: هذا الذي كنتم به تكذبون.
كلا إن كتاب الفجار لفي سجين: الكتاب سجل تحفظ فيه الأسماء والأعمال ومن معاني الكتاب ان ما فيه واجب مفروض، والفجار أصحاب الفجور أي الأفعال التي تنفجر ويظهر قبحها، والسجين الذي يقيد الحرية
ويفيد الهبوط لمقابلته بعليين.
وما ادراك ما سجين كتاب مرقوم: تهويل لهذا المجهول الذي لا يعرفه إلا الله ويعرفه الله بمقدار ما يشاء كوصفة بأنه كتاب عليه أرقام أي علامات كتابية وحسابية لبيان الأعمال وما يقابلها من السيئات.
ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين : دعاء عليهم وتهديد لهم وبيان لعذابهم ، وتكذيبهم هو عدم تصديقهم باليوم الآخر أو بالقرآن أو برسالة الإسلام عامة.
وما يكذب به إلا كل معتد أثيم: المعتدي الذي يتعدى أي يتجاوز الحدود المشروعة ليقع في الإثم، والأثيم مبالغة الآثم وهو كثير الآثام أي الذنوب.
إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين: تتلى تقرأ تلاوة متصلة يلي بعضها بعضاً، وآياتنا هي المنزلة في القرآن، والأساطير ما كتبه الأولون في سطور دون برهان على صحته، والأولون القدماء المجهولون الذين لا يزكيهم أحد بشهادة حسنة.
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون: كلا ردع وزجر عن تكذيبهم، والران تغطية القلب بالظلمة وإشغال النفس عن الحذر، وكسبهم هو الفعل القائم على النية.
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون: كلا إنهم عن رحمة ربهم لمحجوبون وكلا زيادة في الزجر للتركيز على أعظم عقوبة وهي الحجب عن الرب والحرمان من الرحمة والرضوان.
ثم إنهم لصالوا الجحيم: بعد الحساب يصلون الجحيم بدخول النار الحامية.
ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون: هذا عذاب معنوي بعد العذاب الحسي فيندمون حيث لا ينفع الندم على تكذيبهم وتطفيفهم.
كتاب الأبرار
كلا!إن كتاب الأبرار لفي عليين، وما ادراك ما عليون؟ كتاب مرقوم يشهده المقربون. إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، يسقون من رحيق مختوم، ختامه مسك، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ومزاجه من تسنيم، عينا يشرب بها المقربون.
كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين: كلا تخويف للمكذبين للاهتمام بمن يقابلهم من الأبرار المصدقين، والأبرار أصحاب البر أي الخير، والعليون من علو المكان والمكانة وكتابهم فيه اسماؤهم وأعمالهم الحسنة وما يستحقونه من أجر حسن.
وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون: يشهده المقربون أي يحضر تسليمه المقربون فهو جائزة كبرى، ونفي إدراك النبي أو المخاطب عامة لتعظيم كتاب الأبرار، وهو مرقوم أي ذو أرقام من حروف وأعداد، ويشهده أي يحضره المقربون إلى الله وهذا غاية في التشريف.
إن الأبرار لفي نعيم: أصحاب البر أي الخير والإحسان جزاؤهم نعيم الجنة، ووصف النعيم يتحقق في المحسوسات كالطعام والنكاح والمعنويات كما في الحديث مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
على الأرائك ينظرون: الأرائك الأسرة الكبيرة الواسعة المريحة، وينظرون ينظر بعضهم إلى بعض عندما يتحدثون أو ينظرون إلى ربهم أو نعيم ربهم.
تعرف في وجوههم نضرة النعيم: الخطاب للنبي أو على العموم لكل مكلف وسامع، وذكر الوجوه لانكشافها وظهورها، ونضرة النعيم على التشبيه بنضرة النبات في الحيوية، والنعيم التنعم والتلذذ بكل ما يشتهيه الإنسان.
يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك: يسقيهم ربهم أو بأمر ربهم من شراب صاف خالص مختوم مغلق عليه يفضه شاربه لأنه خاص به، وختامه نهاية شربه تفوح منه رائحة المسك الطيبة الزكية.
وفي ذلك فليتنافس المتنافسون: من أجل الحصول على ذلك النعيم يحق التنافس لأن الغاية تستحق مثل هذه المنافسة.
ومزاجه من تسنيم عيناً يشرب بها المقربون: شراب الرحيق ممزوج بماء التسنيم وهي عين يشرب منها المقربون إلى الله .
أفعال المجرمين
إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون، وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين، وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون، وما أرسلوا عليهم حافظين، فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون، على الآرائك ينظرون. هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون؟
إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون: المجرمون كانوا يضحكون استهزاء للاستخفاف بالمؤمنين.
وإذا مروا بهم يتغامزون: وإذا رأوهم عند مرورهم بهم غمز بعضهم لبعض بأعينهم استخفافاً وسخرية.
وإذا انقلبوا إلى اهلهم انقلبوا فكهين: إذا رجعوا إلى بيوتهم وصاروا بين أهلهم لم يندموا على ضحكهم وتغامزهم بل استمروا على حالهم من الفكاهة والتندر او قصوا لأهلهم ما فعلوه مع المؤمنين من سخرية ليضحكوهم.
وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون: زادوا في الجريمة عندما اتهموا المؤمنين بالضلال وهو الضياع المؤدي للهلاك.
وما أرسلوا عليهم حافظين: المجرمون غير مكلفين بالهيمنة على المؤمنين حتى يتدخلوا في شئونهم وليس لهم حق السيادة.
فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون: يوم القيامة تنعكس الأمور فيضحك المؤمنون من الكافرين عقاباً بالمثل.
على الأرائك ينظرون: على الأسرة أو المقاعد المريحة يجلسون ويتمتعون بالنظر إلى ما ابدع الله من جمال الجنان.
هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون: والجواب نعم ثوبوا بالجزاء المناسب وهو العقاب على الجريمة، وثوب هنا تعني المجازاة، فإذا كانت بمعنى الثواب المعروف فالجواب (لا) لم يثوبوا بخير وإنما عوقبوا بشر.
أحكام
· حرمة التطفيف في المكيال والميزان وكذا في العدد وفي كل حق زيادة ونقصاً.
· وجوب الإيمان باليوم الآخر وإحسان العمل في الحياة الدنيا فهي مزرعة الآخرة.
· اعتماد الكتاب لإثبات الحقوق وإعداد سجل شرف للمحسنين وسجل أسود للمجرمين.
· مراقبة القلب وتنقيتة من الران الذي يغطيه ويحجب عنه نور الحقيقة ويشغله عن المعرفة.
· الكذب جريمة لا يقع فيها المؤمن لأنه سبيل الفجور والهلاك في الدنيا والآخرة.
· يجب فتح القلب لولاية الرب وولاية المؤمنين والحذر من الحجب التي يقيمها الشيطان وأولياؤه من الطواغيت.
· المنافسة الشرعية في الأمور الخيرية التي تقرب إلى الله وتعلي دينه واجتناب المنافسات الأخرى.
· إثبات الحقيقة بإقامة الشاهد عليها كما في علم الرواية في نقل الكتاب والسنة فلا بد من البينة.
· حرمة الاستهزاء والاستخفاف بعباد الله ووجوب مدافعتهما والمعاقبة عليهما.

مفاهيم
قوله تعالى: {ويل للمطففين} (1)…
لا مكان للمطففين في دين يقوم على العدل ويحارب الظلم ويتعقب مصادره ويسد منافذه ويجفف مستنقعاته، والمطففون يكيلون بمكيالين إذا كان الحق لهم يستوفون وهذا عدل لا إشكال فيه، ولكن إذا كان الحق لغيرهم فإنهم يخسرون وهو ظلم يكشف عن أنانية وجشع حيث لا يقيسون غيرهم على أنفسهم وهو أدنى درجات التعامل في ميزان القبول، وهناك درجة أعلى هي درجة الفضل في الإيثار وتقديم الغير بأن يأخذ الأقل في حق نفسه ويدفع الأكثر لأخيه {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}.

وكان هذا حال الأنصار مع المهاجرين. ونحن اليوم ما احوجنا إلى الإيثار بل ما أحوجنا إلى الحد الأدنى في العدل ومحاولة التساوي بين المسلمين –كل المسلمين- في هذا العالم، مساواة في الطعام والشراب واللباس والسكن… حتى يكون المسلمون إخوة حقيقيين ينظر الله إليهم ويحبهم جميعاً فلا يكره غنيهم ولا قويهم ولا سلطانهم بسبب فقيرهم وضعيفهم ومظلومهم.











سورة الانشقاق

أهوال القيامة
إذا السماء انشقت، وأذنت لربها وحقت، وإذا الأرض مدت، وألقت ما فيها وتخلت، وأذنت لربها وحقت
إذا السماء انشقت: السماء كل ما علا وارتفع وهو جنس قد يراد منه السماوات السبع، وانشقاقها انفطارها وانفتاحها بمعنى طيها أو إزالتها لدخول الملائكة والروح وما شاء الله.
وأذنت لربها وحقت: أذنت سمعت واستجابت لأمر ربها بالانشقاق وهي طائعة وخاضعة، وحقت أي وجب عليها أمر ربها فهو حقه عليها أو هي حقيقة بذلك أي جديرة به.
وإذا الأرض مدت: الأرض التي نعيش عليها وهي كل ما دنا وسفل في مقابل السماء، وامتدادها في المستقبل توسعها بمقدار ما يكفي أصحابها يوم القيامة.
وألقت ما فيها وتخلت: أخرجت أمواتها للبعث وأخرجت الأقوات المخزونة فيها لانتهاء الحاجة إليها، وتخلت أصبحت خالية ليس فيها حمل يثقلها ولم تعد مستودعاً للأقوات والمدخرات كما كانت قبل هذا.
وأذنت لربها وحقت: أعاد للاهتمام بالأرض ولعظمة صفة الإذن والحقية.
الإنسان الكادح
يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه، فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيرا، وينقلب إلى أهله مسروراً، وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعوا ثبورا، ويصلى سعيرا، إنه كان في اهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور، بلى إن ربه كان به بصيرا.
يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه: الخطاب لعموم المكلفين من الناس وهم يكدحون أي يعملون بحرص ومشقة ويسعون إلى لقاء ربهم لحسابهم وجزائهم يوم القيامة.
فأما من أوتي كتابه بيمينه: أعطي من قبل ملائكة الرحمة، وكتابه صحيفة أعماله التي ترجحت وزادت فيها حسناته على سيئاته، وهو يستلم الكتاب من الجهة اليمنى أو اليد اليمنى تكريما له.
فسوف يحاسب حسابا يسيرا: الحساب ضبط العدد لمعرفة المقدار، والحساب اليسير الذي يستغرق وقتا قصيرا بسبب قلة السيئات.
وينقلب إلى اهله مسرورا: الانقلاب الرجوع إلى الأهل الذين ينتظرونه في الجنة سواء كانوا من أهل الدنيا الصالحين أو كانوا من مخلوقات الجنة، والسرور هو الفرح والبهجة بالنجاة من النار ودخول الجنة.
وأما من أوتي كتابه وراء ظهره: أوتي كتابه من قبل ملائكة العذاب، وتسليمه الكتاب من جهة ظهره لقبحه والاستحياء من إظهاره.
فسوف يدعوا ثبورا: الدعاء النداء مع استمالة، والثبور الهلاك فيقول: وا ثبوراه حيث لا يجد غير الثبور.
ويصلى سعيرا: يدخل النار المسعرة المشتعلة التي يتطاول لهيبها فتصيب بحرها قبل الوصول إليها.
إنه كان في اهله مسرورا: إخبار عن حاله في الدنيا واغتراره مع أهله بالاستهزاء بالمؤمنين والانشغال بالشهوات.
إنه ظن أن لن يحور: الظن التردد والشك، ولن يحور لن يرجع بعد الموت للحساب والجزاء.
بلى إن ربه كان به بصيرا: رد عليه في ظنه الكاذب، وربه بصير يرى اعماله وهو تهديد له.
الإيمان بالقرآن
فلا أقسم بالشفق، والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق لتركبن طبقا عن طبق. فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون؟ بل الذين كفروا يكذبون، والله أعلم بما يوعون فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات له أجر غير ممنون
فلا أقسم بالشفق: نفى القسم بالشفق كالقسم به حكما، والشفق الحمرة في الأفق بعد مغيب الشمس ينتهي بدخول وقت العشاء.
والليل وما وسق: الليل من مغيب الشمس إلى طلوعها، وما وسق أي جمع من مخلوقات محجوبة بالظلام منها ما اجتمعت على النوم أو بسبب العجز عن الحركة ومنها ما سعيه بالليل.
والقمر إذا اتسق: القمر كوكب تابع يدور حول الأرض وهو يعكس ضوء الشمس الذي يزيد في الأهلة حتى يتسق أي يصبح بدرا كاملا.
لتركبن طبقا عن طبق: جواب لا اقسم، وركوب الطبق عن طبق هو الوجود في حالة ثم تغييرها من طبقة إلى طبقة صعودا أو هبوطا ويعني عدم الثبوت والاستقرار على حال واحدة، والإنسان يتطور ويتغير نفسيا وجسديا.
فمالهم لا يؤمنون: استفهام للتعجب منهم والإنكار عليهم لعدم إيمانهم مع وضوح طريق الإيمان.
وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون: القرآن مصدر كالقراءة لأنه يقرأ في الصلاة وغيرها، والذين لا يسجدون هم الكفار الذين يسمعون القراءة، والسجود غاية التذلل والخضوع وأعظمه ما كان على الاعظم السبعة كما في الصلاة.
بل الذين كفروا يكذبون: حكم عليهم بالكفر بسبب اعمالهم السابقة وبخاصة تكذيبهم للقرآن وعدم تصديقه والإيمان به.
والله أعلم بما يوعون: أعلم مفاضلة بين علم الله وهو أكبر من علم سواه، ويوعون يجمعون من علم ومتاع كما تجمع الأشياء في وعاء.
فبشرهم بعذاب أليم: البشارة الخبر الذي يظهر أثره على البشرة خيرا أو شرا وغلب استعماله في الخير واستعمله هنا على الأصل العام، والعذاب هو المؤلم من العقاب وقد صرح به في وصفه بالأليم، والألم يظهر على الحواس المعروفة.
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات: الذين امنوا التزموا بالدين كله اعتقاداً في الباطن، وعملوا الصالحات: العمل هو الفعل الظاهر وهو الإسلام، والصالح المقابل للفاسد الباطل.
لهم اجر غير ممنون: الأجر المكافأة على العمل والفرق بينه وبين الأجرة أن الأخيرة غلبت في أجر الدنيا وغير ممنون أي لا ينقطع ولا ينتهي فيوجد في وقت دون وقت أو مكان دون مكان.
أحكام
· الكون علوية وسفلية كله عاقل في السماء والأرض مع جريان حكم التكليف عليه فينبغي التعامل معه بميزان العدل والإحسان.
· اتساع الأرض يتناسب مع أهلها الذين يستعمرونها ويستثمرونها وقد امتدت الأرض في الدنيا {والأرض مددناها} وستمتد في الحياة الآخرة {وإذا الأرض مدت}.
· لقاء العبد لربه ووقوفه بين يديه يقتضي الاهتمام بالعمل الدنيوي ليكون الحساب يسيراً غير عسير.
· الحياة الدنيا مرحلة كدح ومعاناة ومكابدة والسعادة الحقيقية تكون بعد ملاقاة الرب في الآخرة.
· تكريم اليمين اخذا من إتيان كتاب اليسر بيمينه بخلاف وراء الظهر او الشمال.
· نفي القسم كالقسم إذا وجدت القرينة وهي وضوح المقسم عليه وعدم الاحتياج للقسم نفسه.
· مشروعية سجدة التلاوة للقارئ والسامع ومخالفة الذين لا يسجدون.
· شرط النجاة من عذاب جهنم ودخول جنة النعيم هو الإيمان باطنا والعمل الصالح ظاهرا وهما متلازمان لا يغني أحدهما عن الآخر.

مفاهيم
قوله تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} …(6)…
رحلة الحياة شاقة يواجه فيها الإنسان كثيرا من العقبات والمخاطر، فجسده معرض للأمراض وكذا نفسه، وعليه كثير من المطالب من الكليات والحاجات والتكميلات، وتشده الأحزان وتمسك به المخاوف، وهو في صراع المزاحمة والمنافسة مع الآخرين على الدراهم والدنانير ومعاش الطعام والشراب والثياب والسكن والمراكب… إنه الكدح أو الكبد الذي ذكره تعالى {لقد خلقنا الإنسان في كبد} وفي نهاية المطاف يجمع كل كادح كدحه وما كابده كله يلقى به ربه فيحاسبه على ما أحسن فيه وأساء، ويجازيه في السعير وبئس المصير أو في النعيم وأجر غير ممنون.
















سورة البروج

أصحاب الأخدود
والسماء ذات البروج، اليوم الموعود، وشاهد ومشهود، قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنون شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض، والله على كل شيء شهيد
والسماء ذات البروج: السماء من السمو وهو العلو والمفرد جنس يتضمن الجمع فتدخل السماوات السبع، وذات البروج أي صاحبة البروج والبرج هو البناء العالي الظاهر للعيان والمراد مجموعات النجوم والمجرات وما الله به عليم.
واليوم الموعود: اليوم النهار من طلوع الشمس إلى غروبها، والموعود به اليوم الآخر، الجنة للطائعين وجهنم للعاصين.
وشاهد ومشهود: الشهود هو الحضور مع المشاهدة أي المعاينة والشاهد فاعل والمشهود مفعول وقعت عليه الشهادة، والشاهد الرائي بالعين والمشهود هو المرئي المعاين.
قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود: دعاء بعقوبة القتل وهو غاية العقاب في الدنيا أو هو إخبار بما وقع لهم وأصحاب من الصحبة وهي ملازمة الشيء ووعدم مفارقته لكونه مالكا أو واليا، والأخدود الشق العميق الطويل في الارض وقد اشتعل الأخدود بنار الوقود من الحطب والناس، وفي جنوب جزيزة العرب أخدود أحرق فيه ملك يهودي نصارى نجران.
إذ هم عليها قعود: جلوس في مقاعد عالية مشرفة على الأخدود يرون المعذبين فيها.
وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود: الذي يفعلونه هو حرق المؤمنين في نار الأخدود، وشهودهم حضورهم ومشاهدتهم للمعذبين وتلذذهم بذلك انتقاما منهم وتشفية لصدورهم.
وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد: النقمة الكره الشديد لمنكر في زعمهم وهو إيمانهم بالله وحده، والعزيز القادر القاهر، والحميد المحمود من قبل عباده.
الذي له ملك السماوات والارض: ملكيته كاملة ما علا السماوات وكل ما دنا وسفل في الأرض وما فيهما وما بينهما.
والله على كل شيء شهيد: الشيء من شاء وما شاء كان فالمراد كل المخلوقات والله شهيد عليها حاضر مطلع عليها يراها ويسمعها.
العمل والجزاء
إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ذلك الفوز الكبير. إن بطش ربك لشديد. إنه هو يبدئ ويعيدن وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد..
إن الذي فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق:
أصحاب الأخدود وأمثالهم فتنوا المؤمنين والمؤمنات بتعذيبهم لإخراجهم من دينهم وأصروا على حالهم ولم يتوبوا إلى ربهم راجعين عن غيهم فعقابهم مضاعف في الآخرة أو في الدنيا مع عقاب الآخرة.
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير:
الذين جمعوا بين الإيمان الباطن والعمل الصالح الظاهر في الدنيا جزاؤهم في الآخرة بساتين تجري تحت قصورها وأشجارها أنهار الشراب ومثل هذا فوز كبير في ذاته ولأنه في مقابل عذاب كبير للكافرين.
إن بطش ربك لشديد: البطش الفعل المخيف، والبطش الشديد هو التمكن من الخصم بقوة والإجهاز عليه.
إنه هو يبدئ ويعيد: البداية زمنية لكل مخلوق وكذا النهاية، والإعادة في الحياة والموت والبعث.
وهو الغفور الودود: الغفور مبالغة الغافر من الغفر وهو ستر العيوب والذنوب وعدم المعاقبة عليها، والودود من الود كثير الحب.
ذو العرش المجيد: ذو بمعنى صاحب، والعرش سرير واسع للجلوس عليه وهو هنا مخلوق عظيم يحيط بالسماوات وهو سقف الجنة على ما روي وقيل هو الكرسي.
فعال لما يريد: فعال مبالغة فاعل أي أفعاله كثيرة وفعله قائم على الإرادة النافذة.
حديث الجنود
هل أتاك حديث الجنود: فرعون وثمود؟ بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط، بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ.
هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود: الجواب نعم سماعاً من التاريخ أو وحياً من الله، وحديث الجنود جرائمهم وعقابهم، ومثل للجنود بقائدهم فرعون ملك مصر، وثمود قبيلة سكنت إلى الشمال من المدينة عرفت بحصونها المنيعة المنحوتة في الجبال.
بل الذين كفروا في تكذيب: الذين كفروا كأصحاب الأخدود وفرعون وثمود وكفار قريش وكفار أيامنا لا زالوا مستمرين ومصرين على تكذيب الرسل والمصلحين.
والله من ورائهم محيط: الوراء مستعمل في الخلف والأمام زمانا ومكاناً، والله محيط بكل ذلك بعلمه وقدرته.
بل هو قرآن مجيد: المذكور من حديث الجنود وقصة الأخدود هو حديث القرآن يقرا فيسمعه الناس فعليهم العلم به والعمل بما فيه، والقرآن مجيد ذو شرف وكرامة.
في لوح محفوظ: اللوح مصدره المنيع لا تصل إليه يد بالتحريف والتبديل تحميه الملائكة من الشياطين.
أحكام
· الدعاء بالقتل على الطواغيت من أصحاب الأخدود وأصحاب الجنود قديماً كفرعون وثمود والأمثلة كثيرة ميتة وحية.
· المعاقبة بالمثل في القصاص بدلالة معاقبة أصحاب الأخدود بالحريق الأخروي مقابل حريقهم للمؤمنين في الدنيا.
· الفتنة في الدين من أكبر الجرائم وتقتضي مضاعفة العقوبة يعني الجمع بين عقوبتين دنيوية وأخروية.
· التوبة تجب ما قبلها من المعاصي كالإسلام يجب ما قبله من الكفر.
· البدء والإعادة من العدم إلى العدم أو من الموت إلى الموت أو من الحياة إلى الحياة.
· أفعال الله محكومة بإرادته النافذة.
· الإيمان بالأسماء والصفات الاسمية والفعلية الواردة في السورة وهي: الله، وقد كررت والعزيز، الحميد، له الملك، والشهيد، صاحب البطش الشديد، يبدئ ويعيد، الغفور، الودود، ذو العرش، المجيد، فعال لما يريد، المحيط.
· الإيمان بوجود العرش ووجوب تعظيمه.
· القرآن مصدره اللوح المحفوظ فهو من القدر خاضع للقدرة إحكاما ونسخاً وقد أنزله الله على نبيه تنزيلا.
· الرجال والنساء سواء في ميزان الدين تكليفاً ومسئولية وحساباً وجزاء.

مفاهيم
قوله تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} …(10)…
خلق الله الإنسان وأسكنه الأرض وكلفه بالعبادة ووعده بالثواب مع الوعيد بالعقاب، ومثل هذا الإنسان يحتاج إلى حرية واختيار حتى يكون تكليفه مقبولاً ومسئوليته صحيحة وجزاؤه عادلاً… وعليه فالحرج مدفوع والنسيان مرفوع والإكراه ممنوع فلا إجبار ولا سيطرة ولا تضييق… وقد عظم جرم من أكره الناس على فعل أو ترك وبخاصة في جانب الدين كفتنة المؤمنين وحملهم على الكفر والمعصية، وقد ذكر القرآن كثيرا من الطواغيت الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات عن دينهم ومن هؤلاء أصحاب الأخدود الذين أحرقوا المؤمنين والمؤمنات فأحرقهم الله بنارهم في الدنيا ولهم في الآخرة نار الجحيم، وأمثالهم كثيرون كفرعون وعاد وثمود وقم لوط ويلحق بهم في ركب الشر والطغيان آخرون فلا زالوا هم وأتباعهم يركبون الشر ويفتنون أهل الإيمان ليضلوهم بعد هدايتهم وسيصيبهم ما أصاب أسلافهم من الجمع بين عقوبتين دنيوية وأخروية.
والسورة دعوة إلى ثبات الدعاة في صراعهم مع الطغاة وأن النجاة ليست في المكسب الدنيوي أو الانتصار العسكري فقد تكون النجاة في الهزيمة لا في الانتصار فالحياة ابتلاء بالنقمة كما هي ابتلاء بالنعمة.













سورة الطارق

حفظ الإنسان
والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق؟ النجم الثاقب، إن كل نفس لما عليها حافظ.
والسماء والطارق: السماء مقسم بها وهي فرد قد يراد كل ما علا سبعا وزيادة، والطارق من الطرق وهو دق الشئ بقوة والمراد يأتي.
وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب: هو مجهول عظيم فوق إدراك الإنسان وما كان الإنسان ليعلمه لولا إعلام الله به وهو النجم الثاقب الذي يثقب الظلام بضوئه او الأجسام بحرارته وطرقه يحتمل وقوعه من قبل أو أنه سيقع مستقبلاً وذلك حتى يفتح له أو يثقب السماء أو يزيلها أو يشقها فيكون ما أخبر عنه سببا للانفطار والانشقاق والطي والإزالة والكشط.
إن كل نفس لما عليها حافظ: كل النفوس محفوظة الذوات بجنود الله وهي محفوظة الأعمال بالرقيب العتيد.
خلق الإنسان
فلينظر الإنسان مم خلق؟ خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب، إنه على رجعه لقادر، يوم تبلى السرائر، فما له من قوة ولا ناصر.
فلينظر الإنسان مم خلق: النظر بالبصر وبالبصيرة للكشف عن خلقه، والخلق تقدير الشئ وإيجاده كما قدره، والخلق يكون من عدم أو يكون بالتحويل من حالة إلى حالة.
خلق من ماء دافق: هذا في ذرية آدم حيث يتكون من ماء الأب المتدفق إلى رحم الأم، والدفق الخروج بقوة.
يخرج من بين الصلب والترائب: الخروج بالولادة من بين ظهر الأم وترائبها حيث الرحم أو خروج الماء من صلب الأب في الظهر وترائب الأم في الصدر ومن المزيج يتم التخليق في الأطوار المعروفة.
إنه على رجعه لقادر: إعادته بعد الموت إلى الحياة الآخرة، وهو تعالى قادر لعدم العجز وعدم المانع.
يوم تبلى السرائر: تختبر بكشف السرائر الخفية في القلوب فتصبح الضمائر السرية علنية.
فما له من قوة ولا ناصر: ليس للإنسان قوة ذاتية في نفسه ولا خارجية من غيره ولا يوجد من ينصره.
إمهال الكافرين
والسماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع، إنه لقول فصل، وما هو بالهزل. إنهم يكيدون كيداً، وأكيد كيدا، فمهل الكافرين أمهلهم رويداً.
والسماء ذات الرجع: أقسم بالسماء الموصوفة بالرجع وهي الرجوع بعد الذهاب أي رجوع السحاب بالمطر أو رجوع الليل والنهار أو تتغير السماء ثم ترجع كما كانت.
والأرض ذات الصدع: الصدع هو الشق لخروج النبات أو الأقوات والأموات يوم القيامة أو البراكين أو الثروات مثل الذهب والبترول وغير ذلك.
إنه لقول فصل وما هو بالهزل: الضمير في إنه مفهوم من السياق ومعروف لدى المخاطبين وهو ما دار حوله الحديث ووقع فيه الخلاف وذلك القرآن عامة أو اليوم الآخر خاصة، ووصفه بالفصل للتفريق بين الحق والباطل والجد والهزل، والهزل ما يستخف ويستهزأ به.
إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا: يعملون عملاً محكماً في مواجهة رسالة القرآن والرسول محمد وفعل الكيد غلب في الشر والمكر السئ.
فمهل الكافرين أمهلهم رويدا: الامهال الانظار وعدم العجلة حتى تنتهي حياتهم الدنيوية ويأتي عليهم يوم الحساب والجزاء وهو آت قريب، ورويداً قليلاً من الوقت فلا حاجة للعجلة لقصر المدة.
أحكام
· كل نفس عليها حافظ يحميها ويدفع عنها ما يؤذيها ويعطلها عن أداء وظيفتها والحافظ الأعلى هو الله، ويتحقق هذا فيمن سخره كالملائكة.
· كل نفس عليها حافظ من الملائكة قرين لها ضابط لأعمالها شاهد لها أو عليها.
· الاعجاز القرآني في كيفية الخلق من ماء الأب المتدفق من صلب الظهر وماء الأم الآتي من ترائب الصدر.
· أخذ القرآن بقوة وعزيمة من حيث قراءته وتدبره وتفسيره ودعوته والعمل به، لا ان يصبح مظاهر للزينة واصواتا وحجبا بعيدة عن حقيقة ما أنزل من أجله.
· المقابلة بالمثل عدل فالكيد السيئ مذموم لكن المقابلة محمودة والقصاص من هذا القبيل.
· الصبر وعدم العجلة وعدم الاغترار بحال الكفار وما هم فيه من استدراج فعاقبتهم وخيمة والأمور مرهونة بالعواقب.

مفاهيم
قوله تعالى: {فلينظر الإنسان مم خلق} …(5)…
خلق الإنسان من ماء بعد حمل وأطوار ثم خروج.. وقضية مم خلق؟ وكيف خلق؟ من التعقيد وبعد التصديق لولا أنها حقيقة واقعة فهو موجود يتكاثر على الأرض ويغطيها وسيظل لغزا محيرا في الكثير من جوانبه الحسية والنفسية.. ومعلوماتنا مجملة عن بدنه المكون من ماء وتراب أو من ماء الابوين، وفيه نفخة من ا لروح المجهولة التي بعثت فيه طاقة الحياة، وجوهره هو النفس المكلفة المسئولة المجزية.
وقد ضرب الله مثل الخلق في كثير من الاشياء كالإبل كيف خلقت؟ والسماء كيف رفعت؟ والجبال كيف نصبت؟ والارض كيف سطحت؟… وعند المقارنة بين خلق الله وخلق غيره نجد الفرق الكبير {هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه}، {فتبارك الله أحسن الخالقين}.








سورة الأعلى

تسبيح الرب
سبح اسم ربك الاعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى.
سبح اسم ربك الأعلى: نزه أسماء الرب عن كل نقص وعيب لانه الأعلى مطلقا له المكانة العليا فوق المكان وكذا فوق الزمان.
الذي خلق فسوى: الخلق الإيجاد المقدر، والتسوية تصويره بصورة حسنة مناسبة.
والذي قدر فهدى: القدر علم الله المكتوب في اللوح يغيره بقدرته كما يشاء، والهداية بيان القدر الفطري أو الشرعي ليتعامل المكلف مع السنن خيرا وشرا.
والذي أخرج المرعى: الاخراج من باطن الأرض بظهور النباتات التي ترعاها البهائم.
فجعله غثاء أحوى: صيره هشيما مسودا كالموتى.
قراءة القرآن
سنقرئك فلا تنسى –إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى- ونيسرك لليسرى. فذكر إن نفعت الذكرى. سيذكر من يخشى، ويتجنبها الاشقى، الذي يصلى النار الكبرى، ثم لا يموت فيها ولا يحيا.
سنقرئك فلا تنسى: نعلمك القرآن بواسطة جبريل فعليك ألا تنساه أو فلن تنساه "ولا الناهية غير عاملة فبقيت ألف تنسى غير محذوفة والقرآن فوق قواعد اللغة".
إلا ما شاء الله: مشيئة الله نافذة في النسي أو النسخ تكوينا وتشريعا.
إنه يعلم الجهر وما يخفى: الجهر مقابل الخفية والعلم بهما عند الله سواء.
ونيسرك لليسرى: اليسر مقابل العسر أي التضييق وقد يسر الله فوسع شريعته السمحة، واليسرى مفاضلة بمعنى الأكثر يسرا بالنسبة للشرائع الأخرى.
فذكر إن نفعت الذكرى: التذكير إعلام الناس ودعوتهم وذلك مقيد بالانتفاع لئلا يضيع وقت الداعية.
سيذكر من يخشى: بيان لمن تنفع فيه الذكرى وهم أهل الخشية أي الخوف من العقاب.
ويتجنبها الاشقى: يعرض عن التذكرة ويجعلها على جانب بعيد لئلا ينتفع بها، والأشقى زيادة في الشقاوة بمعنى الخسارة.
الذي يصلى النار الكبرى: الذي يصلاها بدخول ويذوق حرها، والكبرى زيادة في الكبر بالنسبة لنار الدنيا.
ثم لا يموت فيها ولا يحيا: لا يموت موتة أخرى، ولا يحيا حياة أخرى، كما هو الحال في الدنيا فهو لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة كريمة.
صحف إبراهيم وموسى
قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى. إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى.
قد أفلح من تزكى: الفلاح الفوز من النار الكبرى، والتزكية تطهير النفس ومنه الزكاة المالية التي تطهر المال.
وذكر اسم ربه فصلى: الذكر العلم بعد النسيان أو دون نسيان، وصلى الصلوات المفروضة والصلاة بمعنى الدعاء، والأسماء كثيرة تناسب كل دعاء {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}.
بل تؤثرون الحياة الدنيا: بل للإضراب والانتقال للاهتمام بما بعده وهو إيثار أي تقديم متاع الدنيا الزائف الزائل، والدنيا مؤنث الأدنى من الدنو أو الدون.
والآخرة خير وأبقى: الحياة الآخرة أكثر خيراً من الحياة الدنيا وأطول زماناً.
إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى: المشار إليه ما تقدم من قوله قد افلح من تزكى أو من قوله بل تؤثرون الحياة الدنيا، والصحف الكتب المنزلة في ألواح قبل نزول القرآن، والصحف المنسوبة إلى إبراهيم هي ديانة الحنيفية، وصحف موسى هي التوراة أو الألواح.
أحكام
· الأمر بذكر الأسماء وتسبيحها يقتضي معرفتها في القرآن وفي السنة وهي غير محصورة وما عرف منها دعي الله بها.
· القدر هو تقدير السنن الكونية والشرائع المنزلة.
· الوحي الإلهي إلى النبي بطريق القراءة لئلا ينسى.
· الضمان في الحفاظ على الذكر غير معارض بالنسيان أو النسخ الذي يقع بين الشرائع أو الذي يقع فيه الشريعة الواحدة ما دام كل ذلك منه تعالى لا من غيره.
· الدعوة بتذكير العالم وتعليم الجاهل ما دامت الذكرى تنفع، وعدم تضييع الوقت فيمن لا تنفعه الذكرى من أهل الإصرار والطغيان.
· انقطاع دورة الحياة والموت في الآخرة فلا موت ولا حياة من جديد.
· شرع من قبلنا شرع لنا ومن ذلك ما ورد في صحف إبراهيم وموسى.
· القرآن فوق قواعد اللغة العربية حيث لم تعمل لا الناهية في الفعل "تنسى".

مفاهيم
قوله تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى} …(1)…
أسماء الله لا تحصى عددا وكثرة، وفي القرآن كثير منها يجب بذل الجهد واستفراغ الوسع في جمعها وإحصائها وبيانها، وقد جمعت منها في القرآن مائة وثمانية وستين اسماً صريحاًً في قسمين هما اسماء الجلال والعظمة وأسماء الإكرام والرحمة، ويجب الإيمان بها والإسلام لها واثبات الكمال ونفي النقص عنها وفهم معناها والعمل بمقتضاها بالقلب واللسان والجوارح، وقد أمر الله تعالى بالدعاء بها {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسمائه} والملحدون يجعلون له صاحبة واولاداً من البنين والبنات والشركاء والأنداد، أو يغالون في تنزيهه إلى حد التعطيل، أو يغالون في تكييفه وتجسيده أو يثبتون اسماء وصفات وينفون أخرى، او ينفون الاسماء والصفات كلها مع الذات بالكلية على ما قاله الدهريون القدماء والشيوعيون المعاصرون الذين لا يعرفون الرب ولا الإله المعبود فهم الضائعون حقا والأضلون سبيلاً.



سورة الغاشية

حديث الغاشية
هل أتاك حديث الغاشية؟ وجوه يومئذ خاشعة، عاملة ناصبة، تصلى ناراً حامية، تسقى من عين آنية. ليس لهم طعام إلا من ضريع، لا يسمن ولا يغني من جوع. وجوه يومئذ ناعمة، لسعيها راضية، في جنة عالية، لا تسمع فيها لاغية، فيها عين جارية، فيها سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة.
هل أتاك حديث الغاشية: المخاطب النبي صلى الله عليه وسلم وكل مكلف على العموم، والجواب نعم قد سمعنا الحديث عن الغاشية وهي القيامة التي تغشى الناس بأهوالها.
وجوه يومئذ خاشعة: ذكر الوجوه لظهور أثر الخشوع عليها، والخشوع الذل والهوان.
عاملة ناصبة، تصلى ناراً حامية: تعمل في الدنيا أعمالاً كثيرة وتتعب فهي ناصبة لكن اعمالها غير مقبولة وجهدها ضائع فتدخل النار {فقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً}.
تسقى من عين آنية: تسقيهم ملائكة العذاب الزبانية شراباً من عين شديدة الحرارة بلغت حرارتها الغاية.
ليس لهم طعام إلا من ضريع: يأكلون الضريع وهو شوك إذا يبس تعذر على الدواب تناوله فما بال الإنسان.
لا يسمن ولا يغني من جوع: لا ينفع البدن ولا يدفع الجوع.
وجوه يومئذ ناعمة: أصحاب الوجوه يتنعمون بالمعيشة الحسنة، وهي ناعمة: أي منعمة يظهر عليها أثر نعمة الله.
لسعيها راضية: راضية عن سعيها في الدنيا وعملها الصالح لأنه أدى لنجاتها وحصول نعيمها.
في جنة عالية: الجنة البستان المغطاة أرضه بالنبات والعمران، وعالية الارتفاع مكانها ورفعة مكانتها.
لا تسمع فيها لاغية: الخطاب للسامع ابتداء بالنبي واللاغية: من اللغو وهو فارع الكلام الذي لا خير فيه.
فيها عين جارية: تجري من منبعها ظاهرة للشاربين.
فيها سرر مرفوعة: السرر للراحة مع الزوجات مرفوعة القدر والمكان.
وأكواب موضوعة: كؤوس موضوعة إلى جانب الشراب معدة لأصحابها.
ونمارق مصفوفة: النمارق جمع نمرقة وهي الوسائد المرتبة للإتكاء عليها والاستناد إليها.
وزرابي مبثوثة: الزرابي جمع زربية وهي السجادة وهي البسط المفروشة على الأرض في الأماكن المناسبة.
أدلة القدرة
افلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟ وإلى السماء كيف رفعت؟ وإلى الجبال كيف نصبت؟ وإلى الأرض كيف سطحت؟.
أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت: فلينظر كفار العرب بتدبر واعتبار ليعرفوا عظمة القدرة الربانية في خلق الإبل ومناسبتها لبيئتها وكثرة فوائدها.
وإلى السماء كيف رفعت: رفع السماء فوق الأرض بأعمدة غير مرئية.
وإلى الجبال كيف نصبت: الجبال العظيمة منصوبة كشواهد مرتفعة فوق الأرض كيف ثبتت بالرغم من ارتفاعها وثقلها؟
وإلى الأرض كيف سطحت: الارض سطحها اليابس والسائل بما يتناسب مع الحياة والدعوة في مجملها لفت نظر للكافرين ودعوة إلى البحث والتأمل للمؤمنين.
وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم
فذكر إنما انت مذكر، لست عليهم بمسيطر، إلا من تولى وكفر، فيعذبه الله العذاب الأكبر. إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم.
فذكر إنما أنت مذكر: وظيفة النبي وخلفائه من بعده وهم العلماء تبليغ الناس وتذكيرهم برسالة ربهم دون إكراه ولا إجبار.
لست عليهم بمسيطر: السيطرة الهيمنة والقهر.
إلا من تولى وكفر: تولى عن الدين بعد الدخول فيه وهو المرتد، فإنه مسيطر عليه بإقامة الحد في الدنيا.
فيعذبه الله العذاب الأكبر: عذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا بقوته وطول وقته.
إن إلينا إيابهم: رجوعهم في الآخرة بعد انقضاء حياتهم في الدنيا.
ثم إن علينا حسابهم: الحساب ضبط الحسنات والسيئات في كتب الأعمال ولازمه الجزاء.
أحكام
· الأجر على قدر المشقة وهو مشروط بالاحسان فإذا فقد الشرط ضاع العمل، ودليله قوله تعالى {عاملة ناصبة تصلى نارا حامية}.
· اجتناب لغو الكلام وما لا خير فيه لقوله تعالى {لا تسمع فيها لا غية}.
· النظر في خلق الله كالابل والسماء والجبال والأرض وذلك دليل على وجوب اكتشاف القوانين الكونية والظواهر الطبيعية.
· وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم ومهمة الدعاة من بعده التبليغ والتذكير وعدم الإجبار والإكراه لأن المسئولية والجزاء من شئون الآخرة.
· النعيم والشقاوة في الآخرة يظهران في صور محسوسة من أكل وشرب وسكن ونكاح… الخ كما هو الحال في الدنيا مع فارق الخلاف في الجوهر.
· تكريم الوجوه بعدم ضربها وتشويهها لوجود أكثر الحواس فيها ولمواجهتها لدى التعامل ولإظهارها لمكنون النفس وترجمتها للضمائر.
· إظهار النعمة دون سرف ولا مخيلة ولا اعتداء.

مفاهيم
قوله تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} …(17)…
الكون هو الكتاب المفتوح على البصر والبصيرة، وكل مكلف يبصر قدرة الله ظاهرة للعيان ماثلة أمام الإنسان من كل الجهات، وهي آيات قريبة منه بحيث يتعامل معها ويتنعم بها ويتعلم منها ويستخدمها ويؤدي شكرها، ومن هذه الآيات الإبل تلك المخلوقات ذات الأعناق الطويلة والأسنمة العالية والأوزان الثقيلة، وهي لأصحابها لحم طعام ولبن شراب ووبر لباس وسكن متنقل، وهي مركب ذلول كسفينة تقطع محيط الصحراء كأصلح وسيلة مجهزة لخدمته في إحكام وحكمة بحيث لو أردنا وضع حيوان مكان الإبل لما وجدنا بديلاً فسبحان الله كيف سخر للإنسان الضعيف الصغير مثل هذا العملاق القوي الكبير.


















سورة الفجر

أقسام
والفجر. وليال عشر. والشفع والوتر. والليل إذا يسر. هل في ذلك قسم لذي حجر؟.
والفجر: وقت الصبح بعد نهاية الليل وبداية النهار لانفجار الضياء في وسط الظلام.
وليال عشر: الليل يقابل النهار، والعدد المحدد بعشر غير معين بالنسبة للشهر والمشهور أنه أوائل ذي الحجة.
والشفع والوتر: الشفع: الزوج من العدد، والوتر: الفرد وقد يراد بهما الصلوات أو أيام معينة كيوم عرفه التاسع أو العاشر من ذي الحجة.
والليل إذا يسر: يسري: يمضي فيزيد دوامه ويشتد ظلامه والياء من الفعل محذوفة.
هل في ذلك قسم لذي حجر: الجواب نعم فالمذكور من الزمن أقسام عظيمة عند صاحب الحجر أي العقل الذي يحجر عليه أي يمنعه من السفه ويدفعه للحكمة.
قصص المكذبين
الم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد؟ وثمود الذين جابوا الصخر بالواد؟ وفرعون ذي الأوتاد؟ الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد.
ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد: الجواب بلى قد رأيت، والذي فعله الرب كان عقاباً عظيماً وهو الريح الصرصر التي أهلكت قبيلة عاد نسبة الى أبيها عاد أو جدها إرم، وهذه القبيلة تسكن الأحقاف جنوب جزيرة العرب ومساكنهم الخيام التي تقوم على الأعمدة، وقيل: إن إرم مدينة بناها شداد بن عاد على صفة الجنة على مبلغ علمه.
التي لم يخلق مثلها في البلاد: القبيلة ذات البأس الشديد في الحروب التي تغلبت على ما حولها، أو المدينة الفريدة بين بلدان العالم.
وثمود الذين جابوا الصخر بالواد:قبيلة ثمود من أقرباء عاد ويسمون عاداً الثانية وكانوا أهل زراعة وعمارة، جابوا الصخور أي قطعوها وبنوا بها القصور أو جابوهاأي نحتوها بالجبال بيوتاً كمخازن وملاجئ وقد أهلكهم الله بالزلزال.
وفرعون ذي الأوتاد: فرعون ملك مصر، وأوتاده جنوده في الحروب وآثاره في البناء التي لا تزال قائمة إلى اليوم كالأهرام والمسلات وغيرها.
الذين طغوا في البلاد: طغيانهم استبعادهم لغيرهم واحتلال بلادهم.
فأكثروا فيها الفساد: بالقتل في الحروب وقتل الذكور واستحياء النساء وكثرة الفجور.
فصب عليهم ربك سوط عذاب: الصب السكب والإسالة بقوة وغزارة والسوط ما يضرب به وإضافته للعذاب لبيان إيلامه.
إن ربك لبالمرصاد: يترصد أي يترقب ويمهل العرب الذين ينهجون منهج السابقين.
ابتلاء الإنسان
فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي اكرمن، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي اهانن، كلا بل لا تكرمون اليتيم، ولا تحاضون على طعام المسكين، وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما.
فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فاكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن: الإنسان من حيث العموم، وابتلاؤه بالخير والتوسعة في الرزق والأهل والولد فيقر بهذه النعم والأفضال ظانا أنه أفضل من غيره.
وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن: هذه الحالة مقابلة وهي الاختبار بالتضييق في الرزق فيقول ربي لم يكرمنى بل أهانني مع أن المصائب والنعم للابتلاء وليس للتكريم والإهانة.
كلا بل لا تكرمون اليتيم: كلا ردع وانتقال إلى الإنكار عليهم لإهمالهم اليتيم مع أنه يستحق التكريم لأنه فقد وليه الذي كان يكرمه.
ولا تحاضون على طعام المسكين: لا يحث بعضكم بعضا بل تمنعون وتمتنعون عن إطعام المساكين الجائعين، والمسكين من سكن في مكانه عاجزا عن الحركة والعمل.
وتأكلون التراث أكلاً لماً: التراث المال الموروث تأكلونه مع ما تجمعونه بأنفسكم بشراهة وجشع ولا تتركون منه لغيركم شيئاً.
وتحبون المال حباً جماً: المال ما تميل إليه النفس، وحبه الجم أي الشديد الذي يسيطر على صاحبه ويستعبده فيصبح بخيلا أو مبذرا من أخوان الشياطين.
أهوال القيامة
كلا! إذا دكت الارض دكاً دكاً، وجاء ربك والملك صفاً صفاً، وجئ يومئذ بجهنم، يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى؟ يقول: ياليتني قدمت لحياتي. فيومئذ لا يعذب عذابه احد، ولا يوثق وثاقه أحد. يا أيتها النفس المطمئنة: ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.
كلا! إذا دكت الارض دكاً دكاً: كلا زجر للمخاطبين وقطع للحديث للاهتمام بما بعده وهو دك الارض أي دقها وهزها بعنف وشدة لإخراج ما فيها من أقوات وأموات ولتبديلها.
وجاء ربك والملك صفاً صفاً: مجيئه بكيفية مناسبة لجلال الله وعظمته فهو رب العالمين جاء ليحاسب المكلفين ويجازيهم، وجاء جنوده وشهوده من الملائكة صفوفاً حسب وظائفهم ومقاماتهم.
وجيء يومئذ بجهنم: جهنم المكان العميق، وقيل هي أعجمية عربت، وقد جاء بها خزنتها لتكون ماثلة للعيان.
يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى: في هذا اليوم العظيم يعود إلى ذاكرة الإنسان بلا نسيان كل ما عمله في دنياه وهو عجيب ففي مثل هذا اليوم ينبغي أن ينشغل وألا يتذكر شيئا.
يقول يا ليتني قدمت لحياتي: يقول الإنسان نادماً ويتمنى لو قدم في دنياه أعمالاً صالحة لحياته الباقية في الآخرة.
فيومئذ لا يعذب عذابه أحد: المعذب هو الله وجنوده والتعذيب شديد لا يقدر عليه غيره سبحانه وتعالى.
ولا يوثق وثاقه أحد: لا يشد وثاقه أي ما يربطه به لمنعه من الحركة والخلاص من العذاب.
يا أيتها النفس المطمئنة: خاطب النفس باستقلال تكريماً لوصفها بالاطمئنان وهو درجة فوق الإيمان حيث تنتهي المخاوف والأحزان.
إرجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي: راضية بالثواب مرضية من الرب لأنه قبل عملها فأمرها بالدخول في عداد العباد الصالحين ودخول النعيم في خاتمة المصير.
أحكام
· القسم بالزمان يلزم أصحاب العقول بالتدبر فيه للاستفادة منه وعدم تضييعه وإهداره.
· الطغيان بالحكم او بالمال أو بالقوة أو بالذكاء أو بالأنصار وغيرها سبب للفساد في الارض فليحذر الحكام والأغنياء والأقوياء.
· توسعة الرزق أو تضييقه، ليس تكريماً للإنسان ولا إهانة بل هو ابتلاء واختبار بالصبر والشكر.
· اليتيم مستضعف يجب رعايته وحمايته وعدم الاعتداء عليه أو أخذ ماله دون حق.
· تكافل المجتمع في رعاية الفقراء والمساكين وسد حاجاتهم من الطعام وغيره.
· الاعتدال في حب المال وجمعه وأكله بلا سرف ولا مخيلة ولا احتكار.
· اثبات المجئ للرب يوم القيامة بكيفية يعلمها الله مع الملائكة للحكم على المكلفين بعد حسابهم ووزن أعمالهم.
· السعي بالنفس إلى الارتفاع في درجات الإيمان لبلوغ مرتبة الاطمئنان.

مفاهيم
قوله تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي اكرمن} …(15)…
الإنسان يتعامل مع الحياة من خلال مصلحته الشخصية وأنانيته وهواه ومقياسه أو ميزانه ليس كرامة التقوى وإنما هو كثرة المتاع من المال والممتلكات وكل ذلك متاع غرور، والدنيا في حقيقتها ممر إلى مقر، ونعمتها ونقمتها ابتلاء وامتحان فليس الفقر إهانة ولا الغنى كرامة، فالغني يمتحن بماله والقوي بقوته والسلطان بسلطانه كلهم هل يشكرون أم يكفرون؟ والفقير المسكين والمريض ذو العاهة والمحتاج والأسير جميعهم يبتلون هل يصبرون أم يكفرون؟
والمقياس الشرعي أو الميزان في التفاوت والتفاضل هو التقوى كما قال سبحانه وتعالى:
{إن أكرمكم عند الله اتقاكم} وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مشيرا إلى صدره التقوى ههنا التقوى ههنا التقوى ههنا.











سورة البلد

خلق الإنسان
لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد، ووالد وما ولد. لقد خلقنا الإنسان في كبد، أيحسب أن لن يقدر عليه أحد؟ يقول: أهلكت مالا لبدا، أيحسب أن لم يره أحد؟ ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين؟.
لا أقسم بهذا البلد: نفي القسم بمكة البلد الحرام لعدم الحاجة إلى القسم لظهور الحجة وعدم وجود الشبهة في المقسم عليه.
وأنت حل بهذا البلد: المخاطب النبي صلى الله عليه وسلم وهو حل أي حال مقيم بمكة أو أحلت له مكة ساعة من نهار في الفتح.
ووالد وما ولد: الوالد الأب وإن علا والولد الابن وإن نزل.
لقد خلقنا الإنسان في كبد: جواب ماله حكم القسم، والإنسان مخلوق في مكابدة للمشاق النفسية والحسية.
أيحسب أن لن يقدر عليه أحد: يظن الإنسان الذي يغتر بقوته أن أحدا لن يقهره ناسيا ربه وجنوده.
يقول أهلكت مالا لبدا: يقول صاحب المال الذي انفقه في سبيل الشر متفاخرا غير آسف ولا نادم، والمال اللبد الكثير المتلبد بعضه فوق بعض.
ألم نجعل له عينين: جوابه بلى قد جعلت له عينين في راسه يرى بهما وهما جمال للناظرين.
ولسانا وشفتين: جعلت له لسانا في فمه يتكلم به وشفتين لإغلاق الفم وفتحه لإحكام الكلام وهما زينة.
وهديناه النجدين: الهداية: البيان بلطف إلى النجدين وهما طريق الخير للسير فيه وطريق الشر للابتعاد عنه.
اقتحام العقبة
فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة؟ فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. أولئك أصحاب الميمنة. والذين كفروا بآياتنا هم اصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة.
فلا اقتحم العقبة: مثل هذا الإنسان غير قادر على اقتحام العقبة والاقتحام هو الدخول بقوة، والعقبة هي الطريق الضيق الشاق.
وما أدراك ما العقبة: استفهام لتهويل المسئول عنه تمهيدا لبيانه.
فك رقبة: عتق المملوك وتحريره من الرق أو حل القيد عن رقبة المحبوس الأسير.
أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة:
إطعام الطعام أيام المجاعات وصاحبه حريص عليه محتاج إليه يقدمه لليتيم الذي مات أبوه ولا عائل له، والمقربة: القرابة النسبية بالعصب أو السببية بالمصاهرة أو قرب المكان، والمسكين من سكن في مكانه عاجزا عن العمل ليس له الا المتربة أي التراب والتخصيص بالمتربة والمقربة للتذكير بحالتين وليس حصرا فيهما فالإطعام عام في كل يتيم ومسكين.
ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة: الإيمان الالتزام الداخلي بالدين، والتواصي بالصبر الأمر به والنهي عن الجزع، والتواصي بالمرحمة الأمر بالرحمة وهي رقة القلب وتقتضي الاحسان في المعاملة.
أولئك أصحاب الميمنة: يعني مقتحمي العقبة؛ والميمنة جهة اليمين وهي الجنة ويتفاءل بها.
والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة: الذين كفروا بالآيات المنزلة بإنكارها والتكذيب بها وأصحاب المشأمة أي الشؤم وهي جهة الشمال ويتشاءم بها.
عليهم نار مؤصدة: نار جهنم مغلقة عليهم مطبقة من كل الجهات لا يستطيعون الخروج ولا الفرار منها.
أحكام
· كرامة الرسول صلى الله عليه وسلم عند الله حتى أقسم به فينبغي تعظيمه وتوقيره.
· تعظيم مكة بمراعاة حرمة البيت والنبات والحيوان فضلاً عن الإنسان داخل الحرم.
· تعظيم شأن الأب الوالد بتكريمه والبر به وتعظيم شأن الولد برعايته ورحمته.
· طبيعة الحياة الإنسانية المكابدة ومواجهة الصعاب في القلة والعلة والذلة.
· القوة نعمة من الله تصرف لنصرة الحق والغنى نعمة فينبغي بذلهما في وجوه الخير بلا بطر ولا اعتداء.
· الإحساس بالمراقبة الربانية وان جند الله يراقبونه وذلك يقتضي إحسان العمل.
· حرية الإنسان واختياره بعد تبصيره بالخير والشر وبيان طريق الحق والباطل.
· المجتمع يتواصى أفراده بالثبات وعدم الجزع كما يتواصون بالتراحم فيما بينهم.
· اقتحام العقبة ودخول الجنة والنجاة من النار مشروط بجملة أمور لا يكفيه مجرد الإيمان دون عمل صالح.

مفاهيم
قوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} …)(4)…
الإنسان بنفسه وحسه في مواجهة للحياة يكابد ما يريد ومالا يريد، وهو معرض لعقبات وقيود وعوائق وسدود، تصيبه الأمراض وتشغله القلة والكثرة والعلة والصحة والذلة والعزة، وكل ذلك ثقيل والإنسان عاجز وضعيف يتعب من الصعود والارتقاء والسير السوي المستقيم إلى الغاية المرجوة فيتردى في الطريق وينسى الغاية ويلجأ الى المسكرات والمخدرات أو يلجأ إلى بديل التفاخر والتكاثر ويلهو بقتل وقته في عد ماله حتى يأتيه الهلاك، ودنياه هاوية وكذا أخراه لأنه لم يتخط العقبة فللعقبة رجالها الذين يقتحمونها وقد استعدوا لها وهم قد عرفوا حقيقة الحياة ودور الإنسان في الصراع بين الخير والشر والصبر عند الشدائد بنفوس قوية مطمئنة بذكر الله.. لم تنهك أجسامهم الدعة والرفاهية هم جاهزون بعزم وثبات وهم منتصرون في الجولة الأخيرة من المعركة.. هؤلاء هم الناس حقاً كما يريد الله.



سورة الشمس

النفس الملهمة
والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها، ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها، قد افلح من زكاها، وقد خاب من دساها.
والشمس وضحاها: أقسم الله بذات الشمس وبضحاها أول نهارها.
والقمر إذا تلاها: أقسم بالقمر وقت إنارته بعد غياب الشمس.
والنهار إذا جلاها: جلى النهار الأرض فظهر فيها ما فيها من آيات وأقوات، أو النهار جلى الشمس فأصبحت ظاهرة جلية تضئ الأرض.
والليل إذا يغشاها: الليل وقت إخفاء الأشياء وتغطيتها على الأرض، أو الليل يغطي الشمس بعد غيابها فلا تظهر الأشياء.
والسماء وما بناها: بناء السماء وهو سقف مرفوع فوق الأرض.
والأرض وما طحاها: وطحوها هو دحوها أي بسطها في القشرة الظاهرة من وجه الأرض، أو طحاها ودحاها جعلها كالدحية أي البيضة في التكوير.
ونفس وما سواها: النفس الجانب المكلف المسئول من الإنسان، وتسويتها هو تهيئتها على فطرة سليمة محكمة أي علمها الانتقاء بين ما حوته من خير وشر.
فألهمها فجورها وتقواها: أعلمها ويسر لها في فطرتها عن فجورها أي شرها ومعصيتها، وتقواها أي خيرها وطاعتها.
قد أفلح من زكاها: فاز من طهر نفسه عن المعاصي بتركها والإقلاع عنها.
وقد خاب من دساها: خسر من أخفى نفسه وأغرقها بالمعاصي.
طغيان ثمود
كذبت ثمود بطغواها إذ انبعث أشقاها، فقال لهم رسول الله: ناقة الله وسقياها، فكذبوه فعقروها. فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها، ولا يخاف عقباها.
كذبت ثمود بطغواها: ثمود قبيلة سكنت شمال المدينة كذبت برسالة الله بسبب طغيانها وهو تجاوزها لحدود العقل والنقل.
إذ انبعث اشقاها: انطلق أكثرهم شقاوة وأخذ سلاحه لعقر الناقة، وهو أشقاهم لأنه جر أعظم بلاء عليهم.
فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها: رسول الله هو صالح عليه السلام أمرهم بالحفاظ على الناقة وعدم التعرض لها بسوء وعدم منعها من الشرب في يومها.
فكذبوه فعقروها: والتكذيب وقع من الجميع أو صراحة من بعضهم وإقراراً من الباقين فاشتركوا في الجريمة، والعقر هو القتل.
فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها: الدمدمة الصيحة المستمرة وقد نشا عنها زلزلة، وسواها أصابتهم الزلزلة جميعا فماتوا ولم يبق منهم أحد.
ولا يخاف عقباها: أي أن الله لا يخاف عاقبة هلاكهم ولا يحسب لهم حساباً ولا يهتم بهم فهم خارج دائرة الرحمة.
أحكام
· النفس بطريق الإلهام الفطري تعرف الخير والشر والفجور والتقوى.
· النفس غير البدن وغير الروح وهي محط التكليف الدنيوي والمسئولية الجزائية في الآخرة أما البدن والروح فرفيقان قرينان وشاهدان حاضران.
· بطلان مذهب الجبرية حيث اسند الفعل للعبد في الجانبين زكاها ودساها.
· الطغيان بالقوة والمال من أعظم أسباب التكذيب.
· نزول العقاب الإلهي متى عجز المستضعف عن دفعه وإزالته.
· استمرار الداعية وإصراره على البيان والتبليغ ولو كذبه قومه.
· زيادة العقاب -عقاب الدنيا مع عقاب الآخرة- في مقابل زيادة الجريمة.
· الفاعل والمقر بالفعل شريكان في الجريمة مشتركان في العقاب، والرضا بالفعل فعل حكما.

مفاهيم
قوله تعالى: {ونفس وما سواها} …(7)…
النفس هي الجانب المكلف بفعل الطاعة وترك المعصية وهي المسئولة بالحساب والميزان والمجزية بالثواب والعقاب.. هذه النفس تدخل الجسد للعمل من خلاله كما تدخله الروح وهي الطاقة المحركة للبدن، والبدن أجهزة عضوية محسوسة مكونة من ماء وتراب، والروح طاقة مجهولة تدخل بالحياة وتخرج بالممات. وعليه فإن النفس هي القائد المكلف المسؤول المجازى.
وقد خلقت النفس على الفطرة {ونفس وما سواها} وقد سواها صفحة بيضاء نقية مجهزة بالقابلية لفعل الخير والشر كما قال تعالى عنها: فألهما فجورها وتقواها. فالإنسان مخير في باب القدر بين الصعود والارتقاء وبين الهبوط والانحدار وله أن يلجأ إلى قدرة الله وقدرة الله فوق قدره والتخيير كما أخبر الله تعالى {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} وعلى الرغم من وضوح النفس والفطرة والقدر والقدرة فقد وقع خلط وقام خلاف في المفاهيم المذكورة، ولا زلنا نذوق إفراط الجبرية وتفريط القدرية.
















سورة الليل

اختلاف السعي
والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وما خلق الذكر والأنثى، إن سعيكم لشتى. فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى، وما يغني عنه ماله إذا تردى.
والليل إذا يغشى: اقسم بزمان الليل وقت تغطية الأشياء التي على الأرض بظلامه.
والنهار إذا تجلى: تجلى النهار أصبح جلياً تظهر فيه الأشياء التي على الأرض بنوره.
وما خلق الذكر والأنثى: عملية خلق النوعين الذكر والأنثى في الأجناس كآدم وحواء.
إن سعيكم لشتى: جواب القسم، والسعي العمل الكثير المستمر، وشتى مختلف من طاعة ومعصية أو خير وشر.
فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى: الذي أعطى الصدقات واتقى المحرمات وآمن بالديانة الحسنى وأصلها كلمة التوحيد.
فسنيسره لليسرى: اليسرى خلاف العسرى من التيسير والتسهيل والمراد الجنة في الآخرة.
وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى: بخل بماله فمنعه مستحقه، واستغنى عن الحاجة لغيره حسب زعمه فطغى، ولم يؤمن بأحسن الأديان واصلها كلمة التوحيد.
فسنيسره للعسرى: والعسرى أشد العسر وهو الضيق الشديد والمراد جهنم.
وما يغني عنه ماله إذا تردى: لا يفيده المال الذي جمعه وبخل به متى سقط في جهنم.
هداية الله
إن علينا للهدى، وإن لنا للآخرة والأولى، فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى.
إن علينا للهدى: حق العباد على الله هدايتهم بالبيان عن طريق إنزال الكتب وإرسال الأنبياء مع الهداية العقلية الفطرية.
وإن لنا للآخرة والأولى: لله الملك والحكم في اليوم الآخر في مصير الناس، وله الملك والحكم في تكليفهم والتشريع لهم في الدنيا.
فأنذرتكم نارا تلظى: خوفتكم من نار جهنم التي تتلهب فوق جمرها وتحرق قبل بلوغها.
لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى: لا يدخلها ولا يذوق حرها في البداية إلا اكثرهم شقاوة ثم يتبعهم الأشقياء الآخرون، وتكذيبه هو بالديانة وإعراضه هو عن الهداية.
وسيجنبها الأتقى: يبقى على جانب بعيد من النار، والأتقى الأكثر تقوى ثم يتبعه الأتقياء الآخرون.
الذي يؤتي ماله يتزكى: يعطي حق الله في ماله من صدقة وزكاة لتطهير نفسه.
وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى: وصدقته أو زكاته ليست مكافأة على حق عليه بل هي خالصة لوجه الله الأعلى في ذاته وصفاته طلباً لرضوانه.
ولسوف يرضى: يعطيه ربه في الآخرة من الثواب حتى يرضى به.
أحكام
· اختلاف المصير في الآخرة مبني على اختلاف السعي في الدنيا.
· التكاثر في الأرض في الأصل قائم على النظام الزوجي من الذكر والأنثى.
· الإخلاص شرط لقبول العمل.
· الغاية في الآخرة هي الرضوان من الرب عن عمل العبد والرضوان من العبد عن الجزاء.

مفاهيم
قوله تعالى: {وما يغني عنه ماله إذا تردى} …(11)…
السورة تدور حول أصحاب الأموال تأمرهم بالعطية والتزكية والإخلاص، وتحذرهم من البخل والرياء، وتذكرهم بأن المال في الآخرة –لو وجد- لا يصلح للفداء.
وأن المال سلاح له حدود مردية إذا جمع من حرام واستعمل في حرام، وذو حدود منجية متى جمع من حلال واستعمل في حلال، وكان وسيلة لتنمية الخير ورفع مستوى الطبقات الفقيرة والتأليف بين القلوب كي لا يكون المال دولة بين الأغنياء المستغلين الذي يتعالون في طبقية وفوقية دونها طبقة الفقراء، وتباعد الطبقات يولد التنافر والأحقاد، ويدفع الفقراء للثورة الشيوعية المدمرة في مواجهة الطبقية الرأسمالية المستغلة الجشعة.



















سورة الضحى

ترضية الرسول صلى الله عليه وسلم
والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى، وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى. ألم يجدك يتيما فآوى؟ ووجدك ضالاً فهدى؟ ووجدك عائلا فأغنى؟ فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر، وأما بنعمة ربك فحدث.
والضحى، والليل إذا سجى: الضحى أول النهار والضوء فيه قوي صاف، وسجى الليل سكن فلا تسمع صوتا أو غطى فلا ترى شيئا.
ما ودعك ربك وما قلى: بداية جواب القسم، وودعك تركك وقطع الوحي والنبوة عنك، وقلاك هجرك وأبغضك.
وللآخرة خير لك من الأولى: حالك في الآخرة في الجنة خير من حالك في الدنيا وهو وعد وبشرى بالجزاء لمواصلة العمل والجد فيه.
ولسوف يعطيك ربك فترضى: يعطيك في الدنيا والآخرة من النعم حتى درجة القبول والرضى.
ألم يجدك يتيما فآوى: اليتيم من فقد أباه صغيراً فآواه بأن جعل له مأوى عند جده ثم عمه.
ووجدك ضالاً فهدى: الضلال الضياع المؤدي للهلاك والمراد عدم معرفة الحق قبل النبوة فهداه الله بالنبوة إلى معرفة الحق.
ووجدك عائلا فأغنى:العائل الفقير الذي يعول غيره وقد أغناه الله بمال زوجته.
فأما اليتيم فلا تقهر: القهر الغلبة بالقوة والمقهور هو العاجز عن دفع القهر، والمراد مواساة اليتيم وتأمينه وعدم إكراهه على شيء بغيض.
وأما السائل فلا تنهر: السؤال طلب الشئ كالعلم والمال، ونهره زجره والمراد إجابة طلبه أورده بالحسنى.
وأما بنعمة ربك فحدث: نعم الرب أفضاله في الأنفس والآفاق ظاهرة وباطنة، والحديث بها: ذكرها والشكر عليها وأداء حقوقها وإظهار آثارها في المأكل والملبس والمركب والصدقة…
أحكام
· نفي التوديع والقلي من الله للنبي إثبات لوجوب صلته ومحبته صلى الله عليه وسلم من المؤمنين.
· إيثار الآخرة وعدم الاغترار بالدنيا.
· حرمة قهر اليتيم ووجوب إيوائه ورعايته.
· هدايةالناس بتبليغ الدعوة وبيان الحق لهم وإخراجهم من الضلال.
· إجابة السائل في العلم والمال وعدم زجره وإيذائه.
· الإعلان عن نعم الله شكرا للمنعم واعترافا بالفضل والجميل.
· مساعدة الأغنياء للفقراء بإغناء العائل منهم لمنع الطبقية الجائرة بين الأغنياء والفقراء.
· الإهتمام بتربية الداعية فقد ربى الله نبيه وأحسن تربيته ثم ربى البشرية به.

مفاهيم
قوله تعالى: {ما ودعك ربك وما قلى} …(3)…
سخر الله للنبي صلى الله عليه وسلم جده وعمه وهو يتيم، وأغناه بمال زوجته من فضله وهو فقير، ثم هداه إلى الدين وهو ضال فأوحى إليه بالنبوة وأرسله إلى البشرية وكان رحمة للعالمين… شخص واحد يواجه أهل الأرض في معارك وينتصر فيها جميعا، وقد انتصر على نفسه وعلى أهله وعشيرته وقومه والناس جميعا… قد رباه ربه وأعده للدور الخاتم فقام صلى الله عليه وسلم بتربية أتباعه حتى كانوا خير أمة أخرجت للناس.















سورة الشرح

ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم
ألم نشرح لك صدرك؟ ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك؟ ورفعنا لك ذكرك؟ فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً. فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب.
ألم نشرح لك صدرك: جوابه بلى قد شرحت صدر النبي صلى الله عليه وسلم لإخراج حظ الشيطان منه أو أوسعته ليتحمل الشدائد ويصبر على قوم مثل العرب في جهلهم وجاهليتهم.
ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك: أزاح عنك الحمل الثقيل الذي كاد أن يقصم ظهرك فأراحك من مشاق الحمل.
ورفعنا لك ذكرك: جعلناك شريف الذكر رفيع المقام حيث ذكرت في الشهادة والشفاعة.
فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً: العسر الضيق والشدة وخلافه اليسر وهو الفرج والسهولة.
فإذا فرغت فانصب: الفراغ الخلو من العمل، والنصب بذل الجهد لملء الفراغ بالاجتهاد في العبادات والقربات.
والى ربك فارغب: الرغبة في مقابل الرهبة لله وحده بالإخلاص في العمل واجتناب الشرور.
أحكام
· من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم: شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر.
· تمجيد الرسول وتشريفه وتقديمه على أقرب الناس بل حتى على النفس.
· تكرار اليسر وتوحيد العسر فيه تغليب للرجاء.
· الصبر عند العسر وانتظار الفرج فلن "يغلب عسر يسرين".
· ملء الفراغ بالعبادة الجادة التي تتعب فإن الأجر على قدر المشقة.
· الإخلاص في العمل والتوجه إلى الله وحده بلا رياء ولا سمعة فإن الله يتقبل من المتقين.

مفاهيم
قوله تعالى: {فإن مع العسر يسرا} …(5)…
روي أن العسر يقابل يسرين ولن يغلب العسر يسرين، وتعليل الغلبة أن العسر أعيد معرفة فالثاني عين الأول فهما واحد أما اليسر فقد أعيد نكرة فالثاني غير الأول فهما اثنان.
ومعلوم ان العسر من غضب الرب وأن اليسر من رحمته، والمروي أن رحمته تغلب غضبه وقد كتب تعالى الرحمة على نفسه، وعليه فإن رجاء المؤمن وحسن ظنه يغلب يأسه وخوفه، والرب كريم رحيم يشرح الصدور ويدفع المخاوف والأحزان ويحط الأوزار، إنما يلزم لأهل الإيمان الصبر ولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فقد صبر على أذى قومه حتى أصلحهم الله به وتبعوه وسعدوا به وسعد بهم.

سورة التين

تقويم الإنسان
والتين، والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين، لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون. فما يكذبك بعد بالدين؟ أليس الله بأحكم الحاكمين؟.
والتين والزيتون: أقسم بشجرتين مثمرتين تتخذان فاكهة وقوتاً وقد شبه نوره بنور زيت الزيتون.
وطور سينين: جبل بسيناء كلم الله عنده موسى.
وهذا البلد الأمين: البلد مكة جعلها الله حرماً آمنا وجعل بيته العتيق فيها.
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم: جواب القسم والإنسان مخلوق في أحسن قوام بالنسبة للمخلوقات الأرضية الأخرى.
ثم رددناه أسفل سافلين: في نهاية حياته الدنيوية أرجعناه إلى أسوأ حال، أو المقصود في الآخرة ويكون القصد العاصين الفاسقين لإستثناء المؤمنين من ذلك.
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون: استثنى من السافلين في الآخرة من جمع بين الإيمان الباطن والعمل الصالح الظاهر وكافأهم على ذلك بأجر غير مقطوع.
فما يكذبك بعد بالدين: استفهام للاستنكار عليهم في عدم تصديقهم بدين الله أو إنكارهم ليوم الدين.
أليس الله بأحكم الحاكمين: جوابه بلى، والأحكم من الحكم والحكمة وهو التلبس بالحكمة ومنع السفه، والله أحكم الحاكمين أقام كل شئ على ما يناسبه من حال.
أحكام
· تقديس جبل الطور ووادي "طوى" حيث كلم الله موسى عندهما.
· البلد الأمين مكة حكم الله بالأمان فيها للإنسان والحيوان والنبات.
· تكوين الإنسان النفساني والجسماني في القمة بالنسبة للحياة على الأرض حتى عظمت سيادته ومسؤوليته.
· الإنسان مخير بين الارتقاء والانحدار والجزاء الأخروي مرهون بالعمل الدنيوي.
· نعيم الجنة لا ينقطع حسب المواسم والأماكن كما هو الحال في الدنيا.
· *المكافأة على العمل بالأجر دون تأخير.
· اقتران الإيمان بالعمل الصالح هو على سبيل التلازم والتكامل واحتماعهما متعين ولا يكفي أحدهما.
· الإجابة على أسئلة القرآن بالجواب المناسب، فقوله: أليس الله بأحكم الحاكمين؟ جوابه: بلى.

مفاهيم
قوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} …(4)…
الإنسان يقف على قمة الهرم بين الحيوانات في اعلى السلم وفي أحسن تقويم: في اعتدال قامته وتكامل أجهزته العضوية، وفي نفسه وتكامل أجهزته العصبية وقواه العضلية، وقد تميز الإنسان بقوة الذاكرة والقدرة الفائقة على الاختزان وتجميع الخبرة فكان الإنسان بحق سيد الأرض أو خليفتها كما سماه أحكم الحاكمين، لكن هذه الصورة الحسنة للإنسان لا تدوم على طول ولا تبقى على حال لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولذلك يفاجأ الجميل بتغير صورته الجميلة، كما يفاجأ صاحب الأعضاء المتناسقة والقوة الفائقة وصاحب العلم والذكاء الذي تهاجمه السنين بالتغير الكبير من الداخل والخارج بالأمراض النازلة حتى يصبح بائسا كعرجون قديم ثم يكون جيفة وطعاماً للديدان والحشرات وفي الآخرة خسارة كبرى.. إلا الذين رحمهم الله ممن آمنوا وعملوا الصالحات.











سورة العلق

القراءة باسم الرب
اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق. إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان مالم يعلم.
اقرأ باسم ربك الذي خلق: الأمر بذكر اسم الرب في بداية القراءة لأنه تعالى خلق الإنسان وعلمه.
خلق الإنسان من علق: هذا طور من أطوار خلق الإنسان وتكوينه، وهو علق لأنه يتعلق بجدار الرحم والمراد أنه عاجز مهين.
إقرأ وربك الأكرم: تأكيد الأمر بالقراءة لأهميتها وهي منحة عظيمة من الرب.
الذي علم بالقلم: علم طريقة الكتابة برسم الحروف والرموز الموضوعة.
علم الإنسان ما لم يعلم: يولد الإنسان جاهلاً فيعلمه الله العلوم الدينية والدنيوية بأسبابها.
طغيان الإنسان
كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، إن إلى ربك الرجعى. أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ؟ أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى؟ أرأيت إن كذب وتولى؟ ألم يعلم بأن الله يرى؟ كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة. فليدع ناديه، سندع الزبانية كلا لا تطعه واسجد واقترب.
كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى: ردع الإنسان عن الطغيان وتجاوز الحدود الشرعية أو الفطرية بسبب الاستغناء بالمال أو القوة أو بالعلم أو النسب.
إن الى ربك الرجعى: تذكير بالرجوع إلى الله بعد الموت للحساب والجزاء.
أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى: ما رأيك أو ما رؤيتك في هذا الطاغية الذي ينهى عبداً صالحاً عن أداء الصلاة لربه وهذا تشنيع وتهويل لجرمه وتحقير لشأنه.
أرأيت إن كان على الهدى او أمر بالتقوى: هذه صفة العبد المصلي فهو على طريق الهداية والحق يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بان الله يرى: صفة للطاغية الذي كذب بالدين وتولى عن الإيمان والتصديق وهو لا يحسب حساباً لمراقبة الله فهو معاند طاغية باغية.
كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية ناصية كاذبة خاطئة: تهديد له عن الاستمرار في الإيذاء والاعتداء حيث تغلظ له العقوبة بالسفع وهو الدفع بالناصية اعلى الجبهة وهي موضع التكريم، والمراد إيلامه وإذلاله، وناصية الطاغية كاذبة غير صادقة ومخطئة غير مصيبة ويقال أن الناصية مركز التفكير في الإنسان.
فليدع ناديه: فليطلب المساعدة من أصحابه أو أعوانه الذين ينصرونه حسب زعمه.
سندع الزبانية: لنصرة دين الله والدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبانية هم حراس جهنم الذين يدفعون الناس إلى النار ويعاملونهم بغلظة وشدة والواو في الفعل "سندعو" لا تكتب ولا تلفظ.
كلا لا تطعه واسجد واقترب: الخطاب للمكلفين وأولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاه عن طاعة الطاغية ويأمره بالسجود لله والخضوع له والاقتراب منه بأنواع الطاعات.
أحكام
· البدء باسم الله والاستعانه به في كل أمر فهي شعار المسلم في حياته يتميز به عن الذين يبدأون بأسماء من دونه.
· ارتقاء الإنسان بالعلم بطريق القلم والقراءة وذلك يوجب القضاء على الجهل ومحو الأمية ونشر العلوم بكافة الوسائل.
· الاستغناء لأي سبب كالمال والسلطان هو طريق الطغيان والإنحراف عن الشريعة والفطرة.
· وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
· أهمية المحافظة على الصلاة وحرمة تركها أو منعها.
· تحدي الطغاة والثورة عليهم في أي موقع كانوا.
· تجاوز الحد في الطغيان والظلم من أسباب تعجيل العقوبة الأخروية أو مضاعفتها بالجمع بين العقوبتين الدنيوية والأخروية.

مفاهيم
قوله تعالى: {علم الإنسان ما لم يعلم} …(6)…
يولد الإنسان من أبويه لا يعلم شيئاً.. عاجزاً معدوداً بين أضعف المخلوقات في طفولته، ولكنه تميز بعلمه الذي رفعه الله به بداية بالأب الأول آدم الذي تعلم الأسماء وسجدت له ملائكة السماء، ثم الذين ورثوا العلم ونالوا نصيبهم من الشرف والرفعة {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}.
وما أصبح الإنسان خليفة في الأرض إلا بعلمه الذي ورثه الخلف عن السلف، تناقلوه وعقلوه فزادوه ونوعوه، وما قامت حضارة في الأرض إلا على قواعد العلوم، وتقدم الإنسان دون غيره من الحيوانات هو بسبب توارث العلم ونقله من المتقدمين إلى المتأخرين فعلوم المتقدمين تجربة وخبرة وذاكرة للمتأخرين.











سورة القدر

ليلة القدر
إنا انزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر؟ ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر.
إنـا أنـزلناه فـي ليـلة القـدر: الجمـع في إنا أنزلناه لحصول الإنـزال من الله وجنـوده، والمـنزل هو القـرآن، والليلة من غروب الشمـس إلى طلـوع الفجر، والقدر هو مقادير الأمور المدونة في اللوح المحفوظ وفيها القرآن الذي بدا نـزوله في هذه الليـلة أو نزل كله إلى السماء الدنيا.
وما أدراك ما ليلة القدر: نفي إدراك النبي صلى الله عليه وسلم لحقيقة وموعد هذه الليلة تعظيما لها وتمهيدا لبيانها.
ليلة القدر خير من ألف شهر: خير مفاضلة أي أكثر خيراً، وألف شهر تعادل ثلاثة وثمانين عاما وأربعة أشهر.
تنزل الملائكة والروح فيها: الملائكة جمع ملك بمعنى الرسول، والروح مخلوق من مخلوقات الله الغيبية ويقال هو جبريل من الملائكة خاصة.
بإذن ربهم من كل أمر: إذن الرب ما أمر بإنفاذه، والمراد من الأمر إظهار الأشياء وتحويلها وإنهاؤها.
سلام هي حتى مطلع الفجر: سلام من الله أو من الملائكة والروح بعضهم لبعض أو لغيرهم، والسلام هو الأمان من الخوف والحزن، ومطلع الفجر نهاية الليلة، وسمي الفجر لانفجار الضوء بعد انتهاء الليل.
أحكام
· استعمال الواحد لصيغة الجمع يفيد التعظيم، والمسوغ أن الفعل قام به جماعة بأمر الواحد {ولله جنود السموات والأرض}.
· رحمة الله بالإنسان وتكريمه له بإنزال القرآن من اللوح المحفوظ من السماء العالية البعيدة إلى متناول الإنسان.
· تخصيص بعض الازمنة كليلة القدر بفضيلة المضاعفة بمقدار ألف شهر أي حوالي ثلاثين ألف ضعف من الليالي ولو عدت الأيام لكان أكثر.
· الروح ليس من الملائكة بدليل العطف وهو للمغايرة، والملائكة معروفون والروح من أمر الله غيب مجهول، فإذا كان المراد به جبريل فتخصيصه بالذكر تشريف له وتعظيم لوظيفته.
· المقادير نسبية تبعاً للمقدرات من بدايتها إلى نهايتها، ووجود مقادير زمنية محددة سنوية تبدأ بليلة القدر.
· الليلة المعروفة لدى الناس تبدأ من غروب الشمس وتنتهي بطلوعها، وعند المسلمين تنتهي بطلوع الفجر.
· الحكم بالسلام والأمان بين كل أهل الارض في ليلة القدر ومنع الفساد والإفساد، والليلة تدور مع الأرض لتستمر بركتها في أكثر من مكان وزمان.

مفاهيم
قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} …(1)…
والقدر له ليلته السنوية تكتب فيه المقادير من اللوح المحفوظ وفي صحف تحملها الملائكة وتنزل بها لتحقيقها في عالم الواقع، وينزل الروح لينفخ في الأجساد ويحييها، والقدر على هذا الظاهر هو جبر لأن كل الأمور الواقعة مقدرة من الله، وليس هذا على الإطلاق فقد أعطى الله إنسانه اختياره ووعده بإجابة طلبه في دعائه فالقدرة تغير القدر.
وليلة القدر فرصة للجادين في الطلب من كريم يعطي مقابل الليلة أجر ألف شهر أي ثلاثاً وثمانين عاما وأربعة أشهر وهو كثير، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.















سورة البينة

تفرق الكافرين
لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة: رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة، فيها كتب قيمة. وما تفرق الذين أتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة، وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة.
لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة: الذين كفروا من الكفر وهو التغطية وستر الدين ومخالفته، وأهل الكتاب اليهود وكتابهم التوراة والنصارى وكتابهم الإنجيل، والمشركون الوثنيون من عبدة الأصنام المنتسبون إلى حنيفية إبراهيم، وهذه الفرق لا زالت منفكة أي مستمرة مجتمعة على الكفر وتفترق بمجئ البينة.
رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة: الرسول من الملائكة كجبريل ومن الناس كمحمد يقرأ القرآن من صحف الألواح المطهرة من النجاسة أو الكفر والمعصية.
فيها كتب قيمة: في صحف القرآن كتب جمع كتاب وهو الأمر المكتوب أي المفروض الواجب، وهذه الكتب قيمة ضرورية ومهمة لفلاح الدنيا ونجاة الآخرة.
وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة: صرح بتفرق أهل الكتاب إلى مؤمنين وكافرين وتفرق المشركين من باب أولى.
وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء: هذا مضمون الكتب وهو الأمر بعبادة الله وحده والإخلاص له والميل عن الباطل.
ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة: إقامة الصلاة أداؤها كاملة، وإيتاء الزكاة دفعها لمستحقيها.
وذلك دين القيمة: ذلك التعبد بإخلاص الحنيفية مع الصلاة والزكاة هو طريق الدين القيم أي المقبول المأجور عليه.
جزاء الآخرة
إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه.
إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية: الكافرون من اليهود والنصارى والوثنيين المشركين جزاؤهم في الآخرة دخول جهنم والخلود فيها إلى الابد وهؤلاء هم شر البرية أي المخلوقات التي برأها الله سبحانه.
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية: الذين جمعوا بين الإيمان الباطن والعمل الصالح الظاهر هم أفضل المخلوقات التي برأها الله سبحانه.
جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار: جزاؤهم في الآخرة، وهم مقربون عند ربهم يعيشون في بساتين كثيرة الأشجار والعمران وهي جنة عدن أي إقامة، وإقامتهم فيها دائمة، وفيها أنهار الشراب تجري من تحت القصور والأشجار.
خالدين فيها أبدا: الخلود البقاء الطويل، والتأبيد على الدوام ما دامت السماوات والأرض أو ما دامت الجنة قائمة إلى ما شاء الله.
رضي الله عنهم ورضوا عنه: قبل الله أعمالهم الحسنة وقبلوا جزاءه وهو نعيم الجنان.
ذلك لمن خشي ربه: ذلك المذكور من الجنان والرضوان خاص بأهل الخشية وأولاهم العلماء الذين يخافون ولا يأمنون مكر الله فيحسنون الأعمال.
أحكام
· كفر أهل الكتاب وكفر المشركين وهم في الجزاء سواء وإن اختلف الحال في الدنيا من حيث التعامل معهم.
· التفرق مع قيام الحق خير من الوحدة مع الاجتماع على الباطل.
· وظيفة الدعاة من الأنبياء والعلماء هي الأمر بعبادة الله والإخلاص في الدين على الحنيفية السمحة.
· أهمية الصلاة البدنية لأنها صلة مع الله وأهمية الزكاة المالية في تكافل المجتمع وهما من أركان الدين.
· الخلود الأمدي محدود بزمان وكذلك الأبدي –ما دامت الأمكنة كالسماوات والأرض والجنة والنار- والخلود المطلق لله وحده.
· رضوان الله ودخول الجنان مرهون بخشية الله، والعلماء من أهل الخشية {إنما يخشى الله من عباده العلماء}.

مفاهيم
قوله تعالى: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} …(8)…
الله رب معبود والمكلفون عبيد عابدون له حقه ولهم حقهم، وإذا ما أتى كل بالحق الذي عليه تحصل المراد في أعظم الثمرات واعلى المطالب وذلك ببلوغ الرضى من الرب ومن العبد، وغاية العبد في دنياه رضى ربه عنه بتوفيقه وتحقيق أمانيه، والغاية في الآخرة الزحزحة عن النيران وخول الجنان. ورضى الرب هو في طاعة العبد وترك العصيان ولذلك خلق الإنسان بل الخلق كله كما قال تعالى في الإنس والجن {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وقال عن السماوات والأرض {أتينا طائعين} والرضوان مقام رفيع أعطاه المولى للمصطفى صلى الله عليه وسلم {ولسوف يعطيك ربك فترضى} وهو للمؤمنين كذلك {رضي الله عنهم ورضوا عنه}.
وأن يرضى الله عن عبده فشأن مفهوم ومعهود أما أن يرضى العبد عن ربه فمقام كريم يرفع الإنسان إليه. اللهم فأرفعنا إليه ومعنا من نحب.













سورة الزلزلة

أخبار الأرض
إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان مالها؟ يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها. يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
إذا زلزلت الارض زلزالها: اضطراب الأرض وتحركها الذي يصيبها كلها.
وأخرجت الارض أثقالها: أخرجت الأرض ما في داخلها من أقوات وأموات، أو ما يستقر في باطنها من لب ثقيل.
وقال الإنسان ما لها: بعد رجوعه إلى الحياة ووقوع التغيير والتبديل فيتساءل متعجباً.
يومئذ تحدث أخبارها: يوم القيامة تسترجع الأرض الوقائع التي وقعت عليها وبخاصة ما يتعلق بأحوال المكلفين والله أعلم بكيفية تحدثها.
بأن ربك أوحى لها: أوحى للأرض بأن أمرها بالحديث فاستجابت.
يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم: يخرجون متفرقين من مقابرهم التي بعثوا منها ليريهم الله أعمالهم الحسنة والسيئة.
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره: الحساب يتعلق بالميزان الذري الدقيق، والذرة النملة الصغيرة من الحيوان أو الهباءة من الجماد ومثل هذا المقدار معتبر وله الثواب.
ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره: الشر مقابل الخير، ومثقال ذرة وزنها، وصاحب الشر يرى العقاب في السيئة مهما قلت.
أحكام
· من أعظم أهوال يوم القيامة ما يصيب الأرض التي يعيش الإنسان عليها وهو الزلزال الكبير.
· الحديث والنطق للإنسان والحيوان والجماد أيضا.
· الوحي الإلهي يشمل الملائكة والإنسان والحيوان والجماد.
· التقويم أو التقسيم الأخروي قائم على العدل في العمل خيرا وشرا.
· الميزان الأخروي ميزان ذري دقيق يتعلق بأقل الأوزان والأثقال.
· الجزاء من جنس العمل على وفقه وبمقداره.

مفاهيم
قوله تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} …(1)…
أرض ذات أقوات موقوتة لامتحان الإنسان، والإنسان يأخذ منها بمقدار، ويستمر الامتحان حتى يقع الزلزال الكبير، ويبدأ الحديث الطويل وينصب الميزان الذري الذي يتعلق بمثقال ذرة من خير أو شر، ومثل هذا الميزان يضع الإنسان أما حقيقة هي الجدية والعزيمة على عدم تضييع الوقت في غير الخير، وحديث الآخرة حديث كامل مفصل تشهد فيه المادة بما فيها أجهزة الإنسان وأعضاؤه، فكل شيء شاهد وليس للإنسان من مهرب وملجأ، وفي هذا بلاغ لمحاسبة النفس وإحسان العمل من قبل أن يحاسبها ربها فيجازيها بسوء الجزاء.

سورة العاديات

كنود الإنسان
والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا، فأثرن به نقعا، فوسطن به جمعا. إن الإنسان لربه لكنود، وإنه على ذلك لشهيد، وإنه لحب الخير لشديد. أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور؟ إن ربهم بهم يومئذ لخبير.
والعاديات ضبحا: أقسم بالعاديات وهي المراكب كالخيل التي تجري وتسمع أصواتها أثناء جريها.
فالموريات قدحا: الموريات الموقدات توري قدحا أي تشعل نارا بسبب سرعتها.
فالمغيرات صبحا: الاغارة الهجوم على الأعداء في وقت الصباح الباكر على حين غرة.
فأثرن به نقعا: انتثار الغبار بسبب الحركة الكثيرة.
فوسطن به جمعا: أحاط المهاجمون بجمع من الأعداء وحاصروهم.
إن الإنسان لربه لكنود: جواب القسم، والإنسان على العموم كنود جحود لا يشكر نعم الرب ولا يؤدي الحقوق الواجبة عليه.
وإنه على ذلك لشهيد: يشهد الإنسان على كنوده بأعمال ظاهرة محسوسة يؤديها باليد والرجل والسمع والبصر.
وإنه لحب الخير لشديد: الشدة القوة والمراد بالخير المال يشتد حبه له فيبخل به ولا ينفقه في سبيله.
أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور: الجواب بلى، وبعثرة القبور بحثها لإخراج من فيها من الموتى وإحيائهم.
وحصل ما في الصدور: أي النيات والضمائر بإظهارها حتى تكشف وتعرف.
إن ربهم بهم يومئذ لخبير: الخبرة العلم بدقائق الأشياء وحقائقها، أو الذي ينقل عن طريق الإخبار من قبل الملائكة أو الشهود.
أحكام
· الاهتمام بالجهاد ومراحل القتال ووسائله.
· جحود الإنسان وكفرانه بالنعم وعدم قيامه بما يجب عليه نحو ربه وذلك هو الغالب ويخرج من رحمه الله.
· شهادة الإنسان على نفسه وشهادة ربه عليه فلا يضيع عمله.
· الحب الشديد للمال حاجز حاجب ومتاع غرور يفسد النفس ويبطل العمل ويحجب عن معرفة الحق.
· كشف ما في الصدور لفضح المنافقين العصاة.

مفاهيم
قوله تعالى: {والعاديات ضبحاً} …(1)…
الجهاد جهاد النفس بالتخلي عن الكنود وعن جحود نعم الرب بالتخلص من الحب الشديد للمال وسيطرته على صاحبه، والجهاد أيضا قتال الأعداء واتخاذ الأسباب "كالعاديات الموريات المغيرات" ولا بد من مرارة الجهاد المادية والمعنوية فهو كالدواء لا بد منه لتحقيق الشفاء والقضاء على الداء.
والقرآن في كثير من سوره كالعاديات هو مدرسة المجاهدين تقام فيه دروس الجهاد بشواهد الحياة ومشاهد التاريخ بما فيها من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد.


















سورة القارعة

موازين القارعة
القارعة ما القارعة؟ وما أدراك ما القارعة؟ يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش، فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية، وما أدراك ما هيه ؟ نار حامية.
القارعة: الآخرة تقرع الناس بأهوالها.
وما أدراك ما القارعة: أنت بعيد عن معرفة القارعة لأنها غيب مستقبل وهي من العظمة التي يتعذر إدراكها وهذا تمهيد للبيان.
يوم يكون الناس كالفراش المبثوث: يوم القيامة يبعث الناس من قبورهم كالحشرات الطائرة التي تفترش الأرض متفرقة ثم تجمع في موعد الحشر ومكانه.
وتكون الجبال كالعهن المنفوش: الجبال الثقيلة تفقد أوزانها وتصبح خفيفة كالصوف المندوف تتطاير في الهواء.
فأما من ثقلت موازينه: رجحت أوزان حسناته على أوزان سيئاته.
فهو في عيشة راضية: العيشة التي يحياها الإنسان، وراضية يتحقق فيها الرضى لانتفاء المكاره.
وأما من خفت موازينه: لرجحان سيئاته على حسناته بسبب خفة الحسنات وثقل السيئات.
فأمه هاوية: أمه المكان الذي يؤمه أي يأوي إليه كما يأوي الولد إلى أمه، وهاوية المكان الذي يهوي فيه أي يسقط ويتردى إليه.
وما أدراك ما هيه: الخطاب للمكلف الذي لا يدري حقيقة الهاوية، وأول المخاطبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والهاء في "ماهيه" للسكت والأصل ما هي؟
نار حامية: بيان لنوع العذاب الموجود في الهاوية وهي النار، ووصفها بالحامية لزيادة حرارتها.
أحكام
· عدم علم الرسول بالغيب إلا ما أخبره الله به كالعلم بالقارعة.
· فقدان الأجسام يوم القيامة لأوزانها فالإنسان كالفراش والجبال كالعهن.
· العبرة بالحساب يوم القيامة على الثقل والخفة في الموازين.
· التوضيح والبيان عن طريق التشبيه بالحيوان والجمادات.
· النعيم في الجنة والعذاب في الجحيم ثابت محسوس.

مفاهيم
قوله تعالى: {القارعة} …(1)…
القارعة تقرع الناس بأهوالها ومن ذلك موازينها التي تثقل بالحسنات وتخف بالسيئات، ويتقرر بموجب ذلك عيشة راضية أو هاوية في نار حامية، ودقة الميزان وراء النجاة بأقل خير والهلاك بأقل شر، وعلى ذلك فلا يستصغر خير مهما قل ولو شق تمرة أو سقيا كلب وفي كل كبد رطبة أجر، وينبغي الانتهاء عن الشر ولو منع هرة وحبسها عن طعامها وشرابها.
والحريص العاقل من يراقب ميزانه في دار العمل قبل دار الجزاء ويثقل ميزانه بصالح الأعمال ويتخفف من السيئات باجتناب المعاصي والمحرمات.
سورة التكاثر

التلهي بالتكاثر
ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر. كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون، كلا لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم، ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم
ألهاكم التكاثر: انشغلتم بالجمع وتكثير المال والولد وغيرهما كالجاه والسلطان.
حتى زرتم المقابر : الموتى يزورون المقابر ويدفنون فيها، أو الأحياء يزورون قبور الموتى فيعتبرون بها.
كلا سوف تعلمون: سوف تعلمون حقيقة الدنيا وأن التكاثر لهو وانشغال عن حقيقة الحياة.
ثم كلا سوف تعلمون: سوف تعلمون أكثر في الدنيا والآخرة.
كلا لو تعلمون علم اليقين: اليقين درجة من درجات العلم وهو معرفة الشئ بلا شك ولا شبهة.
لترون الجحيم: رؤية الجحيم واقعة للناس جميعا.
ثم لترونها عين اليقين: نوع من العلم سببه الرؤية بالعين وهو أوكد أنواع العلم.
ثم لتسألن يومئذ عن النعيم: السائل هو الله وجنوده يسألون المكلفين عن الحساب،والنعيم النعم التي رزقهاالله في الدنيامن طعام وشراب وكساء وإيواء…
أحكام
· ذم التكاثر المؤدي إلى التفاخر واللهو والانشغال عن العبادة.
· مشروعية زيارة المقابر لمنع النفس من اللهو والاغترار بالدنيا.
· العلم درجات حسب تعلقه، وعلم العين في الرؤية أوكد من غيره كسمع الأذن.
· كل الناس سيرون جهنم ثم ينجي الله المؤمنين ويذر الظالمين فيها.
· المسئولية الجزائية تجاه النعم ووجوب القيام بشكر المنعم تعالى.
· التكرار للتوكيد وتثبيت المعنى والاهتمام بالأمر المطلوب.

مفاهيم
قوله تعالى: {ألهاكم التكاثر} …(‍1)…
الحياة الدنيا ميدان منافسة على المتاع الغرور حول طعام وشراب ولباس وسكن ونكاح ومال…
وكل هذا يتلهى الإنسان بجمعه وهو في الحقيقة ينتهي إلى ما ينتهي إليه دون اخذ العبرة منه، ولو نظر الآكل إلى طعامه عند دخوله حتى خروجه، واللابس الى ثيابه بعد الاستعمال، والى المركوب بعد مضي السنين، والى السكن عندما يصبح أطلالا وركاما، والى المنكوح… ولكن الإنسان في غالب أحواله لا ينظر بالبصر ولا يدرك بالبصيرة فلا يرى الحقيقة الا بعد موته حيث يكون بصره حديدا والحقيقة ماثلة للعيان وتكون البصائر بلا حجب ولا فواصل ويندم الإنسان ولا ينفع الندم.


سورة العصر

شروط النجاة
والعصر، إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
والعصر: الزمان عامة أو آخر اليوم مقابل الضحى، أو من عصر الشيء لإخراج ما فيه كما في قوله تعالى: وانزلنا من المعصرات ماء ثجاجا.
إن الإنسان لفي خسر: الإنسان في الغالب خاسر في دنياه لغلبة شهوته وشقوته.
إلا الذين آمنوا: الشرط الأول للنجاة وهو الإيمان بالالتزام بالدين كله باطناً.
وعملوا الصالحات: الشرط الثاني وهو العمل بالدين ظاهراً.
وتواصوا بالحق: الشرط الثالث: أمر بعضهم بعضا واجتمعوا على قبول الحق والعمل به وحمايته، والحق هو الثبات مقابل الباطل الزائل والمراد الثوابت الدينية التي أمر الله بها.
وتواصوا بالصبر: الصبر حبس النفس على الطاعة وعن المعصية والانتهاء عن الجزع.
أحكام
· القسم بالعصر وتعظيمه إرشاد الى الاهتمام بالوقت واستغلاله وعدم تضييعه وإهداره وقد تقدم ويزاد هنا الاهتمام بعصر السحب في المطر وعصر المواد الزيتية في الصناعة.
· خسارة الإنسان بسبب سهولة الانحدار والوقوع في الشهوات والملذات وصعوبة اتباع الحق لأنه أشبه بالصعود.
· شروط النجاة الأربعة هي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
· التواصي بالحق هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولازمه إقامة الدولة الإسلامية التي تقوم على ذلك.
· الصبر هو الأساس لقيام الدين كله والدنيا كذلك فما من تكليف الا وجذره الصبر.

مفاهيم
قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر} …(2)…
سورة من أقصر السور لكنها كبيرة بمعانيها وأهدافها فهي تتعلق بأسباب النجاة من الخسران المؤكد، وهذه الأرض مزرعة يعمل فيها الناس للإصلاح أو الإفساد، وفي يوم الميعاد حصاد الثمار طيبة حلوة أو خبيثة مرة حسب الجهد المبذول.
وأكثر الناس خاسرون لأن الانحدار والسقوط أيسر والناجون قليلون لأنهم يصعدون، والشروط قاسية صعبة فهي إيمان باطن وعمل صالح ظاهر مع شرطين يتعلقان بالمجتمع أحدهما التواصي بالحق ومواجهة الباطل في الأرض كلها ومن الباطل الظلم والاعتداء، والشرط الأخير هو التواصي بالصبر والثبات عليه.
وترتيب الشروط مقصود فهو قائم على الإيمان الذي هو أساس الدين ثم لازمه العمل الصالح الظاهر الذي يسمى بالإسلام يلي ذلك سلطان الدولة التي ترعى الحق وفي الأخير الشرط الجامع وهو الصبر الذي يدخل في كل تكليف.
سورة الهُمزة

الهُمزة اللمزة
ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالاً وعدده يحسب أن ماله أخلده، كلا! لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة؟ نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة.
ويل لكل همزة لمزة: تهديد بالهلاك، والهمزة من الهمز وهو كسر الشئ ويراد به السخرية والاستخفاف وغلب في الغمز بالعين، واللمزة كالهمزة وغلب في اللسان ويكون بالإشارة والعبارة.
الذي جمع مالاً وعدده: الجمع من حلال وحرام، وعدده انشغل بعده وتخزينه وادخاره واحتكاره.
يحسب ان ماله أخلده: يظن أن المال سبب الخلود وعدم الموت والخلاص من العذاب والعقاب.
كلا لينبذن في الحطمة: زجر لحسبانه وتأكيد على نبذه أي طرحه في الحطمة التي تحطم الإنسان في جسده ونفسه.
وما أدراك ما الحطمة: نفي العلم لأن الحطمة غيب في علم الله، وهو تعظيم وتمهيد للبيان.
نار الله الموقدة: الإضافة للتهويل، وموقدة مشتعلة على الدوام لا تضعف ولا تنطفئ.
التي تطلع على الأفئدة: التي تخترق ظاهر الجسم وتصل بحرارتها إلى الفؤاد بالداخل، والأفئدة هي القلوب.
إنها عليهم مؤصدة: مطبقة عليهم بإحكام لا يقدرون على الخروج والخلاص.
في عمد ممددة: تصل إليهم نارها في أنابيب ممددة إليهم خاصة بهم.
أحكام
· تكريم الناس وإنزالهم منازلهم.
· تحريم الهمز واللمز وهو التعييب والانتقاص بأي صورة ووسيلة كالعين واللسان وإشارة اليد بالكلام أو الرسم أو بأية صورة من صور الإيحاء بالسخرية والاستخفاف.
· ذم الانشغال بجمع المال وتعداده على حساب الواجبات والتكاليف.
· الانشغال بالعبادة والانصراف للطاعات وعدم تضييع الوقت فيما لا خير فيه ولا فائدة منه كالزائد عن الحاجة من المال والمتاع.
· شدة التعذيب بالنار التي تحرق الجلد الظاهر وتصل إلى الفؤاد في الداخل وفي ذلك تخويف وردع وزجر.
· خصوصية التعذيب لأهل النار كل بمقدار جرمه يصله في أنابيب خاصة به لا يخطئه ولا يغيب عنه وفي ذلك عدالة في الجزاء.

مفاهيم
قوله تعالى: {ويل لكل همزة لمزة} …(1)…
المجتمع المسلم مجتمع صالح يتعاون فيه أفراده ويجمعهم الحب المتبادل والاحترام والتكريم، ومثل هذا المجمع النظيف لا وجود فيه للهمازين ولا اللمازين ولا مثيري الفتن والشكوك والشائعات والتساؤلات المغرضة، وسبب الهمز واللمز هو العجز عند المتكبرين، فالمتكبر عند عجزه عن إظهار طغيانه يمتلئ بالحقد والحسد فيظهر ذلك بكلمة باللسان أو إشارة باليد أو غمزة بالعين أو صور كاريكاتورية يرسمها في جريدة أو قصة ينشرها في كتاب أو نكتة يشيعها يشوه بها سمعة داعية أو يحارب بها فضيلة أو يصد بها الناس عن دين الله.
والمصيبة الكبيرة إذا تحول المجتمع كله إلى همازين لمازين يقودهم الشيطان للاستهزاء بالحق وأهله وتحسين صورة الباطل وأهله، ويزداد الطين بلة إذا ما ملكوا وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة!.














سورة الفيل

أصحاب الفيل
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟ ألم يجعل كيدهم في تضليل؟ وأرسل عليهم صيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول.
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل: الخطاب للبني وغيره تبع له، وفعل الرب هو ما أنزله من العقاب، وأصحاب الفيل هم أبرهة وجنده من الحبشة جاءوا من اليمن.
ألم يجعل كيدهم في تضليل: الكيد الفعل المحكم وهو غزوهم للكعبة، والتضليل الضياع وعدم بلوغ الغاية.
وأرسل عليهم طيراً أبابيل: بيان لفعل الرب، والطير جمع طائر، وأبابيل أسراب من الطيور تأتي جماعة بعد جماعة.
ترميهم بحجارة من سجيل: تقذفهم بطين متحجر مسجلة أسماؤهم عليه.
فجعلهم كعصف مأكول: حولتهم الحجارة بعد الرجم كالتبن الهشيم الذي تأكله البهائم ثم تروثه.
أحكام
· كيفية فعل الرب تبارك وتعالى مبنية على الأسباب التي قدرها وسخرها، وفعله عز وجل بأصحاب الفيل كان بإرسال الطير عليهم.
· لم يصرح بأسماء اصحاب الفيل واكتفى بوصفهم ووظيفتهم وهو كاف في الإخبار عنهم والاعتبار بهم.
· وجوب مواجهة الظلم ومدافعة الظالمين بما يمنعهم ويردع غيرهم.
· هجرة المستضعفين وعدم مواجهتهم للمستكبرين من أسباب نزول عقاب الله لحماية المستضعفين ولو كانوا كافرين.
· الاعتبار بالتاريخ الإنساني في مقام الترهيب كما حصل لأصحاب الفيل.
· الطير الأبابيل رسل من الله ومثلهم الرسل من الملائكة والرسل الأنبياء من الإنس.
· الغلبة والنصر من الله، فطائر صغير ضعيف غلب الفيل وأصحاب الفيل.
· جواز التشبيه بالمستقبح للتنفير من الفعل المحظور.
· المكافأة بالمثل حيث قابل الكيد بالتضليل.

مفاهيم
قوله تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} …(1)…
أصحاب الفيل مثلوا القوة الكبرى في بلاد العرب وهم غزاة من الجنوب باليمن، والفيل من أقوى الحيوانات فاجتمعت قوة الإنسان مع قوة الحيوان في أقوى وسيلة عسكرية حربية آنذاك.
وقد قامت الجيوش الجرارة والفيلة الجبارة لتهدم الكعبة وتجبر الناس على التوجه إلى قبلة أخرى أقاموها في صنعاء، ولم يكن مجاوروا البيت بقادرين على حماية أنفسهم ولا الدفاع عن بيت ربهم فلا قبل لهم على دفع الفيل ولا مواجهة أصحابه لكثرتهم ومهارتهم، والقدر يحكم بانتصار الأقوياء من أهل الدربة والخبرة، ولكن قدرة الرب تواجه الفيل وأصحابه بطير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلتهم كعصف مأكول، والرب يحمي مستضعفيه ويهلك الطغاة المستكبرين، وهي سنة قائمة على تحقيق العدل، وكان اختيار حادثة الفيل لأنها بداية التحول في حياة العرب حيث طولبوا بالعبادة كما في السورة التالية وهي سورة قريش، وولد النبي صلى الله عليه وسلم الذي قاد الحركة وقام بعملية التغيير في بلاد العرب وفي العالم.















سورة قريش

إيلاف قريش
لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.
لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف: قريش اسم قبيلة من العرب نسبة إلى جدهم كنانة المعروف بقريش أو تصغير دابة القرش او نسبة إلى وظيفتهم لقرش المال أي جمعه من التجارة، والإيلاف هو الاعتياد على فعل الشئ، ورحلة الشتاء بالتجارة جنوبا إلى اليمن ورحلة الصيف شمالاً إلى الشام.
فليعبدوا رب هذا البيت: العبادة الطاعة والخضوع مع التذلل، ونسبة البيت للرب لتخصيصه بالحرمة والتعظيم، والبيت العتيق قبلة المسلمين في الأرض.
الذي أطعمهم من جوع: يسر لهم الطعام من كل الجهات وأشبعهم ودفع عنهم الجوع الذي كان عاما فيمن حولهم.
وآمنهم من خوف: يسر الأمن والسلامة في الحرم ودفع الخوف من الأعداء وجنبهم الحروب التي كانت مشتعلة من حولهم.
أحكام
· التصريح باسم قريش هو تشريف، والتخصيص بالأمان والطعام هو من نعمة الله عليهم وذلك يوجب الشكر بالعبادة.
· الإيلاف من نعم الله لأنه يؤدي إلى تيسير العمل وتخفيف مشاقه.
· الاستفادة من تغيير الطقس وتنوع الفصول من حيث الحرارة والبرودة وذلك في التجارة وغيرها كالزراعة والرعي.
· تحقيق الأمن الغذائي للعالم وقيام السلام بين الشعوب قياسا على مكة، والناس كلهم سواء والأرض بيت كبير ربه الله.
· تعظيم البيت ورعاية حرمته وحمايته والاهتمام بعمرانه وتيسير الحج إليه وعبادة الله فيه.

مفاهيم
قوله تعالى: {فليعبدوا رب هذا البيت} …(3)…
مكة بيت الله وحرمه تساق اليها الخيرات والبركات من كل حدب وصوب ولا تجد فيها جائعا والناس من جولها يجوعون ويئدون خوف الفاقة والعالة..
وقد حرم الله مكة يوم خلق السماوات والأرض وعاقب من أفسد فيها ورد عنها الطغاة البغاة وجعلها مقرا آمنا لا يخاف فيه الناس على أنفسهم ولا على أموالهم ولا يشغلهم البحث عن المعاش، وجعلها الله مركزا للأرض يجتمع فيها من يمثل الناس كل عام في اكبر مؤتمر بشري تظهر في قوة الإيمان ووحدة المؤمنين.
لقد بنى إبراهيم البيت مع ابنه إسماعيل لتوحيد الرب ولم يدم طويلا حتى امتلأ البيت بعشرات الأصنام… والبيت ينتظر الحجاج أن يعمروه بالبناء كما فعل سيدنا إبراهيم وإسماعيل ويعمروه بالطاعة وإخلاص العبادة ويحموه بسيوفهم كما فعل سيدهم العظيم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه رضوان الله عليهم وعلينا أجمعين.

سورة الماعون

التكذيب بالدين
أرأيت الذي يكذب بالدين؟ فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون.
أرأيت الذي يكذب بالدين: أرأيت أخبرني بما رأيت في شخص ينفي وقوع الحساب والجزاء في اليوم الآخر أولا يصدق بأحقية الإسلام ولا يصدق رسالته.
فذلك الذي يدع اليتيم: اليتيم من فقد أباه صغيرا ولا حماية له، ودع اليتيم دفعه بشده وزجره ونهره وأخذ ماله ومنع حقه…
ولا يحض على طعام المسكين: المسكين الفقير الذي سكن في مكانه لم يخرج للكسب والارتزاق، والحض هو الحث على تقديم الطعام لمن يحتاج اليه.
فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون: الويل التهديد بالهلاك في الدنيا بالحد وفي الآخرة بسقر {ما سلكم في سقر قالوا لم نك من المصلين…}، والسهو عن الصلاة هو: بالغفلة عنها وتركها.
الذين هم يراءون: أي يراءون الناس ولا يخلصون لله.
ويمنعون الماعون: يمنعون غيرهم فضلاً عن أنفسهم من تقديم المعونة أو تقديم آلة العون لغيرهم.
أحكام
· الترغيب في الدخول في الدين وتصديقه والتعجب من التكذيب به والتنفير من الخروج منه.
· وجوب رعاية اليتيم واجتناب دعه وإيذائه أو الاعتداء على حقه.
· إطعام الجائعين المحتاجين وحض الواجدين على ذلك وتجريم الممتنعين والمانعين.
· الاهتمام بالصلاة والإخلاص فيها والمواظبة عليها مع الخشوع، واجتناب الرياء فيها والسهو عنها، وتهديد تاركي الصلاة المرائين بالويل من الله في الدنيا بالحد وفي الآخرة بسقر.
· أبهم الموصوف وصرح بالوصف لبشاعة الصفة وهي التكذيب بالدين للتركيز عليها أو للأمل في صلاح الموصوف.
· التعجب والإنكار على التكذيب بالدين بلا دليل، ودع اليتيم دون حق وكذلك ترك الإطعام وترك الصلاة ومنع المعونة والمطلوب للتصديق والتكذيب والتعامل وجود البينة والدليل.
· الاحتجاج والحكم لا يقومان إلا بعد إستكمال القضية ولا يجوز الوقوف على قوله: فويل للمصلين دون إتمام بقية الصفات.
· المجتمع الإسلامي متكافل اجتماعيا كما يظهر في تكريم اليتيم وإطعام المسكين وتقديم المعونة للمحتاجين.

مفاهيم
قوله تعالى: {أرأيت الذي يكذب بالدين} …(1)…
هذه السورة تعرض صورة سوداء تنقلب فيها الفطرة وينتكس فيها الإنسان على خلاف المطلوب المتوقع منه، وتظهر صفات الكافرين بعيدة عن العقل والحكمة، فهم لا يصدقون بدين الله الذي شرعه لهم ولا يرحمون اليتيم الضعيف وقد أمرهم برعايته وحمايته، ولا يطعمون المساكين الجائعين وقد أمرهم بإطعامهم، وكذلك شأن المنافقين حتى الصلاة يراءون فيها الناس، ويمتنعون عن تقديم المعونة للمحتاجين بل يمنعون غيرهم من التعاون على الخير والبر والتقوى.


















سورة الكوثر

الرسول صلى الله عليه وسلم والكوثر
إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر.
إنا أعطيناك الكوثر: الكوثر هو الخير الكثير كما تقدم في الضحى والشرح وغيرهما، أو هو حوض ماء يسقي منه الرسول أمته بعد الحساب، والعطية الهدية العظيمة كما تفيد صيغة الجمع في قوله إنا أعطيناك.
فصل لربك وانحر: الصلاة الدعاء والفرائض المكتوبة، والنحر الذبح وكلاهما من العبادات الخاصة بالله لا تقدم لسواه.
إن شانئك هو الأبتر: الشانئ هو المبغض، والأبتر من البتر وهو القطع والحرمان من الخير والفضل وقد كان هذا يعير الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم وجود الولد الذكر.
أحكام
· تسويغ صيغة الجمع في العمل المشترك لغرض التعظيم كما في قوله إنا أعطيناك الكوثر.
· إمتياز الرسول صلى الله عليه وسلم بخيرات كثيرة منها حوض الكوثر في الآخرة.
· وجوب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ويتمثل بالدفاع عن ذاته الشريفة وعن سنته المطهرة، كما دافع الله عنه وبتر شانئه.
· تسلية الداعية والتسرية عنه والتخفيف من همومه وتفريج كربه قياسا على ما أعطاه الله لنبيه.
· أهمية الصلاة والذبح في الدين ووجوب الإخلاص فيهما.
· الحكم بنحر الحيوانات لحاجة الإنسان إليها في غذائه وكسائه وإيوائه والرد على النباتيين وأدعياء الرفق بالحيوان.
· المكافأة بين العمل والعطية، فالكوثر مقابل الصلاة والنحر.

مفاهيم
قوله تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر} …(‍1)…
هذه أقصر سورة في القرآن وأخصها بالرسول صلى الله عليه وسلم تعليما وتربية وترجية وتكليفا بأهم عبادتين لهما أثر كبير على نفسه وعلى علاقته بربه هما الصلاة كصلة يومية ومقابلة متواصلة بين العبد والرب، ثم نحر الحيوانات، والحيوانات شواهد على ربوبية الخالق ونعم عظيمة جليلة، ونحرها من العظائم فلا يكون إلا باسم الله ولله وعند الحاجة، وفي السورة بعد تكليف الداعية وخيره الكثير مقابلة للتهوين من شأن الخصوم وحرمانهم من الخير لئلا يحزن الداعية عليهم أو يخاف منهم.
ولقد تعهد الرب عبده المختار وأحسن تربيته وجعل أتباعه أكثر الأمم يباهي بهم الناس.
سورة الكافرون

المفاصلة الدينية
قل: يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين.
قل يا أيها الكافرون: خطاب للبني صلى الله عليه وسلم وأتباعه مأمورون –تبعا له- أن يخاطبوا الكافرين المخالفين لهم في الدين.
لا أعبد ما تعبدون: العبادة طاعة مع التذلل والخضوع والمراد نفي مشاركة الكافرين في معبوداتهم وهي الأصنام والأوثان والبيوت المعظمة، هذا إذا كانت "ما" موصولة. وإذا كانت مصدرية فالمراد نفي المشاركة في العبادة من دعاء غير الله.
ولا أنتم عابدون ما أعبد: نفي قيامهم بعبادة المعبود الحق وهو الله رب العالمين وحده لا شريك له، أو المراد نفي المشاركة في العبادة وهي التوحيد ونبذ الشرك والمقابلة لإظهار الفرق بين الطرفين.
ولا أنا عابد ما عبدتم: تكرار في المعنى للاهتمام والتحذير من خطورة الشرك.
ولا أنتم عابدون ما أعبد: تكرار في اللفظ والمعنى للتيئيس من حالهم في ثباتهم على شركهم وعنادهم وهذا خاص بمن ثبت على الكفر أو هو متعلق بالمشيئة، يعني ولا أنتم عابدون ما أعبد إلا أن يشاء الله هو فعال لما يريد.
لكم دينكم ولي دين: لكم كفركم ولي إسلامي، والدين هو الشريعة أو الطريقة في العبادة.
أحكام
· تقتضي كلمة "قل" أن النبي صلى الله عليه وسلم ناقل وأن الله هو القائل ولو كان القرآن من عند الرسول صلى الله عليه وسلم أو من تعبيره لما احتيج لكلمة "قل".
· إن الدين عند الله الإسلام وغيره كفر، والدين هو العبادة.
· التكرار في اللفظ وفي المعنى من وسائل الدعوة لتثبيت الحقائق والتركيز عليها والتنبيه إليها.
· المفاصلة الدينية وعدم التداخل والتشابه واجب عقدي لإظهار الخلاف بين الكفر والإسلام وبين المسلمين والكافرين.
· القرآن مثاني في المقابلات بين المتضادات، وبضدها تتميز الأشياء.
· الجهر بالحق وعدم كتمانه وعدم المداراة والمداهنة في البيان.
· المفاصلة في السورة لا تعني مقاطعة الرحم أو عدم التعامل كما لا تعني نسخ وتعطيل الجهاد والقتال أو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودعوة الناس إلى الدخول في دين الله.

مفاهيم
قوله تعالى: {قل يا أيها الكافرون} …(1)…
الكافرون مشركون يعبدون الأصنام والأوثان والطواغيت من الجنة والناس.. هم جاهلون وجاهليون يختلفون عن المؤمنين المسلمين، لا تشابه بينهم في الدنيا ولا تشابه في الآخرة فالخلاف في المسير والمصير.
ومفاصلة الكافرين وأشباههم من أوجب لوازم الدين بالبراءة منهم جميعا، ولهم نقول: يا أيها الكافرون لكم كفركم ولنا إسلامنا "ولأمثالهم" يا أيها المتكبرون الظالمون الفاسقون الكاذبون لكم كبركم وظلمكم وفسقكم وكذبكم ولنا التواضع والعدالة والصدق والطاعة.
ويدعي الكافرون أنهم عابدون لكنهم على عبادة باطلة بسبب الكفر، والعبادة المقبولة مشروطة بالإيمان الخالص وقد كررت السورة هذا المفهوم بالتركيز على الاهتمام بالعبادة الصحيحة والفصل بين أهل الدين وأعداء الدين.
















سورة النصر

نصر الله
إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توابا.
إذا جاء نصر الله والفتح: انتصر المسلمون بقدرة الله على الأعداء وفتحت مكة وغيرها من بلاء الكافرين.
ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا: الناس هم أهل مكة وغيرهم، ودخولهم في الدين جماعات حسب قبائلهم وطوائفهم وكانوا من قبل يدخلون في الدين أفرادا.
فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا: قل سبحان الله وبحمده استغفر الله وأتوب إليه، والتسبيح تنزيهه عما لا يليق به وذلك بتعظيمه، والحمد له شكره على نعمه والثناء عليه بما هو أهله، والاستغفار طلب محو الذنوب وستر العيوب، والتواب الكثير التوبة أي الرجوع عن العقاب إلى الثواب.
أحكام
· النصر والفتح كغيرهما من أفعال الله تعالى خاضعان لقدرته يجريهما سبحانه على يد من يشاء.
· مرحلة التأسيس تقتضي الاهتمام بالأفراد فإذا دخل الناس في الدين أفواجا تفرغ الداعية للشكر والتسبيح والاستغفار من التقصير والتجاوز.
· تسبيح الله لعظمته وعظمة آياته في الآفاق والأنفس.
· حمد الله وشكره على نعمه الظاهرة والباطنة والثناء عليه بما هو اهله.
· الاستغفار لمحو الذنوب وستر العيوب ومضاعفة